فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

فرق ومذاهب وأديان .. تهدف الدراسة إلى بيان السرد التاريخي والعقائدي لظهور الفرق التي انشقت عن جماعة المسلمين، والمذاهب التي تشعبت فحادت عن الطريق المستقيم، فأدى إلى ضعف الخلافة وسقوطها.

القاديانية وموقفهم من المسجد الأقصى

تاريخ فرقة القاديانية في فلسطين:
كانت بداية القاديانية التي تلقب نفسها بـ (الجماعة الإسلامية الأحمدية) في فلسطين حين وصل بعض أتباعهم إليها عن طريق حيفا، وكان في مقدمتهم ابن مؤسس الفرقة القاديانية وخليفته بشير الدين محمود أحمد عام 1924م، وحضر معه القادياني جلال الدين شمس الذي أسس مركز الجماعة في قرية الكبابير على قمة جبل الكرمل في حيفا, وقد تبع ذلك بناء أول معبد للجماعة هناك عام 1934م، وكان ذلك برعاية حكومة الانتداب البريطاني المحتلة لأرض فلسطين آنذاك, وتم إعادة بناء ذلك المعبد في عام 1979م ويعرف تدليسًا بمسمى (مسجد سيدنا محمود) وتضم قرية الكبابير الآن قرابة 3000 نسمة معظم سكانها من أتباع القاديانية.
وقد عاشت الجماعة في شبه عزلة عقائدية حيث لم تنتشر القاديانية بين العرب المسلمين المقيمين في أراضي عام 1948م بدليل أنهم من خارج قرية "الكبابير" لا يتجاوزون العشرات بمن فيهم متبعو القاديانية من سكان الضفة الغربية. وقبل خمس سنوات تقريبًا كان لي نقاش مع أحد الفلسطينيين الذين اعتنقوا العقيدة القاديانية الباطلة, واستفزتني مقولة لذلك الضال "من أنهم سيعملون جاهدين لجعل كل أهل فلسطين قاديانيين", فقلت له: وهذا ما يسعى له اليهود كذلك !! ولكن أنى لكم ذلك والمسجد الأقصى وما حوله من أرض فلسطين والشام هي مقام الطائفة المنصورة وعقر دار المؤمنين, والأرض التي إليها محشر العباد, ومنها يكون المنشر, وفيها مقتل الدجال وأتباعه, وفيها يشهد نطق الحجر والشجر حين يقول: "يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعالى فاقتله"، والتي ستعود فيها الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة, فهي الأرض التي باركها الله للعالمين, ولن تكون مقامًا للمجرمين.
عقيدة القاديانية الأحمدية:
تعتقد القاديانية أن النبوة لم تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل هي جارية والله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعًا، ويعتقدون أن جبريل عليه السلام كان ينزل على غلام أحمد وأنه كان يوحي إليه, وأن إلهاماته كالقرآن. ويعتقدون أن قاديان كالمدينة المنورة ومكة المكرمة بل أفضل منهما وأرضها حرم وهي قبلتهم وإليها حجهم، وقد نادوا بإلغاء عقيدة الجهاد كما طالبوا بالطاعة العمياء للحكومة الإنجليزية؛ لأنها حسب زعمهم ولي الأمر بنص القرآن. وكل مسلم عندهم كافر حتى يدخل القاديانية, كما أن من زوج أو تزوج من غير القاديانيين فهو كافر.
ولم يقف ادعاء النبوة عند غلام أحمد القادياني, بل ادعى النبوة عدد من أتباع القادياني كمحمد صادق القادياني وغلام محمد القادياني وغيرهما, والمصيبة العظمى أن يزعم الغلام أن باب النبوة لا يزال مفتوحًا ويقرر ذلك ولده محمود أحمد الخليفة الثاني للقاديانيين في ص288 من كتاب (حقيقة النبوة) إذ يقول: "ومما هو واضح كالشمس في رابعة النهار أن باب النبوة لا يزال مفتوحًا".
وادعى خليفة "غلام أحمد" أنه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول في كتاب (حقيقة النبوة) ص257 لميرزا بشير أحمد الخليفة الثاني "إن غلام أحمد أفضل من بعض أولي العزم من الرسل". وفي صحيفة (الفضل) المجلد الرابع عشر (29 أبريل سنة 1927م): "أنه كان أفضل من كثير من الأنبياء ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء". وفي صحيفة (الفضل) المجلد الخامس عدد 92 يوم 28 مايو 1918م: "لم يكن فرق بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتلاميذ ميرزا غلام أحمد إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى وهؤلاء رجال البعثة الثانية".
عقيدتهم في المسجد الأقصى:
هم يعتقدون قدسية "قاديان" في الهند, ويعتقدون بأن المسجد الأقصى هو مسجد الميرزا في قاديان وليس الذي في بيت المقدس. جاء في صحيفة (الفضل) القاديانية عدد 3 سبتمبر سنة 1935م:"لقد قدّس الله هذه المقامات الثلاث مكة والمدينة وقاديان، واختار هذه الثلاث لظهور تجلياته". وفي عدد 23: "إن المراد بالمسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله هو مسجد قاديان". وهدفهم من ذلك واضح ليقولوا كاذبين بأن القدس لا مكانة لها ولا رابط دينيا بينها وبين الإسلام, والمسجد الأقصى هو مسجد آخر غير الموجود بالقدس، هو مسجد في "قاديان"!!
ومن المعلومات الخاطئة التي تُشاع عنهم أنهم يعتقدون أن قاديان كالمدينة المنورة ومكة المكرمة بل أفضل منهما وأرضها حرم وهي قبلتهم وإليها حجهم، بينما المعلومة الصحيحة في معتقدهم هي: أنها قبلة القاديانيين وحجهم إلى مكة المكرمة، لكنهم يعتقدون قدسية قاديان أيضًا وأن المسجد الأقصى هو مسجد الميرزا في قاديان وليس الذي في بيت المقدس.
وحول هذا كتب أمجد السقلاوي في مجلة (الراصد) العدد الرابع والثمانين -وكان في فترة من الفترات قد تأثر بالقاديانية ثم رجع إلى الإسلام وأصبح يكتب عنهم وهو أعلم بخفاياهم- أن فكر الدين الأحمدي القادياني كله فكر خياني يسلب من المسلمين كل مقدساتهم، ومن تلك المقدسات:
المسجد الأقصى المبارك:
فالقادياني لا يعترف بالمسجد الأقصى الذي في القدس، بل الأقصى عنده هو مسجده الذي بناه في منطقة قاديان بالهند!! وهذا صريح في كتابه (خطبة إلهامية) ص25، حيث يقول ميرزا: "والمسجد الأقصى المسجد الذي بناه المسيح الموعود في القاديان"، وأكد هذا القول الناشر لـ (خطبة إلهامية) نقلا عن كتاب (أصحاب أحمد)، ضياء الدين القاضيكوتي (ص119-121).
وجاء في صحيفة (الفضل) القاديانية (عدد 3، سبتمبر سنة 1935م): "لقد قدس الله هذه المقامات الثلاث مكة والمدينة وقاديان، واختار هذه الثلاث لظهور تجلياته". وفي العدد (23): "إن المراد بالمسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله هو مسجد قاديان".
ويقول (Abur Rahim Dard) وهو من القاديانيين المنظرين للدين القادياني في كتابه المنشور على الإنترنت في موقع (الإسلام أون لاين ستور) ما نصه: "المسجد الأقصى تمّ بناؤه على يد ميرزا غلام مرتضى، أما الأرض التي بني عليها المسجد فكانت مملوكة للسيخ لكنه اشتراها منهم".
ويضيف السقلاوي تأكيدًا لذلك: "فعلى سبيل المثال منظر القاديانية الفلسطيني هاني طاهر لا يرى ضيرا في إعطاء اليهود المحتلين جزءا من المسجد الأقصى المبارك حين كتب مقالا بعنوان (الحل النهائي والمسجد الأقصى)، قال فيه: "الناس في بلدي قلقون بشأن الأوضاع السياسية؛ فالحواجز تخنقنا، والمساعدات لا تكاد تصلنا، والعدو يسيطر على كل برّنا وجوّنا، والجدار يضيق علينا، ولا حلّ في الأفق. ليس لنا أن نهمل حقوق الذين هُجّروا من أراضيهم في فلسطين كلها، لكن لا غضاضة من تعديل الحدود وتشذيبها إذا كانت لا تضيع أي جزء من الأرض. أما موضوع المسجد الأقصى، فلا أرى ضيرًا من أن يُعطى اليهود تحته معبدًا يعبدون الله فيه، بحيث يكون مدخله من الجهة الغربية. أما الخشية من هدم المسجد الأقصى، فيمكن تجنبها من خلال وضع مراقبين دوليين في المعبد .. وما الكارثة في بناء عدة طوابق تضم الجميع؟". انظر: مدونة هانى طاهر.
ومن أجل تلك الغاية الخبيثة الضالة أوّلوا القرآن الكريم وفق الإلهامات الشيطانية الباطلة لأنفسهم المريضة, يقول القاديانى خليفة مسيلمة الكذاب: إن الآية {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] تعنى المسجد الذي أُسس في "قاديان" ويُضيف: إن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] هو المسجد المؤسس في قاديان. انظر: براهين أحمدية.
جوابهم على سؤال أين المسجد الأقصى؟
في الموقع الرسمي للقاديانية (الأحمدية) على الشبكة العالمية الإنترنت -باللغة العربية- وفي مدخل أسئلة وأجوبة جاء السؤال التالي: هل صحيح إنكم تعتبرون أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن الكريم هو مسجد الميرزا غلام أحمد الموجود في قاديان؟
فأجاب هاني طاهر بالآتي: "نقول إن الإسراء إلى المسجد الأقصى المذكور في سورة الإسراء هو كشف روحاني يشير إلى عدة أحداث، أولها: الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة. وثانيها: امتلاك المسلمين بيت المقدس وما حوله، وهذا حدث زمن الخلفاء الراشدين، وثالثها: ظهور الإمام المهدي وهو حضرة ميرزا غلام أحمد عليه السلام، باعتبار بعثته بعثة أخرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خادم له ولدينه وخير مدافع عنهما. وهذا مشار إليه في قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3]، أي أن الله تعالى سيبعث سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم مرة ثانية في الآخرين، وحيث إن من توفاه الله لا يعود إلى الدنيا، فالمقصود من بعثته الثانية بعثة رجل من أمته خادما له ولدينه، وقد فسر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية بقوله: "لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجل أو رجال من آل فارس". البخاري، كتاب التفسير. وبهذا يمكن أن نُطلق اسم المسجد الأقصى على المسجد الذي بناه حضرته عليه السلام. وليس هناك تعارض بين أن يكون مسجدٌ أقصى في القدس ومسجدٌ أقصى في قاديان، ولا تنسَ أنه لم يكن للمسجد الأقصى الموجود حاليا في القدس أي وجود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما بناه الخليفة الأموي. ولا تنسَ أن هنالك العديد من المساجد في العالم التي سماها المسلمون: المسجد الأقصى, وللتفصيل نرجو أن تعود إلى تفسير قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] في التفسير الكبير في الموقع. هاني طاهر.
وفي نفس الموقع وتحت مدخل (سيرة خلفاء الإمام المهدي): "والتعريف بإنجازات الخليفة الأول نور الدين البنجابي والذي ولد في قرية (بهيرا) في (البنجاب) عام 1841م؛ ويطلقون عليه تدليسًا مسمى: نور الدين القرشي؛ لأنه مكث في أرض الحجاز أربع سنين, كتبوا نصًا: قام حضرة الخليفة الأول بالعديد من الإنجازات الهامة في الجماعة الإسلامية الأحمدية منها: تم في عهده توسيع المسجد الأقصى والمدرسة العليا لتعليم الإسلام ومساكن الجماعة الإسلامية الأحمدية, وافتتح مشفى النور ومسجد النور في قاديان".
علاقتهم مع الكيان الصهيوني:
ولا يخفى أن للقاديانية علاقات وطيدة مع الكيان اليهودي, فقد فُتحت لهم المراكز والمدارس ومُكِّنوا من إصدار مجلة تنطق باسمهم, ولهم مطلق الحرية والدعم في طباعة كتبهم وضلالاتهم وتوزيعها في العالم, وانتقالهم الحر بين فلسطين ودول العالم.
يقول الميرزا مبارك أحمد القادياني في كتابه (بعثاتنا الخارجية): "ويمكن للقارئين أن يعرفوا مكانتنا في إسرائيل بأمر بسيط، بأن مبلغنا جوهدري محمد شريف حينما أراد الرجوع من إسرائيل إلى باكستان سنة 1956م، أرسل إليه رئيس دولة إسرائيل بأن يزوره قبل مغادرته البلاد، فاغتنم المبشر هذه الفرصة وقدم إليه القرآن المترجم إلى الألمانية الذي قبله الرئيس بكل سرور". انظر الموقع الرسمي للقاديانية على الشبكة العالمية باللغة العربية.
وقبل ذلك كان ولاؤهم عظيمًا لبريطانيا فقد أوجب الميرزا طاعة الملكة فكتوريا -رئيسة الكنيسة الأنجليكانية- وطاعة حفدتها، فيقول في ختام كتابه (حقيقة المهدي) ما نصه: "ولولا خوف سيف الدولة البريطانية لقتلوني بالسيوف والأسنة، ولكن الله منعهم بتوسط هذه الدولة المحسنة، فنشكر الله ونشكر هذه الدولة التي جعلها الله سببا لنجاتنا من أيدي الظالمين، إنها حفظت أعراضنا ونفوسنا وأموالنا من الناهبين، وكيف لا نشكر وإنا نعيش تحت هذه السلطنة بالأمن وفراغ البال، ونجينا من أنواع النكال، وصار نزولها لنا نزول العز والبركة، ونلنا غاية رجائنا من الدنيا والعافية، فوجبت إطاعتها أو سلامتها بصدق النية، بل جعل قلوبنا أسارى بأيادي المنة والنعمة، فوجب شكرها أو شكر ميرتها، ووجب طاعتها وطاعة حفدتها، اللهم اجز عنا هذه الملكة المعظمة واحفظها بدولتها وعزتها يا أرحم الرحمين، آمين". الراقم المرزا غلام أحمد القادياني 21 فروري سنة 1899.
وللقاديانيين قناة فضائية (التلفزيون الإسلامي الأحمدي) ومواقع على الشبكة العالمية "الإنترنت" ويطلقون على أنفسهم مسمى (الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية), والمتصفح لمواقعهم باللغة العربية يجدهم قد هذبوها من أغلب ما يثير المسلمين عليهم, حيث تقرأ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أعلى الصفحة الرئيسية للموقع وصورة الكعبة في مكة المكرمة؛ حتى يدلسوا على المتصفح لذلك الموقع بأنهم لا يخالفون عقيدة المسلمين, وأكثروا فيه من مدح العرب وخدمات قادتهم وخطاباتهم ومواقفهم من القضايا العربية, ليدفعوا التهم بعلاقتهم بالاستعمار.
وكتب عنهم أمجد سقلاوي مقالًا في مجلة (الراصد) في العدد الرابع والثمانين بعنوان: (من خيانات القاديانيين الهند: موطن المسجد الأقصى)!! جاء فيه: "لقد سعى اليهود لزرع جماعات وفرق ذات طابع ديني إسلامي تكون كجواسيس لهم تستطلع الأخبار وتنشر بعض الأفكار التي تخدم إسرائيل، ومن تلك الجماعات: القاديانية، التي تلقب نفسها بالجماعة الإسلامية الأحمدية لتخدع البسطاء من المسلمين بهذا الاسم الرنان، وهي طائفة أجمع العلماء على كفرها وردتها، ظاهرها الإسلام وباطنها الولاء المطلق للإنجليز واليهود وأعوانهم, وأتباع هذا الدين يؤمنون برجل هندي اسمه الميرزا غلام أحمد القادياني، والأخير قد ادعى المهدوية ومن ثم أنه المسيح المنتظر، بل زاد وبالغ أنه هو الظهور الأكمل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم!!".
هدف اليهود من رعاية الفرق الباطنية:
ولليهود في ذلك مقاصد وأهداف واضحة جلية, أولها شق صف المسلمين في فلسطين بزرع الفرق الباطنية وتسهيل مهامهم, لهدف أساس وهو كف المسلمين عن ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله, وشحن المسلمين بسيل من الشبهات والشهوات, وبث السموم لتوهين الثوابت في نفوس المسلمين.
والهدف الأهم كذلك هو إسقاط جوهر الإسلام واستعلائه وظهوره وتميزه؛ بجعل دين الإسلام المحكم المحفوظ من التبديل، في مرتبة الأديان المحرفة, وإظهار الخلاف العقدي بين المسلمين.
من لهؤلاء الضُلّال؟!
إن مسؤولية المسلمين قادة ودعاة وعلماء وموجهين تتعاظم أمام شبهات الفرق الباطنية والدعوات المنحرفة؛ لكشف زيفهم وضلالهم حتى لا ينطلي باطلهم على الناس, ولا يكون كشف ذلك الضلال إلا بدراستهم ومعرفة واقعهم وقادتهم, وأماكن تواجدهم, وكيف ينشرون ضلالهم ؟ وما هي الأساليب التي يستخدمونها؟ وحجم الدعم الذي يتلقونه؟ وما هي الشخصيات التي يستغلون نفوذها؟
ولا بد من الحذر الشديد من استفادة الفرق الباطنية وبالأخص القاديانية من تقصير الإعلام الإسلامي والعربي بشأنها, حيث إنه شنع على هذه الطائفة وحذر منها, إلا أنه في أغلب الأحيان ارتكب أخطاء جسيمة عندما لم يلتزم الدقة وبالغ في بعض الأحيان فيما يتعلق بأفكار وتاريخ هذه الطائفة, التي استغلت هذه الأخطاء لتوهم أفرادها والمتأثرين ببعض آرائها بأن هناك حملة شعواء حول هذه الجماعة تهدف إلى تشويهها، وبأن كل التهم التي يكيلها الإعلام لها إنما هي افتراءات بل كذب محض بدليل وجود أدلة قوية على كذب بعض تلك الاتهامات، بل إن بعض قادة هذه الطائفة والمنظرين لها تمادوا أكثر فادعوا بأنه ليست لجماعتهم أي صلة بما يطلق عليه الناس اسم (الطائفة القاديانية)، وأن هذه الطائفة هي جماعة وهمية من اختراع الناس وإعلامهم الكاذب!!
ولو أنك بحثت مثلًا في الإنترنت عن هذه (القاديانية) لوجدت آلاف المواضيع المنسوخة عن بعضها في الغالب، لكن القليل من تلك المواضيع هو الذي يوضح حقيقة هذه الطائفة, وطرق دعوتهم الحديثة الباطلة.
فلا يصلح لمحاربة القاديانية إلا شخص يعرف الحق بداية, ولديه ذكاء وعقل, وحسن تصرف ولباقة في الحديث؛ وذلك أن الدين القادياني قائم على الكذب والخداع ونشر الشبهات, فلن يصلح رجل يحسن الظن بكل ما يقال أو يقرأ. وأيضًا القادياني لا يروج عقيدته إلا بشبهات شيطانية يصطادها خبثاء من بطون الكتب غالبًا ما تكون مكذوبة أو محرفة أو من قبيل المنسوخ أو المقيد والخاص فيجعلونه عامًا مطلقًا.
ولهذا يجب توعية المؤثرين في المجتمع وهم العلماء والدعاة والخطباء وأئمة المساجد ومدرسو الجامعات والمدارس وقادة العمل الإسلامي والمسؤولون المحليون، من خلال تعريفهم بحقيقة عقيدة الطائفة القاديانية اليوم بنص أقوال قادتهم المعاصرين, وكذلك بحقيقة المواقف السياسية الطائفية التي ينتهجها أتباع القاديانية, والرعاية والدعاية التي تخدم انتشارهم.
وفي الختام لا خير فينا إن لم ننشر عقيدتنا الإسلامية الصافية, ونبين صفة الفرقة الناجية التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي المتمسكة بكتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيثما كانت, امتثالًا لقول الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153], وقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32], ولوصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة".
وأوجز ذلك كله ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون} [الأنعام: 159]، فقال: "إن هذه الآية عامة في كل من فارق دين الله, وكان مخالفًا له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله, وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق, فمن اختلف فيه {وَكَانُوا شِيَعًا} أي: فرقًا كأهل الملل والنحل, والأهواء والضلالات, فإن الله تعالى برأ رسوله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه".

:regards01::regards01::regards01:
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

الأحباش

التعريف

طائفة ضالة تنسب إلى عبد الله الحبشي، ظهرت حديثاً في لبنان مستغلة ما خلّفته الحروب الأهلية اللبنانية من الجهل والفقر والدعوة إلى إحياء مناهج أهل الكلام والصوفية والباطنية؛ بهدف إفساد العقيدة وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.

التأسيس وأبرز الشخصيات

عبد الله الهرري الحبشي

هو عبد الله بن محمد الشيبي العبدري نسباً، الهرري موطناً نسبة إلى مدينة هرر بالحبشة.

النشأة

ولد عبد الله الهرري لقبيلة تدعى الشيباني نسبة إلى بني شيبة من القبائل العربية.

درس في باديتها اللغة العربية والفقه الشافعي على الشيخ سعيد بن عبد الرحمن النوري والشيخ محمد يونس جامع الفنون ثم ارتحل إلى منطقة جُمة وبها درس على الشيخ الشريف، وفيها نشأ شذوذه وانحرافه حيث بايع على الطريقة التيجانية. ثم ارتحل إلى منطقة داويء من مناطق أرمو ودرس صحيح البخاري وعلوم القرآن الكريم على الحاج أحمد الكبير.

ارتحل عبد الله الحبشي إلى قرية قريبة من داويء فالتقى بالشيخ مفتي السراج ـ تلميذ الشيخ يوسف النبهاني صاحب كتاب شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق ودرس على يديه الحديث. ومن هنا توغل في الصوفية وبايع على الطريقة الرفاعية. ثم أتى إلى سوريا ثم إلى لبنان من بلاد الحبشة في أفريقيا عام 1969م. وذكر أتباعه أنه قدم عام 1950م بعد أن أثار الفتن ضد المسلمين، حيث تعاون مع حاكم إندراجي صهر هيلاسيلاسي ضد الجمعيات الإسلامية لتحفيظ القرآن بمدينة هرر سنة 1367ه‍ الموافق 1940م، فيما عرف بفتنة بلاد كُلُب فصدر الحكم على مدير المدرسة إبراهيم حسن بالسجن ثلاثاً وعشرين سنة مع النفي حيث قضى نحبه في مقاطعة جوري بعد نفيه إليها.

وبسبب تعاون عبد الله الهرري مع هيلاسيلاسي تم تسليم الدعاة والمشايخ إليه وإذلالهم حتى فر الكثيرون إلى مصر والسعودية، ولذلك أطلق عليه الناس هناك صفة (الفتّان) أو (شيخ الفتنة).

في لبنان

منذ أن أتى لبنان وهو يعمل على بث الأحقاد والضغائن ونشر الفتن كما فعل في بلاده من قبل من نشره لعقيدته الفاسدة من شرك وترويج لمذاهب الجهمية في تأويل صفات الله، والإرجاء والجبر والتصوف والباطنية والرفض، وسب للصحابة، واتهام لأم المؤمنين عائشة بعصيان أمر الله، بالإضافة إلى فتاوى شاذة.

ـ نجح الحبشي مؤخراً في تخريج مجموعات كبيرة من المتبجحين والمتعصبين الذين لا يرون مسلماً إلا من أعلن الإذعان والخضوع لعقيدة شيخهم مع ما تتضمنه من إرجاء في الإيمان وجبر في أفعال الله وجهمية واعتزال في صفات الله، فهم يطرقون بيوت الناس ويلحون عليهم بتعلم العقيدة الحبشية ويوزعون عليهم كتب شيخهم بالمجان.

نزار الحلبي

خليفة الحبشي ورئيس جمعية المشاريع الإسلامية ويطلقون عليه لقب (سماحة الشيخ) حيث يعدونه لمنصب دار الفتوى إذ كانوا يكتبون على جدران الطرق (لا للمفتي حسن خالد الكافر، نعم للمفتي نزار الحلبي) وقد قتل مؤخراً.

شخصيات عامة

لديهم العديد من الشخصيات العامة مثل النائب البرلماني عدنان الطرابلسي، ومرشحهم الآخر طه ناجي الذي حصل على 1700 صوتاً معظمهم من النصارى، حيث وعدهم بالقضاء على الأصولية الإسلامية، لكن لم يكتب له النجاح، وحسام قرقيرا نائب رئيس جمعية المشاريع الإسلامية، وكمال الحوت، وعماد الدين حيدر، وعبد الله البارودي، وهؤلاء الذين يشرفون على أكبر أجهزة الأبحاث والمخطوطات، مثل المؤسسة الثقافية للخدمات، ويحيلون إلى اسم غريب لا يعرفه حتى طلبة العلم فمثلاً يقولون: (قال الحافظ العبدري في دليله) فيدلسون على الناس فيظنون أن الحافظ من مشاهير علماء المسلمين مثل الحافظ ابن حجر أو النووي وإنما هو في الحقيقة شيخهم ينقلون من كتابه الدليل القويم مثلاً.

الأفكار والمعتقدات

• يزعم الأحباش أنهم على مذهب الإمام الشافعي في الفقه والاعتقاد ولكنهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن مذهب الإمام الشافعي رحمه الله. فهم يُؤولون صفات الله تعالى بلا ضابط شرعي فـيؤولون الاستواء بالاستيلاء كالمعتزلة والجهمية.

• يزعم الحبشي أن جبريل هو الذي أنشأ ألفاظ القرآن الكريم وليس الله تعالى، فالقرآن عنده ليس بكلام الله تعالى، وإنما هو عبارة عن كلام جبريل. (كما في كتابه إظهار العقيدة السنية ص591).

• الأحباش في مسألة الإيمان من المرجئة الجهمية الذين يؤخرون العمل عن الإيمان، ويبقى الرجل عندهم مؤمناً وإن ترك الصلاة وسائر الأركان، (انظر الدليل القويم ص7، بغية الطالب ص51).

