ذكريات

الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.

bentconstantine

:: عضو مُشارك ::
جلسا وحدهما على دكة في مقهىً قديم في جزيرة "الحلم والدهشة". قالت لي إنها أسمتها كذلك لأسباب عديدة، أهمها أنها كانت أول جزيرة حقيقية وطأتها قدماها وأن ذلك الصيف الاستثنائي كان أشبه بسديم أزرق جميل أفلتت لحظاته من سُبحة حياتها العادية الرتيبة.
قال لها بلهجة مستسلمة مشوبة بالحزن: "إذاً أنا الرقم اثنان؟ أو ربما ثلاثة إذا أخذنا الاستاذ ... في الحسبان؟" "أرجوك لا تذكر اسمه أمامي، تلك صفحة حبذا لو استطيع تمزيقها من حياتي".
نفث دخان سيجارته وقال هازئاً: "جيد، إذاً فأنا الرقم اثنان".
بمزيج من الارتباك والزهو الأنثوي المغلّف بشيءٍ من اللامبالاة أجابته:"لماذا تصوّر المسألة بهذا الشكل؟ الأمر خارج عن إرادتي. شاءت الظروف ذلك. إنها مسألة توقيت ليس إلاّ . أنا مرتبكة، وأنت تعرف ذلك جيداً."
لم تكن محتارة فعلاً، وكان بإمكانها أن تحسم المسألة وتعترف له بصراحة أن الآخر يستوطن عقلها وقلبها على نحوٍ لا تجد له تفسيراً منطقياً. إلا أنها تركته معلقاً؛ كان هيامه بها يرضي غرورها... أحبته؟ لا تعرف، لم يكن ممكناً أن تحب الاثنين في وقت واحد، لكنه حرّك فيها مشاعر جميلة.
ألم يكن هو أول من شاركها متعة تأمّل شروق الشمس من البحر لأول مرة في حياتها؟ وعدها بمشهدٍ لم ولن تشاهد له مثيلاً وهكذا كان.
استغربت يومها، هي الجاهلة في مسائل الجغرافيا والاتجاهات، قالت له إن الشمس في بلادها تشرق من وراء الجبل وتموت في البحر وأنها ظنت أن هذا ما يحدث في سائر أنحاء الكرة الأرضية، أما أن تشرق الشمس من البحر فمسألة فيها شك.
ألم يسهرا يومها طوال الليل وهما يسيران حافيي القدمين على الشاطئ وحولهما رقصت عند الفجر طيور النورس المستحمة بأشعة الشمس الوليدة؟
ألم يشبّهها مرةً بالقمر؟
ألم يمسح برقة دموعها التي انهمرت بغتةً على وجهها على نحوٍ أربكها وهي تودعه تلك الليلة قائلاً لها "لن أنساكِ أبداً، أنتِ أول حب حقيقي في حياتي"، ليلتها كان القمر بدراً والهواء ساكناً وبدا لها أن الكون كله ينصت لكلماته.
تخيّلت لحظتها أنها تعيش مشهداً مؤثراً من فيلم رومانسي، سخيف ربما، لكنه كان فيلمها هي، وكانت هي بطلته

كانت عيناها تلتمعان بألقٍ غريب حين تستعيد تلك الذكريات.
كان يحلو لي أن أسمعها تحكي وتحكي بلا كلل، مستغرقةً في تأمل ملامحها الحزينة تتبدل وتكتسي بغموضٍ مثير وعينيها تستحيلان غمامتين صيفيتين مشبعتين برذاذٍ بلّوري صاف.
كانت في كل مرة تُسقِط تفاصيل معينة وتتذكر أخرى، لكنها كانت دائماً تروي لي القصة بشغف المرة الأولى

حاول مراراً إقناعها، ليس فقط رغبةًُ في التخلص من منافسه، ولكن من باب الحرص على مصلحتها: "لكنه بعيد، والوقت الذي أمضيته معه ليس كافياً لتعرفيه جيداً وتربطي نفسك به، لا يمكنك أن تبني حياةً عبر الرسائل".
كيف تفهمه أن أجمل ما في علاقتها بالآخر رسائله، وذلك البعد الذي يبقي الأشواق مشتعلة، وتلك المسافة التي تمزج الوهم بالحقيقة في تواطؤٍ مثير تعززه من وقت لآخر ذبذبات الصوت الملهوف يأتيها عبر المكالمات الهاتفية القصيرة التي كانت تفاجئها كمطرٍ صيفي.. تقول لي بحسرة، يومها لم يكن هناك إنترنت ولا من يحزنون، وكانت الشبكة الهاتفية مهترئة بعد سنين الحرب الطويلة


