رواية رااااائعة : رواية نصر الله والفتح لعبد الودود يوسف

M!ss D!or

:: عضو متألق ::
إنضم
14 أكتوبر 2009
المشاركات
3,661
النقاط
171
(سُمَاحة) طفلة عمرها خمس سنين، هل تعرفون قصتها..؟.. تعالوا فاسمعوها.

شاغل الناس

لم تعرف (سُمَاحة) ماذا يشغل أهلها من قبيلة كِنْدَة؟!..

رأت أمها عابسة الوجه، وأباها لا يظهر لها أيَّ مرح. شَقِيَتْ ذلك اليوم.. لماذا كل هذا الحزن في بيتهم الذي لم تحزن فيه قط؟. رأت من بعيد فرساناً قادمين، تابعتهم بعينيها حتى وصلوا إلى خيام أهلها.

رأت النيران تشتعل، والخرفان تشوى والماء يرش حول الخيام ليبرد جو الصحراء. قالت في نفسها:

"سأنام الآن ثم أفيق حتى أستطيع السهر مع أبي وضيوفه".

اندست في خيمة أمها. وذهبت في نومٍ عميقٍ.

ماذا رأت سُمَاحة؟!..

آلمها رأسها جداً، لم تعرف سبب الألم، خرجت من الخيمة تبحث عن أمها، كان الوقت ليلاً، لم تجد أمها ولا أباها، التفتت فلم تجد خيام القبيلة كلها.. سمعت من بعيد صهيلاً، ووقْع حوافر. نظرتْ فرأت فرساناً يغطون وجوههم، لا تظهر إلا عيونهم، رمت بنفسها في حفرةٍ قريبةٍ،

رأت الفرسان ينزلون عن خيولهم ويقتربون منها، أحاطوا بحفرتها، صاح أحدهم:

- سماحة.. إنا نراك.. قومي معنا..

فوجئت بهم، لكنها لم تتحرك من حفرتها.

قفز إليها أحدهم، وحملها على كتفه.. ركبوا خيولهم وأخذوها.. ذهبوا بها بعيداً بعيداً وأخيراً وصلوا إلى واحةٍ فيها شجرات نخيلٍ..

أنزلها الرجل عن حصانه، وأتى بحبلٍ، ثم ربطها على نخلة عالية، سمعتهم يقولون:

- لقد جعنا متى سنأكل سماحة؟!..

لم تفزع منهم، لكنها رأتهم يجمعون حولها حطباً، وأخيراً أشعلوا الحطب، فاشتعل وأصبح ناراً.. أخذت تقترب منها حرارتها..

كانوا يضحكون ويقولون:

- لا تخافي سنشويك بالنار وبعدها سنأكلك..

لم تعرف لماذا لم تشعر بالخوف منهم.. وصلت النار إلى ذيلها، وأحرقت طرف ثيابها.. نظرت إلى السماء وقالت:

- يا رب أنقذني.

رأت من بعيدٍ فارساً يقترب عجبت له..

لما رآه الفرسان هربوا..

اقترب منها، وقطع بسيفه حبالها، ثم رفعها حتى وضعها على فرسه. سألته:

- من أنت يا عم؟!!..

أجابها: وهل تحبين أن تعرفي من أنا يا طفلتي سماحة..؟!.. سأوصلك إلى أهلك ثم أخبرك باسمي.

عجبتْ له، وفرحتْ به.. وامتلأ قلبها بالحب له.. ما أكرمه.. ما أنبله..

من بعيدٍ سمعت ضجةً هائلةً، ثم رأت مئات الغزلان تقترب منها، توقفت الغزلان حول الفارس، ابتسم لها نزل وأخذ يمسح على ظهورها وأكتافها كأنه أبوها.. جلس فجلستْ حوله حصد لها بعض العشب وأعطاها.. فصارت تأكل من يديه كأنها تعرفه من ألف عامٍ.. رأت سماحة وجهه في ضوء القمر يلمع أكثر من القمر. ما أروعه، ما أكرمه، ما أجمله، امتلأت نفسها بالحب له..

ضجت الغزلان واضطربت، ثم أسرعت بعيداً بعيداً.. لم تفهم سماحة لماذا هربت..!!.. وقف الفارس كأنه يريد أن يستمع إلى بعيدٍ.. سمع صراخاً يأتي من بعيدٍ.. ثم رأت مئات الناس يبكون.. ركب الفارس فرسه، وأخرج سيفه وهجم. كان يضم الطفلة سماحة إلى صدره بيدٍ، ويضرب الفرسان بيدٍ، هرب الفرسان منه كأنه يسحرهم..