• تبعاً لذلك يقللون من شأن التحاكم للقوانين الوضعية المناقضة لحكم الله تعالى فيقول الحبشي: (ومن لم يحكّم شرع الله في نفسه فلا يؤدي شيئاً من فرائض الله ولا يجتنب من المحرمات، ولكنه قال ولو مرة في العمر: لا إله إلا الله، فهذا مسلم مؤمن. ويقال له أيضاً مؤمن مذنب)

(انظر الدليل القويم 9ـ 10 بغية الطالب 51).

• الأحباش في القدر جبرية منحرفة يزعمون أن الله هو الذي أعان الكافر على كفره، وأنه لولا الله ما استطاع الكافر أن يكفر. (النهج السليم 71).

• يحث الأحباش الناس على التوجه إلى قبور الأموات والاستغاثة بهم وطلب قضاء الحوائج منهم، لأنهم في زعمهم يخرجون من قبورهم لقضاء حوائج المستغيثين بهم ثم يعودون إليها، كما يجيزون الاستعاذة بغير الله ويدعون للتبرك بالأحجار. (الدليل القويم 173، بغية الطالب 8، صريح البيان 57، 62). (شريط خالد كنعان /ب / 70)، ولو قال قائل أعوذ برسول الله من النار لكان هذا مشروعاً عندهم.

• يرجح الأحباش الأحاديث الضعيفة والموضوعة بما يؤيد مذهبهم بينما يحكمون بضعف الكثير من الأحاديث الصحيحة التي لا تؤيد مذهبهم ويتجلى ذلك في كتاب المولد النبوي.

• يكثر الحبشي من سب الصحابة وخاصة معاوية بن أبي سفيان وأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهم. ويطعن في خالد بن الوليد وغيره، ويقول إن الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ماتوا ميتة جاهلية. ويكثر من التحذير من تكفير سابِّ الصحابة، لاسيما الشيخين إرضاءً للروافض. (إظهار العقيدة السنية 182).

• يعتقد الحبشي أن الله تعالى خلق الكون لا لحكمة وأرسل الرسل لا لحكمة وأن من ربط فعلاً من أفعال الله بالحكمة فهو مشرك.

• كفّر الحبشي العديد من العلماء فحكم على شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه كافر، وجعل من أول الواجبات على المكلف أن يعتقد كفره، ولذلك يحذر أشد التحذير من كتبه، وكذا الإمام الذهبي فهو عنده خبيث، كما يزعم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجرم قاتل كافر، ويرى أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني كافر، وكذلك الشيخ سيد سابق فيزعم أنه مجوسي كافر، أما الأستاذ سيد قطب فمن كبار الخوارج الكفرة في ظنه، أما ابن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود ونظرية الحلول والاتحاد والذي شهد العلماء بكفره فيعتبره الحبشي شيخ الإسلام. كما يدعو الحبشي إلى الطريقة النقشبندية والرفاعية والصوفية.

(انظر مجلة منار الهدى الحبشية عدد (3ص234) النهج السوي في الرد على سيد قطب وتابعه فيصل مولوي).

• وللحبشي العديد من الفتاوى الشاذة القائلة بجواز التحايل في الدين وأن النظر والاختلاط والمصافحة للمرأة الأجنبية حلال لاشيء فيه بل للمرأة أن تخرج متعطرة متبرجة ولو بغير رضا زوجها.

• يبيح بيع الصبي الحر وشراءه كما يجيز للناس ترك زكاة العملة الورقية بدعوى أنها لا علاقة لها بالزكاة إذ هي واجبة في الذهب والفضة كما يجيز أكل الربا ويجيز الصلاة متلبساً بالنجاسة.

(بغية الطالب 99).

• أثار الأحباش في أمريكا وكندا فتنة تغيير القبلة حتى صارت لهم مساجد خاصة حيث حرفوا القبلة 90 درجة وصاروا يتوجهون إلى عكس قبلة المسلمين حيث يعتقدون أن الأرض نصف كروية على شكل نصف البرتقالة، وفي لبنان يصلون في جماعات خاصة بهم بعد انتهاء جماعة المسجد، كما اشتهر عنهم ضرب أئمة المساجد، والتطاول عليهم وإلقاء الدروس في مساجدهم لنشر أفكارهم رغماً عنهم. ويعملون على إثارة الشغب في المساجد، كل هذا بمدٍ وعونٍ من أعداء المسلمين بما يقدمون لهم من دعم ومؤازرة.

الجذور الفكرية والعقائدية

• مما سبق يتبين أن الجذور الفكرية والعقائدية للأحباش تتلخص في الآتي:

ـ المذهب الأشعري المتأخر في قضايا الصفات الذي يقترب من منهج الجهمية.

ـ المرجئة والجهمية في قضايا الإيمان.

ـ الطرق الصوفية المنحرفة مثل الرفاعية والنقشبندية.

ـ عقيدة الجفر الباطنية.

ـ مجموعة من الأفكار والمناهج المنحرفة التي تجتمع على هدف الكيد للإسلام وتمزيق المسلمين. ولا يستبعد أن يكون الحبشي وأتباعه مدسوسين من قبل بعض القوى الخارجية لإحداث البلبلة والفرقة بين المسلمين كما فعل عبد القادر الصوفي ثم المرابطي في أسبانيا وبريطانيا وغيرها.

الانتشار ومواقع النفوذ

ينتشر الأحباش في لبنان بصورة تثير الريبة، حيث انتشرت مدارسهم الضخمة وصارت حافلاتهم تملأ المدن وأبنية مدارسهم تفوق سعة المدارس الحكومية، علاوة على الرواتب المغرية لمن ينضم إليهم ويعمل معهم، وأصبح لهم إذاعة في لبنان تبث أفكارهم وتدعو إلى مذهبهم، كما ينتشر أتباع الحبشي في أوروبا وأمريكا وقد أثاروا القلاقل في كندا واستراليا والسويد والدانمارك. كما أثاروا الفتن في لبنان بسبب فتوى شيخهم بتحويل اتجاه القبلة إلى جهة الشمال.

وقد بدأ انتشار أتباع هذا المذهب الضال في مناطق عدة من العالم حيثما وجد لبنانيون في البداية، ثم بعض المضللين ممن يعجب بدعوة الحبشي.

يتضح مما سبق

أن الأحباش طائفة ضالة[1] ، تنتمي إلى الإسلام ظاهراً وتهدم عراه باطناً، وقد استغلت سوء الأوضاع الاقتصادية وما خلفته الحروب الأهلية اللبنانية من فقر وجهل في الدعوة إلى مبادئها الهدامة، وإحياء الكثير من الأفكار والمعتقدات الباطلة التي عفى عليها الدهر مثل خلق القرآن والخلاف المعروف في قضايا الصفات، الذي تصدَّى لها علماء أهل السنة والجماعة في الماضي والحاضر. وقد تصدَّى لهم عدد من علماء أهل السنة والجماعة في عصرنا مثل المحدث الشيخ الألباني وغيره. وأفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في الفتوى رقم 2392/1 بتاريخ 30/10/1406ه‍ التي جاء فيها: (إن طائفة الأحباش طائفة ضالة، ورئيسهم عبد الله الحبشي معروف بانحرافه وضلاله، فالواجب مقاطعتهم وإنكار عقيدتهم الباطلة وتحذير الناس منهم ومن الاستماع لهم أو قبول ما يقولون).

المصدر: صيد الفوائد.

موضوعات ذات صلة:

فرق وأديان.

المرجئة.

المعتزلة.



[1] مراجع للتوسع:

• كتب ورسائل للأحباش:

ـ المقالات السنية في كشف ضلالات ابن تيمية، عبد الله الحبشي.

ـ التعقيب الحثيث عبد الله الحبشي.

ـ النهج السوي في الرد على سيد قطب وتابعه فيصل مولوي. لعبد الله الحبشي.

ـ الدليل القويم على الصراط المستقيم، عبد الله الحبشي.

ـ بغية الطالب في معرفة علم الدين الواجب، عبد الله الحبشي.

ـ إظهار العقيدة السنية شرح العقيدة الطحاوية، عبد الله الحبشي.

ـ كتاب المولد النبوي، عبد الله الحبشي.

ـ صريح البيان، عبد الله الحبشي.

ـ الرسائل السبكية في الرد على ابن تيمية، كمال أبو المنى "كمال الحوت".

ـ التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني، كمال أبو المنى "كمال الحوت".

ـ بهجة النظر، عبد الله الحبشي.

ـ مجلة منار الهدى:

• كتب ورسائل ردت عليهم:

ـ الرد على الشيخ الحبشي ـ الشيخ عثمان الصافي.

ـ استواء الله على العرش ـ أسامة القصاص.

ـ الاستواء بين التنزيه والتشويه ـ للأستاذ عوض منصور.

ـ إطلاقة الأعنَّة رسالة منسوبة للشيخ الهاشمي.

ـ رسالة الرد على الحبشي في موضوع إعانة الكافرين على كفرهم عدنان ياسين النقشبندي.

ـ عبد الله الحبشي: عقائده وشذوذه، عبد الرحمن دمشقية.

ـ الرد على عبد الله الحبشي، عبد الرحمن دمشقية.

ـ بين أهل السنة وأهل الفتنة، عبد الرحمن دمشقية.

ـ شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة، عبد الرحمن دمشقية مخطوط ومسجل على شريط كاسيت.

ـ الأضواء الساطعة على ما في كتاب (الدليل على الصراط المستقيم) من أفكار زائفة وعقائد زائغة. الشيخ عثمان بن عبد القادر الصافي.

ـ مجلة الفرقان الكويتية.

ـ مجلة الشراع اللبنانية في حوار مع عدنان الطرابلسي نائب البرلمان 574.

ـ الرد على الأحباش الشيخ محمد ناصر الدين الألباني شريط كاسيت.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

الأشاعرة

التعريف

الأشاعرة فرقة كلامية إسلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة. وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية على طريقة ابن كلاب.

أبو الحسن الأشعري

هو أبو الحسن علي بن إسماعيل، من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ولد بالبصرة سنة 270هـ ومرت حياته الفكرية بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى

عاش فيها في كنف أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته. ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة.

المرحلة الثانية

ثار فيه على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر يوماً، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه، وأعلن البراءة من الاعتزال، وخطّ لنفسه منهجاً جديداً يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل، وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها.

المرحلة الثالثة

إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل، وفي هذه المرحلة كتب كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي عبّر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم، الذي كان حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل. ولم يقتصر على ذلك بل خلّف مكتبة كبيرة في الدفاع عن السنة وشرح العقيدة تقدّر بثمانية وستين مؤلفاً، توفي سنة 324هـ ودفن ببغداد ونودي على جنازته: "اليوم مات ناصر السنة".

بعد وفاة أبو الحسن الأشعري، وعلى يد أئمة المذهب وواضعي أصوله وأركانه، أخذ المذهب الأشعري أكثر من طور، تعددت فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في أصول المذهب وعقائده، و ما ذلك إلا لأن المذهب لم يبن في البداية على منهج مؤصل، واضحة أصوله الاعتقادية، ولا كيفية التعامل مع النصوص الشرعية، بل تذبذبت مواقفهم واجتهاداتهم بين موافقة مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على المعتزلة.

من أبرز مظاهر ذلك التطور:

ـ القرب من أهل الكلام والاعتزال.

ـ الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به.

ـ الدخول في الفلسفة وجعلها جزء من المذهب.

ومن أبرز شخصيات الأشاعرة الإمام الإسفراييني والإمام أبي إسحاق الشيرازي والإمام أبي حامد الغزالي والإمام أبي بكر الباقلاني والإمام الفخر الرازي وغيرهم كثير.

الأفكار والمعتقدات

• مصدر التلقي عند الأشاعرة

الكتاب والسنة على مقتضى قواعد علم الكلام؛ ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض، صرح بذلك الرازي في القانون الكلي للمذهب في أساس التقديس والآمدي وابن فورك وغيرهم .

ـ عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني ولا مانع من الاحتجاج بها في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي. والمتواتر منها يجب تأويله، ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى لتبليغ الإسلام كما أرسل معاذاً إلى أهل اليمن، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا .." الحديث، وحديث تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلة .

ـ مذهب طائفة منهم، وهم صوفيتهم كالغزالي والجامي في مصدر التلقي، تقديم الكشف والذوق على النص، وتأويل النص ليوافقه. ويسمون هذا "العلم اللدني" جرياً على قاعدة الصوفية "حدثني قلبي عن ربي" . وكما وضح ذلك في الرسالة اللدنية 1/114ـ118 من مجموعة القصور العوالي، وكبرى اليقينيات لمحمد سعيد رمضان البوطي، الإهداء ـ 32ـ35 . ولا يخفى ما في هذا من البطلان والمخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة وإلا فما الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.

• ويقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:

ـ قسم مصدره العقل وحده.

ـ قسم مصدره العقل والنقل معا.

ـ قسم مصدره النقل وحده.

فيما خالف الأشاعرة عقيدة السلف

1- في إثبات وجود الله تعالى

خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود الله تعالى، ووافقوا الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم: إن الكون حادث ولا بد له من محدث قديم وأخص صفات القديم مخالفته للحوادث وعدم حلوله فيها. بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق سبحانه وتعالى.

2- في معنى التوحيد

التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتعدد بالذات ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة. وفي ذلك يقولون: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له. ولذلك فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع، وأنكروا صفات الوجه واليدين والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم. وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة من سلف الأمة ومن تبعهم ـ، وبذلك جعل الأشاعرة التوحيد هو إثبات ربوبية الله عز وجل دون ألوهيته .

وهكذا خالف الأشاعرة أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة والجماعة أن التوحيد هو أول واجب على العبيد إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته على نحو ما أثبته تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.

3- في تأويل الصفات

يعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين واليمين والقدم والأصابع وكذلك صفتي العلو والاستواء. وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله تعالى على أن ذلك واجب يقتضيه التنزيه، أما مذهب السلف فإنهم يثبتون النصوص الشرعية دون تأويل معنى النص ـ بمعنى تحريفه ـ أو تفويضه، سواءً كان في نصوص الصفات أو غيرها .

4- مذهب الأشاعرة في الإيمان

الأشاعرة في الإيمان بين المرجئة التي تقول يكفي النطق بالشهادتين دون العمل لصحة الإيمان، وبين الجهمية التي تقول يكفي التصديق القلبي وفي هذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومخالفة لنصوص القرآن الكريم الكثيرة منها: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية:21].

5- الأشاعرة وقضية التكفير

الأشاعرة مضطربون في قضية التكفير فتارة يقولون لا نكفر أحداً، وتارة يقولون لا نكفر إلا من كفرنا، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق و التبديع أو بأمور لا توجب التفسيق والتبديع، فمثلاً يكفرون من يثبت علو الله الذاتي أو من يأخذ بظواهر النصوص حيث يقولون: إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر.

أما أهل السنة والجماعة فيرون أن التكفير حق لله تعالى لا يطلق إلا على من يستحقه شرعاً،ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفره بإثبات شروط وانتفاء موانع0

6- الأشاعرة والقول بخلق القرآن

قولهم بأن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ولكنه كلام الله النفسي وأن الكتب بما فيها القرآن مخلوقة . يقول صاحب الجوهرة: " يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم"، وذلك في محاولة لم يحالفها النجاح للتوفيق بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة .أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو: أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل وسمعه موسى ـ عليه السلام ـ ويسمعه الخلائق يوم القيامة . يقول تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6].

المدرسة الأشعرية في العصر الحديث

إن مدرسة الأشعرية الفكرية لا تزال مهيمنة على الحياة الدينية في العالم الإسلامي، ولكنها كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: "فقدت حيويتها ونشاطها الفكري، وضعف إنتاجها في الزمن الأخير ضعفاً شديداً وبدت فيها آثار الهرم والإعياء". لماذا ؟

ـ لأن التقليد طغى على تلاميذ هذه المدرسة وأصبح علم الكلام لديهم علماً متناقلاً بدون تجديد في الأسلوب.

ـ لإدخال مصطلحات الفلسفة وأسلوبها في الاستدلال في علم الكلام .. فكان لهذا أثر سيئ في الفكر الإسلامي، لأن هذا الأسلوب لا يفيد العلم القطعي .. ولهذا لم يتمثل الأشاعرة بعد ذلك مذهب أهل السنة والجماعة ومسلك السلف، تمثُّلاً صحيحاً، لتأثرهم بالفلاسفة وإن هم أنكروا ذلك، حتى الغزالي نفسه الذي حارب الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة يقول عنه تلميذه القاضي ابن العربي: "شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر".

ـ تصدي شيخ الإسلام ابن تيمية لجميع المذاهب الإسلامية التي انحرفت عن الكتاب والسنة ـ ومنهم الأشاعرة وبخاصة المتأخرة منهم ـ في كتابه القيم: درء تعارض العقل والنقل وفنَّد آراءهم الكلامية، وبيَّن أخطاءهم وأكَّد أن أسلوب القرآن والسنة هو الأسلوب اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيدة.

الانتشار ومواقع النفوذ

انتشر المذهب الأشعري[1] في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعريِّ العقيدة، وصاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السلجوقية، ولذلك أصبحت العقيدة الأشعرية عقيدة شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة.

وزاد في انتشارها وقوتها مدرسة بغداد النظامية، ومدرسة نيسابور النظامية، وكان يقوم عليهما رواد المذهب الأشعري، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية في العالم الإسلامي وقتها، كما تبنى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت مهدي الموحدين، ونور الدين محمود زنكي، والسلطان صلاح الدين الأيوبي، بالإضافة إلى اعتماد جمهرة من العلماء عليه، وبخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين . ولذلك انتشر المذهب في العالم الإسلامي كله، لا زال المذهب الأشعري سائداً في أكثر البلاد الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعددة .

المصدر: صيد الفوائد.

[1] مراجع للتوسع :

أ ـ مراجع المذهب:
ـ أساس التقديس ـ فخرالدين الرازي.
ـ الشامل ـ لإمام الحرمين أبو المعالي الجويني.
ـ الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين أبو المعالي الجويني.
ـ الرسالة اللدنية من مجموعة القصور العوالي ـ أبو حامد الغزالي.
ـ الإنصاف فيما يجوز اعتقاده ولا يجوز الجهل به ـ للقاضي أبي محمد ابن الطيب الباقلاني.
ـ لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة لأبي المعالي الجويني.
ـ شرح الباجوري على الجوهرة ـ للباجوري.
ـ تبسيط العقائد الإسلامية ـ حسن أيوب.
ـ الله جل جلاله ـ سعيد حوى.
ـ أركان الإيمان وهبي سليمان غاوجي.
ـ كبرى اليقينيات ـ محمد سعيد رمضان البوطي.

ب ـ مراجع وكتب غير المذهب:
ـ الإبانة في أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري.
ـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري.
ـ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعةـ أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي.
ـ سير أعلام النبلاء للذهبي.
ـ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية.
ـ العقيدة التدمرية لابن تيمية.
ـ العقيدة الأصفهانية لابن تيمية.
ـ العقيدة الواسطية لابن تيمية.
ـ تبيين كذب المفترى لابن عساكر.
ـ الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية، د.محمد أمان بن علي الجامي.
ـ منهج الأشاعرة في العقيدة لسفر الحوالي.
ـ موقف ابن تيمية من الأشاعرة، د.عبد الرحمن صالح المحمود.
ـ منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج الأشاعرة ـ خالد بن عبد اللطيف بن محمد نور.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلــــــــــــــــــــــــــنا اخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة

السلام عليكم

القرامطة

القرامطة حركة باطنية هدامة تنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث، ويلقب بقرمط؛ لقصر قامته وساقيه. وهو من خوزستان في الأهواز، ثم رحل إلى الكوفة.

وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم السري العسكري، وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية.

القرامطة .. التأسيس وأبرز الشخصيات
يتضح لنا تطور الحركة من خلال دراسة شخصياتها الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون المجوسية، وتركوا أثرًا بارزًا على سيرهم وتشكلها عبر مسيرة طويلة من الزمن:

- بدأ عبد الله بن ميمون القداح رأس الأفعى القرمطية بنشر المبادئ الإسماعيلية في جنوب فارس سنة 260هـ.

- ومن ثَمَّ كان له داعية في العراق اسمه الفرج بن عثمان القاشاني المعروف بذكرويه، الذي أخذ يبثُّ الدعوة سرًّا.

- وفي سنة 278هـ نهض حمدان قرمط بن الأشعث يبث الدعوة جهرًا قرب الكوفة، ثم بنى دارًا سماها دار الهجرة، وقد جعل الصلاة خمسين صلاة في اليوم.

- هرب ذكرويه واختفى عشرين عامًا، وبعث أولاده متفرقين في البلاد يدعون للحركة.

- استخلف ذكرويه أحمد بن القاسم الذي بطش بقوافل التجار والحجاج، وهُزم في حمص، وسيق ذكرويه إلى بغداد وتوفي سنة 294هـ.

- التف القرامطة في البحرين حول الحسن بن بهرام ويُعرف بأبي سعيد الجنابي، الذي سار سنة 283هـ إلى البصرة، فهزم.

قام بالأمر بعده ابنه سليمان بن الحسن بن بهرام ويُعرف بأبي طاهر، الذي استولى على كثير من بلاد الجزيرة العربية، ودام ملكه فيها 30 سنة، ويعتبر مؤسس دولة القرامطة الحقيقي ومنظم دستورها السياسي الاجتماعي، بلغ من سطوته أن دفعت له حكومة بغداد الإتاوة، ومن أعماله الرهيبة أنه:

- فتك هو ورجاله بالحُجَّاج حين رجوعهم من مكة ونهبوهم وتركوهم في الفقر حتى هلكوا.

- ملك الكوفة أيام المقتدر 295- 320هـ لمدة ستة أيام استحلها فيها.

- هاجم مكة عام 319هـ، وفتك بالحجاج، وهدم زمزم، وملأ المسجد بالقتلى، ونزع الكسوة، وقلع البيت العتيق، واقتلع الحجر الأسود، وسرقه إلى الأحساء، وبقي الحجر هناك عشرين سنة إلى عام 339هـ.

توفي سليمان فآلت الأمور لأخيه الحسن الأعصم، الذي قوي أمره واستولى على دمشق سنة 360هـ، ثم توجه إلى مصر ودارت معارك له مع الدولة الفاطمية، لكن الأعصم ارتدَّ وانهزم القرامطة وتراجعوا إلى الأحساء.

خلع القرامطة الحسن لدعوته لبني العباس، وأُسند الأمر إلى رجلين هما جعفر وإسحاق اللذان توسعا، ثم دار الخلاف بينهما، وقاتلهم الأصفر التغلبي الذي ملك البحرين والأحساء، وأنهى شوكتهم ودولتهم.

طبقات المجتمع القرمطي:
وللمجتمع القرمطي ملامحه المتميزة، إذ تشكلت في داخله أربع طبقات اجتماعية متميزة:

- الطبقة الأولى: وتسميهم رسائل إخوان الصفا "الإخوان الأبرار الرحماء"، وتشمل الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وثلاثين سنة. وهم ممن على استعداد لقبول الأفكار القرمطية عقيدة وتمثلاً في نفوسهم.

- الطبقة الثانية: ويعرفون بـ"الإخوان الأخيار الفضلاء"، وتشمل من كانت أعمارهم بين الثلاثين والأربعين سنة، وهي مرتبة الرؤساء ذوي السياسات، ويكلفون بمراعاة "الإخوان" وتعهدهم وإظهار العطف عليهم ومساعدتهم.

- الطبقة الثالثة: وتشمل أولئك الذين هم بين الأربعين والخمسين من العمر، ممن يعرفون الناموس الإلهي وفق المفهوم القرمطي، ويتمتعون بحق الأمر والنهي ودعم الدعوة القرمطية ودفع خصومها، وهؤلاء هم الذين ألفوا الرسائل العقائدية القرمطية وعمموها في الآفاق.

- الطبقة الرابعة: ويطلق على أصحاب هذه الطبقة اسم "المريدون" ثم "المعلمون" ثم "المقربون" إلى الله، وتشمل من تجاوزت أعمارهم الخمسين سنة، وهي أعلى المراتب القرمطية، من يبلغها يكون في نظر هذه الفرقة من الناموس والطبيعة، ويصبح من أهل الكشف اللدني؛ إذ يستطيع رؤية أحوال القيامة من البعث والنشور والحساب والميزان.

القرامطة .. الأفكار والمعتقدات
- حينما قام القرامطة بحركتهم أظهروا بعض الأفكار والآراء التي يزعمون أنهم يقاتلون من أجلها، فقد نادوا بأنهم يقاتلون من أجل آل البيت، وإن لم يكن آل البيت قد سلموا من سيوفهم.

- ثم أسسوا دولة شيوعية تقوم على شيوع الثروات وعدم احترام الملكية الشخصية.

- يجعلون الناس شركاء في النساء بحجة استئصال أسباب المباغضة، فلا يجوز لأحد أن يحجب امرأته عن إخوانه، وأشاعوا أن ذلك يعمل زيادة الألفة والمحبة (وهذا ما كان عليه المزدكيون الفارسيون من قبل).

- إلغاء أحكام الإسلام الأساسية كالصوم والصلاة وسائر الفرائض الأخرى.

- استخدام العنف ذريعة لتحقيق الأهداف.

- يعتقدون بإبطال القول بالمعاد والعقاب، وأن الجنة هي النعيم في الدنيا، والعذاب هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصيام والحج والجهاد.

- ينشرون معتقداتهم وأفكارهم بين العمال والفلاحين والبدو الجفاة وضعفاء النفوس وبين الذين يميلون إلى عاجل اللذات، وأصبح القرامطة بذلك مجتمع ملاحدة وسفاكين يستحلون النفوس والأموال والأعراض.

- يقولون بالعصمة وإنه لا بُدَّ في كل زمان من إمام معصوم يؤوِّل الظاهر ويساوي النبي في العصمة، ومن تأويلاتهم:

الصيام: الإمساك عن كشف السر.

البعث: الاهتداء إلى مذهبهم.

النبي: عبارة عن شخص فاضت عليه من الإله الأول قوة قدسية صافية.

القرآن: هو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه ومركب من جهته، وسُمِّي كلام الله مجازًا.