قالت لي بشرود، غريبٌ أمر القدر

لم ترد يومها سوى شخصٍ واحد لعلاقةٍ عابرة تضع حداً بينها وبين وهم خادع جعلها تكره نفسها وحياتها، علاقة ترانزيت تشفي جراحها وتعبر بها إلى حياة جديدة تفتح فيها صفحة بيضاء.
أرسلت السماء لها ثلاثةً دفعةً واحدة.. والمزيد من الأحزان


ثلاثة؟ ألم يكونا اثنين؟
ألم أخبركِ عن الثالث؟ يا الله، تعرفين كم أنا مترددة بطبيعتي وأكره صيغة الخيارات.
كررت السؤال بإلحاح واستغراب، ثلاثة دفعة واحدة؟ الثالث أربكها قالت لي، كانت حظوظه معدومة (ولو أن صوته كان عذباً وهو يترنم بأغاني عبد الحليم)، لكن دموعه في تلك المصارحة المحرجة جعلتها تحس أنها ملكة تتحكم بمصائر البشر بكلمةٍ أو نظرة أو مجرد إيماءة. كان صديق الثاني، ولم تشأ تحت أي ظرف أن تكون ولو دون قصد منها سبباً في إفساد صداقتهما

هل هي لعنةُ أم ماذا؟ تخبرني أنها لم تكن المرة الأولى التي يقع عليها اختيار صديقين في وقتٍ واحد، وتبين لاحقاً أنها لن تكون الأخيرة! ولو أن الأمر كان يثير استغرابها ويرضي غرورها في بادئ الأمر كما اعترفت لي، لكنه تحول في المرة الثالثة إلى مأزق مزعج نغص عليها حياتها لفترة بتداعياته المحتومة. تسأل نفسها بصوتٍ عال، على شو دخلِك؟ شو حبوا فيّ؟
احترْتُ في أمرها، لو كانت غيرها هي التي تقول ذلك، لظننت ربما أنها مغرورة تتباهى بمعجبيها مدّعيةً التواضع، لكنها لم تكن من النوع الذي يحب التشبيح أو يستمتع بتعذيب الآخرين. حاولت أن أجد من جهتي مبرّراً لتلك الصدف التي كانت تهديها عشاقها اثنين اثنين فلم أجد

ودَّعَتْه بعد أن اتفقا على أن يظلا أصدقاء. كتبت له بعد سنوات من الانقطاع لتطمئن على أخباره، سألته في نهاية رسالتها مدعيةً اللامبالاة "تزوجت؟" جاءها رده دون إبطاء: "بعد، المقارنة صعبة. لقد رفعت من مستوى شروطي." نفشت صدرها بزهوٍ وأجابته: "إنك تبالغ"، هامسةً في قلبها، لو بتشوفني هلق. كان الواقع قد لطمها على وجهها بعنف ومزق أحلامها إرباً إرباً ثم مرمغها بالوحل. شكرته في قلبها على ذلك التصريح الذي داعب معنوياتها المحطمة. كتب لها لاحقاً: "سمعت أنه تزوج واستقر في أمريكا." "والله؟ جيد. وفقه الله" "لا تعرفين؟" سألها في رسالةٍ أخرى، "لا، انقطع الاتصال بيننا منذ فترة طويلة، وأنا شغلتني الحياة..." انزعجت قليلاً من سؤاله، هل هي نبرة شماتة تلك التي أحستها بين السطور؟ هل يشعر بالشفقة عليها؟ لم يعد يهم، فجراحها القديمة اندملت وحلت مكانها جراح طازجة أكثر إيلاماً أنستها تلك الأيام البعيدة. حتى الصور لم تعد تحرك فيّ شيئاً، تقول لي. تكفيها رؤية صورتها في المرآة ليذكرها الشعر الأبيض المتكاثر بسرعة وتلك التجاعيد على رقبتها وحول عينيها وشفتيها أن جزيرتها أبعد مما تتخيل وأكثر استحالةً من إمكانية استعادةِ لحظةٍ واحدة من عمرٍ ينسلّ بلا عودة

بدت لي في آخر مرة سمعتها فيها تروي ذكرياتها أقل شغفاً وأشدّ مرارة وواقعية وأكثر استسلاماً لأقدارها التي كانت قد صالحتها مؤخراً، فعاهدت نفسي أن لا أطلب منها ثانيةً أن تحكي لي عن تلك الأيام. ولو أنني في أعماق قلبي ظللت أحسدها
على الأقل كان لها هناك، في مكانٍ ما، جزيرة، وعاشقٌ همس لها في أذنها يوماً أنها جميلةٌ كقمر
 
شكرااااااااااا لك و القصة جملة و فيها عبرة لمن يعتبر
ولكن ليس مكانها هنا نرجو نقلها إلى قسم القصة و الرواية
 
الحالة
مغلق ولا يسمح بالمزيد من الردود.
العودة
Top Bottom