التفاعل
306
الجوائز
73
- تاريخ التسجيل
- 2 أفريل 2010
- المشاركات
- 788
- آخر نشاط
- الأوسمة
- 6
عولمة الافــــــــــــــــــــكار
الاهتمامُ بتأمينِ الحدودِ والثغورِ ومراقبتها، من بين مهامِ الجندِ التي تتطلبُ عنايةً كبيرةً واهتماماً أكبر
من طرف الدولة والقائمين على شُؤونها، وهي بلا شكٍ من مُتطلبَاتِ الأمِن القومي والوطني ،
ولا أحد يشككُ في قُدراتِ الجهةِ الوَصيَّةِ على ذلك ، بل ربما مناقشةُ هذا الأمر ينبغي أن يكون
من طرفِ المختصين وذوي الخبرةِ والشَّان ..
ولكن الذي يعنينا في موضوعنا هذا ، هو حدودُ العقلِ المفتوحِ على جميع الجبهاتِ والأفكار ، عقلٌ قابلٌ للتلقي والتشكيلِ ، بلا رقابةٍ ولا تَقييدٍ ولا حتى أدنى إلتفاتةِ من طرف جماركِ الفكرِ والثقافةِ في البلاد .
وهذا الذي يحلو لي فيما بيني وبيني أن أسميه بعولمة الأفكار ، تلك الافكارُ التي أصبحت بمقتضى هذه التقنية الحديثة تتنقل بلا تذكرةٍ ولا جوازِ سفرٍ...، تبيتُ في عقلٍ وتقضي ليلها بين أحضانهِ ، ثم لا تَلبَثُ غير يسيرٍ حتى تأوي الى زاويةٍ في عقلٍ آخرَ تُعَربدُ على طريقتها النُّوَاسيَةِ بلا تحفظاتٍ ولا حُدُود ..!
قدْ يستطيعُ الجمركيُّ والجندي المرابطُ على الحدودِ والثغورِ أن يُراقبَ الحقائبَ والجُيوبَ ، فيمنع دخولَ سلاحٍ
أو كيسَ مخدراتٍ ، ويُحَوِّلُ صاحبَهُ الى القضاء ليَنظُرَ في أمره بالذي يقتضيه القانونُ ، ولكنَّهُ عاجزٌ على أن يُراقبَ العقولَ ويَتَحَفَّظَ على الأفكارِ ، فحدودُ العقلِ المفتوحِ واسعةٌ رحبةٌ رحابةَ هذ الفضاءِ من حولنا ، والتَّحَكُّمُ فيها مشكلةٌ كبيرةٌ ، وخطرها أكبر من خطر طلقةٍ في ليلةٍ غدافيةِ الايهابِ سوداء الجلبابِ .. !
إنَّه لَيَحزُنني أنْ أقرأ ما يُكتبُ حول العولمة الأمنية والاقتصادية والسياسية ، وحول الهيمنة الأمريكية في المنطقة العربية ، ثم لا تجدُ من يَبسُطُ القولَ حولَ عولمة الأفكار وكيف ينبغي ترشيدها أو التحكم فيها ،
أنا لا أفهمُ الصراعَ على الارض كما يُصورُه مفكر البنتغون الأول صموئيل هنتنغتن على أنه صراعٌ بين حضارتين وبين تحالفين ..، إسلامي كونفوشيوسي من جهة وغربي مسيحي من جهة أخرى - وإنْ بدا لأول وهلةٍ أنَّ في ذلك شيئا كبيرا من الصواب - ، أو أنَّه صراعٌ من أجل منابعِ النفط بين القوى العظمى في الارض ، أو صراعُ البقاء من أجل رغيفِ الخبز والماء ..، ولكنني أفهمُه على طريقتي الخاصة، على أنَّه صراعُ الأفكارِ في ميدانِ العقلِ البشري ..، صراعٌ يكون فيه البقاء لمن يستطيع أن يستحوذَ على العقولِ ويملك زمَامَها فلا تَسُودُ فكرةٌ الا بزَوَالِ الأخرَى ..، - والرجلُ صراحةً عندما قَرَّرَ الذي قَرَّرهُ كان ينطلقُ من هذا المفهوم ، وهو بلا شكٍ يقصدُهُ ويَرمي إليه ، ويُعِدُّ له تَوطِئَةً تَتَقبَلُها العقولُ والأفهَامُ أولاً - ، ثم تكونُ واقعاً ملموساً في صدام الحضاراتِ الذي كان مَثَارَ جدلٍ كبيرٍ في أوساط المثقفين منذ بداية الالفية الثالثة والى يومنا هذا ..