- يفرضون الضرائب على أتباعهم، إلى حدٍّ يكاد يستغرق الدخل الفرديَّ لكل منهم.

- يقولون بوجود إلهين قديمين أحدهما علة لوجود الثاني، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه، الأول تام والثاني ناقص، والأول لا يوصف بوجود ولا عدم، فلا هو موصوف ولا غير موصوف.

- يدخلون على الناس من جهة ظلم الأمة لعلي بن أبي طالب وقتلهم الحسين.

- يقولون بالرجعة وأن عليًّا يعلم الغيب، فإذا تمكنوا من الشخص أطلعوه على حقيقتهم في إسقاط التكاليف الشرعية وهدم الدين.

- يعتقدون بأن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالاً.

- يدعون إلى مذهبهم اليهود والصابئة والنصارى والمجوسية والفلاسفة وأصحاب المجون والملاحدة والدهريين، ويدخلون على كل شخص من الباب الذي يناسبه.

القرامطة .. الجذور الفكرية والعقائدية
- فلسفتهم مادية تسربت إليها تعاليم الملاحدة والمتآمرين من أئمة الفرس.

- تأثروا بمبادئ الخوارج الكلامية والسياسية ومذاهب الدهرية.

- يتعلقون بمذاهب الملحدين من مثل مزدك وزرادشت.

- أساس معتقدهم ترك العبادات والمحظورات، وإقامة مجتمع يقوم على الإباحية والشيوع في النساء والمال.

- فكرتهم الجوهرية هي حشد جمهور كبير من الأنصار ودفعهم إلى العمل لغاية يجهلونها.

القرامطة .. الانتشار ومواقع النفوذ
دامت هذه الحركة قرابة قرن من الزمان، وقد بدأت من جنوبي فارس، وانتقلت إلى سواد الكوفة والبصرة، وامتدت إلى الأحساء والبحرين واليمن، وسيطرت على رقعة واسعة من جنوبي الجزيرة العربية والصحراء الوسطى وعمان وخراسان.

وقد دخلوا مكة واستباحوها، واحتلوا دمشق ووصلوا إلى حمص والسلمية.

وقد مضت جيوشهم إلى مصر، وعسكرت في عين شمس قرب القاهرة، ثم انحسر سلطانهم وزالت دولتهم، وسقط آخر معاقلهم في الأحساء والبحرين.

هذا ومما يلاحظ الآن أن هناك كتابات مشبوهة تحاول أن تقدِّم حركة القرامطة وغيرها من حركات الردة على أنها حركات إصلاحية، وأن قادتها رجال أحرار ينشدون العدالة والحرية.

ويتضح مما سبق:
أن هذه الحركة كان هدفها محاربة الإسلام بكل الوسائل، وذلك بارتكاب الكبائر وهتك الأعراض وسفك الدماء والسطو على الأموال وتحليل المحرمات بين أتباعهم؛ حتى يجمعوا عليهم أصحاب الشهوات والمراهقين وأسافل الناس.

وتعتبر عقائد القرامطة نفس عقائد الإسماعيلية، مع خلاف في بعض النواحي التطبيقية التي لم يستطع الإسماعيلية تطبيقها؛ خوفًا من ثورة الناس عليهم.

ويُخرِجهم من الإسلام عقائدهم التالية:

أولاً: اعتقادهم باحتجاب الله في صورة البشر.

ثانيًا: قولهم بوجود إلهين.

ثالثًا: تطبيقهم مبدأ إشاعة الأموال والنساء.

رابعًا: عدم التزامهم بتعاليم الإسلام في قليل أو كثير.

خامسًا: فساد عقيدتهم في الوحي والنبوة والرسالة.

سادسًا: انتهاكهم حرمات الإسلام بالاعتداء على الحجيج واقتحام الكعبة ونزع الحجر الأسود ونقله إلى مكان آخر.

سابعًا: إنكارهم للقيامة والجنة والنار.

المصدر: موقع صيد الفوائد.
 
آخر تعديل:
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

العلمانية

تعريف العلمانية:
العلمانيةالعلمانية وترجمتها الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدًا عن الدين وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة بعيدًا عن الدين وتعني في جانبها بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم..

وقد ظهرت في أوربا منذ القرن السابع عشر وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر وانتقلت بشكل أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر. أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين، وقد اختيرت كلمه علمانية لأنها أقل إثارة من كلمة لادينية.

ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع وإبقاءه حبيسًا في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه فان سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما.

تتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة حيث لقيصر سلطة الدولة ولله سلطة الكنيسة وهذا واضح فيما ينسب للسيد المسيح من قوله: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله", أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية والمسلم كله لله وحياته كلها لله {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

تأسيس العلمانية وأبرز الشخصيات :
انتشرت هذه الدعوة في أوربا وعمت أقطار العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي, وقد أدت ظروف كثيرة قبل الثورة الفرنسية سنة 1789م وبعدها إلى انتشارها الواسع وتبلور منهجها وأفكارها وقد تطورت الأحداث وفق الترتيب التالي:

- تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين تحت ستار الإكليروس والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك الغفران.

- وقوف الكنيسة ضد العلم وهيمنتها على الفكر وتشكيله لمحاكم التفتيش واتهام العلماء بالهرطقة، مثل:

1- كوبرنيكوس: نشر عام 1543م كتاب حركات الأجرام السماوية وقد حرمت الكنيسة هذا الكتاب.

2- جرادانو: صنع التلسكوب فعذب عذابًا شديدًا وعمره سبعون سنة وتوفي سنة 1642م.

3- سبينوزا: صاحب مدرسة النقد التاريخي وقد كان مصيره الموت مسلولاً.

4- جون لوك: طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض.

ظهور مبدأ العقل والطبيعة: فقد أخذ العلمانيون يدعون إلى تحرر العقل وإضفاء صفات الإله على الطبيعة.

- الثورة الفرنسية: نتيجة لهذا الصراع بين الكنيسة وبين الحركة الجديدة من جهة أخرى، كانت ولادة الحكومة الفرنسية سنة 1789م وهي أول حكومة لا دينية تحكم باسم الشعب, وهناك من يرى أن الماسون استغلوا أخطاء الكنيسة والحكومة الفرنسية وركبوا موجة الثورة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من أهدافهم.

- جان جاك روسو سنة 1778م له كتاب العقد الاجتماعي الذي يعد إنجيل الثورة، مونتسكيو له روح القوانين, سبينوزا ( يهودي) يعتبر رائد العلمانية باعتبارها منهجًا للحياة والسلوك وله رسالة في اللاهوت والسياسة، فولتير صاحب القانون الطبيعي كانت له الدين في حدود العقل وحده سنة 1804م، وليم جودين 1793م له العدالة السياسية ودعوته فيه دعوة علمانية صريحة.

- ميرابو: الذي يعد خطيب وزعيم وفيلسوف الثورة الفرنسية.

- سارت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل وشعارها الخبز ثم تحول شعارها إلى (الحرية والمساواة والإخاء) وهو شعار ماسوني و(لتسقط الرجعية) وهي كلمة ملتوية تعني الدين, وقد تغلغل اليهود بهذا الشعار لكسر الحواجز بينهم وبين أجهزة الدولة وإذابة الفوارق الدينية, وتحولت الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه.

- نظرية التطور: ظهر كتاب أصل الأنواع سنة 1859م لتشارلز دارون الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب وقد جعلت الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين، والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها.

وهذا النظرية التي أدت إلى انهيار العقيدة الدينية ونشر الإلحاد وقد استغل اليهود هذه النظرية بدهاء وخبث.

- ظهور نيتشه: وفلسفته التي تزعم بأن الإله قد مات وأن الإنسان الأعلى (السوبر مان) ينبغي أن يحل محله.

- دور كايم (اليهودي): جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية العقل الجمعي.

- فرويد (اليهودي): اعتمد الدافع الجنسي مفسرًا لكل الظواهر, والإنسان في نظره حيوان جنسي.

- كارل ماركس (اليهودي): صاحب التفسير المادي للتاريخ الذي يؤمن بالتطور الحتمي وهو داعية الشيوعية ومؤسسها والذي اعتبر الدين أفيون الشعوب.

- جان بول سارتر: في الوجودية وكولن ولسون في اللامنتمي: يدعوان إلى الوجودية والإلحاد.

الاتجاهات العلمانية في العالم الإسلامي نذكر نماذج منها :
1- في مصر: دخلت العلمانية مصر مع حملة نابليون بونابرت, وقد أشار إليها الجبرتي في الجزء المخصص للحملة الفرنسية على مصر وأحداثها بعبارات تدور حول معنى العلمانية وإن لم تذكر اللفظة صراحة, أما أول من استخدم هذا المصطلح العلمانية فهو نصراني يدعى إلياس بقطر في معجم عربي فرنسي من تأليفه سنة 1827م, وأدخل الخديوي إسماعيل القانون الفرنسي سنة 1883م، وكان هذا الخديوي مفتونًا بالغرب، وكان أمله أن يجعل من مصر قطعة من أوربا.

2- الهند: حتى سنة 1791م كانت الأحكام وفق الشريعة الإسلامية ثم بدأ التدرج من هذا التاريخ لإلغاء الشريعة الإسلامية بتدبير الإنجليز وانتهت تمامًا في أواسط القرن التاسع عشر.

3- الجزائر: إلغاء الشريعة الإسلامية عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830م.

4- تونس: أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1906م.

5– المغرب: أدخل القانون الفرنسي فيها سنة 1913م.

6- تركيا لبست ثوب العلمانية عقب إلغاء الخلافة واستقرار الأمور تحت سيطرة مصطفى كمال أتاتورك، وإن كانت قد وجدت هناك إرهاصات ومقدمات سابقة.

7- العراق والشام: ألغيت الشريعة أيام إلغاء الخلافة العثمانية وتم تثبيت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها.

8- معظم إفريقيا: فيها حكومات نصرانية امتلكت السلطة بعد رحيل الاستعمار.

9- إندونيسيا ومعظم بلاد جنوب شرق آسيا دول علمانية.

10- انتشار الأحزاب العلمانية والنزاعات القومية: حزب البعث، الحزب القومي السوري، النزعة الفرعونية، النزعة الطورانية، القومية العربية.

11- من أشهر دعاة العلمانية في العالم العربي الإسلامي: أحمد لطفي السيد، إسماعيل مظهر، قاسم أمين، طه حسين، عبد العزيز فهمي، ميشيل عفلق، أنطوان سعادة، سوكارنو، سوهارتو، نهرو، مصطفى كمال أتاتورك، جمال عبد الناصر، أنور السادات (صاحب شعار: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين)، د. فؤاد زكريا، د. فرج فودة وقد اغتيل بالقاهرة مؤخرًا، وغيرهم.

العلمانية أفكار ومعتقدات:
- بعض العلمانيين ينكر وجود الله أصلاً.

- وبعضهم يؤمنون بوجود الله لكنهم يعتقدون بعدم وجود أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان.

- الحياة تقوم على أساس العلم المطلق وتحت سلطان العقل والتجريب.

- إقامة حاجز بين عالمي الروح والمادة والقيم الروحية لديهم قيم سلبية.

- فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي.

- تطبيق مبدأ النفعية على كل شيء في الحياة.

- اعتماد مبدأ الميكافيلية في فلسفة الحكم والسياسية والأخلاق.

- نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية.

أما معتقدات العلمانية في العالم الإسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير فهي:

- الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة.

- الزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية.

- الزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني.

-الوهم بأن الإسلام لا يتلائم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف.

- الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي.

- تشويه الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي, والزعم بأنها حركات إصلاح.

- إحياء الحضارات القديمة.

- اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها.

- تربية الأجيال تربية لادينية.

إذا كان هناك عذر لوجود العلمانية في الغرب, فليس هناك أي عذر لوجودها في بلاد المسلمين؛ لأن النصراني إذا حكمه قانون مدني وضعي لا ينزعج كثيرًا ولا قليلاً؛ لأنه لا يعطل قانونًا فرضه عليه دينه وليس في دينه ما يعتبر منهجًا للحياة، أما مع المسلم فالأمر مختلف حيث يوجب عليه إيمانه الاحتكام لشرع الله.

ومن ناحية أخرى كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي فإنه إذا انفصلت الدولة عن الدين بقي الدين النصراني قائمًا في ظل سلطته القوية الفتية المتمكنة وبقيت جيوش من الراهبين والراهبات والمبشرين والمبشرات تعمل في مجالاتها المختلفة دون أن يكون للدولة عليهم سلطان بخلاف ما لو فعلت ذلك دولة إسلامية فإن النتيجة أن يبقى الدين بغير سلطان يؤيده ولا قوة تسنده, حيث لا بابوية ولا كهنوت ولا إكليروس, وصدق الخليفة الثالث عثمان بن عفان t حين قال: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

العلمانية جذور فكرية وعقائدية :
العداء المطلق للكنيسة أولاً وللدين ثانيًا أيًّا كان، سواء وقف إلى جانب العلم أم عاداه.

لليهود دور بارز في ترسيخ العلمانية من أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلاً بينهم وبين أمم الأرض.

يقول ألفرد هوايت هيو: "ما من مسالة ناقض العلم فيها الدين إلا وكان الصواب بجانب العلم والخطأ حليف الدين", وهذا القول إن صح بين العلم واللاهوت في أوربا, فهو قول مردود ولا يصح بحال فيما يخص الإسلام, حيث لا تعارض إطلاقًا بين الإسلام وبين حقائق العلم، ولم يقم بينها أي صراع كما حدث في النصرانية.

وقد نقل عن أحد الصحابة قوله عن الإسلام: "ما أمر بشيء، فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء, فقال العقل: ليته أمر به", وهذا القول تصدقه الحقائق العلمية والموضوعية وقد أذعن لذلك صفوة من علماء الغرب وأفصحوا عن إعجابهم وتصديقهم لتلك الحقيقة في مئات النصوص الصادرة عنهم.

- تعميم نظرية (العداء بين العلم من جهة والدين من جهة) لتشمل الدين الإسلامي, على الرغم أن الدين الإسلامي لم يقف موقف الكنيسة ضد الحياة والعلم حتى كان الإسلام سباقًا إلى تطبيق المنهج التجريبي ونشر العلوم.

- إنكار الآخرة وعدم العمل لها واليقين بأن الحياة الدنيا هي المجال الوحيد.

لماذا يرفض الإسلام العلمانية؟ :
- لأنها تغفل طبيعة الإنسان البشرية باعتبارها مكونة من نفس وروح فتهتم بمطالب جسمه ولا تلقي اعتبارًا لأشواق روحه.

- لأنها نبتت في البيئة الغربية وفقًا لظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية وتعتبر فكرًا غريبًا في بيئتنا الشرقية.

- لأنها تفصل الدين عن الدولة فتفتح المجال للفردية والطبقية والعنصرية والمذهبية والقومية والحزبية والطائفية.

- لأنها تفسح المجال لانتشار الإلحاد وعدم الانتماء والاغتراب والتفسخ والفساد والانحلال.

- لأنها تجعلنا نفكر بعقلية الغرب، فلا ندين العلاقات الحرة بين الجنسين وندوس على أخلاقيات المجتمع ونفتح الأبواب على مصراعيها للممارسات الدنيئة, وتبيح الربا وتعلي من قدر الفن للفن, ويسعى كل إنسان لإسعاد نفسه ولو على حساب غيره.

- لأنها تنقل إلينا أمراض المجتمع الغربي من إنكار الحساب في اليوم الآخر, ومن ثم تسعى لأن يعيش الإنسان حياة متقلبة منطلقة من قيد الوازع الديني، مهيجة الغرائز الدنيوية كالطمع والمنفعة وتنازع البقاء ويصبح صوت الضمير عدمًا.

- مع ظهور العلمانية يتم تكريس التعليم لدراسة ظواهر الحياة الخاضعة للتجريب والمشاهدة وتهمل أمور الغيب من إيمان بالله والبعث والثواب والعقاب, وينشأ بذلك مجتمع غايته متاع الحياة وكل لهو رخيص

العلمانية ومواقع النفوذ :
بدأت العلمانية في أوربا وصار لها وجود سياسي مع ميلاد الثورة الفرنسية سنة 1789م, وقد عمت أوربا في القرن التاسع عشر وانتقلت لتشمل معظم دول العالم في السياسة والحكم في القرن العشرين بتأثير الاستعمار والتبشير.

يتضح مما سبق :
إن العلمانية دعوة إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيدًا عن الدين الذي يتم فصله عن الدولة وحياة المجتمع وحبسه في ضمير الفرد ولا يصرح بالتعبير عنه إلا في أضيق الحدود.

وعلى ذلك فإن الذي يؤمن بالعلمانية بديلاً عن الدين ولا يقبل تحكيم الشرعية الإسلامية في كل جوانب الحياة ولا يحرم ما حرم الله يعتبر مرتدًا ولا ينتمي إلى الإسلام.

والواجب إقامة الحجة عليه واستتابته حتى يدخل في حظيرة الإسلام وإلا جرت عليه أحكام المرتدين المارقين في الحياة وبعد الوفاة.

المصدر: موقع صيد الفوائد.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

الدروز

الدروز فرقة باطنية تؤلِّه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، أخذت جُلّ عقائدها عن الإسماعيلية، وهي تنتسب إلى نشتكين الدرزي. نشأت في مصر لكنها لم تلبث أن هاجرت إلى الشام. عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها، فلا تنشرها على الناس، ولا تعلمها لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين.

التأسيس وأبرز الشخصيات
* محور العقدية الدرزية هو الخليفة الفاطمي: أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي الملقب بالحاكم بأمر الله، ولد سنة 375هـ/ 985م، وقتل سنة 411هـ/ 1021م. كان شاذًّا في فكره وسلوكه وتصرفاته، شديد القسوة والتناقض والحقد على الناس، أكثر من القتل والتعذيب دون أسباب تدعو إلى ذلك.

* المؤسس الفعلي لهذه العقيدة هو: حمزة بن علي بن محمد الزوزني 375هـ/ 430هـ: وهو الذي أعلن سنة 408هـ أن روح الإله قد حلت في الحاكم، ودعا إلى ذلك، وألّف كتب العقائد الدرزية.

* محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بنشتكين، كان مع حمزة في تأسيس عقائد الدروز إلا أنه تسرع في إعلان ألوهية الحاكم سنة 407هـ؛ مما أغضب حمزة عليه وأثار الناس ضده، حيث فرَّ إلى الشام وهناك دعا إلى مذهبه وظهرت الفرقة الدرزية التي ارتبطت باسمه على الرغم من أنهم يلعنونه؛ لأنه خرج عن تعاليم حمزة الذي دبّر لقتله سنة 411هـ.

* الحسين بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم أو الأجدع: وهو المبشر بدعوة حمزة بين الناس.

* بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي المعروف بالضيف: كان له أكبر الأثر في انتشار المذهب وقت غياب حمزة سنة 411هـ. وقد ألَّف كثيرًا من نشراتهم مثل: رسالة التنبيه والتأنيب والتوبيخ، ورسالة التعنيف والتهجين، وغيرها. وهو الذي أغلق باب الاجتهاد في المذهب؛ حرصًا على بقاء الأصول التي وضعها هو وحمزة والتميمي.

* أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي: صهر حمزة وساعده الأيمن في الدعوة، وهو الذي يليه في المرتبة.

* ومن الزعماء المعاصرين لهذه الفرقة:

- كمال جنبلاط: زعيم سياسي لبناني، أسس الحزب التقدمي الاشتراكي، وقتل سنة 1977م.

- وليد جنبلاط: وهو زعيمهم الحالي وخليفة والده في زعامة الدروز وقيادة الحزب.

- د. نجيب العسراوي: رئيس الرابطة الدرزية بالبرازيل.

- عدنان بشير رشيد: رئيس الرابطة الدرزية في أستراليا.

- سامي مكارم: الذي ساهم مع كمال جنبلاط في عدة تآليف في الدفاع عن الدروز.

الناس في الدرزية على درجات ثلاث:

- العقل: وهم طبقة رجال الدين الدارسين له والحفاظ عليه. وهم ثلاثة أقسام: رؤساء أو عقلاء أو أجاويد، ويسمى رئيسهم شيخ العقل.

- الأجاويد: وهم الذين اطلعوا على تعاليم الدين، والتزموا بها.

- الجهال: وهم عامة الناس.

معتقدات الدروز وأفكارهم
* يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع.

* ينكرون الأنبياء والرسل جميعًا، ويلقبونهم بالأبالسة.

* يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة.

* يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة، ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة.

* يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها، وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها.

* حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند، متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند.

* ولا يكون الإنسان درزيًّا إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص.

* يقولون بتناسخ الأرواح، وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى.

* ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن.

* ينكرون القرآن الكريم ويقولون: إنه من وضع سلمان الفارسي، ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته.

* يرجعون عقائدهم إلى عصور متقدمة جدًّا، ويفتخرون بالانتساب إلى الفرعونية القديمة وإلى حكماء الهند القدامى.

* يبدأ التاريخ عندهم من سنة 408هـ، وهي السنة التي أعلن فيها حمزة ألوهية الحاكم.

* يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض، وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد، ويفرضون الجزية والذل على المسلمين.

* يعتقدون أن الحاكم أرسل خمسة أنبياء هم: حمزة، وإسماعيل، ومحمد الكلمة، وأبو الخير، وبهاء.

* يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم، كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة.

* يحرمون البنات من الميراث.

* لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة.

* لا يقبل الدروز أحدًا في دينهم، ولا يسمحون لأحد بالخروج منه.

* ينقسم المجتمع الدرزي المعاصر -كما هو الحال سابقًا- من الناحية الدينية إلى قسمين:

- الروحانيين: بيدهم أسرار الطائفة وينقسمون إلى: رؤساء، وعقلاء، وأجاويد.

- الجثمانيين: الذين يعتنون بالأمور الدنيوية وهم قسمان: أمراء، وجهال.

* أما من الناحية الاجتماعية فلا يعترفون بالسلطات القائمة، إنما يحكمهم شيخ العقل ونوابه وفق نظام الإقطاع الديني.

* يعتقدون ما يعتقده الفلاسفة من أن إلههم خلق العقل الكلي، وبواسطته وجدت النفس الكلية، وعنها تفرّعت المخلوقات.

* يقولون في الصحابة أقوالاً منكرة، منها قولهم: الفحشاء والمنكر هما (أبو بكر وعمر) رضي الله عنهما.

* التستر والكتمان من أصول معتقداتهم، فهي ليست من باب التقية إنما هي مشروعة في أصول دينهم.

* مناطقهم خالية من المساجد، ويستعيضون عنها بخلوات يجتمعون فيها ولا يسمحون لأحد بدخولها.

* لا يصومون في رمضان ولا يحجون إلى بيت الله الحرام، وإنما يحجون إلى خلوة البياضة في بلدة حاصبية في لبنان، ولا يزورون مسجد الرسول ولكنهم يزورون الكنيسة المريمية في قرية معلولا بمحافظة دمشق.

* لا يتلقى الدرزي عقيدته ولا يبوحون بها إليه، ولا يكون مكلفًا بتعاليمها إلا إذا بلغ سن الأربعين وهو سن العقل لديهم.

* يصنف الدروز ضمن الفرق الباطنية؛ لإيمانها بالتقية والقول بالباطن وبسرية العقائد.

* تؤمن بالتناسخ، بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنسانًا آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنسانًا ثالثًا، وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد.

* للأعداد خمسة وسبعة مكانة خاصة في العقيدة الدرزية.



من كتب الدروز
- لهم رسائل مقدسة تسمى رسائل الحكمة وعددها 111 رسالة، وهي من تأليف حمزة وبهاء الدين والتميمي.

- لهم مصحف يسمى المنفرد بذاته.

- كتاب النقاط والدوائر وينسب إلى حمزة بن علي، ويذهب بعض المؤرخين في نسبته إلى عبد الغفار تقي الدين البعقلي الذي قتل سنة 900هـ.

- ميثاق ولي الزمان: كتبه حمزة بن علي، وهو الذي يؤخذ على الدرزي حين يعرف بعقيدته.

- النقض الخفي: وهو الذي نقض فيه حمزة الشرائع كلها، وخاصة أركان الإسلام الخمسة.

- أضواء على مسلك التوحيد: د. سامي مكارم.



الجذور الفكرية والعقائدية للدروز
* تأثروا بالباطنية عمومًا وخاصة الباطنية اليونانية متمثلة في أرسطو وأفلاطون وأتباع فيثاغورس، واعتبرهم أسيادهم الروحانيين.

* أخذوا جُلَّ معتقداتهم عن الطائفة الإسماعيلية.

* تأثروا بالدهريين في قولهم بالحياة الأبدية.

* وقد تأثروا بالبوذية في كثير من الأفكار والمعتقدات، كما تأثروا ببعض فلسفة الفرس والهند والفراعنة القدامى.

انتشار الدروز ومواقع نفوذهم
* يعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين.

* غالبيتهم العظمى في لبنان، ونسبة كبيرة من الموجودين منهم في فلسطين المحتلة قد أخذوا الجنسية الإسرائيلية، وبعضهم يعمل في الجيش الإسرائيلي.

* توجد لهم رابطة في البرازيل، ورابطة في أستراليا، وغيرهما.

* نفوذهم في لبنان الآن قوي جدًّا تحت زعامة وليد جنبلاط، ويمثلهم الحزب الاشتراكي التقدمي، ولهم دور كبير في الحرب اللبنانية، وعداوتهم للمسلمين لا تخفى على أحد.

* ويبلغ عدد المنتمين إليها حوالي 250 ألف نسمة موزعين بين سوريا 121 ألفًا، ولبنان 90 ألفًا، والباقي في فلسطين وبعض دول المهجر.

ويتضح مما سبق:

أن الدروز فرقة باطنية تؤلِّه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، نشأت في مصر وهاجرت إلى الشام، وينكرون الأنبياء والرسل جميعًا، ويعتقدون أن المسيح هو داعيتهم حمزة، وحسب هذا دليلاً على كفرهم وضلالهم.

المصدر: موقع صيد الفوائد، نقلاً عن الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم
جزاك الله خيرا أختي
فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

الصوفية

الصوفية فرقة تظاهرت بالزهد والبعد عن ملذات الدنيا، وتداخلت طريقتهم مع فلسفات هندية وفارسية ويونانية.