رآه الناس الذين كانوا يبكون.. ففرحوا به.. رآهم مربوطين بالحبال.. صرخت سماحة:

- أبي.. أمي.. أنتما هنا..؟!!..

كانا مع أهل قبيلتهم كلها مأسورين.. فك الفارس حبالهم، وضمت سماحة أمها،.. وضمها أبوها إلى صدره..

نظرت إلى الفارس لتشكره.. رأته يسرع بعيداً.. نادته:

- يا عم يا عم.. لم تقل لي من أنت.. أنت كريم.. أنت شهم.. أخبرني من أنت؟!!

دوّى في الدنيا صوت كالرعد.. كأن الجبال والسهول والأشجار نطقت به:

- إنه محمد.. إنه النبي محمد.. منقذ الناس.. وحامي الناس.. يجاهد من أجل خير الناس.. محمد.. محمد.. محمد..

رددت سماحة مستغربةً: محمد..!! محمد!! محمد...!!

أحست بيدٍ باردةٍ تمسح وجهها.. فتحت عينيها.. كانت في منامٍ.

رأت أمها تقف أمامها.. قالت لها:

- مالك يا سماحة؟!..

هتفت سماحة: محمد.. محمد.. محمد.. منقذ الناس محمد..

لم تعرف لماذا أسرع الضيوف كلهم إليها.. وكان معهم أبوها.. أحاطوا بها وهمسوا:

- تقولين محمد..!!.. ومن هو محمد؟.

أجابتهم: إنه النبي محمد..

اصفرّت وجوههم.. واحمرت عيونهم.. فلما أخبرتهم سماحة بما رأت في المنام أطرقوا رؤوسهم كأنهم قد أصابهم خطرٌ عظيم.

ماذا يريد محمد؟!..

نام الناس وجلستْ سُماحَة مع أمها.. سألتها:

- هل تعرفين يا أماه النبي محمداً؟!..

أجابتها: نعم يا سماحة.. أعرفه.. لكن لا ترفعي صوتك.. إنما جاء الضيوف إلينا ليذهبوا ليحاربوا النبي محمداً.. إنه كان في مكة، ثم خرج منها إلى المدينة، إنه يدعو إلى الإسلام.. لقد أنزل الله عليه القرآن..

همست سماحة: وماذا في القرآن يا أماه؟!!..

أجابتها: فيه الخير يا سماحة.. لكن الناس لا يفهمون.. إنه يأمر بأمورٍ كثيرةٍ..

هتفت سماحة: وبماذا يأمر يا أماه؟!..

قالت أمها: يأمر مثلاً أن يسبِّح الناس ربهم ويستغفروه من ذنوبهم..

عجبتْ سماحة وهمست: لا أفهم يا أماه ما تقولين.

قاطعتها أمها: أما التسبيح يا سماحة فهو أن يقول الإنسان: سبحان الله.. سبحان الله..

همست سماحة: وماذا يعني هذا يا أماه..؟!!..

أجابتها: إنه يعني يا سماحة أن المرء يقول: الله عظيم.. الله عالم.. لن أطيع إلا ما يأمرني به الله.. لن أطيع أحداً سواه..

همست سماحة: وهل هناك أجمل من هذا يا أماه؟!

تابعت أمها: ومعنى أستغفر الله يا سماحة أن يطلب الإنسان من الله أن يغسل له ذنوبه.

همست سماحة: وما هي الذنوب يا أماه؟..

همست أمها: إن ضرب الإنسان أخاه فقد أذنب.. وإن آذى جاره.. فقد فعل ذنباً..

قاطعتها سماحة: هل الذنب هو الظلم يا أماه..؟..

أجابتها فرحةً: نعم.. نعم.. إنْ ظَلَمَ الإنسان نفسه كان مذنباً.. وإن ظلم الناس كان مذنباً..

همست سماحة: سبحان الله.. أستغفر الله..

شدتها أمها وقالت لها: إياك أن تقولي ذلك أمام أبيك يا سماحة.. إنه كافر بدين محمدٍ..

بكت سماحة.. لم تعرف لماذا يكفر أبوها بدين محمدٍ!!!

جاء نصر الله والفتح

بكت سماحة كثيراً ذلك الصباح.. سمعت أباها يخطب في الفرسان يقول لهم:

- بهذه السيوف سنقطع رأس النبي محمدٍ.. سنذهب إلى مكة لنحارب مع قريشٍ.. محمد يريد أن يغلب إخواننا من أهل مكة.. كلنا أعداء محمد.. ماذا تقولون؟!!