لقد أثبَتتِ التجاربُ أن قوةَ الكلمةِ وقوةَ الفكرةِ هي التي تسودُ على الارض عندما تَتَحكَّمُ في العقول ويصبحُ لديها شيئاً من القبولِ التلقائي أولا ،ثم لا تَلبَثُ حتى تُصبحَ حقيقةً ومُسلَّمةً من المُسَلَّماتِ ، من الصَّعبَ تَرشيدُها وتَوجيهُها ...!
إنَّ الذين ناقشوا مثلاً ظاهرةَ الربيع العربي وأسبابه ربما تطرقوا الى جميع الاسباب التي أدَّتْ الى انفجارِ الشارعِ فقيل أنها ثورةٌ من أجل رغيفِ خبزٍ يابسٍ ، وقيل أنها ثورةٌ من أجل رفع الضيمِ والظلمِ عن الشعوب وقيل أنها ثورةٌ من أجل الديمقراطية ، .. وقيل.. وقيل ...، وقيل ...،
لكنهم تَغَافلوا – ربما من هولِ الحدثِ - أو لم يَتَنبَّهوا إلى أنَّ عولمةَ الافكار كان لها دورٌ بارزٌ في انتشار الظاهرة ، كالنار في الهشيم ِمن المحيط والى الخليج ، كما أنهم لم يَتَنبَّهوا إلى أنَّ أوروبا وأمريكا كانتا بمعزلِ عن تلكِ الظاهرةِ .
فهل يُعقلُ أنَّه لا يُوجدُ ظلمٌ ولا فقرٌ ولا ضيمٌ في القارتين ..؟
إنَّ الانسانَ في العالم المُتَحضرِ كما يُسّمِّيهِ بعضُ الحَدَاثيينَ والتَغريبيينَ يَعيشُ عيشَ البَهَائمِ ، ولا يُسَاوي عَقبَ سيجارةٍ هناك ، وحُقُوقُ الكلابِ محفوظةٌ أكثر من حقوقِ الآدَميين ، فلماذا كانت أوروبا بمعزلٍ عن بركانِ الربيعِ العربي ، بل حتى ذلك الكيانُ الغريبُ - اسرائيل - التي يتوسطُ كبدَ العالم العربي ظلَّ بمَأْمَنٍ من الانفجار ...؟
إنَّ الانسانَ في العالم المُتَحضرِ كما يُسّمِّيهِ بعضُ الحَدَاثيينَ والتَغريبيينَ يَعيشُ عيشَ البَهَائمِ ، ولا يُسَاوي عَقبَ سيجارةٍ هناك ، وحُقُوقُ الكلابِ محفوظةٌ أكثر من حقوقِ الآدَميين ، فلماذا كانت أوروبا بمعزلٍ عن بركانِ الربيعِ العربي ، بل حتى ذلك الكيانُ الغريبُ - اسرائيل - التي يتوسطُ كبدَ العالم العربي ظلَّ بمَأْمَنٍ من الانفجار ...؟
انَّ السّرّ في اعتقادي ليس كما يذهبُ اليه بعض المحللين للظاهرة ، من تلك الطُرُحَاتِ التي تُرجعُ الأمرَ الى الأزمَاتِ الاقتصادية أو الاجتماعية ، ولكن السر يكمنُ في تلك الافكار التي تم تَسريبُها في صمتٍ بطريقةٍ ما ، وبشكلٍ مدروسٍ الى عقولِ الجيلِ الحاضرِ ، فوجدت لها مكانا من القبول في العقول في غفلةِ عينٍ من جمارك الافكار ،