قيل: إن تسمية الصوفية جاءت من رجل يقال له صوفة واسمه "الغوث بن مر" ظهر في العصر الجاهلي، وهذا ما ذهب إليه ابن الجوزي.

وذهب البيروني إلى أن الصوفية إنما هي اشتقاق من سوفيا اليونانية التي تعني الحكمة، وهذا رأي يدعم موقف القائلين بأن التصوف هو وليد الفلسفة الأفلاطونية.

وقيل: الصوفية من الصوف؛ لاشتهارهم بلبسه.

أهم عقائد الصوفية

أ- عقيدتهم في الله عز وجل:

يعتقد المتصوفة في الله عقائد شتى منها الحلول كما هو مذهب الحلاج، ومنها "وحدة الوجود" حيث لا انفصال بين الخالق والمخلوق، وهذه هي العقيدة التي انتشرت منذ القرن الثالث وإلى يومنا هذا، وأطبق عليها أخيرًا كل أعلام التصوف مثل ابن عربي وابن سبعين.

ب- عقيدتهم في الرسول صلى الله عليه وسلم:

هناك عقائد شتى؛ فمنهم من يعتقد أن علماءهم تفوقوا على الأنبياء في العلم والمنزلة, ومنهم من يعتقد أن الرسول محمد هو قبة الكون وهو الله المستوي على العرش, وأن السموات والأرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خلقت من نوره.

ج- عقيدتهم في الأولياء:

يفضلونهم على الأنبياء, وعامتهم يجعل الولي مساويًا لله في كل صفاته، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويتصرف في الكون.

د- عقيدتهم في الجنة والنار:

يعتقدون أن طلب الجنة منقصة عظيمة, وأنه لا يجوز للولي أن يسعى إليها, وإنما الطلب عندهم والرغبة في الفناء المزعوم في الله, والاطلاع على الغيب والتصريف في الكون, هذه هي جنة الصوفي.

وأما النار فيعتقدون أن الخوف منها لا يليق؛ لأن الخوف طبع العبيد.

هـ- اعتقادهم في إبليس وفرعون:

يعتقد عامة الصوفية أنه أكمل العباد وأفضلهم توحيدًا؛ لأنه لم يسجد إلا لله بزعمهم, وكذلك فرعون عندهم أفضل الموحِّدين لأنه قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24]، فعرف الحقيقة؛ لأن كل موجود -في زعمهم- هو الله.

عبادات الصوفية

يعتقد الصوفية أن الصلاة والصوم والحج والزكاة هي عبادات العوام, وأما هم فيسمون أنفسهم الخاصة؛ لذلك فإنّ لهم عبادات مخصوصة، ويعتقدون أن الله أسقط التكاليف عن خواصهم.

الطرق الصوفية

1- القادرية: تنسب إلى عبد القادر الجيلاني (470-561هـ) المدفون في بغداد، حيث تزوره كل عام جموع كثيرة من أتباعه للتبرك به.

2- الرفاعية: تنسب إلى أحمد الرفاعي من بني رفاعة قبيلة من العرب, والمتوفى سنة 580هـ, وجماعته يستخدمون السيوف والحراب في إثبات الكرامات, انتشرت طريقته في غرب آسيا.

3- الأحمدية: تنسب إلى أحمد البدوي أكبر أولياء مصر عند الصوفية (596-634هـ)، ولد بفاس, حج ورحل إلى العراق, واستقر في طنطا حتى وفاته, له فيها ضريح مقصود, وأتباعه منتشرون في جميع أرجاء مصر ولهم فيها فروع، كالبيومية والشناوية وأولاد نوح والشعبية, وشارتهم العمامة الحمراء.

4- الدسوقية: تنسب إلى إبراهيم الدسوقي (623-676هـ).

5- الأكبرية: تنسب إلى شيخهم الأكبر محيي الدين بن عربي, وتقوم طريقته على الصمت والعزلة والجوع والسهر.

6- الشاذلية: تنسب إلى أبي الحسن الشاذلي (593-656هـ)، ولد بقرية مرسية, وانتقل إلى تونس, انتشرت طريقته في مصر واليمن وبلاد العرب, وفي مراكش وغرب الجزائر وفي شمال إفريقيا وغربها بعامة.

7- البكداشية: كان الأتراك العثمانيون ينتمون إلى هذه الطريقة، وهي ما تزال منتشرة في ألبانيا، كما أنها أقرب إلى التصوف الشيعي منها إلى التصوف السني, وقد كان لهذه الطريقة دور بارز في نشر الإسلام بين الأتراك والمغول, وكان لها سلطان عظيم على الحكام العثمانيين ذاتهم.

8- المولوية: أنشأها الفارسي جلال الدين الرومي المتوفي سنة 672هـ والمدفون بقونية, يتميزون بإدخال الرقص والإيقاعات في حلقات الذكر، وقد انتشروا في تركيا وآسيا الغربية, ولم يبق لهم هذه الأيام إلا بعض التكايا في تركيا وفي حلب, وفي بعض أقطار المشرق.

9- النقشبندية: تنسب إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد البخاري الملقب بشاه بقشبند (618-791هـ) وهي طريقة سهلة كالشاذلية, انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية.

10- الملامتية: مؤسسها أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمار المعروف بالقصار توفي سنة 271هـ, وقد ظهر الغلاة منهم في تركيا حديثًا بمظهر الإباحية والاستهتار، وفعل كل أمر دون مراعاة للأوامر والنواهي الشرعية.

11- التيجانية: تنسب إلى أحمد بن محمد بن المختار التيجاني المولود سنة (1150هـ/ 1737م), ونسبته إلى بلدة تسمى (بني توجين) وهي قرية من قرى البربر في المغرب, وينسب نفسه إلى الرسول ، كما هي عادة كل من أسَّس طريقة صوفية.

ادّعى التيجاني أنه خاتم الأولياء جميعًا، و"الغوث الأكبر" في حياته وبعد مماته, وأن أزواج الأولياء منذ آدم وإلى آخر وليٍّ لا يأتيها الفتح والعلم الربّاني إلا بواسطته هو, وأنه أول من يدخل الجنة هو وأصحابه وأتباعه, وأن الرسول أعطاه ذكرًا يسمى صلاة الفاتح، يفضلُ أيَّ ذكرٍ قُرئ في الأرض ستين ألف مرة بما في ذلك القرآن.

وقد ألّف أحد تلاميذه ويُدعى علي حرازم كتابًا في فضل شيخه وكراماته وأخلاقه وأذكاره وأحواله وطريقته، سمّاه "جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني".

أهم شخصيات الصوفية التاريخية

1- الحلاج: حسين بن منصور الحلاج، عاش في العصر العباسي, ولد في بلدة الطور قرب مدينة البيضاء في بلاد فارس سنة 857م، وصلب سنة 922م في عهد الخليفة المقتدر بالله؛ لآرائه الشركية. ويعدُّ الحلاج أشهر الحلوليين والاتحاديين.

2- ابن عربي: يلقبه الصوفيون "بالشيخ الأكبر"، ولد سنة (560هـ/ 1165م)، وتوفي سنة (638هـ/ 1240م)، وصاحب مؤلفات عديدة أهمها: روح القدس, الفتوحات المكيّة, نصوص الحكم.

وهو رئيس مدرسة "وحدة الوجود", يعتبر نفسه خاتم الأولياء, ولد بالأندلس, ورحل إلى مصر، وحجّ وزار بغداد, واستقر في دمشق حيث مات ودفن, وله فيها إلى الآن قبر يُزار, وله كتب يقول البعض إنها تصل إلى 400 كتاب ورسالة، فيما يزال بعضها مخطوطًا.

3- أبو يزيد البسطامي المتوفى سنة 243هـ وقيل 261هـ, كان جدُّه مجوسيًّا، وأبوه من أتباع زرادشت, وهو صاحب العبارة الشهيرة (خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله).

4- ابن الفارض (566- 632هـ): هو أبو حفص عمر بن علي الحموي الأصل، المصري المولد, لقب بشرف الدين, وهو من الغلاة الموغلين في وحدة الوجود.

5- رابعة العدوية.

6- جلال الدين الرومي.

أبرز الشخصيات الصوفية المعاصرة

1- حازم أبو غزالة مواليد 1933م, يقيم في الأردن ويدير جمعية دار القرآن الكريم التي تأسست سنة 1964م, وقد نشرت صحيفة البلاد الأردنية بتاريخ 30/10/2002م مقابلة مطولة معه، أشار فيها إلى أنه كان يتردد على الزوايا الصوفية في نابلس بفلسطين التي تنحدر منها، وقد درس الشريعة في سوريا, ومن أساتذته عبد القادر عيسى الحلبي، ومحمد الهاشمي التلمساني.

وهو شيخ الطريقة القادرية الشاذلية, وقد ذكر في المقابلة أن أتباعه في العالم يقدرون بعشرة ملايين صوفي في سوريا والعراق وتركيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا ودول المغرب وأمريكا وهولندا والدنمارك وتايلاند... وغيرها، وله أكثر من أربعين كتابًا.

2- علي الجفري: يمني كان يقيم في مصر، ويقيم الآن في السعودية, وله دروس في بعض الفضائيات يجاهر فيها بعقيدته الصوفية، ويقول: إن له مذهبًا صوفيًّا في منطقة حضرموت اليمنية.

الصلة بين التصوف والتشيع

المطلع على حقيقة مذاهب الصوفية, وعلى حقائق مذاهب التشيع يجد أن الفرقتين تنبعان من أصل واحد تقريبًا, ويهدفان في النهاية إلى غاية واحدة, وثمة أوجه تلاقٍ كثيرة بين التصوف والتشيع؛ مما حدا ببعض العلماء اعتبارهما وجهين لعملة واحدة.

وأهم أوجه التلاقي هي:

1- ادعاء العلوم الخاصة:

حيث يدّعي الشيعة أن عندهم علومًا خاصة, وينسبونها تارة إلى الإمام علي بن أبي طالب , وتارة إلى الأئمة من أولاد علي وفاطمة، ويدّعون أن هؤلاء الأئمة يعلمون الغيب ولا يخطئون ولا ينسون, ولا يستطيع أحد فهم الإسلام إلا على طريقتهم.

ودرج المتصوفة على المنوال نفسه، حيث احتقروا ما عند المسلمين من علم، وافتخروا بأن لديهم علومًا لا يطلع عليها إلا هم, حيث قالوا: "خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله"، كناية عن تفوقهم على أنبياء الله.

وجعل المتصوفة مصدر علومهم الخاصة التأويل الباطني للقرآن والحديث, حيث يزعمون تارة أنهم تلقوا هذا التأويل من الله, وتارة يزعمون أنه من الملك وأخرى بالإلهام.

2- الإمامة الشيعية والولاية الصوفية:

بني مذهب التشيع على أن الأئمة أناس مختارون من الله لقيادة الأمة, واعتبروهم معصومين، وكذلك الصوفية أخذوا هذه العقائد وأطلقوها على من سموهم بالأولياء، وجعلوهم متصرفين في الكون، وأن مقامهم لا يبلغه الأنبياء والملائكة.

3- القول بأن للدين ظاهرًا وباطنًا:

واتفق الشيعة والصوفية أيضًا على الزعم بأن للدين ظاهرًا وباطنًا: ظاهرًا قالوا يفهمه العامّة، وباطنًا عندهم هو العلم الحقيقي المراد من النص, وهذا لا يفهمه ولا يعلمه إلا الأئمة والأولياء.

4- تقديس القبور وزيارة المشاهد:

الشيعة هم أول من بنى المشاهد على القبور والمساجد عليها في الإسلام، وعظموا قبور أئمتهم, وكذلك جاء المتصوفة فجعلوا أهم مشاعرهم هو زيارة القبور وبناء الأضرحة, والطواف بها والتبرك بأحجارها، والاستغاثة بالأموات.

5- العمل على هدم الدولة الإسلامية:

فكما كان للشيعيَّيْن الطوسي وابن العلقمي الدور الكبير في هدم دولة الخلافة الإسلامية العباسية, كان لبعض أقطاب التصوف الدور البارز في دعم الدول الباطنية كالعبيدية الفاطمية ودولة القرامطة، وعلى رأس هؤلاء الحلاَّج.

أقوال بعض الأئمة والعلماء في الصوفية:

- الإمام الشافعي: أدرك بدايات التصوف وكان أكثر العلماء والأئمة إنكارًا عليهم, وقد كان مما قاله في هذا الصدد: "لو أن رجلاً تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق".

- الإمام أحمد بن حنبل: كان للصوفية بالمرصاد، فقد قال فيما بدأ الحارث المحاسبي يتكلم فيه وهو الوساوس والخطرات.. قال الإمام أحمد: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون، وحذر من مجالسة الحارث. وقال لصاحبٍ له: لا أرى لك أن تجالسه.

- الإمام ابن الجوزي: كتب كتابًا سماه "تلبيس إبليس"، خصَّ الصوفية بمعظم فصوله، وبيَّن تلبيس الشيطان عليهم ما جعلهم يتخبطون في الظلمات.

- شيخ الإسلام ابن تيمية: كان من أعظم الناس بيانًا لحقيقة التصوف, وتتبعًا لأقوال الزنادقة والملحدين وخاصة ابن عربي والتلمساني وابن سبعين, فتعقب أقوالهم وفضح باطنهم، وحذر الأمة من شرورهم.

وختامًا..

إن التصوف عبر تاريخه الطويل هو انحراف عن منهج الزهد الذي يحضُّ الإسلام سُلوكَ سبيله، والمقترن بالعلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفع الأمة ونشر الدين؛ ولذا رفضه الرسول من بعض الصحابة, ثم زاد هذا الانحراف عندما اختلط التصوف بالفلسفات الهندية واليونانية والرهبانية النصرانية في العصور المتأخرة، وتفاقم الأمر عندما أصبحت الصوفية تجارة للمشعوذين والدجالين ممَّن قلَّتْ بضاعتهم في العلم، وقصر سعيهم عن الكسب الحلال.

وقد أدرك أعداء الإسلام ذلك، فحاولوا أن يُشوِّهوا الإسلام من الداخل من خلال التصوف، ويقضوا على صفاء عقيدة التوحيد التي يمتاز بها الإسلام، ويجعلوا المسلمين يركنون إلى السلبية؛ حتى لا تقوم لهم قائمة.

للاستزادة:

1- الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة: الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.
2- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض - طبعة 1989م.
3-مجلة الفرقان الكويتية - العدد 285 - 22/3/2004م.
4-دوريات ومجلات وصحف.

المصدر: مجلة الراصد الإلكترونية.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم
جزاك الله خيرا أختي
فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم

و جزاك الله بمثله و بارك الله فيك


:regards01::regards01::regards01:
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلــــــــــــــــــــــــــنا اخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة
السلام عليكم

النصيرية

النصيرية حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة، أصحابها يعدُّون من غلاة الشيعة الذين زعموا وجودًا إلهيًّا في علي بن أبي طالب وألَّهوه به، مقصدهم هدم الإسلام ونقض عُراه، وهم مع كل غازٍ لأرض المسلمين، ولقد أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي لسوريا اسم (العلويين)؛ تمويهًا وتغطية لحقيقتهم الرافضية والباطنية.

النصيرية .. التأسيس وأبرز الشخصيات
* مؤسس هذه الفرقة أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري (ت 270ه‍ـ)، عاصر ثلاثة من أئمة الشيعة وهم علي الهادي (العاشر)، والحسن العسكري (الحادي عشر)، ومحمد المهدي (الموهوم) (الثاني عشر).

- زعم أنه البابُ إلى الإمام الحسن العسكري، وأنه وارثُ علمه، والحجة والمرجع للشيعة من بعده، وأن صفة المرجعية والبابية بقيت معه بعد غيبة الإمام المهدي.

- ادعى النبوة والرسالة، وغلا في حق الأئمة؛ إذ نسبهم إلى مقام الألوهية.

* خلفه على رئاسة الطائفة محمد بن جندب.

* ثم أبو محمد عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني 235-287 هـ من جنبلا بفارس، وكنيته العابد والزاهد والفارسي، سافر إلى مصر، وهناك عرض دعوته على الخصيبي.

* حسين بن علي بن الحسين بن حمدان الخصيبي: المولود سنة 260ه‍ـ، مصري الأصل جاء مع أستاذه عبد الله بن محمد الجُنبلاني من مصر إلى جنبلا، وخلفه في رئاسة الطائفة، وعاش في كنف الدولة الحمدانية بحلب، كما أنشأ للنصيرية مركزين أوَّلهما في حلب ورئيسه محمد علي الجلي، والآخر في بغداد ورئيسه علي الجسري.

- وقد توفي في حلب وقبره معروف بها، وله مؤلفات في المذهب وأشعار في مدح آل البيت، وكان يقول بالتناسخ والحلول.

* انقرض مركز بغداد بعد حملة هولاكو عليها.

* انتقل مركز حلب إلى اللاذقية، وصار رئيسه أبو سعد الميمون سرور بن قاسم الطبراني 358-427ه‍ـ.

* اشتدت هجمات الأكراد والأتراك عليهم مما دعاهم إلى الاستنجاد بالأمير حسن المكزون السنجاري 583-638ه‍ـ، ومداهمة المنطقة مرتين. فشل في حملته الأولى ونجح في الثانية، حيث أرسى قواعد المذهب النصيري في جبال اللاذقية.

* ظهر فيهم عصمة الدولة حاتم الطوبان حوالي 700ه‍ـ/1300م، وهو كاتب الرسالة القبرصية.

* وظهر حسن عجرد من منطقة أعنا، وقد توفي في اللاذقية سنة 836هـ/1432م.

* نجد بعد ذلك رؤساء تجمعات نصيرية كتلك التي أنشأها الشاعر القمري محمد بن يونس كلاذي 1011ه‍ـ/1602م قرب أنطاكية، وعلي الماخوس وناصر نصيفي ويوسف عبيدي.

* سليمان أفندي الأذني: ولد في أنطاكية سنة 1250ه‍ـ، وتلقى تعاليم الطائفة، لكنه تنصَّر على يد أحد المبشرين وهرب إلى بيروت حيث أصدر كتابه الباكورة السليمانية، يكشف فيه أسرار هذه الطائفة، استدرجه النصيريون بعد ذلك وطمأنوه، فلما عاد وثبوا عليه وخنقوه وأحرقوا جثته في إحدى ساحات اللاذقية.

* عرفوا تاريخيًّا باسم النصيرية، وهو اسمهم الأصلي، ولكن عندما شُكِّل حزب سياسي في سوريا باسم (الكتلة الوطنية) أراد الحزب أن يقرِّب النصيرية إليه ليكتسبهم، فأطلق عليهم اسم (العلويين)، وصادف هذا هوى في نفوسهم وهم يحرصون عليه الآن. هذا وقد أقامت فرنسا لهم دولة أطلقت عليها اسم (دولة العلويين)، وقد استمرت هذه الدولة من سنة 1920م إلى سنة 1936م.

* محمد أمين غالب الطويل: شخصية نصيرية، كان أحد قادتهم أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا، ألّف كتاب "تاريخ العلويين" يتحدث فيه عن جذور هذه الفرقة.

* سليمان الأحمد: شغل منصبًا دينيًّا في دولة العلويين عام 1920م.

* سليمان المرشد: كان راعي بقر، لكن الفرنسيين احتضنوه وأعانوه على ادعاء الربوبية، كما اتخذ له رسولاً (سليمان الميده) وهو راعي غنم، ولقد قضت عليه حكومة الاستقلال وأعدمته شنقًا عام 1946م.

جاء بعده ابنه مجيب، وادعى الألوهية، لكنه قتل أيضًا على يد رئيس المخابرات السورية آنذاك سنة 1951م، وما تزال فرقة (المواخسة) النصيرية يذكرون اسمه على ذبائحهم.

* ويقال بأن الابن الثاني لسليمان المرشد اسمه (مغيث) وقد ورث الربوبية المزعومة عن أبيه.

* واستطاع العلويون (النصيريون) أن يتسللوا إلى التجمعات الوطنية في سوريا، واشتد نفوذهم في الحكم السوري منذ سنة 1965م بواجهة سُنِّية، ثم قام تجمع القوى التقدمية من الشيوعيين والقوميين والبعثيين بحركته الثورية في 12 مارس 1971م، وتولى الحكم العلويون رئاسة الجمهورية بقيادة حافظ الأسد ثم ابنه بشار.

النصيرية .. الأفكار والمعتقدات
* جعل النصيرية عليًّا إلهًا، وقالوا بأن ظهوره الروحاني بالجسد الجسماني الفاني كظهور جبريل في صورة بعض الأشخاص.

* لم يكن ظهور (الإله علي) في صورة الناسوت إلا إيناسًا لخلقه وعبيده.

* يحبون (عبد الرحمن بن ملجم) قاتل الإمام علي، ويترضُّون عنه؛ لزعمهم بأنه قد خلص اللاهوت من الناسوت، ويخطِّئون من يلعنه.

* يعتقد بعضهم أن عليًّا يسكن السحاب بعد تخلصه من الجسد الذي كان يقيده، وإذا مر بهم السحاب قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن، ويقولون: إن الرعد صوته والبرق سوطه.

* يعتقدون أن عليًّا خلق محمدًا ، وأن محمدًا خلق سلمان الفارسي، وأن سلمان الفارسي قد خلق الأيتام الخمسة الذين هم:

- المقداد بن الأسود: ويعدونه رب الناس وخالقهم والموكل بالرعود.

- أبو ذر الغفاري: الموكل بدوران الكواكب والنجوم.

- عبد الله بن رواحة: الموكل بالرياح وقبض أرواح البشر.

- عثمان بن مظعون: الموكل بالمعدة وحرارة الجسد وأمراض الإنسان.

- قنبر بن كادان: الموكل بنفخ الأرواح في الأجسام.

* لهم ليلة يختلط فيهم الحابل بالنابل كشأن بعض الفرق الباطنية.

* يعظمون الخمرة، ويحتسونها، ويعظمون شجرة العنب لذلك، ويستفظعون قلعها أو قطعها؛ لأنها هي أصل الخمرة التي يسمُّونها (النور).

* يصلون في اليوم خمس مرات، لكنها صلاة تختلف في عدد الركعات ولا تشتمل على سجود، وإن كان فيها نوع من ركوع أحيانًا.

- لا يصلون الجمعة، ولا يتمسكون بالطهارة من وضوء ورفع جنابة قبل أداء الصلاة.

- ليس لهم مساجد عامة، بل يصلون في بيوتهم، وصلاتهم تكون مصحوبة بتلاوة الخرافات.

* لهم قدَّاسات شبيهة بقداسات النصارى من مثل:

- قداس الطيب لك أخ حبيب.

- قداس البخور في روح ما يدور في محل الفرح والسرور.

- قداس الأذان وبالله المستعان.

* لا يعترفون بالحج، ويقولون بأن الحج إلى مكة إنما هو كفر وعبادة أصنام!!

* لا يعترفون بالزكاة الشرعية المعروفة لدينا -نحن المسلمين- وإنما يدفعون ضريبة إلى مشايخهم، زاعمين بأن مقدارها خمس ما يملكون.

* الصيام لديهم هو الامتناع عن معاشرة النساء طيلة شهر رمضان.

* يبغضون الصحابة بغضًا شديدًا، ويلعنون أبا بكر وعمر وعثمان أجمعين.

* يزعمون بأن للعقيدة باطنًا وظاهرًا، وأنهم وحدهم العالمون ببواطن الأسرار، ومن ذلك:

- الجنابة: هي موالاة الأضداد والجهل بالعلم الباطني.

- الطهارة: هي معاداة الأضداد ومعرفة العلم الباطني.

- الصيام: هو حفظ السر المتعلق بثلاثين رجلاً وثلاثين امرأة.

- الزكاة: يرمز لها بشخصية سلمان.

- الجهاد: هو صب اللعنات على الخصوم وفُشاة الأسرار.

- الولاية: هي الإخلاص للأسرة النصيرية وكراهية خصومها.

- الشهادة: هي أن تشير إلى صيغة (ع. م. س).

- القرآن: هو مدخل لتعليم الإخلاص لعلي، وقد قام سلمان (تحت اسم جبريل) بتعليم القرآن لمحمد.

- الصلاة: عبارة عن خمس أسماء هي: علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة، و(محسن) هذا هو (السر الخفي)؛ إذ يزعمون بأنه سقْطٌ طرحته فاطمة، وذكر هذه الأسماء يجزئ عن الغسل والجنابة والوضوء.

* اتفق علماء المسلمين على أن (هؤلاء النصيريين) لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُصلى على من مات منهم، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يجوز استخدامهم في الثغور والحصون.

* يقول ابن تيمية: "هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية -هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية- أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل التتار والفرنج وغيرهم.. وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم".

* الأعياد: لهم أعياد كثيرة تدل على مجمل العقائد التي تشتمل عليها عقيدتهم ومن ذلك:

- عيد النَّيروز: في اليوم الرابع من نيسان، وهو أول أيام سنة الفرس.

- عيد الغدير، وعيد الفراش، وزيارة يوم عاشوراء في العاشر من المحرم ذكرى استشهاد الحسين في كربلاء.

- يوم المباهلة أو يوم الكساء: في التاسع من ربيع الأول ذكرى دعوة النبي لنصارى نجران للمباهلة.

- عيد الأضحى: ويكون لديهم في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة.

- يحتفلون بأعياد النصارى كعيد الغطاس، وعيد العنصرة، وعيد القديسة بربارة، وعيد الميلاد، وعيد الصليب الذي يتخذونه تاريخًا لبدء الزراعة وقطف الثمار، وبداية المعاملات التجارية وعقود الإيجار والاستئجار.

- يحتفلون بيوم (دلام) وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، ويقصدون به مقتل عمر بن الخطاب ؛ فرحًا بمقتله وشماتة به.

النصيرية .. الجذور الفكرية والعقائدية
* استمدوا معتقداتهم من الوثنية القديمة، وقدسوا الكواكب والنجوم، وجعلوها مسكنًا للإمام علي.

* تأثروا بالأفلاطونية الحديثة، ونقلوا عنهم نظرية الفيض النوراني على الأشياء.

