• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

في الحزن والموت :

د.سيد آدم

:: عضو مُتميز ::
الحُزْنُ هو " ألمٌ نفسانيٌّ يَعرِضُ لفقد المحبوبات أو فوْت المطلوبات " ! وهذه من الأمور التي لا يَسلم منها أحدٌ في هذه الحياة الدنيا ، فالثبات / الدوام غير موجودَين في عالمنا الأرضي هذا المحكوم ؛ حتماً مقضياً ، بقانون " التغيّر " الذي عبّر عنه الفلاسفة بـ الكون والفساد ، وعبّرت عنه أمثالنا الدارجة بـ " دوام الحال من المُحال " !!! .
ومنشأ الحُزن اعتمادُ الإنسان ، وهو يطلب السعادة ، على " اقتناء أنواع القُنية الحسية التي لا ثباتَ لها ، ولا يمكن تحصينها من عوداي التغيّر ، ولا يؤمن زوالها " ، ذلك لأن مثل هذه المقتنيات الحسية مما هو " مقبل مدبر مشترك بين الناس ، مبذول لكل متغلب يريده " ! فالأحرى بالإنسان ذي العقل الراجح أن " يوجّه إرادته ، ومطالبَه ، إلى اقتناء الممتلكات العقلية الباقية التي هي ملك حقيقي لصاحبها " ، وهو حال يفعل ذلك فقد صار يسعى لامتلاك " ما لا يستطيع أن يغلبه عليه غالب ، أو يغصبه إياه غاصب " .
ونحن بإمكاننا أن نُشبّه ، هنا ، الفاعلَ هكذا فعل بالمَلك الجليل الذي " لا يلقى مقبلاً ، ولا يشيّع ظاعناً " .
لا شك أن الإنسان إنسانٌ بنفسه لا بجسده ، وبما أن النفس هي " الباقية " ، والجسد هو " الدائر " ، ما يعني أن أمر سياسة الجسم هو بيد النفس ، فيصبح الجسد مسوساً والنفس هي السائس ، ويكون دوره أنه الآلة للفعل ، ما يلزم أن يتعهد الإنسان العاقل نفسَه ، ويقبل أن يحتمل من الألم أكثر / اشد مما يحتمل حال يريد إصلاح بدنه ... والفطن يستطيع ذلك بـ :
- أخذ النفس بقوة العزم ؛ فإن النفس إذا أُخِذتْ هكذا أخذ اعتادت على الخير ، ولزمتْ في كل أمورها الأكبرَ ... وشيئاً فشيئاً تضبطها الإرادةُ ، وتُمْسكُها عن الانفعالات التي تجلب الحزن .
- التعرف إلى نتيجة الأفعال فلا يقع تناقض بين نتائج هذه الأفعال وبين مراد المرء تجنب ما يجلب الحزن .
وهناك غير وسيلة تساعد المرء أن يتجاوز الحزن ... منها :
- أن يتذكر الواحد منا كَمْ سلا هو ، وكم سلا غيره من بني الإنسان عن هكذا أحزان .
- أن يتأسى بغيره ممن " مر " على أحزانه حال فاته مرادٌ كان يريده .
- أن يقرر عدم الاستسلام للحزن فيدفعه عن نفسه ، وإلا كان هو الطالبَ له .
- أن يعي أن قانون الحياة هو " الكون والفساد " ، ويصبح حال يرفض هكذا أمر فكأنما يرفض الحياة نفسها .
- أن يرى أن الأشياء في الحياة مشتركة بينه وبين غيره ، فلا يصح أن يستأثر بها لنفسه ، ولا أن يحسد غيره عليها .
... : " إن مقتنيات الحياة عاريةٌ من مبدعها جلّ ثناؤه ، يستردها متى شاء وعلى يد من شاء " ما يعني أن يكون الحزن على فوات الأشياء خروجاً عن أقل الشكر لله تعالى .
يصح رؤية أن الحزن " شيء طبيعي يلازم الحياة ، حتى لا معنى للتفكير فيه ، أو أنه خُلق منحط فاسد ، أو عمل صبياني سخيف " .
والمراد هنا تنبيه الإنسان لروحه على أنها جوهر شريف حصين باقٍ رغم زوال كل أعراض الوجود الإنساني ، ما يعني ضرورة تربية المرء نفسه الاستغناء عن الأشياء القابلة / الخاضعة لقانون التغير ... سئل أحدهم : ما بالك لاتحزن ؟ . فقال : لأني لا أقتني ما إذا فقدتُه حزنتُ عليه " .
على الإنسان ، ليكون جديراً بفضيلة العقل المميز له ( الذي هو فصله ) عن الحيوان ، أن يستعمل عقله " في تدبير نفسه وسياستها ، لا في تكثير ما يحتاج إليه من أنواع القنية أو المتاع الذي يكثر له أسباب القلق والألم ويفسد عليه ، بمتاعب الطلب وآلام الفقد ، راحةَ هذه الحياة الزائلة ، إلى جانب فقدانه الحياة الخالدة " .