قد يعتقدُ البعض أنَّ مثل هذا الكلام هو دعوةٌ صريحةٌ الى التضييقِ على حريةِ الفكرِ والاعلامِ
ومحاصرةِ العقولِ وقَصفهَا ، ولكنني استطيع بثقةٍ كبيرة وجُرأةٍ أكبر أنْ أقول أنَّ الامر على العكس من ذلك تماما إنَّ هذا الكلام هو دعوةٌ موجهةٌ الى ذوي الشأن في البلاد الى عدم ترك السّاحة الفكرية بلا رقيب ، ولا يعني ذلك أبدا مصادرة الحريات العامة ، بل يجب تشكيل جبهة جمركية فكرية لتوضيح الافكار وفرزها وتِبيَانِ صحيحها من سقيمها ، بنفس الطريقة ونفس الشكل الذي يتعامل معه المحدثون في تصفية التراث الاسلامي ،إنَّكَ لَتَقرأُ
في كتب الآثار والتاريخ مثلا ، من الاخبارِ والاحاديثِ الشيءَ الكثيرَ ، وفيها الصحيحُ والضعيف والحسن والموضوع ، ومع ذلك استطاع علماءُ الحديث ان يُصَّفُّوا ذلك كله بدون حظرٍ ولا منعٍ ولا تضييق
وكنتُ أتَسَاءلُ في وقتٍ مضى ، وأقولُ في نفسي مادام الامرُ كذلك فلماذا لا يتم حذف كل الاحاديثِ الضعيفة والموضوعة من كتب الاثارِ والحديث فلا يبقى مع الايام الا صحيحها ..؟ ولكنني أدركت فيما بعد كم كنتُ سَاذجاً يوم أن فركتُ في ذلك ، إنَّ الامرَ لا يَسلَمُ أنْ يأتيَ يومٌ على الناس فَيَطلُعَ علينا غيرُ واحدٍ - قد يجدُ من يُصَدّقهُ - فَيدّعي أنَّ ذلك تَمَّ بأمرٍ من سلطةٍ أعلى للتمويهِ وإلغَاءِ الطرف الآخر فَيُبررَ الحذفَ بمصالحَ سياسيةٍ
أو طائفيةِ ..، ثُمَّ لا نَحيرُ لهُ بعدَ ذلكَ جَواباً ..!
ما زلتُ اعتقدُ جازماً أنَّ الحفاظَ على وحدةِ الوطن ووحدة الامةِ لا يكونُ فقط بالحفاظ المَادّي على حدودِ التّرابِ والطّينِ ، بل بالحفاظ على حُدُودَ العقلِ وثقافةِ الأمَّةِ وأفكارها وتَصفيَتها مما عَلقَ بها من الشّوائبِ
التي لا تُمِتُّ بصلةٍ إلى مَفَاهيمنا كأمَّةٍ عربيةٍ مسلمَةٍ
إنَّ الذين يعتقدون أنَّ الحضارةَ تقفُ عندَ حدودِ العمرانِ والرقي المادي الذي تَراهُ العينُ فَيخطَفُ الأبصَارَ،
ولا تَتَجاوزهُ الى حدُودِ العقلِ والرُّوحِ ، أولئك وَاهمُون لم يَستَوعبوا الدرس بعدُ ولم يَفقَهُوا مفهوم الحضارة جيداً في زمنِ عَولَمَةِ الأفكارِ ...
والله المستعان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سراي علي .. 02/05/2012