* بنوا معتقداتهم على مذاهب الفلاسفة المجوس.

* أخذوا عن النصرانية، ونقلوا عن الغنوصية النصرانية، وتمسكوا بما لديهم من التثليث والقداسات وإباحة الخمور.

* نقلوا فكرة التناسخ والحلول عن المعتقدات الهندية والآسيوية الشرقية.

* هم من غلاة الشيعة؛ مما جعل فكرهم يتسم بكثير من المعتقدات الشيعية وبالذات تلك المعتقدات التي قالت بها الرافضة بعامة والسبئية (جماعة عبد الله بن سبأ اليهودي) بخاصَّة.

النصيرية .. الانتشار ومواقع النفوذ
* يستوطن النصيريون منطقة جبال النصيريين في (اللاذقية)، ولقد انتشروا مؤخرًا في المدن السورية المجاورة لهم.

* يوجد عدد كبير منهم أيضًا في غربي الأناضول، ويعرفون باسم (التختجية والحطابون)، فيما يطلق عليهم شرقي الأناضول اسم (القزل باشيه).

* ويعرفون في أجزاء أخرى من تركيا وألبانيا باسم (البكتاشية).

* هناك عدد منهم في فارس وتركستان ويعرفون باسم (العلي إلهية).

* وعدد منهم يعيشون في لبنان وفلسطين.

ويتضح مما سبق:
أن النصيرية فرقة باطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة، وهي فرقة غالية، خلعت ربقة الإسلام، وطرحت معانيه، ولم تستبق لنفسها منه سوى الاسم، ويعتبرهم أهل السُّنَّة خارجين عن الإسلام، ولا يصح أن يعاملوا معاملة المسلمين؛ بسبب أفكارهم الغالية وآرائهم المتطرفة، ومن ذلك آراؤهم التي تهدم أركان الإسلام، فهم لا يصلون الجمعة ولا يتمسكون بالطهارة، ولهم قداسات شبيهة بقداسات النصارى، ولا يعترفون بالحج أو الزكاة الشرعية المعروفة في الإسلام.

مراجع للتوسع:
- الجذور التاريخية للنصيرية العلوية، الحسيني عبد الله - دار الاعتصام - القاهرة 1400هـ/ 1980م.

- الملل والنحل، أبو الفتح الشهرستاني.

- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد - دار الكتب العربية - القاهرة.

- رسائل ابن تيمية، رسالة في الرد على النصيرية.

- الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية، سليمان أفندي الأذني - بيروت - 1864م.

- تاريخ العلويين، محمد أمين غالب الطويل - طبع في اللاذقية عاصمة دولة العلويين عام 1924م.

- خطط الشام، محمد كرد علي - ط دمشق 1925م - ج3/265 - 268 ج6/107-109.

- دائرة المعارف الإسلامية، مادة نصيري.

- إسلام بلا مذاهب، د. مصطفى الشكعة - ط دار القلم - القاهرة - 1961م.

- تاريخ العقيدة النصيرية، المستشرق رينيه دوسو - نشرته مكتبة أميل ليون وبداخله كتاب المجموعة بنصه العربي.

- الأعلام للزركلي، 2/254 بيروت - 1956م.

- تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، 3/357 - ط دار المعارف - 1962م.

- الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، د. أحمد محمد الخطيب، مكتب الأقصى، عمان.

- دراسات في الفرق، د. صابر طعيمة - مكتبة المعارف - الرياض 1401هـ/1981م.

- L. Massignon Minora, Beyrouth 1963.

المصدر: موقع صيد الفوائد، نقلاً عن الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلــــــــــــــــــــــــــنا اخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة
السلام عليكم

الإباضية

الإباضية هي إحدى فرق الخوارج الكبرى، وقد رأينا تقديمها بشكل مستقل؛ كون هذه الفرقة ما زالت منتشرة بنفس هذا الاسم، ولها تواجد في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، وخاصة في سلطنة عُمان.

والحديث عن الإباضية يدفعنا للحديث قليلاً عن الفرقة الأم وهي الخوارج, والتي تفرَّعت منها الإباضية؛ فالخوارج هم الذين يكفّرون بالمعاصي, ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم, ويشمل ذلك الخوارج الأولين, ومن تفرّع عنهم من الأزارقة والصفرية والنجدات (وهذه الثلاث قد انقرضت)، والإباضية (وهم باقون إلى اليوم).

كما يشمل اسم الخوارج كل من أخذ بأصولهم وسلك سبيلهم, كجماعات التكفير والهجرة في هذا العصر ونحوهم, وتعتبر الخوارج أول الفرق ظهورًا في التاريخ الإسلامي.

الإباضية .. التسمية والنشأة
وعودة إلى الإباضية التي هي إحدى فرق الخوارج، رغم أن أصحابها والمنتسبين إليها ينفون عن أنفسهم هذه النسبة؛ إذ يعدون مذهبهم مذهبًا اجتهاديًّا فقهيًّا سنيًّا، يقف جنبًا إلى جنب مع الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية.

وسميت هذه الفرقة بالإباضية نسبة إلى عبد الله بن إباض, أحد بني مرة بن عبيد من بني تميم, ويُعدُّ عبد الله بن إباض من طبقة التابعين, ولم تذكر المصادر الموثوقة تاريخ ولادته ووفاته, لكنها تجمع على أنه عاصر عبد الملك بن مروان المتوفَّى سنة 86هـ, وأنه أحد رءوس الخوارج, وقد أجمعت الإباضية قديمًا وحديثًا على إمامته فيهم وانتسابهم إليه.

الإباضية .. الأفكار وأبرز الشخصيات
نشأت الإباضية على أصول الخوارج، وتلتقي معها على أغلب الأصول.

ومما يؤمن ويعتقد به الإباضيون ويخالف منهج أهل السنة والجماعة، قولهم بأن مرتكب الكبيرة كافر, ويفسرون بأن معناها كفر النعمة, هذا في الدنيا.. أما في الآخرة فيرونه مخلدًا في النار, وينكرون رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأبصارهم, ويقولون: إن صفات الله هي عين ذاته, وأن الاسم والصفة بمعنى واحد, كما أنهم يؤولون صفات الله الخبرية كالاستواء والنزول والمجيء, وكاليد والوجه والعين والنفس.

ووقعت الإباضية في صحابة النبي , وطعنت في عدد من أجلاّء الصحابة كعثمان وعلي وعمرو بن العاص ومعاوية وطلحة والزبير وأصحاب الجمل رضي الله عنهم جميعًا.

ومن أبرز شخصياتهم جابر بن زيد (21-96هـ), وأبو عبيدة مسلمة بن أبي كريمة, والربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب (مسند الربيع) الذي جمع فيه الأحاديث, ويعتبره الإباضية أصح كتاب بعد كتاب الله. ومن أبرز شخصياتهم كذلك الإمام الحارث بن تليد، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح, وأبو حاتم يعقوب بن حبيب، وحاتم الملزوزي, ومنهم سلمة بن سعد الذي قام بنشر مذهبهم في إفريقيا أوائل القرن الثاني الهجري.

وفارق الإباضية جماعة المسلمين كغيرهم من الخوارج, ورأوا أن الإمام إذا ارتكب كبيرة حل دمه, ولا يقرون لأئمة المسلمين -من غيرهم- بإمامة شرعية، عدا أبا بكر وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.

وتعتبر مسائل مرتكب الكبيرة, والنظرة إلى الصحابة، والخروج على الأئمة، ومفارقة جماعة المسلمين من الفوارق الرئيسية بينهم وبين أهل السنة, ومن الأصول الكبرى التي أخرجتهم عن منهج السلف وجعلتهم في عداد الفرق والأهواء.

تاريخ الإباضية
بما أن تاريخ الإباضية لا يتجزأ من تاريخ الخوارج, فإنه يمكن تقسيمه إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل تمييز الإباضية عن بقية الخوارج, أي المرحلة التي بدأت فيها حركات الخوارج الغلاة الذين قاتلوا عليًّا وواجهوا الصحابة, ثم واجهوا الدولة الأموية في عهد معاوية ومن بعده, وانضموا إلى ابن الزبير وكان منهم عبد الله بن إباض مؤسس الإباضية مع رءوس الخوارج كنافع بن الأزرق وابن الصفار وأبي بيهس ونجدة الحنفي.

المرحلة الثانية: المرحلة التي صاحبت ظهورها ثم تلت بعد ذلك, وفيها استقل ابن إباض عن بقية الخوارج حين خالفهم في مسألة حكم المخالفين لهم في عهد عبد الملك, وفي هذه الحقبة (القرن الأول للهجرة) لم يكن للإباضية دولة ولا مواقف مشهورة إلا أنهم كانوا يشكلون جبهة معارضة عقدية وسياسية إمامة لإمامة بني أمية.

وكما نشأ مذهب الإباضية في القرن الأول في البصرة وخراسان ثم عُمان وحضرموت في جزيرة العرب, فقد امتد مع بداية القرن الثاني إلى الشمال الإفريقي.

1- تاريخ الإباضية في عمان
أول نشأة للإباضية بدأت في البصرة وما حولها ثم في عُمان وخراسان، تبعًا لفلول الخوارج في عهد الدولة الأموية, ولكنها تركزت فيما بعد في عُمان.

وفي أول الدولة العباسية وأيام المنصور عقد الإباضية البيعة لأول إمام لهم بعُمان عام (134هـ) اسمه "الجلندى بن مسعود" وهم يعدون ذلك -الخروج على أئمة المسلمين وجماعتهم- من مفاخرهم ومواقفهم الدينية والسياسية والتاريخية التي يبنون عليها أصولهم وأمجادهم.

وظلت الإباضية في صراع طويل مع أئمة المسلمين, وكانوا في أثناء ذلك ينصبون إمامًا تلو آخر, وفي سنة 1161هـ بايع الإباضية "أحمد بن سعيد"، حيث انتقلت الإمامة إلى آل سعيد, ولا تزال دولتهم قائمة حتى اليوم في عُمان.

2- تاريخ الإباضية في الشمال الأفريقي
أول حركة للإباضية عُرفت في التاريخ بجهة المغرب العربي ظهور "الحارث وعبد الجبار" الإباضيين ومواجهتهما للدولة الأموية أيام آخر خلفائها مروان بن محمد, وانتزعا طرابلس وسيطرا على تلك الناحية حينًا من الدهر، وقتلا سنة 121هـ.

وفي سنة 140هـ, بايع الإباضيون هناك "عبد الأعلى بن السمح" في ليبيا, ودانت له طرابلس ثم القيروان وبرقة وفزان, وأعلن الخروج على الدولة العباسية, وبعده التف فريق منهم حول "عبد الرحمن بن رستم" من سلالة كسرى ملك الفرس, الذي تمكن في النهاية من إقامة دولة "بني رستم الإباضية" وعاصمتها تاهرت، وتولى بعده ابنه عبد الوهاب الإمامة سنة 171هـ, ثم توالت إمامتهم في عقبه.

وفي سنة 269هـ تقريبًا انتهت الدولة الإباضية الرستمية بالمغرب العربي على يد الفاطميين, وبعدها صاروا يقيمون إمارات صغيرة ومشيخات طائفية إقليمية تنزع إلى الاستقلالية خاصة في (جبل نفوسة)، وقد تتوسع أحيانًا إلا أنه لم تقم لهم دولة ذات سلطان نافذ أو مدة طويلة في المغرب العربي بعد الدولة الرستمية.

وما يزال لهم في الوقت الحاضر وجود في عُمان وحضرموت واليمن وليبيا وتونس والجزائر، وفي واحات الصحراء الغربية.

للاستزادة
1- الفرق بين الفرق - الإمام عبد القاهر البغدادي - ص103.
2- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي - ص15.
3- الخوارج - الدكتور ناصر عبد الكريم العقل - ص45.
4- الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة – عبد القادر شيبة الحمد - ص138.
5- دراسات في الأديان والفرق - د. سعيد البيشاوي وآخرون - ص103.

المصدر: موقع الراصد نت.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلــــــــــــــــــــــــــنا اخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة
السلام عليكم

المرجئة

ظهور الفرق
إذا كانت بعض الفرق تنسب إلى مؤسِّسها مثل الأشعريَّة والماتريدِيَّة، فإن بعضًا منها تنسب إلى أهم مبادئها مثل المُرْجِئَة والمجسِّمة والمشبِّهة، كما أن فرقًا أخرى تنسب إلى موقف ما من مواقفها أو حادثة خاصة لزمتها مثل المعتزلة والخوارج. ولم يكد القرن الأول الهجري ينتهي حتى ظهرت بعض هذه الفرق الإسلامية، سواء تلك الفرق ذات الطابع السياسي مثل الشيعة والخوارج، أو الفرق ذات الطابع الديني مثل المرجئة والمعتزلة، وكان اتِّساع الفتوحات الإسلامية وتعدد الأجناس التي دخلت الإسلام هو العامل الأظهر في وجود تلك الفرق ونشأتها.

كما أن الحروب الأولى التي نشبت بين المسلمين كانت هي الأخرى عاملاً من عوامل ظهور تلك الفرق؛ حيث كثر الكلام حول هؤلاء المتحاربين، وعلى حكم مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أم لا؟[1].

فقالت الخوارج بكفره، وقالت المعتزلة بأنه في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر. وقال الحسن البصري وطائفة من التابعين: إنه منافق؛ لأن الأعمال أدلة على القلوب. وقال جمهور المسلمين: هو مؤمن عاصٍ، أمره بيد الله إن شاء عذَّبه، وإن شاء عفا عنه. وفي وسط هذا الخلاف ظهرت المرجئة فقالت: هو مؤمن ناجٍ؛ لأنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة[2].

وتحديد ظهور أية فرقة أو طائفة مختلَفٌ فيه بين العلماء؛ لأن تلك الفرق لا تظهر فجأة أو دفعة واحدة وإنما تظهر أفكار واتجاهات يلتف البعض حولها حتى تتبلور تلك الأفكار فتكون نواة لمذهب أو فرقة، وعند ذلك يظهر المصطلح وتتحدد الجماعة، من هنا كان الاختلاف حول تحديد ظهور معظم الفرق والطوائف[3].

نشأة المرجئة
الرأي الأقرب إلى الصواب في نشأة المرجئة أنها نشأت بعد ظهور الخوارج والمعتزلة كردِّ فعلٍ لهم؛ لأن الخوارج ترى أن مرتكب الكبيرة كافر مخلَّد في النار، وتكفر عليًّا وعثمان -رضي الله عنهما- والقائلين بالتحكيم.

والمعتزلة تقول: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأنه مخلَّد في النار أيضًا؛ فظهرت المرجئة لتعلن الرأي المقابل لهذين الرأيين وتقول: إن مرتكب الكبيرة مؤمن ناجٍ، وتذهب إلى مسالمة جميع الطوائف، والقول بإيمان ونجاة كل المسلمين.

فالسبب الذي من أجله ظهرت المرجئة هو مغالاة بعض الطوائف في الحكم على المسلمين وتكفير بعض الصحابة؛ فالخوارج يكفِّرون عثمان وعليًّا رضي الله عنهما، والشيعة يكفِّرون أبا بكر وعمر وعثمان ، والمعتزلة يقولون بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وكل طائفة تدَّعِي أنها على الحق وأن ما عداها كافر؛ فظهرت المرجئة تسالم الجميع ولا تكفِّر طائفة منهم، وتقول: إن جميع المؤمنين ناجون يوم القيامة[4].

وإلى جانب هذا العامل الديني في نشأة المرجئة نستطيع أن نجد معه جنبًا إلى جنب العامل السياسي، خاصةً أن الدين كان في تلك الفترة من فجر الإسلام مرتبطًا بالسياسة ارتباطًا وثيقًا؛ لأن السلطة الدينية كانت هي بعينها السلطة السياسية، وعلى ذلك تكون المرجئة قد نشأت باعتبارها حزبًا سياسيًّا مستقلاًّ قام مع الحزبين الآخرين: حزب الشيعة، وحزب الخوارج.

مفهوم الإرجاء
الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير، كما في قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111]، أي: أمهله وأخره. والثاني: إعطاء الرجاء[5]. أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخِّرون العمل عن النية والعقد.

وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.

وقيل: الإرجاء: تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يُقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار. فعلى هذا: المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان.

وقيل: الإرجاء: تأخير علي عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. فعلى هذا: المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان[6].

ومحور مذهب الإرجاء هو مفهوم الإيمان أو مسمَّاه، وقد اختلف المسلمون حول مسمَّى الإيمان ما هو؟

فمنهم من جعل الإيمان مثلث الأركان (تصديق وإقرار وعمل)، ومنهم من اكتفى فيه بالتصديق والإقرار، وأخرج العمل.

ومنهم من جعله التصديق فقط أو الإقرار فقط، إلى آخر ما عُرف من ذلك من خلاف بين فرقهم وطوائفهم[7].

فرق المرجئة
يصل أبو الحسن الأشعري بفرق المرجئة إلى اثنتي عشرة فرقة، هي:

1- الجهميَّة: أتباع الجهم بن صفوان، وهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به. كما زعمت الجهميّة أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعَّض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح[8].

2- الصالحيَّة: أتباع أبي الحسين الصالحي، وهم يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط؛ فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفرٍ، ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله سبحانه أَكْفَرَ من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر. وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله، وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا من آمن بالرسول، ليس لأن ذلك يستحيل، ولكن لأن الرسول قال: ومن لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله. وزعموا أيضًا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر[9].

3- اليونسيَّة: أتباع يونس السمري، يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن. وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله غير أنه كَفَر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري. وزعموا أن الإنسان -وإن كان لا يكون مؤمنًا إلا بجميع الخِلال التي ذكرناها- قد يكون كافرًا بترك خَلَّة منها، ولم يكن يونس يقول بهذا[10].

4- الشِّمْريَّة: أصحاب أبي شمر ويونس، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم، والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخل في الإيمان، ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانًا ولا بعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها إيمانًا لاجتماعها، وشبَّهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بَلْقاء ولا بعض أبلق حتى يجتمع السواد والبياض، فإذا اجتمعا في الدابة سمِّي ذلك بَلَقًا إذا كان بفرسٍ، فإن كان في جمل أو كلب سمِّي بَقَعًا، وجعلوا ترك الخصال كلها وترك كل خصلة منها كفرًا، ولم يجعلوا الإيمان متبعِّضًا ولا محتملاً للزيادة والنقصان.

وحكي عن أبي شمر أنه قال: لا أقول في الفاسق الملِّيِّ فاسق مطلق دون أن أقيد فأقول: فاسق في كذا.

وحكى محمد بن شبيب وعباد بن سليمان عن أبي شمر أنه كان يقول: إن الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار به وبما جاء من عنده. ومعرفة العدل -يعني قوله في القدر- ما كان من ذلك منصوصًا عليه أو مستخرَجًا بالعقول، مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد، وكل ذلك إيمان والعلم به إيمان، والشاكُّ فيه كافر، والشاك في الشاكِّ كافر أبدًا، والمعرفة لا يقولون إنها إيمان ما لم تضمّ الإقرار، وإذا وقعا كانا جميعًا إيمانًا[11].

5- الثوبانيَّة: أصحاب أبي ثَوبان، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله، وما كان جائزًا في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان.

6- النجاريَّة: أتباع الحسين بن محمد النجار، وهم يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله، وفرائضه المجتمَع عليها، والخضوع له بجميع ذلك، والإقرار باللسان، فمن جهل شيئًا من ذلك فقامت به عليه حُجَّة أو عَرَفه ولم يُقِرّ به كَفَر، ولم تسمِّ كل خصلة من ذلك إيمانًا كما حكينا عن أبي شمر. وزعموا أن الخصال التي هي إيمان إذا وقعت فكل خصلة منها طاعة، فإن فعلت خصلة منها ولم تفعل الأخرى لم تكن طاعةً كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة؛ لأن الله أمرنا بالإيمان جملة أمرًا واحدًا، ومن لم يفعل ما أُمر به لم يطع.

وزعموا أن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضهم أعلم بالله وأكثر تصديقًا له من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وأن من كان مؤمنًا لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر[12].

7- الغيلانيَّة: أصحاب أبي مروان غيلان بن مروان الدمشقي، وهم يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية، والمحبة والخضوع، والإقرار بما جاء به الرسول، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار؛ فلذلك لم يجعلها من الإيمان[13].

وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشِّمْرية في الخصلة من الإيمان أنه لا يقال لها إيمان إذا انفردت، ولا يقال لها بعض إيمان إذا انفردت، وأن الإيمان لا يحتمل الزيادة والنقصان، وأنهم خالفوهم في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء مُحْدَثةٌ مدبَّرة ضرورة، والعلم بأن مُحْدِثها ومدبِّرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب، وجعلوا العلم بالنبي وبما جاء من عند الله اكتسابًا، وزعموا أنه من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصًا بإجماع المسلمين، ولم يجعلوا شيئًا من الدين مستخرجًا إيمانًا.

وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية والجهمية والغيلانية والنجارية ينكرون أن يكون في الكُفَّار إيمان، وأن يقال: إن فيهم بعض إيمان؛ إذ كان الإيمان لا يتبعَّض عندهم.

وذكر زرقان عن غيلان أن الإيمان هو الإقرار باللسان وهو التصديق، وأن المعرفة بالله فعل الله، وليست من الإيمان في قليل ولا كثير، واعتلَّ بأن الإيمان في اللغة هو التصديق[14].

8- الشبيبيَّة: أصحاب محمد بن شبيب، وهم يزعمون أن الإيمان الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نصَّ عليه المسلمون ونقلوه عن رسول الله من الصلاة والصيام، وأشباه ذلك مما لا اختلاف فيه بينهم ولا تنازع. وأما ما كان من الدين نحو اختلاف الناس في الأشياء فإن الرادَّ للحق لا يكفر، وذلك أنه إيمان واستخراج ليس يردّ على رسول الله ما جاء به من عند الله سبحانه، ولا على المسلمين ما نقلوه عن نبيهم ونصوا عليه، والخضوع لله هو ترك الاستكبار.

وزعموا أن إبليس قد عرف الله سبحانه وأقرَّ به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر ولولا استكباره ما كان كافرًا، وأن الإيمان يتبعَّض ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها كافرًا بترك بعض الإيمان، ولا يكون مؤمنًا إلا بإصابة الكل. وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء، وفيه خصلة من الإيمان وهو معرفته بالله، وذلك أن الله أمره أن يعرفه وأن يُقِرَّ بما كان عرف، وإن عرف ولم يُقِرّ أو عرف الله سبحانه وجحد أنبياءه، فإذا فعل ذلك فقد جاء ببعض ما أمر به، وإذا كان الذي أُمر به كله إيمانًا فالواحد منه بعض إيمان.

وكان محمد بن شبيب وسائر من قدَّمنا وصفه من المرجئة يزعمون أن مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة العارفين بالله وبرسله المقرِّين به وبرسله، مؤمنون بما معهم من الإيمان، فاسقون بما معهم من الفسق[15].

9- الحنفيَّة: أتباع أبي حنيفة، وهم يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير. وذكر أبو عثمان الأدمي أنه اجتمع أبو حنيفة وعمر بن أبي عثمان الشَّمْزي بمكة، فسأله عمر فقال له: أخبرني عمَّن زعم أن الله سبحانه حرَّم أكل الخنزير، غير أنه لا يدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين. فقال: مؤمن. فقال له عمر: فإنه قد زعم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة، غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا. فقال: هذا مؤمن. قال: فإن قال أعلم أن الله سبحانه بعث محمدًا وأنه رسول الله، غير أنه لا يدري لعله هو الزنجي. قال: هذا مؤمن. ولم يجعل أبو حنيفة شيئًا من الدين مستخرجًا إيمانًا، وزعم أن الإيمان لا يتبعَّض ولا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه.

فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله، والتعظيم له والهيبة منه، وترك الاستخفاف بحقه، وأنه لا يزيد ولا ينقص[16].

وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين) أن أبا حنيفة كان مرجئًا، فعندما ذكر الفرقة التاسعة من المرجئة قال: أبو حنيفة وأصحابه.

كما وردت أخبار عن أبي حنيفة تحاول وصمه بأنه من الجهميَّة يؤمن بالجبر. أما أن أبا حنيفة كان جهميًّا فذلك مستبعد عليه؛ لأنه كان ينكر آراء جهم كما كان ينكر آراء مقاتل بن سليمان، ويتضح ذلك من قوله: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطِّل، ومقاتل مشبِّه"[17].

وقال أيضًا: "أفرط جهم في النفي حتى قال: إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الإثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه"[18].

أما عن كون أبي حنيفة وأصحابه أنهم من المرجئة، فهذا أمر يحتاج إلى توضيح وتفريق فأقول:

أولاً: ربما يكون السبب في نسبة أبي حنيفة إلى الإرجاء هو مخالفته القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول، والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئًا، وكذلك الوعيدية من الخوارج، فلا يبعد أن يكون اللقب إنما لزمه من فريق المعتزلة والخوارج[19].

ثانيًا: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث: أن الإيمان قول بلا عمل، وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران؛ ردًّا على الخوارج وغيرهم الذين يكفِّرون الناس بالذنوب[20].

10- التُّومنيَّة: أتباع أبي معاذ التومني، يزعمون أن الإيمان ما عصم من الكفر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصال التي يكفر بتركها وبترك خصلة منها إيمان، ولا يقال للخصلة منها إيمانٌ ولا بعض إيمان. وكل طاعة إذا تركها التارك لم يُجمِع المسلمون على كفره، فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان، تاركُها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له إنه فَسَق، ولا يسمَّى بالفسق ولا يقال فاسقٌ، وليس تُخرِج الكبائر من الإيمان إذا لم يكن كفرٌ.

وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والردّ لها، والاستخفاف بها كافرٌ بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحلٍّ لتركها متشاغلاً مسوِّفًا يقول: الساعةَ أصلِّي، وإذا فرغتُ من لهوي ومن عملي؛ فليس بكافر إذا كان عزمه أن يصلي يومًا أو وقتًا من الأوقات، ولكن نفسِّقه. وكان أبو معاذ يزعم أن من قتل نبيًّا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة والقتل كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له. وكان يزعم أن الموصوف بالفسق من أصحاب الكبائر ليس بعدوٍّ لله، ولا ولي له[21].