هتفوا جميعاً: كلنا أعداء محمدٍ.. كلنا أعداء محمدٍ..

ركضت الخيول بعيداً بعيداً.. وغاب الفرسان وراء الأفق.. صرخت سماحة:

- لماذا يريدون قتل النبي محمد؟!!.. إنني أحب النبي محمداً..

ضربتها أمها على فمها وصاحت بها: اسكتي يا سماحة.. أخاف أن يقتلك أبوك..

لم تذق سماحة أي طعامٍ.. لم تعرف سماحة أن تنام.. يوماً.. ويومين ثم ثلاثة أيامٍ. عاد أبوها وهمس الناس:

- لقد فتح محمد مكة.. غلب أهلها، وانتصر عليهم وأصبح أهلها من المسلمين.

فرحت سماحة جداً جداً.. سمعت أمها تقول:

- الحمد لله.. لقد جاء نصر الله والفتح..

أكلت سماحة من الطعام كثيراً.. ونامت كثيراً كثيراً.. كثيراً.. لعلها ترى في المنام محمداً.. أفاقت صباحاً.. دخلت خيمة أمها.. رأت أباها.. اقتربت منه، أخذها بين يديه.. بقيت عابسةً، قال لها:

- هل أنت مريضة يا سماحة؟!

أجابته: لماذا تكره يا أبي النبي محمداً؟!..

لم يفتح أبوها فمه ولم يكلمها بكلمة.. همست له:

- رأيته في المنام يا أبي.. ينقذني من النار، ويخلصني من المجرمين، ويخلصكم كلكم من أسر الظالمين، ويردني إليكم سالمة. يحبه كل شيءٍ.. حتى الغزلان تفرح به.. إنني أحب النبي محمداً..

الناس يدخلون في دين الله أفواجاً

نادت أمُّها:

- سماحة.. هيا إلى الهودج.

كانت فرحتها لا توصف.. دخلت الهودج وقام الجمل ليبدأ المسير.. وبدأ الفرسان سيرهم الطويل إلى مدينة الرسول.

أهل كندة كلهم يريدون أن يدخلوا في دين محمدٍ..

من بعيدٍ رأت سماحة قافلة أخرى. سألتْ أمَّها: مَن أولئك يا أمي..؟!..

سمعت منادياً ينادي:

- سنسير مع القافلة العابرة.. إنهم إخواننا من بني دوسٍ.. يريدون الدخول في الإسلام..

وبعد أيامٍ كانوا على أبواب المدينة..

كان الناس يدخلون بالمئات إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.. أفواجاً.. أفواجاً.. كل فوجٍ من قبيلة.. بركت الجمال، وتهيأ الرجال للذهاب إلى مسجد الرسول: تعلقت بأبيها.. قالت له:

- خذني معك.. أحبُّ أن أرى النبي محمداً.. رأيته في منامي.. وأريد أن أراه أمامي..

ضمها إلى صدره وأخذ بيدها..

ودخل معها ومع قبيلته إلى: مسجد الرسول العظيم

فرحتْ كثيراً لما رأته.. هو نفسه الذي منذ سنةٍ رأته.. ما أروعه.. ما أكمله.. ما أحلمه.. تكلم الناس معه. وتكلم أبوها معه.. ثم عادوا إلى خيامهم فرحين.. كم تمنت أن تسكن في المدينة مع النبي الكريم لتراه كل يومٍ.. ولتسمع منه الخير والدين..

أذن المؤذن للصلاة. ذهبتْ مع أهلها إلى مسجد الرسول.. قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم:

"إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا".

رأت أمها تبكي في الصلاة.. فلما انتهت الصلاة سألتها:

- لماذا بكيتِ يا أماه..؟..

أجابتها: أما سمعت يا سماحة ماذا قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة؟!.. لقد أمر الله محمداً أن يسبحه ويستغفره.. أخشى يا سماحة أن يكون قد انتهى عمله وجهاده وسيفارق الحياة..

بكت سماحة أيضاً.. لم تتصور أن يذهب محمد من بين الناس.. ويموت.. دعت الله: يا ربّ احفظ لنا نبينا محمداً..

وعادت سماحة مع أهلها إلى بلادهم.. لم تدرك حين كانت تغادر مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أنها سترجع إليها سريعاً، حيث ستبكي الدنيا كلها على موت النبي صلى الله عليه وسلم.
 
Top