بنو آدم ، وهم يمرون من هذا العالم الفاني إلى العالم الحق ، أشبه برُكّاب سفينة متجهين إلى غاية يقصدونها ، وحدث أنْ رستْ السفينة ، وقتاً ، على شاطئ ، فمنهم من خرج لقضاء حاجةٍ معينة ليس أكثر ، ثم عاد مسرعاً وأخذ من السفينة مكاناً فسيحاً . ومنهم من استهوته رياض الشاطئ وما فيها من جمال وفُتنة ، فبقي وقتاً يمتّع نفسه غير ناسٍ غايته التي لأجلها ركب السفينة ، فعاد ليأخذ مكانه فيها . ومنهم من ألهتهم فُتن الشاطئ فراحوا يجمعون منها الكثير ليأخذوه معهم إلى السفينة ، فعادوا وقد خارت قواهم ، ولم يقدروا أن يحصلوا إلا على المكان الضيق في السفينة ، زاده ضيقاً ما حملوه معهم وراحوا يهتمون به ويرعونه أشد رعاية ما بين حرص عليه ألا يضيع ، وقلقٍ عليه إذا ضاع ، فلما اشتد همهم لأجله ألقوْا به بعرض البحر . ومنهم من توغلوا في أحراش الشاطئ يجمعون ما يلاقونه ، فأنهكوا أنفسهم ما بين روعة ونكبة ، أو افتراس سبع أو تلطيخ وحل ، فلما حان وقت رحيل السفينة نادى عليهم صاحبها ، وكانوا غارقين في متاعهم ، فلم يسمعوا صوته ، فتُركوا " في المهالك ، والتهمتهم لهوات المعاطب " .
إن الإنسان العاقل هو من إذا أراد أن يأسى فليأسَ على عدم بلوغه مكاناً حسناً في الحق الدائم البريء من الآفات الذي ليس فيه إلا الخيرات الحقيقية الثابتة ، والذي فيه يتهيأ للإنسان أن يعيش فوق الأحزان والآلام ، وليأسَ ، أيضاً ، على أنه لم يقدر أن يقتلع أسباب الحزن على الماديات الفانية وذلك بتحرير نفسه منها .
ليس الموتُ ، ونحن سنواجهه يوماً ، شراً !!! ، فهو " كمال الطبيعة البشرية " وهو " عنصر جوهري في الإنسان الواقع " ؛ لأن هذا الإنسان " حي مائت " ( = حي بالفعل ميّتٌ بالقوة ) !!! .
إن الخوف من الموت ، وهو مغادرة هذه الحياة الدنيا ، إنما هو لأن صاحب هذا الخوف شديد التعلق بما فيها من ماديات حسية ... هي ، في الوقع ، مصدر آلامه ، ثم لأنه شديد الجهل بما هو فيه من ضيق ، وبما سينفتح له ، بالموت ، من آفاق واسعة وملك دائم عريض ، وحرية يسقط معها كل قيْد ، وخيرات لا تنالها الآفات .
لو فطن المرء لهكذا تصاريف ، إذاً لهانت عليه الدنيا بكل ما يتصور من ملذاتها المادية ؛ فإنه لو اقام في " عالَم الروح " – الذي هو النهاية الطبيعية لهذه الحياة الدنيا – ونعِمَ وقتاً بشيء من لذاته الخالدة الخالصة من الكدورات ، لكان جزعه عليه ، لو أريد إرجاعه إلى الحياة الدنيا ، أضعاف أضعاف جزعه الآن من أن يترك هذه الحياة الدنيا .
على الإنسان العاقل ألا يعطي لهذه الحياة قيمةً أكثر مما تستحق ، وعليه أن يراها المرحلةَ الأخيرة الشاقة دون بلوغ الغاية الكبرى ، فإن المصائب التي تنال مقتنيات المرء المادية تقلل أحزانه بتقليلها للقلق ، وإن المصائب تقلل المصائب ! وشيئاً فشيئاً يصبح الأمر ، عند الحكيم ، كالنعيم .
إن تقليل القُنية معناه إخضاع ما هو مادي لما هو روحي ، بأن يسود الروحي على المادي ويوجهه ، وقتها سيتم للإنسان السيطرة على شهواته التي هي تسترق حتى الملوك ، لكن يبقى الإنسان العاقل هو من يقوى على هذا كله ويمتلك ناصية عدوه المقيم في حصنه ... وهو النفس وشهواتها ، فإن النفس الشهوانية نفس سقيمة ، وسقامها أعظم من سقام البدن لو يعلمون .
 
تنبيه: نظرًا لتوقف النقاش في هذا الموضوع منذ 365 يومًا.
قد يكون المحتوى قديمًا أو لم يعد مناسبًا، لذا يُنصح بإشاء موضوع جديد.
العودة
Top Bottom