11- المريسيَّة: أتباع بشر المريسي، يقولون: إن الإيمان هو التصديق؛ لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان. ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الرَّاوندِيِّ. وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية، وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرًا، ولا يجوز أن يكون إيمانًا إلا ما كان في اللغة إيمانًا. وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر، ولكنه علامة على الكفر؛ لأن الله بيَّن لنا أنه لا يسجد للشمس إلا كافر[22].

12- الكَرَّاميَّة: أصحاب محمد بن كَرَّام السجستاني، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن يكون معرفة القلب أو شيءٌ غير التصديق باللسان إيمانًا. وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان[23].

مظاهر الغلو في عقائد المرجئة
الغلو لغةً: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء. وغلا في الدين والأمر: جاوز حدَّه. وفي التنزيل: {لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171][24].

والغلو اصطلاحًا: أسلوب من أساليب مقاومة الدين الإسلامي، وفي الحديث: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ"[25]. أي التشدد فيه ومجاوزة الحد[26].

وكانت المرجئة أول أمرها تُرجِئ أمر الصحابة المتقاتلين إلى الله تعالى، وترجئ أمر تعذيب أهل الكبائر إلى الله، ثم غلوا بعد ذلك حتى صاروا إلى قولتهم المغالية المنكرة: "لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة". وقالوا: "إن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقِيَّة وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان".

وقد تظاهر الغلاة بالتظاهر بالإسلام واتخاذه مرتكزًا للعمل من خلاله من أجل هدم الإسلام، ولم يعتمدوا على مجال واحد وإنما عملوا في الفرق والأحزاب السياسية، وفي جميع مظاهر النشاط الإسلامي[27].

وقد شابَتْ عقائد المرجئة -كما شاب غيرها من عقائد الفرق الأخرى- كثيرًا من مظاهر الغلو، منها:

1- أن المذنب من أهل ملتنا مؤمن كامل الإيمان، وإن لم يعمل خيرًا قَطُّ ولا كفَّ عن شرٍّ قط[28].

2- وطوائف من المرجئة قالوا: إن إبليس لم يسأل الله تعالى قَطُّ النظرة، ولا أقرَّ بأن الله تعالى خلقه من نار، وخلق آدم من تراب. وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح[29].

3- لا تضر مع الإسلام سيئة، كما لا ينفع مع الكفر حسنة[30].

4- إن إبليس لم يكفر بمعصية الله في ترك السجود لآدم، ولا بقوله عن آدم أنا أحسن منه، وإنما كفر بجحد لله تعالى كان في قلبه.

5- إن فرعون لم يعرف قَطُّ أن موسى جاء بتلك الآيات حقًّا من عند الله.

6- إن اليهود والنصارى لم يعرفوا أن محمدًا حقٌّ، ولا عرفوا أنه مكتوب، وأن من عرف منهم ذلك وكتمه وتمادى في إعلان الكفر كان مؤمنًا.

7- أرجئوا الحكم حتى على اليهود والنصارى ما داموا مؤمنين بالله.

8- المنافقون -في نظرهم- مؤمنون من أهل الجنة.

9- من آمن بالله وكفر بالنبي فهو مؤمن كافر معًا.

10- النبي لا تلزمه الزكاة؛ لأنه اختار أن يكون عبدًا، والعبد لا زكاة عليه؛ ولذلك لم يرث ولم يورث[31].

[1] د. عبد الفتاح أحمد الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص95.

[2] محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية ص118، د. عبد الفتاح أحمد الفاوي: السابق نفسه ص95، 96.

[3] د. عبد الفتاح الفاوي: السابق نفسه ص99.

[4] د. عبد الفتاح أحمد الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص99.

[5] الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، 1404هـ، 1/138.

[6] المصدر السابق، الصفحة نفسها.

[7] د. عبد الفتاح أحمد الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص116.

[8] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين، تحقيق هلموت ريتر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، ص132.

[9] المصدر السابق ص132، 133.

[10] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين ص133.

[11] السابق نفسه ص134، 135.

[12] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين ص135، 136.

[13] السابق نفسه ص136، د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص36.

[14] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين ص136، 137.

[15] المصدر السابق ص137، 138.

[16] السابق نفسه ص138، 139.

[17] ابن عساكر: تاريخ دمشق 60/122، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 15/212.

[18] ابن حجر: تهذيب التهذيب10/251، د. عبد الفتاح الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص111، 112.

[19] د. عبد الفتاح الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص112.

[20] الذهبي: سير أعلام النبلاء 7/380، المزي: تهذيب الكمال 2/111، 112، البغدادي: تاريخ بغداد 7/18.

[21] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين ص139، 140.

[22] المصدر السابق ص140، 141.

[23] السابق نفسه ص141.

[24] ابن منظور: لسان العرب 15/131.

[25] رواه النسائي (3057)، وابن ماجه (3029)، وأحمد (1851)، وقال الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (2680) في صحيح الجامع.

[26] د. عبد الفتاح الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص118.

[27] السابق نفسه ص119.

[28] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/127.

[29] المصدر السابق 2/90.

[30] السابق نفسه 4/37.

[31] د. عبد الفتاح الفاوي: اختلافات المسلمين بين السياسة والدين ص119، 120.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلــــــــــــــــــــــــــنا اخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوة
السلام عليكم

الخوارج

نشأة الخوارج والتعريف بهم
الخوارجعرّف أهل العلم الخوارج بتعريفات منها ما بيّنه أبو الحسن الأشعري أن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ، وبيّن أن خروجهم عليه هو العلة في تسميتهم بهذا الاسم، حيث قال رحمه الله تعالى: "والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي لما حكم"[1].

فالخوارج هم أولئك النفر الذين خرجوا على عليٍّ بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين، ولهم ألقاب أخرى عرفوا بها غير لقب الخوارج، ومن تلك الألقاب الحرورية والشراة والمارقة والمحكمة وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة؛ فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقين من الدين كما يمرق السهم من الرمية[2].

ومن أهل العلم من يرجّح بداية نشأة الخوارج إلى زمن النبي ويجعل أول الخوارج ذا الخويصرة الذي اعترض على الرسول في قسمة ذهب كان قد بعث به علي من اليمن، ويتضح ذلك من الحديث النبوي الشريف الذي رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري حيث قال:

بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ[3] لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا[4]. قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاَثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: "أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ! قَالَ: "وَيْلَكَ! أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ".

قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟! قَالَ: "لاَ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي". فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ". قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ". وَأَظُنُّهُ قَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ"[5].

ويعلق ابن الجوزي -رحمه الله- على هذا الحديث فيقول: أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة التميمي. وفي لفظ أنه قال له: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ"[6].

فهذا أول خارجي خرج في الإسلام، وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب [7].

وممن أشار بأن أول الخوارج ذو الخويصرة: أبو محمد بن حزم[8]، وكذا الشهرستاني[9]. ومن العلماء من يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان بإحداثهم الفتنة التي أدت إلى قتله ظلمًا وعدوانًا، وسميت تلك الفتنة التي أحدثوها بالفتنة الأولى[10].

وقد أطلق ابن كثير على الغوغاء الذين خرجوا على عثمان وقتلوه اسم الخوارج[11].

الرأي الراجح حول نشأة الخوارج

بالرغم من الارتباط القوي بين ذي الخويصرة والغوغاء الذين خرجوا على عثمان وبين الخوارج الذين خرجوا على علي بسبب التحكيم فإن مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة لا ينطبق إلا على الخارجين بسبب التحكيم؛ بحكم كونهم جماعة في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، أحدثت أثرًا فكريًّا عقديًّا واضحًا، بعكس ما سبقها من حالات[12].

ذم الخوارج في السنة النبوية
لقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي في ذم الخوارج، منها ما روي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ! فَقَالَ: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ -وَهُوَ قِدْحُهُ- فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ".

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ الَّذِي نَعَتَهُ[13].

وعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[14].

وعَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ "قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ"[15].

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلاَفٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لاَ يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: "التَّحْلِيقُ".

وفي رواية عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَحْوَهُ قَالَ: "سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ وَالتَّسْبِيدُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ". قَالَ أَبُو دَاوُد: التَّسْبِيدُ: اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ[16].

وعن أبي كَثِيرٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَيِّدِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ قُتِلَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ، فَكَأَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَتْلِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ حَدَّثَنَا بِأَقْوَامٍ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لاَ يَرْجِعُونَ فِيهِ أَبَدًا حَتَّى يَرْجِعَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ، وَإِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً أَسْوَدَ مُخْدَجَ الْيَدِ إِحْدَى يَدَيْهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، حَوْلَهُ سَبْعُ هُلْبَاتٍ فَالْتَمِسُوهُ؛ فَإِنِّي أُرَاهُ فِيهِمْ. فَالْتَمَسُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى شَفِيرِ النَّهَرِ تَحْتَ الْقَتْلَى فَأَخْرَجُوهُ، فَكَبَّرَ عَلِيٌّ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَإِنَّهُ لَمُتَقَلِّدٌ قَوْسًا لَهُ عَرَبِيَّةً، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهَا فِي مُخْدَجَتِهِ وَيَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ! وَكَبَّرَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهُ وَاسْتَبْشَرُوا، وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَجِدُونَ[17].

مناظرة ابن عباس للخوارج
انفصل الخوارج في جماعة كبيرة من جيش علي أثناء عودته من صفين إلى الكوفة، قُدِّر عددها في بعض الروايات ببضعة عشر ألفًا، وحُدِّد في رواية باثني عشر ألفًا[18]، وفي أخرى بستة آلاف[19]، وفي رواية بثمانية آلاف[20]، وفي رواية بأنهم أربعة عشر ألفًا[21].

وقد انفصل هؤلاء عن الجيش قبل أن يصلوا إلى الكوفة بمراحل، وقد أقلق هذا التفرق أصحاب علي وهالهم، وسار علي بمن بقي من جيشه على طاعته حتى دخل الكوفة، وانشغل أمير المؤمنين بأمر الخوارج، خصوصًا بعدما بلغه تنظيم جماعتهم من تعيين أمير للصلاة وآخر للقتال، وأن البيعة لله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعني انفصالهم فعليًّا عن جماعة المسلمين[22].

وكان أمير المؤمنين علي حريصًا على إرجاعهم إلى جماعة المسلمين، فأرسل ابن عباس إليهم لمناظرتهم، وهذا ابن عباس يروي لنا ذلك فيقول: "... فقمت وخرجت ودخلت عليهم في نصف النهار وهم قائمون فسلمت عليهم فقالوا: مرحبًا بك يابن عباس! فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي وصهره وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد لأبلغكم ما يقولون وتخبرون بما تقولون. قلت: أخبروني ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله وابن عمه؟

قالوا: ثلاثًا.

قلت: ما هن؟

قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله فكفر، وقال الله تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [الأنعام: 57]، ما شأن الرجال والحكم؟

فقلت: هذه واحدة.

قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، فإن كانوا كفارًا سلبهم، وإن كانوا مؤمنين ما أحل قتالهم.

قلت: هذه اثنان، فما الثالثة؟

قالوا: إنه محا اسمه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.

قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟

قالوا: حسبنا هذا.

قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سُنَّة نبيه ما يردّ قولكم، أترضون؟!

قالوا: نعم.

قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيّر الله حكمه إلى الرجال في ثُمُن ربع درهم، فأمر الله الرجال أن يحكموا فيه، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95]. فنشدتكم بالله تعالى، أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟! وأنتم تعلمون أن الله تعالى لو شاء لحكم ولم يصيّر ذلك إلى الرجال. قالوا: بل هذا أفضل. وفي المرأة وزوجها قال الله : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

قلت: وأما قولكم قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، أفتسلبون أُمَّكم عائشة -رضي الله عنها- ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، ولئن قلتم ليست بأمِّنا فقد كفرتم؛ لأن الله تعالى يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]. فأنتم تدورون بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج!

قلت: فخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون وأراكم قد سمعتم أن النبي يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي : "اكتبْ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ". فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله لأطعناك، فاكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله : "امْحُ يَا عَلِيُّ رَسُولَ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ، امْحُ يَا عَلِيُّ، وَاكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". فوالله رسول الله خير من عليٍّ، وقد محا نفسه ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة. أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقُتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار[23].

خروج علي لمناظرة بقية الخوارج
بعد مناظرة ابن عباس للخوارج واستجابة ألفين منهم له، خرج أمير المؤمنين علي بنفسه إليهم فكلمهم فرجعوا ودخلوا الكوفة، إلا أن هذا الوفاق لم يستمر طويلاً؛ بسبب أن الخوارج فهموا من علي أنه رجع عن التحكيم وتاب من خطيئته -حسب زعمهم- وصاروا يذيعون هذا الزعم بين الناس، فدخل الأشعث بن قيس الكندي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن كفرك.

فلما أن كان الغد الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فخطب، فذكّرهم مباينتهم الناس وأمرهم الذي فارقوه فيه، فعابهم وعاب أمرهم. فلما نزل المنبر تنادوا من نواحي المسجد "لا حكم إلا لله"، فقال علي: حكم الله أنتظر فيكم. ثم قال بيده هكذا يسكتهم بالإشارة، وهو على المنبر حتى أتى رجل منهم واضعًا إصبعيه في أذنيه[24] وهو يقول: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]. فقال علي: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60].

وأعلن أمير المؤمنين علي سياسته الراشدة العادلة تجاه هذه الجماعة المتطرفة، فقال لهم: إن لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا[25].

فقد سلم لهم أمير المؤمنين علي بهذه الحقوق ما داموا لم يقاتلوا الخليفة، أو يخرجوا على جماعة المسلمين، مع احتفاظهم بتصوراتهم الخاصة في إطار العقيدة الإسلامية فهو لا يخرجهم بداية من الإسلام، وإنما يسلم لهم بحق الاختلاف دون أن يؤدي إلى الفُرقة وحمل السلاح[26].

وعنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَنَحْنُ عِنْدَهَا جُلُوسٌ مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ؟

قَالَ: وَمَا لِي لاَ أَصْدُقُكِ!

قَالَتْ: فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ.

قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلاَفٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ فَلاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا أَنْ امْتَلأَتْ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثْ النَّاسَ.

فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَسْأَلُ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِينَا مِنْهُ، فَمَاذَا تُرِيدُ؟

قَالَ: أَصْحَابُكُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ خَرَجُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35].

فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنْ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ. وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فَقَالَ سُهَيْلٌ: لاَ تَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ: "كَيْفَ نَكْتُبُ؟" فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "فَاكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ". فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْكَ. فَكَتَبَ "هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا"[27]، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} [الأحزاب: 21].

وعندما أيقن الخوارج أن عليًّا عازم على إنفاذ أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- حكمًا، طلبوا منه الامتناع عن ذلك، فأبى عليٌّ عليهم ذلك، وبيّن لهم أن هذا يعدّ غدرًا ونقضًا للأيمان والعهود، فقد كتب بينه وبين القوم عهودًا، وقد قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91].

فقرر الخوارج الانفصال عن عليٍّ وتعرضوا له في خطبه، وأسمعوه السبَّ والشتم والتعريض بآيات من القرآن[28].

ثم اجتمع الخوارج لتعيين أمير عليهم في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهّدهم في الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة.

ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].

ثم قام سنان بن حمزة الأسدي فقال: يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من عمادٍ وسنان، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها. فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي -وكان من رءوسهم- فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شُريح بن أبي أوفى العبسيّ فأبى، وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال: أما والله لا أقبلها رغبةً في الدنيا ولا أدعها فَرَقًا من الموت[29].

واجتمعوا أيضًا في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن، منها قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]. ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حقٌّ على المؤمنين. فبكى رجل منهم يقال له: عبد الله بن سخبرة السلمي، ثم حرّض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قُتلتم فأيُّ شيءٍ أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته؟!

ويعلق ابن كثير على فساد عقيدتهم فيقول: "وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوّع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم!"[30].

وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورون[31] في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103-105].

"والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلاَّل، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها، ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم -ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها ويكون اجتماعهم عليها.

فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشًا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعاتٍ، ولكن اخرجوا وحدانًا؛ لئلاّ يفطن بكم. فكتبوا كتابًا عامًّا إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها، وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدًا واحدة على الناس.

ثم خرجوا يتسللون وحدانًا لئلاّ يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زيّنه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته، إنه مجيب الدعوات. وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنّبوهم ووبّخوهم، فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنه من فرّ بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة"[32].

فكتب عليٌّ إلى الخوارج بالنهروان: أما بعد، فقد جاءكم ما كنتم تريدون، قد تفرّق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه؛ فإني أريد المسير إلى الشام. فأجابوه أنه لا يجوز لنا أن نتخذك إمامًا وقد كفرت حتى تشهد على نفسك بالكفر، وتتوب كما تبنا، فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك. فلما قرأ جواب كتابه إليهم يئس منهم؛ فرأى أن يمضي من معسكره بالنخيلة وقد كان عسكر بها -حين جاء خبر الحكمين- إلى الشام، وكتب إلى أهل البصرة في النهوض معه[33].

معركة النهروان 38هـ
سبب المعركة:

كانت الشروط التي أخذها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على الخوارج أن لا يسفكوا دمًا ولا يروعوا آمنًا ولا يقطعوا سبيلاً، وإذا ارتكبوا هذه المخالفات فقد نبذ إليهم الحرب؛ ونظرًا لأن الخوارج يكفرون من خالفهم ويستبيحون دمه وماله، فقد بدءوا بسفك الدماء المحرمة في الإسلام، وقد تعددت الروايات في ارتكابهم المحظورات؛ فعن رجل من عبد القيس قال: كنت مع الخوارج فرأيت منهم شيئًا كرهته، ففارقتهم على أن لا أكثر عليهم، فبينا أنا مع طائفة منهم إذ رأوا رجلاً خرج كأنه فزع، وبينهم وبينه نهر، فقطعوا إليه النهر فقالوا: كأنَّا رعناك؟

قال: أجل.

قالوا: ومن أنت؟

قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرَتّ.

قالوا: عندك حديث تحدثناه عن أبيك عن رسول الله ؟

قال: سمعته يقول: إنه سمع النبي يقول: "إن فتنة جائية القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فإذا لقيتهم، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فلا تكن عبد الله القاتل"[34].

فأخذوه وسرية له معه، فمرّ بعضهم على تمرة ساقطة من نخلة فأخذها فألقاها في فِيه، فقال بعضهم: تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه، ثم مروا على خنزير فنفحه بعضهم بسيفه، فقال بعضهم: خنزير معاهد، فبم استحللته؟

فقال عبد الله: ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا؟!

قالوا: نعم.

قال: أنا. فقدموه فضربوا عنقه، فرأيت دمه يسيل على الماء كأنه شراك نعل اندفر بالماء حتى توارى عنه، ثم دعوا بسرية له حبلى فبقروا عما في بطنها[35].

فأثار هذا العمل الرعب بين الناس وأظهر مدى إرهابهم ببقر بطن هذه المرأة وذبحهم عبد الله كما تذبح الشاة، ولم يكتفوا بهذا بل صاروا يهددون الناس قتلاً، حتى إن بعضهم استنكر عليهم هذا العمل قائلين: ويلكم ما على هذا فارقنا عليًّا[36].

بالرغم من فظاعة ما ارتكبه الخوارج من منكرات بشعة، لم يبادر أمير المؤمنين علي إلى قتالهم، بل أرسل إليهم أن يسلموا القتلة لإقامة الحد عليهم، فأجابوه بعناد واستكبار: وكيف نقيدك وكلنا قتله؟ قال: أوَكلكم قتله؟ قالوا: نعم[37]. فسار إليهم بجيشه الذي قد أعدَّه لقتال أهل الشام في شهر المحرم من عام 38هـ، وعسكر على الضفة الغربية لنهر النهروان، والخوارج على الضفة الشرقية بحذاء مدينة النهروان[38].

وكان أمير المؤمنين علي يدرك أن هؤلاء القوم هم الخوارج الذين عناهم رسول الله بالمروق من الدين؛ لذلك أخذ يحث أصحابه أثناء مسيرهم إليهم ويحرضهم على قتالهم.

وعسكر الجيش في مقابلة الخوارج يفصل بينهما نهر النهروان، وأمر جيشه ألاّ يبدءوا بالقتال حتى يجتاز الخوارج النهر غربًا، وأرسل علي رسله يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، وأرسل إليهم البراء بن عازب يدعوهم ثلاثة أيام فأبوا[39]، ولم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسله، واجتازوا النهر.

وعندما بلغ الخوارج هذا الحد وقطعوا الأمل في كل محاولات الصلح وحفظ الدماء، ورفضوا عنادًا واستكبارًا العودة إلى الحق وأصروا على القتال، قام أمير المؤمنين بترتيب جيشه وتهيئته للقتال، فجعل على ميمنته حجر بن عدي وعلى الميسرة شبث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة -وكانوا سبعمائة- قيس بن سعد بن عبادة، وأمر عليٌّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج، ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا. فانصرف منهم طوائف كثيرون، وكانوا أربعة آلاف فلم يبقَ منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله بن وهب الراسبي[40].

نشوب القتال:

زحف الخوارج إلى علي فقدّم عليٌّ بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصفّ الرجّالة وراء الخيّالة، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم، وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة. وبعد معركة حاسمة وقصيرة أخذت وقتًا من اليوم التاسع من شهر صفر عام 38هـ، وأسفرت هذه المعركة الخاطفة عن عددٍ كبير من القتلى في صفوف الخوارج، فتذكر الروايات أنهم أصيبوا جميعًا، ويذكر المسعودي: أن عددًا يسيرًا لا يتجاوز العشرة فروا بعد الهزيمة الساحقة[41]. أما جيش علي فقد قُتل منه رجلان فقط[42]. وقيل: قتل من أصحاب عليٍّ اثنا عشر أو ثلاثة عشر[43]. وقيل: لم يقتل من المسلمين إلا تسعة رهط[44].

ذو الثدية وأثر مقتله في جيش علي:

كان علي يتحدث عن الخوارج منذ ابتداء بدعتهم، وكثيرًا ما كان يتعرض إلى ذكر ذي الثُّدَيَّة، وأنه علامة هؤلاء، ويسرد أوصافه، وبعد نهاية المعركة الحاسمة أمر علي أصحابه بالبحث عن جثة المُخْدَجِ؛ لأن وجودها من الأدلة على أن عليًّا على حقٍّ وصواب. وبعد مدة من البحث مرت على عليٍّ وأصحابه، وجد أمير المؤمنين علي جماعة مكوّمة بعضها على بعض عند شفير النهر، قال: أخرجوهم. فإذا المخدج تحتهم جميعًا مما يلي الأرض، فكبّر علي ! ثم قال: صدق الله وبلّغ رسوله! وسجد سجود الشكر، وكبّر الناس حين رأوه واستبشروا[45].

معاملة علي للخوارج:

عامل أمير المؤمنين علي الخوارج قبل الحرب وبعدها معاملة المسلمين، فما إن انتهت المعركة حتى أصدر أمره في جنده ألاّ يتبعوا مُدبِرًا أو يذففوا على جريح أو يمثِّلوا بقتيل، يقول شقيق بن سلمة المعروف بأبي وائل -أحد فقهاء التابعين وممن شهد مع عليٍّ حروبه-: لم يسْبِ عليٌّ يوم الجمل ولا يوم النهروان[46].

الثورة المستمرة وخلافاتهم وانقسامهم
إن فرقة من فرق الإسلام لم تسلك طريق الثورة كما سلكته فرقة الخوارج، حتى لقد أصبحت ثوراتهم وانتفاضاتهم أشبه بالثورة المستمرة في الزمان والمنتشرة في المكان ضد الأمويين، بل وضد علي بن أبي طالب منذ التحكيم وحتى انقضاء عهده سنة 40هـ. وعلى درب ثورتهم المستمرة هذه كانت معاركهم المتفردة بالاستبسال والفناء في الهدف والمبدأ، معالم تستنفر دماء شهدائهم وذكريات ضحاياهم فيها اللاحقين للاقتداء بالسابقين.

وبعد هزيمتهم في النهروان بشهرين تجددت ثورتهم فقاتلوا جيش علي ثانية في الدَّسْكَرَة بأرض خراسان في ربيع الثاني سنة 38هـ، وكانت قيادتهم لأشرس بن عوف الشيباني.

وفي الشهر التالي لهزيمة الدسكرة تجددت ثورتهم بقيادة هلال بن علفة وأخيه مجالد فقاتلوا جيش عليٍّ للمرة الثالثة عند (ماسبذان) بأرض فارس في جمادى الأولى سنة 38هـ.

وبعد هزيمة ماسبذان قادهم الأشهب بن بشر البجلي في خروج آخر في نفس العام، فحاربوا في جرجرايا على نهر دجلة.

وفي رمضان سنة 38هـ زحفوا بقيادة أبي مريم -من بني سعد تميم- إلى أبواب الكوفة، فحاربوا جيش علي بن أبي طالب ، وهُزِمُوا هناك.

وبعد مقتل علي وتنازل ابنه الحسن لمعاوية بدأت حرب الخوارج لأهل الشام، ولقد كادوا يهزمون جيش معاوية في أول لقاء لهم به، لولا أن استعان عليهم بأهل الكوفة.

وفي سنة 41هـ قاد سهم بن غالب التميمي والخطيم الباهلي تمردًا داخليًّا ضد بني أمية استمر حتى قضى عليه زياد بن أبيه قرب البصرة سنة 46هـ، أي بعد خمس سنوات[47].

واستمرت ثوراتهم ضد الأمويين، ففي آخر شوال سنة 64هـ بدأت ثورتهم الكبرى بقيادة نافع بن الأزرق، وهي الثورة التي بدأت بكسر أبواب سجون البصرة، ثم خرجوا يريدون الأهواز.

وفي سنة 76هـ وسنة 77هـ تمكّنوا بقيادة شبيب بن يزيد بن نعيم من إيقاع عدة هزائم بجيوش الحجاج بن يوسف الثقفي.

وغير ذلك من الثوارات التي استمرت حتى أواخر الدولة الأموية.

وجدير بالذكر أن هذه الثورات الخارجية وإن لم تنجح في إقامة دولة مستقرة يستمر حكم الخوارج فيها طويلاً إلا أنها قد أصابت الدولة الأموية بالإعياء حتى انهارت انهيارها السريع تحت ضربات الثورة العباسية في سنة 132هـ؛ فالعباسيون قد قعدوا عن الثورة قُرابة قرن بينما قضى الخوارج هذا القرن في ثورة مستمرة، ثم جاء القَعَدَةُ فقطفوا ثمار ما زرعه الثوّار[48].

خلافات وانقسامات الخوارج

الخوارج مثلهم كمثل سائر الفرق الإسلامية لم يمنعهم الاتفاق في الأصول من الاختلاف في الفروع والمسائل، فشهد تاريخهم عددًا من الانقسامات قادها عدد من أعلامهم وأئمتهم، ولقد ظل الخوارج بعيدين عن الانقسام حتى عهد إمامهم نافع بن الأزرق (65هـ)، الذي مثّلت فرقته "الأزارقة" أول انقسام داخل تيار الخوارج العام.

وبعد أن استشرت الانقسامات والاختلافات في المسائل والفروع ظلت الجماعات الرئيسية في حركة الخوارج هي:

1- الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق.

2- النجدات: أتباع نجدة بن عامر الحنفي.

3- الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض.

4- الصفرية: نسبة إلى زياد الأصفر، أو النعمان بن الأصفر، أو عبد الله بن صفّار على خلاف في ذلك.

ولقد انقرضت هذه الفروع الخارجية ولم يبقَ من الخوارج سوى الإباضية الذين لا تزال لهم بقايا حتى الآن في أجزاء من الوطن العربي وشرقي إفريقيا، وبالذات في عُمان على الخليج العربي، وفي أنحاء من المغرب العربي (تونس والجزائر)، وفي الجنوب الشرقي للقارة الإفريقية (زنجبار)[49].

عقائد الخوارج
مع مرور الزمن استقرت آراء عقائدية خاصة بفرقة الخوارج، خالفوا فيها كتاب الله وسنة رسوله ، ومن هذه الاعتقادات:

1- تكفير صاحب الكبيرة:

إن الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بخلوده في النار، وقد استدلوا على معتقدهم ذلك بأدلة، منها قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]. فقد استدلوا بهذه الآية على تخليد أصحاب المعاصي في النار، وقالوا: إنه لا أمل للعاصي الذي يموت على معصيته في رحمة الله[50]. فزعموا أن الخطيئة تحيط بالإنسان، فلا يبقى له معها حسنة مقبولة، حتى الإيمان فإنها تذهبه. ولكن الأمر عكس ما ذهبوا إليه تمامًا، وهذه الآية نفسها تردّ مذهبهم، فقد دلت على أن من أحاطت به خطيئته فإنه يخلد في النار، وليس هناك خطيئة تحيط بالإنسان وتحبط أعماله ويخلد بسببها في النار إلا الكفر والشرك بالله. ويؤيد هذا أن تلك الآية نزلت في اليهود، وهم قد أشركوا بالله وحادوا عن سبيله[51].

2- وكان الأزارقة -فرقة من غلاة الخوارج- يقولون: إن جميع مخالفيهم من المسلمين مشركون، وإن من لا يسارع إلى دعوتهم واعتناق مذهبهم فإن دمه ودم نسائه وأطفاله حلال، وقد كفّروا علي بن أبي طالب واعتبروا قاتله عبد الرحمن بن ملجم شهيدًا بطلاً[52].

3- وإن (النجدات) من الخوارج يرون أنه لا حاجة إلى إمامٍ إذا أمكن الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن التناصف لا يتم إلا بإمام يحملهم على الحق فأقاموه جاز، فإقامة الإمام -في نظرهم- ليست واجبة بإيجاب الشرع، بل جائزة، وإذا وجبت فإنما تجب بحكم المصلحة والحاجة[53].

4- الخلافة لا تنحصر في قومٍ بعينهم:

كان الخوارج يرون أن الخلافة لا ينبغي أن تنحصر في قوم بعينهم، بل إن كل مسلم صالح للخلافة ما دام قد توافرت فيه شروطها من إيمان وعلم واستقامة، شريطة أن يبايع بها، ولا بأس بعد ذلك في أن يكون من الفرس أو الترك أو الحبش؛ فالمعنى العصبي الأرستقراطي بعيد عن تفكيرهم، بل عدو لمنهجهم ومسلكهم، واقتصار الخلافة على جنس بعينه -كالجنس العربي- أمر يحاربونه كل المحاربة[54].

فخرجوا على أئمة المسلمين عند أتفه الأسباب، وقد فعلوا ذلك مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فسفكوا الدماء وقطعوا السبل وضيعوا الحقوق، وسعوا في إضعاف المسلمين حتى تكالبت عليهم الأعداء.

ومما سبق يتضح أن الخوارج خالفت ما كان عليه جمهور المسلمين من اشتراط النسب القرشي في الإمام، وقالوا: إنه لا خصوصية لقريش فيها ولا مزية لهم عن سواهم، بل كل ما صار أهلاً لها، جاز توليته من دون أي نظر في نسبه[55].

5- الثورة على أئمة الجور:

أجمع الخوارج على وجوب الخروج (الثورة) على أئمة الجور والفسق والضعف؛ فعندهم أن الخروج يجب إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلاً ويسمون هذا الحد "حد الشراء"، أي الذين اشتروا الجنة عندما باعوا أرواحهم فعليهم وجب الخروج حتى يموتوا أو يظهر دين الله ويخمد الكفر والجور. ولا يحل عندهم المقام والقعود غير ثائرين إلا إذا نقص العدد عن ثلاثة رجال، فإن نقصوا عن الثلاثة جاز لهم القعود وكتمان العقيدة، وكانوا على "مسلك الكتمان".

وهناك غير "حد الشراء" و"مسلك الكتمان" حد الظهور، وذلك عند قيام دولتهم ونظامهم تحت قيادة "إمام الظهور" و"حد الدفاع" وهو التصدي لهجوم الأعداء تحت قيادة إمام الدفاع[56]. ويعبر أبو الحسن الأشعري عن إجماع الخوارج على وجوب الثورة بقوله: "وأما السيف فإن الخوارج تقول به وتراه إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغير السيف"[57].

6- إثبات إمامة الصِّدِّيق والفاروق وتكفير عثمان وعلي :

فهم يعتقدون أن إمامة أبي بكر وعمر إمامة شرعية لا شك في صحتها ولا ريب عندهم في شرعيتها، وأن إمامتهما كانت برضا المؤمنين ورغبتهم وأنهما سارا على الطريق المستقيم الذي أمر الله به لم يغيِّرا ولم يبدلا حتى توفهما الله تعالى. وهذا المعتقد للخوارج تجاه الشيخين حالفهم فيه السداد والصواب، لكنهم هلكوا فيمن بعدهما؛ حيث قادهم الشيطان وأخرجهم عن الحق والصواب في اعتقادهم في عثمان وعلي -رضي الله عنهما- فلقد حملهم على إنكار إمامة عثمان في المدة التي نقم عليه أعداؤه فيها، كما أنكروا إمامة عليٍّ أيضًا بعد التحكيم ، بل أدى بهم سوء معتقدهم إلى تكفيرهما، وتكفير طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عباس ، وأصحاب الجمل وصفين.

وقد دوّن أهل العلم هذا المعتقد السيِّئ عنهم في كتبهم[58]، فقد قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: "والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر وينكرون إمامة عثمان -رضوان الله عليهم- في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها، ويقولون بإمامة عليٍّ قبل أن يحكم، وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم، ويكفرون معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري"[59].

7- الاختيار والبيعة هما الطريق لنصب الإمام:

يقف الخوارج مع الرأي القائل بأن "الاختيار والبيعة" هما الطريق لنصب الإمام، ومن ثَمَّ فهم أعداء لفكر الشيعة القائل: إن الإمامة شأن من شئون السماء لا اختصاص فيها للبشر، وإن السماء قد حددت لها أئمة بذواتهم نصّت عليهم، وأوصت لهم قبل وفاة الرسول .

وهم أعداء كذلك لمن زعم من السُّنة أن النص والوصية والتعيين قد سبقت من الرسول بالإمامة والخلافة لأبي بكر الصديق ، مثل فرقة "البكرية".

وعندهم -أيضًا- أن الإمامة من الفروع فليست من أصول الدين -خلافًا للشيعة-؛ ولذلك قالوا: إن مصدرها هو الرأي وليس الكتاب أو السنة[60].

8- إثبات صفة العدل لله:

اتفق الخوارج على نفي الجور عن الله I بمعنى إثبات القدرة والاستطاعة المؤثرة للإنسان، ومن ثَمَّ تقرير حريته واختياره؛ ففعله المقدور له هو من صنعه على سبيل الحقيقة لا المجاز، ومن هنا فإن مسئوليته متحققة عن فعله هذا، فجزاؤه بالثواب والعقاب عدل، على عكس مؤدَّى قول الجبرية الذي يقتضي قولهم بالجبر إلحاق الجور بالخالق -تعالى عن ذلك- لإثابته من لا يستحق، وعقابه من لا حيلة له في الذنب ولا سبيل له للفكاك من المكتوب المقدور[61].

9- تنزيه الذات الإلهية عن أي شبهة بالمحدثات:

أجمع الخوارج على تنزيه الذات الإلهية عن أي شبهة بالمحدثات بما في ذلك نفي مغايرة صفات الله لذاته، أو زيادتها عن الذات، وذلك حتى لا يفتح الباب لشبهة توهم تعدد القدماء، وانطلاقًا من هذا الموقف قالوا: بخلق القرآن -كلام الله- حتى لا يؤدي القول "بقدم الكلمة" إلى ما أدى إليه في المسيحية، عندما قال اللاهوتيون بالتثليث؛ لأن "كلمة الله " -عيسى بن مريم- قديمة كالله[62].

10- صدق وعد الله ووعيده:

قالت الخوارج بصدق وعد الله للمطيع، وصدق وعيده للعاصي دون أن يتخلف وعده أو وعيده لسبب من الأسباب[63].

11- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

تميز موقف الخوارج عن بعض الذين قالوا بهذا الأصل من أهل السنة وأصحاب الحديث، ذلك أن الخوارج قد جعلوا لهذا الأصل صلة وثيقة بالفكر السياسي، والتغيير للظلم والجور الذي طرأ ويطرأ على المجتمعات كما جعلوا القوة -قضية السيف- أداة أصيلة وسبيلاً رئيسيًا من أدوات النهي عن المنكر، وسبل التغيير للجور والفساد[64].

12- وفوق ذلك فإن الخوارج قد جمعتهم تقاليد اشتهرت عنهم في القتال، وزهد اتصفوا به في الثروة، فحررهم ذلك من قيود الحرص على الاقتناء، وأعانهم على الانخراط في الثورات والرحيل الأسرع في ركاب الجيوش الثائرة[65].

دول الخوارج
برزت الخوارج الصفرية في المغرب الأقصى وسيطرت عليه، وظهرت الخوارج الإباضية في المغرب الأدنى والأوسط، وأخضعت أجزاء واسعة لنفوذها[66].

فقد قامت دولة للخوارج الصفرية في سجلماسة تدعى (دولة بني مدرار)[67].

كما قامت دولة للخوارج الإباضية في (تاهرت)، إذ أسسوا هذه المدينة عام 161هـ، وأصبح عبد الرحمن بن رستم إمامًا لهذه الدولة (الدولة الرستمية)، التي استمرت من سنة 160هـ حتى سنة 296هـ[68].

أما القطر العماني فقد ظل منذ فجر الإسلام مستقرًّا للمذهب الإباضي، وكان من الأمور الطبيعية أن يسيطر أبناء المذهب على نظام الحكم فيه في شكل إمامة تستمد نظام حكمها وأحكامها من المذهب الشائع بين أهل البلاد.

الإمامة الأولى (إمامة الجلندى):

بدأت الإمامة الأولى في عمان المستقلة سنة 132هـ على وجه التحديد، وهي السنة التي سقطت فيها دولة بني أمية وقامت دولة بني العباس، وكان أول إمام هو الجلندَى بن مسعود بن جلندَى الجلنداني.

ومن الأحداث الطريفة التي ارتبطت بالسنة التي تولى فيها الجلندى الإمامة 132هـ أنه فضلاً عن سقوط بني أمية وقيام خلافة بني العباس، اجتمع فيها ثلاثة أئمة في وقت واحد هم: الجلندى في عمان، وطالب الحق عبد الله بن يحيى في اليمن، وأبو الخطاب المعافري في إفريقية، والأمر الأكثر طرافة أن ثلاثتهم من الإباضية؛ ومن ثَمَّ فقد أطلق على تلك السنة سنة الإمامة.

إمامة الخروصيين:

ظلت أمور عمان مضطربة حتى قيض الله لتلك البلاد إمامًا من بني خروص هو الوارث بن كعب الذي بويع له سنة 179هـ، وقد عاشت دولة بني خروص حتى بعد سنة 400هـ بقليل.

لقد انتهت إمامة الخروصيين نهاية حزينة وآلت من بعدهم إلى النباهنة الذين لم تكن حال عمان في عصرهم -من حيث الأمن والاستقرار- بأفضل من عهد سابقيهم، الأمر الذي هيأ لإمامة جديدة في أسرة جديدة.

إمامة اليعاربة:

كان ناصر بن مرشد بن سلطان اليعربي الحميري الأزدي أول إمام يعربي ولي الإمامة سنة 1034هـ.

إمامة البوسعيدية:

انتقل ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد البوسعيدي سنة 1154هـ، وهو جَدُّ الأسرة الحاكمة في عمان في الوقت الحالي[69].

[1] الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين 1/207، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 2/113، الشهرستاني: الملل والنحل 1/132، ابن حجر: هدي الساري في مقدمة فتح الباري ص459.

[2] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين 1/207.

[3] أديم مقروظ: في جلد مدبوغ بالقرظ.

[4] أي: لم تميز ولم تصف من تراب معدنها.

[5] صحيح البخاري (4004)، صحيح مسلم (1763)، مسند أحمد (10585).

[6] صحيح البخاري (3341)، ( 5697)، (6421)، سنن ابن ماجه (168)، مسند أحمد (11112)، (14276)، (14292).

[7] ابن الجوزي: تلبيس إبليس ص90.

[8] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/157.

[9] الشهرستاني: الملل والنحل 1/134.

[10] د. ناصر علي عائض حسن الشيخ: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام 3/1141.

[11] ابن كثير: البداية والنهاية 7/202.

[12] العواجي: فرق معاصرة 1/67، عبد الحميد علي ناصر فقيهي: خلافة علي بن أبي طالب ص297، د. علي الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص16.

[13] صحيح البخاري (3341 ).

[14] صحيح مسلم (1771).

[15] صحيح مسلم (1776).

[16] سنن أبي داود (4137).

[17] مسند أحمد (635).

[18] البغدادي: تاريخ بغداد 1/160.

[19] النسائي: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص200.

[20] ابن كثير: البداية والنهاية 7/280، 281.

[21] مصنف عبد الرزاق 10/157-160.

[22] د. علي محمد الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص22.

[23] النسائي: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص200.

[24] ابن أبي شيبة الكوفي: المصنف 1/733، 734، الطبري: تاريخ الأمم والملوك 3/114.

[25] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 3/114.

[26] حامد عبد الماجد: الوظيفة العقدية للدولة الإسلامية ص47.

[27] مسند أحمد (621).

[28] ابن كثير: البداية والنهاية 7/315، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص29.

[29] ابن كثير: البداية والنهاية 7/316.

[30] السابق نفسه، الصفحة نفسها.

[31] السابق نفسه، الصفحة نفسها.

[32] ابن كثير: البداية والنهاية 7/317.

[33] البلاذري: أنساب الأشراف 1/343.

[34] مصنف ابن أبي شيبة 8/732.

[35] مصنف ابن أبي شيبة 8/732، 733، الطبري: تاريخ الأمم والملوك 3/118، البغدادي: تاريخ بغداد 1/94.

[36] مصنف ابن أبي شيبة 8/737 .

[37] المصدر السابق، الصفحة نفسها.

[38] د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص33.

[39] البيهقي: السنن الكبرى 8/179.

[40] د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة ص34.

[41] المصدر السابق ص34-36.

[42] صحيح مسلم (1773).

[43] ابن أبي شيبة الكوفي: المصنف 5/311.

[44] البغدادي: تاريخ بغداد 1/83.

[45] ابن أبي شيبة الكوفي: المصنف 15/317-319.

[46] البيهقي: السنن الكبرى 8/182.

[47] د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص27، 28.

[48] المصدر السابق ص29، 30.

[49] د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص31-33.

[50] علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ 1/133.

[51] الشوكاني: فتح القدير 1/105.

[52] د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص133.

[53] الإمام أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية.

[54] د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص130.

[55] أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين 1/204، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/89،

د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص55، 56.

[56] د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص22.

[57] الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/32.

[58] د. ناصر علي عائض حسن الشيخ: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام 3/1157، د. الصلابي: فكر الخوارج والشيعة ص61.

[59] الأشعري: مقالات الإسلاميين 1/204.

[60] د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص23.

[61] المصدر السابق ص24.

[62] السابق نفسه، الصفحة نفسها.

[63] د. محمد عمارة: تيارات الفكر الإسلامي ص24.

[64] المصدر السابق ص24.

[65] السابق نفسه، الصفحة نفسها.

[66] محمود شاكر: الدولة العباسية 5/87.

[67] المصدر السابق 5/161.

[68] السابق نفسه 5/134، د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص163.

[69] د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص151-159.

موقع قصة الاسلام
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلنا اخوة​
السلام عليكم

البـابية

الاستعمار والحركات الهدامة

الاستعمار والحركات الهدامة تعرَّض العالم الإسلامي في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي إلى هجمة شرسة من الاستعمار الغربي، ووقع العديد من الدول الإسلامية في أسر هذه القوى الاستعمارية التي عملت على استنزاف ثروات المسلمين حتى آخر قطرة.

ووجد دعاة الباطنية والتيارات المنحرفة والحركات الهدَّامة في جوِّ الهزيمة التي عانى منها العالم الإسلامي فرصة سانحة أمامهم لنشر أفكارهم الضَّالة وبثِّ سمومهم في المجتمعات الإسلامية، وكانت فكرة المهدي المنتظر من أهم الأفكار التي وجدت رواجًا شائعًا في هذه الأثناء، وكانت تعبيرًا واضحًا عن روح الضعف والتخاذل التي دبَّت في صفوف المسلمين، فلم يكن في استطاعتهم مواجهة الواقع المرير الذي عاشوا فيه؛ ولذلك تمنَّوا أن يخرج عليهم المنقذ لينتشلهم ويعيدهم إلى الحياة التي تمنوها لأنفسهم.

في إيران بدأ رجل يُدعى الشيخ أحمد الأحسائي يدعو إلى مذهب جديد يحتوي على العديد من الأفكار الغريبة، وأخذ يجوب البلاد داعيًا لمذهبه الذي يبشِّر بقرب ظهور الإمام الغائب ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا. ولا شك أن الشيعة أكثر الناس تعلقًا بذلك؛ إذ كل فرق الشيعة على اختلاف مذاهبها تؤمن بالإمام الغائب وينتظرون خروجه بين عشية وضحاها، وأُطلق على مذهب الشيخ أحمد الأحسائي اسم المذهب الشيخي[1].

النشأة والمؤسس
خرجت الدعوة البابية الضالة من رحم المذهب الشيخي الشيعي في عام 1260ه‍ـ الموافق 1844م، وحظيت برعاية القوى الاستعمارية الكبرى الطامعة في المناطق الفارسية مثل روسيا وإنجلترا والصهيونية العالمية؛ بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وَحْدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.

أسس الدعوة البابية الميرزا عليّ محمد رضا الشيرازي، الذي ولد في عام 1819م في مدينة شيراز الإيرانية، وتلقى تعليمه الأولي على يد دعاة الشيخية من الشيعة، وفي السابعة عشرة من عمره توجَّه إلى دراسة كتب الصوفية والرياضة الروحانية، ثمَّ ذهب إلى بغداد وبدأ يرتاد مجلس إمام الشيخية في زمانه كاظم الرشتي ويدرس أفكاره وآراء الشيخية[2].

بعد وفاة الرشتي، وفي عام 1260هـ الموافق 1844م أعلن الميرزا عليّ محمد رضا أنَّه الباب الموصِّل إلى الإمام الغائب الذي تنتظر الشيعة الشيخية ظهوره، ثمَّ زاد في غيِّه وأعلن أنَّه رسول كمحمد وعيسى وموسى (عليهم الصلاة والسلام)، بل قال: إنَّه أفضل منهم شأنًا.

آمن تلاميذ الرشتي بدعوة الميرزا عليّ، وانخدع به العامة، وذاع صيته، إلا أنه في عام 1261هـ تمَّ القبض عليه، ولم يلبث الميرزا كثيرًا حتى أعلن توبته، لكنه عاد في عام 1266ه‍ـ الموافق 1850م وادَّعى الباب الحلول الإلهي في شخصه! ومرة ثانية أُلقي القبض عليه وتم إعدامه[3].

لقد كان من الممكن انتهاء هذه الحركة تمامًا عند هذا الحد، وكانت الحكومة الإيرانية آنذاك عازمة على ذلك لولا تدخل روسيا القيصرية التي كانت تتزعم العالم المسيحي، وتعتبر قبلة المسيحيين الشرقيين، وكان لها أطماع غير خافية في العالم الإسلامي، وخاصة إيران التي تشترك معها في حدود طويلة ممتدة، ووجدت الدولة القيصرية بغيتها في أفكار هذه الحركة المنحرفة عن الإسلام الصحيح؛ فأضفت عليها حمايتها، وحرصت على رعايتها والعيش في كنفها.

كما وجد اليهود في هذه الدعوة الكثير من الأفكار الضالة والخرافات التي سيعمل انتشارها على تقويض دعائم الإسلام وتشويه صورته السمحة أمام الآخرين؛ لذا تبنَّوا الدعوة البابية في هذه المنطقة، بل وتظاهر الكثير منهم بالدخول فيها، وقدموا نصائحهم الشيطانية للبابيِّين بضرورة التخفي والعمل السري بعيدًا عن المواجهات مع الحكومات، حتى تقوى شوكتهم ويستطيعوا إظهار دعوتهم والدفاع عنها.

لجأ البابيون إلى نشر الإباحية الجنسية، وتحليل أعمال الفسق والفجور كوسيلة سهلة لاصطياد الأتباع؛ يقول الشيخ أبو الحسن الندوي -رحمه الله- في هذا الشأن: "ما من دعوة قامت لهدم الدين وإلغاء الأخلاق والآداب إلا كانت الإباحية الجنسية أقوى وسائلها، وأمضى أسلحتها في إغواء الشباب واصطيادهم، خاصةً في المجتمع الفارسي الذي كان موطنًا خصبًا للدعوات الإباحية منذ أقدم عصور الحضارة"[4].

أفكار ومعتقدات البابية
يعتقد أتباع المذهب الاثني عشري الشيعيّ أنَّ الإمام الثاني عشر غُيِّب وهم ينتظرون حضوره، فلمَّا قام ميرزا عليّ بدعوته ادَّعى أنَّه ينقل علم الإمام الغائب، ثم ادَّعى أنه المهدي المنتظر، وأخيرًا ادَّعى أن الله قد حلَّ فيه، وأنه هو الذي به يظهر الله لخلقه!

بعد ذلك أخذ الميرزا علي يعلن أمورًا اعتقادية مثل عدم إيمانه باليوم الآخر وبالجنة والنار، وادَّعى أنَّه الباب الذي تتجمع عنده كل الرسالات الإلهية؛ ففي البابية تلتقي اليهودية والنصرانية والإسلام، ولا فارق بينهم.

أيضًا لم يعتبر الباب أنَّ الرسالة المحمدية آخر الرسالات، وأعلن أن الله قد حلَّ فيه، وأنَّه سيحل في آخرين من بعده، فلم يحتكر الألوهية لنفسه. كما غيَّر الباب الكثير من الأحكام الإسلامية المنصوص عليها بصريح القرآن، ومنها مساواة المرأة مع الرجل في الميراث! وقد جمع الميرزا عليّ جميع آرائه في كتاب وأسماه (البيان)[5].

اندثار البابية وذبولها
بعد سجن الميرزا علي حاول بعض أعوانه القيام بمهام الدعوة البابية، ولعل من أبرزهم وأشهرهم امرأة تُدعى "قرة العين"، وكان لقبها زرين تاج (صاحبة الشَّعر الذهبي باللغة بالفارسية)، وكانت قرة العين خطيبة مؤثرة، وأديبة فصيحة اللسان، فضلاً عن أنها جميلة جذابة، إلا أنها إباحية فاجرة طلَّقها زوجها وتبرَّأ من أولادها.

اجتمعت قرة العين مع زعماء البابية في مؤتمر عام، وحرضتهم على الخروج في مظاهرات احتجاج على اعتقال الباب، والعمل على الحفاظ على دعوته، ولكن -بحمد الله- لم تلقَ دعوتها استجابة واسعة باستثناء القليل من الشباب الذين أغوتهم بجمالها وأفكارها الإباحية الشيطانية، فقد طالبت بإلغاء تعدد الزوجات للرجال، ونادت بحق المرأة في الجمع ما بين تسعة رجال!!

والعجيب أنَّه في عصرنا الحديث المتقدم نجد هناك من ينادي بمثل هذه الخرافات، بل ونجد من يعتبر هذه الفاجرة نبراسًا أمام المناديات بحرية المرأة، وفي النهاية تمكّنت الحكومة الإيرانية في ذلك الوقت من القبض عليها وإعدامها[6].

قبل أن يعدم الميرزا علي أوصى بخلافته لأحد أقرب مريديه وهو الميرزا يحيى عليّ الملقب بصبح أزل؛ ولذلك سمِّي أصحابه بالأزليين، ونازعه على خلافة الباب أخوه الميرزا حسين علي الملقب بالبهاء، ولمَّا اشتدت الخلافات بينهما وخافت دولة الخلافة العثمانية من انتشار فتنتهما نفت البهاء وأتباعه إلى عكا، ونفت صبح أزل مع أتباعه إلى قبرص حيث مات ودُفن بها في عام 1912م، مخلِّفًا كتابًا أسماه الألواح (تكملة البيان بالفارسية)، وأوصى بالخلافة لابنه الذي تَنصَّر وانفضَّ من حوله الأتباع.

أمَّا الميرزا حسين علي فقد قام بدعوة جديدة نسبها إليه وهي البهائيَّة، وهي لا تختلف كثيرًا عن البابية، بل زادت عليها كفرًا وجرأة على الله[7].

[1]عبد القادر السباعي: كشف البلية في فضح البهائية.

[2] أحمد عبد الرحيم: حركات هدَّامة، دار المنارة - بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ- 1996م، ص69.

[3] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

[4] عبد القادر السباعي: كشف البلية في فضح البهائية.

[5] محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي - القاهرة، 1996م، ص215-217.

[6] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

[7] محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية ص217.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلنا اخوة​
السلام عليكم

الهندوسية

تعريف الهندوسية

الهندوسيَّة هي ديانة هنديَّة قديمة، ولا تُنسب إلى شخص بعينه بل هي مزيج من شعائر الهنود الأُصَلاء، وشعائر القبائل الآرية التي أغارت على الهند قبل الميلاد بعدَّة قرون، وقد كانت هذه القبائل الآريَّة تُقيم على البقاع الوسطى بين الهند ووادي النهرين، فاتجهت طائفة منها غربًا إلى أوربا، واتجهت منها شرقًا إلى الأقاليم الهنديَّة من شمالها إلى جنوبها.

وقد اشتملت الديانة الهندية القديمة على أنواع شتَّى من الآلهة، ففيها آلهة تمثِّل قوى الطبيعة وتُنسب إليها؛ كإله المطر، وإله النار، وإله النور والريح[1]. والهندوسية -ويُطلق عليها أيضًا البراهمية- هي ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، وهي مجموعة العقائد والعادات والتقاليد التي تشكَّلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى الوقت الحاضر، فهي ديانة تضمُّ القيم الرُّوحيَّة والخُلُقِيَّة إلى جانب المبادئ القانونيَّة والتنظيميَّة متَّخذة عدَّة آلهة بحسب الأعمال المتعلِّقة بها.

معتقدات الهندوسية وفرقها
وقد بيَّن الشهرستاني أنَّ الهندوس "البراهمة" تفرَّقوا أصنافًا؛ فمنهم أصحاب البددة، ومنهم أصحاب الفكرة، ومنهم أصحاب التناسخ:

1- أصحاب البدَدَة: و"البَدُّ " عندهم هو الشخص الذي لا يُولد، ولا ينكح، ولا يطعم، ولا يشرب، ولا يهرم، ولا يموت... وأوَّل "بدٍّ" ظهر في هذا العالم هو "شاكمي" أو "شاكيموني"، أي السيَّد الشريف، ودون مرتبة البد مرتبة "البوديسعية" أو "البردسعية"، وهو الإنسان الطالب سبيل الحقِّ، وإنما يصل إلى تلك المرتبة بالصبر والعطية، ومحاسن الأخلاق.

وقد زعموا أن هؤلاء البَدَّة أتوهم على نهر الكنك، وأعطوهم العلوم، وظهروا لهم في أجناس وأشخاص شتَّى، ولم يكونوا يظهرون إلاَّ في بيوت الملوك.

2- أصحاب الفكرة والوهم: وهؤلاء أعلم من سابقيهم بالفلك والنجوم وأحكامها المنسوبة إليهم، وهم الذين يُعظِّمون الفكر، وهو المتوسط عندهم بين العالَم المحسوس والمعقول، وهو بالتجرُّد عن هذا العالَم، ربما يُوصل أحدهم إلى الإخبار عن مغيبات الأحوال، وربما يقوى على حبس الأمطار وغيرها...!

والوهم إذا تجرّد عَمِل أعمالاً عجيبة -على قولهم- فكان إذا أصابهم أمرٌ جمعوا له أربعين من رجالهم المهذَّبِين المخلصين المتَّفِقِين على رأي واحد في الإصابة، فيجتمعون على رفع الغمَّة، فيندفع عنهم البلاء الملم بهم!

3- أصحاب التناسخ: وفكرة التناسخ هي فكرة قديمة موغلة في كثير من العقائد، ومنها الهندوسيَّة، التي يؤمن كثير من أتباعها بهذه العقيدة، وهم يقولون: إذا كانت حركات الأفلاك دورية فلا محالة يصل رأس الفرجار إلى ما بدأ ودار دورة ثانية على الخط الأول أفاد -لا محالة- ما أفاد الدور الأول؛ إذ لا اختلاف بين الدورين حتى يتصوَّر اختلاف بين الأثرين[2].

فهذا التناسخ الذي يساوي بين مراتب الوجود الإنساني والحيواني كأنهما نسيج واحد، وسبيكة مختلطة العناصر، أدَّى إلى افتقادهم الرُّوح المميِّزة للإنسان دون غيره من سائر المخلوفات، وإنكار البعث والحساب والعقاب في اليوم الآخر[3].

فعقيدة التناسخ -أو تكرار الولادة والوفاة أو تجوال الرُّوح- على أساس فكرة العقاب للذين لم يستطيعوا أن يندمجوا في (الكلِّ) الذي هو الإله في العقيدة البراهمية؛ لارتباطها بتصوُّر أن الوجود واحد، فإذا ما مات الإنسان الشرير لا تنتقل روحه إلى إنسان آخر، بل يجوز أن تحلَّ في كلب أو شجرة، وما يزال تَكرار الوفاة فالولادة إلى أبد الآبدين، إذا لم تستطع أن تتجرد من الشهوات تجرُّدًا تامًّا يصعد بها إلى حيث يمكنها الاتحاد مع الكل، فإذا استطاعت الرُّوح التخلُّص من إسار الشرِّ، فإنها ستندمج في الكلِّ لتنعم بالاتحاد معه، وبهذا الاتحاد تنجو من العذاب الذي يتجلَّى في الولادة الجديدة المتكرِّرة[4].

لذا تعزَّزتْ في الهند عبادة "الطواطم" وهي العقيدة التي تنادي بوَحدة الوجود وتناسخ الأرواح، ثم تعزَّزَتْ بعقيدة الحلول؛ فعبدوا الحيوان على اعتباره جَدًّا حقيقيًّا أو رمزيًّا للأُسْرَة ثم للقبيلة، ثم تخلَّفت عبادة الحيوان حتى آمنوا بأنَّ الله يتجلَّى في كلِّ موجود، أو يخُصَّ بعضَ الأحبَّاء بالحلول فيه، وآمنوا بتناسخ الأرواح؛ لذلك فهم يؤمنون بكون الحيوان جَدًّا قديمًا، أو صديقًا عائدًا إلى الحياة في محنة التكفير والتطهير، فعاشت عندهم الطوطمية في أرقى العصور، كما عاشت في عصور الهمجيَّة لهذا الامتزاج بين الاعتقاد الحديث والاعتقاد القديم. وقد خلصوا كما خلص غيرهم من هذه العبادات إلى الإيمان بالإله الواحد، وإن اختلفوا في المنهج الذي سلكوه، فلم يكن إيمانهم به على الأساس الذي قام عليه إيمان الشعوب الأخرى بالتوحيد[5].

وكذلك اشتملت الهندوسيَّة على مجموعة من النظم العقائديَّة الأخرى منها الكارما: "قانون الجزاء"، أي أنَّ نظام الكون إلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع لا محالة، إمَّا في الحياة الحاضرة أو في الحياة القادمة، وجزاءُ حياةٍ يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء كما أنها دار الجزاء والثواب.

ومنها أيضًا الانطـلاق الذي يعني أن صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكرِّرة لتثاب فيها الرُّوح أو لتُعاقَب على حسب ما قدَّمت في الدورة الحياتيَّة السابقة.

وممَّا لا ريب فيه أن هؤلاء البراهمة ومَن تأثر بهم فقدوا كل حاسة أو نعمة إدراكيَّة قد أُعْطُوها؛ إذ كيف تتصوَّر عقولهم وأسماعهم وأبصارهم أن عبادة بقر -لا يملك لنفسه منفعة ولا مضرَّة- هي العبادة الصحيحة، فمن البدهي أنْ يَصِلَ الإنسانُ إلى خالقه عن طريق الإجابة على الأسئلة الكبرى المكوِّنة للعقيدة الصحيحة، وهي: مَنِ الخالق؟ وما حقيقة هذا الوجود؟ وغيرها من الأسئلة الأخرى، فهل من المعقول أن السبب الرئيسي لكل هذه المسبّبات المحيطة بنا ترجع إلى تلك البقرة المقدسة!!

لقد علَّق ابن الجوزي على فعلهم بقوله: "وقد كان قوم يعبدون الخيل والبقر وإن هؤلاء لأخسُّ من إبليس، فإن إبليس أنِفَ لادعائه الكمال أن يسجد لناقص، فقال: {أنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف: 12]، وفرعون أنف أن يعبد شيئًا أصلاً"[6].

كتب الهندوسية
ولهذه الديانة عدد هائل من الكتب، والتي يصعب في كثير من الأحيان فهمها؛ لغرابة لغتها. وقد أُلِّفَتْ كتب كثيرة لشرحها، وكتبٌ أخرى لاختصار تلك الشروح، وكلُّها كتب مقدَّسة، ومن أهمِّها:

1- الفيدا: وهي كلمة سنسكريتيَّة معناها الحكمة والمعرفة، وهي تصوِّر حياة الآريين، ومدارج الارتقاء للحياة العقليَّة من السذاجة إلى الشعور الفلسفي، وتتألَّف من أربعة كتب: "رج فيدا" أي الفيدا الملكية، وهي قديمة تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد، فيها ذِكْر لآلهة متعددة. و"بجور فيدا": وهي التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين، ثم سم فيدا (Sama veda)، وهي التي ينشدون أناشيده أثناء إقامة الصلوات والأدعية. و"أثروا فيدا": وهو عبارة عن مقالات من الرُّقَى والتمائم لدفع السحر والتوهُّم والخرافة والأساطير والشياطين. وكل واحدة من هذه الفيدات يشتمل على أربعة أجزاء.

2- قوانين منو: وُضِعَتْ هذه القوانين في القرن الثالث قبل الميلاد، في العصر الويدي الثاني -عصر انتصار الهندوسيَّة على الإلحاد الذي تمثَّل في البوذيَّة والجينية- وهذه القوانين عبارة عن شرح للويدات بين معالم الهندوسيَّة ومبادئها وأسسها.

3- كتب أخرى: (مها بهارتا) وهي ملحمة هندية تشبه الإلياذة والأوديسة عند اليونان، و(كيتا) وهي التي تصف حربًا بين أمراء من أسرة ملكية واحدة، ويُنسب إلى كرشنا، وفيها نظرات فلسفيَّة واجتماعيَّة[7].

النظام الاجتماعي في الهندوسية
ترتَّب على البراهمية (الهندوسية) نظام اجتماعي قاسٍ، قد يكون من الأنظمة التاريخيَّة القديمة التي قامت على أعقابها الثورات التحرُّريَّة القائمة على مبدأ محاربة النظام الطبقي، كالاشتراكيَّة والشيوعيَّة في العصر الحديث.

فمنذ وصول الآريين إلى الهند نراهم قد شكَّلوا طبقات اجتماعيَّة صارمة، لا تزال موجودة في الهند حتى الآن، وهم يعتقدون أنه لا طريق ولا وسيلة مناسبة لإزالتها؛ لأنها تقسيمات أبديَّة مِن خلق الله تعالى، وهذه الطبقات جاءت في "قوانين منو" على النحو التالي:

1- البراهمة: وهم الذين خلقهم الإله "براهما" من فمه، فمنهم المعلِّم والكاهن والقاضي، ولهذه الطبقة تلجأ بقيَّة الطبقات الأدنى في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلاَّ في حضرتهم.

2- الكاشتر: وهم الطبقة الثانية، وهم يعتقدون أن الإله خلقهم من ذراعيه، حيث يتعلَّمون ويقدّمون القرابين، ويحملون السلاح للدفاع.

3- الويش: وهم الذين خلقهم الإله من فخذه، يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينيَّة.

4- الشودر: وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، وهم -مع الزنوج الأصليين- يشكِّلون طبقة المنبوذين، وعَمَلُهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاثة السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن الحقيرة، وهذه الطائفة -بحسب قوانين منو- أحطُّ من البهائم، وأذلُّ من الكلاب[8].

تطور الهندوسية
صَاحَبَ هذا الانحطاط الاجتماعي تطوُّر العقيدة الهندوسيَّة، وانحدارها من التوحيد إلى الشرك، ومرَّ ذلك بثلاثة أدوار رئيسية:

الأول: دور التوحيد عند الهنود القدماء، وربما الذين انحدروا من الأصل السامي، نسبة إلى سام بن نوح.

الثاني: دور الكهنة البراهمة، ونشأة الثالوث الهندي (برهما، فشنو، سيفا).

الثالث: دور الشرك والوثنية، حيث اتَّسع نفوذ الكهنة فأنشئوا الامتيازات والاختصاصات ووضعوا نظام الطبقات، وزعموا أنهم المتفرِّدون بمعرفة الحقائق، وهو ما أدَّى إلى ستر الحقائق عن الشعب، فنتج عن ذلك الجنوح إلى الشرك وتعدُّد الآلهة، ثم الانحدار إلى عبادة الأشخاص والتماثيل والحيوانات، بل إن الأمر تطوَّر عندهم إلى إنكار النبوَّات، وهي المزاعم التي جاء بها "برهما" الذي إليه ينتسبون، وتتلخص في:

1- أن العقل دلَّ على أن الله تعالى حكيم، والحكيم لا يتعبَّده الخلق إلاَّ بما تدلُّ عليه عقولهم، فننظر في آيات خلقه بعقولنا، ونشكره بآلائه علينا، وإذا عرفه الإنسان وشكره، استوجب ذلك ثوابه، وإذا أنكره الإنسان وكفر به، استوجب عقابه؛ فلأي سبب يمكن أن نتَّبع بشرًا مثلنا، يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب[9].

2- أن الذي يأتي به الرسول لم يخلُ من أحد أمرين: إمَّا أن يكون معقولاً، وإمَّا أنْ لا يكون معقولاً، فإن كان معقولاً فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه، فلا حاجة إلى رسول، وإن لم يكن معقولاً فلا يكون مقبولاً[10].

تعظيم الهندوسية للبقرة
قد يدور في خلد إنسان التعجُّب من الاحترام والتوقير الذي تتعامل به البقرة المقدَّسة في المجتمع الهندي، على خلاف فئة المنبوذين من البشر، والتي هي أقلُّ طبقات المجتمع الهندي احترامًا وتوقيرًا، وهي أقلُّ من الكلاب والبهائم في هذا المجتمع أيضًا، ثم يتعجَّب متهكِّمًا من المعاملة القاسيَّة من هؤلاء الهنود للثور الذي هو ابن هذه البقرة، أو أبوها، أو حفيدها!!

ولا يكاد القارئ لهذه العقيدة يبرح المجتمع الهندي الذي بلغ من هُيامه للبقرة مبلغًا لم يسبقه إليه مجتمعًا آخر؛ إلاَّ ويجد غاندي -هذا المصلح الهندي الذي ذاع صيته- مخاطبًا البقرة ومناديًا إيَّاها باسم (أمي البقرة)، ويوضِّح أسباب هذه العاطفة الجيَّاشة بينه وبين (أمِّه البقرة) بقوله:

"إن حماية البقرة التي فرضتها الهندوسيَّة هي هدية الهند للعالم، وهي إحساسٌ برباط الأخوَّة بين الإنسان وبين الحيوان، والفكر الهندي يعتقد أنَّ البقرة أمٌّ للإنسان، وهي كذلك في الحقيقة، إن البقرة خير رفيق للمواطن الهندي، وهي خير حماية للهند، فعندما أرى البقرة لا أعدُّني أرى حيوانًا؛ لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع، وأمِّي البقرة تَفْضُل أمِّي الحقيقيَّة من عدَّة وجوهٍ؛ فالأمُّ الحقيقية ترضعنا مدَّة عام أو عامين، وتتطلَّب منَّا خدمات طُول العمر نظير هذا، ولكن أمَّنا البقرة تمنحنا اللبن دائمًا، ولا تتطلَّب منَّا شيئًا مقابل ذلك سوى الطعام العادي، وعندما تمرضُ الأمُّ الحقيقيَّة تكلِّفنا نفقات باهظة، ولكن عندما تمرض أمُّنا البقرة، فلا نخسر لها شيئًا ذا بال، وعندما تموت الأم الحقيقيَّة تتكلَّف جنازتها مبالغ طائلة، أما عندما تموت أمُّنَا البقرة، فإنها تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حيَّة؛ لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد والقرون، وأنا لا أقول هذا لأقلِّل من قيمة الأمِّ، ولكن لأُبَيِّنَ السبب الذي دعاني لعبادة البقرة، فملايينُ الهنودِ يتَّجِهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعدُّ نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين!!"[11].

إنَّ الإنسان ليتعجَّب من عبادة هؤلاء لحيوان لا يضرُّ ولا ينفعُ إلاَّ بإذن الله تعالى، فهؤلاء - لا ريب- فقدوا عقل الهداية الذي به يسترشد الإنسان من كلِّ ضلال وحيرة، فهم يتكلَّمون عن البقرة، وكأنها كلُّ شيء في هذا الوجود، فهل هذه البقرة -التي لا تفعل شيئًا سوى أنها تأكل من تحت قدميها، وأنها تُلقي روثها وفضلاتها أيضًا بين قدميها- قادرة على إجابة المضطر، ودفع الأذى، وجلب الخير للإنسان؟!! هيهات!

كما أثَّرت الهندوسية بالسلب على كثير من المحيطين بها، فخرج بعض ناقصي العقل بدين جديد سموه السيخية، وهي في حقيقتها محاولة جادة للتوفيق بين فريقين أصيلين لهما مكانتهما وجذورهما التاريخيَّة والحضاريَّة في الهند -أي المسلمين والهندوس- لكنها لم تلبث أن انطوت على نفسها؛ إذ كيف يتمُّ الجمع بين أُناس يعبدون البقر ويُحَرِّمون أكلها، وبين أناس أُحِلَّ لهم شُرْبُ لبنها، والاستفادة من لحومها وشحومها!!

خرافات الهندوسية
لقد ترتَّب على الديانة الهندوسيَّة أنها ملأت المجتمع بالخرافات، بل وصل الأمر أنها أثَّرت تأثيرًا خطيرًا في هبوط المستوى الاقتصادي لمعتنقيها؛ فبعض طبقاتها لا تعمل؛ لأن العمل لا يليق بمكانتها السامية كطبقة البراهمة، وطبقة الحكَّام والجنود، وبعض طبقاتها لا تعمل إلاَّ في خدمة السادة وتسهر على رفاهيتهم، على أن نظام الطبقات نفسه يُعاب على الهندوسيَّة؛ لتعطيله تكافؤ الفرص، وحرمانه كثيرًا من الناس حقوقهم في السبق والتفوُّق، ومن العادات الممقوتة أيضًا في الهندوسيَّة التبكير في الزواج، فقد كان الأطفال يُعقد لهم بالزواج وهم يحْبُون، وإذا مات الولد -وكثيرًا ما كان يحدث- ترمَّلت زوجته وأمضت حياتها أرملة حزينة عليه، وكثيرًا ما كانت الزوجة تُلقي بنفسها في النار لتَحْرِق نفسها بنفس النار التي أُشعلتْ ليُحرق بها جثمان زوجها الميت. وقد ألغى القانون الهندي كثيرًا من هذه العادات؛ لأنها تتناقض مع العقل والمنطق، وتقدُّم المجتمع[12]!!

ومع أن بعض مفكري الهند أمثال رام موهان راي، وديباندرانات طاغور، وكيشاب كاندرسِن، وساراسفاتي، وغاندي، وغيرهم، قد تحلّقوا حول الهندوسيَّة، واستمسكوا بها كدين، لكنهم لم يهتمُّوا بمعرفة التناقضات التي امتلأت بها الهندوسيَّة، وقد أظهرت الهندوسيَّة في كلِّ وقت سهولة في قبول التسويات بين الوَحدانية وتعدُّد الآلهة، وبين وَحدة الوجود وبين وجود إله، وبين تأكيد العالم ونفيه، وكأنها ديانة متناقضة!

ومن ثَمَّ فإن مفكري الهند -السابق ذكرهم- اهتمُّوا بنشر الهندوسيَّة أكثر من اهتمامهم بتسويغها تسويغًا حقيقيًّا، وقد أتى ميلهم إلى الاكتفاء بالتعايش السلمي معها بدلاً من الذهاب إلى أعماق المشاكل؛ فهم لا يجرُءون على مجابهة سلطة التقاليد. ومما سبق يمكن القول: إن الفكر الهندي الحديث لم يكتسب بعدُ استقلالَه تجاه التقاليد، ولم يُصبح بعدُ نقديًّا تجاه نفسه[13].

تأثر بعض المسلمين بالهندوسية
وليت أمر الهندوسيَّة ظلَّ محصورًا في الهند، فقد تأثَّر بعضُ المسلمين بأفكارهم، فكان ذلك سببًا في انحرافهم عن المنهج الإسلامي الصحيح، لكنَّ العلماء المسلمين استطاعوا تفنيد كلَّ انحراف أُدْخِل إلى الإسلام وهو منه براءٌ كالاعتقاد بالتناسخ الذي فضحه العلماء، كالإمام ابن حزم الذي نبَّه على بطلانه، فقال: "افترق القائلون بتناسخ الأرواح على فرقتين: فذهبت الفرقة الأولى إلى أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخرى، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت، وهو قول أحمد بن حائط تلميذ النَّظَّام، وأحمد بن مانوس تلميذه[14]، وأبي مسلم الخراساني، وغيرهم"[15].

وتسرَّبت معتقدات البراهمية كذلك إلى بعض فرق الشيعة، خاصَّة ما يتعلَّق بالرجعة -وهو شبيه بالتناسخ عند الهندوسيَّة- فهي عودة الرُّوح لحياة جديدة، ولكنها في الرجعة تعود إلى الجسم، أي أن الشخص نفسه جسمًا وروحًا يعود للحياة بعد الموت، وقد قال بعض الإماميَّة بعودة علي بن أبي طالب ، وقال أكثرهم بعودة الإمام الثاني عشر وسمَّوْه المهدي. وانحراف بعض عامَّة المسلمين الذين أدخلوا في عقائدهم بعض الاتجاهات الهندوسية تسبَّبَ في إخراجهم من الإسلام، مثل بعض اتجاهات الأحمديّة وغيرهم[16].

محنة المسلمين مع الهندوس
محنة المسلمين مع الهندوسإنَّ للمسلمين تاريخ ومكانة كبيرة في الهند منذ بزوغ فجر الإسلام؛ حيث انتقل التجَّار المسلمون من بلد إلى آخر ينشرون فيه تعاليم الإسلام بسلوكهم وأخلاقهم، ومن ثَمَّ تكوَّنت في الهند دولاً إسلاميَّة؛ مثل: الدولة الغزنوية، والغورية، وغيرهما، فنشأت حضارة إسلامية راقية عاش فيها المسلم بجوار الهندوسي في سلام إلى أن جاء الاحتلال الإنجليزي فغذَّى الصراع الطائفي بين المسلمين والهندوس.

ومن أشكال هذا الصراع ادِّعاء الهندوس أن مسجد بابري في مدينة أيوديا -والذي بُنِيَ عام 1528م- قد بُنِيَ في المكان الذي وُلِدَ فيه (رام شاندر) أحد آلهة الهنود، وعالج المستعمر البريطاني آنذاك صدام طائفتي المسلمين والهندوس بأن سمح للهندوس بالصلاة في الساحة الخارجيَّة للمسجد، الأمر الذي يُذَكِّرنا بمطامع الصهاينة في ساحة المسجد الأقصى وحائطه الغربي الذي يسميه اليهود والمفرطون العرب -كذبًا وبهتانًا- باسم حائط المبكى.

وفي عام 1984م شكَّل الهندوس لجنة من غلاة المتطرِّفين لتحرير مسقط رأس الإله المزعوم رام، وأشرفت اللجنة على وضع حجر أساس معبد رام في الأرض المجاورة لمسجد بابري عام 1989م، وأقدم الهندوس المتعصبون عام 1992م بزعامة منظمة VHP المتطرِّفة على تدمير المسجد بصورة كاملة، ممَّا أدَّى إلى اشتعال الصدام الطائفي في ولاية أوتار براديش بكاملها، وسقوط ألفين من المسلمين والهندوس صرعى التعصب الهندوسي المقيت، وفي يناير 1993م امتدَّت الاضطرابات إلى بومباي، وقد فرضت الحكومة الهنديَّة سيطرتها على أرض المسجد، وتركت للمحكمة العليا الهنديَّة البتَّ في تحديد إلى من تَئُول ملكيَّتها، وقرارها صدر في 19 مارس، مؤكِّدًا ملكيتها للمسلمين بعد أنْ تأخَّر عشر سنوات كاملة، تُثْبِتُ قصور التشريعات الحالية عن مواجهة الخلافات الطائفيَّة بالسرعة والحسم المنشودين.

ومع انتشار الفاقة إلى حدِّ أن 42% من الهنود يعيشون تحت خطِّ الفقر، ومع ارتفاع ديون الهند الخارجيَّة إلى أكثر من مائة مليار دولار، واستمرار 67% من قوَّة العمل في مجال الزراعة - تبدو سهولة استقطاب الجماعات الهندوسيَّة المتطرِّفة للأنصار، الذين يثيرون الفتن من آنٍ إلى آخر مستغلين الحالة الاقتصادية المزرية التي يُوجد عليها المسلمون خاصَّة والهنود عمومًا.

وبعد أحداث واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر سنة 2001م بدأ غلاة الهندوس إشعال العداء ضدّ الإسلام كدين، والمسلمين الهنود كمواطنين في بعض ولايات الهند، واعتبر المتطرفون الهندوس أنَّ عليهم الانتصارَ لثقافة وقيم الهندوس، كما يفعل الأمريكيون في أفغانستان دفاعًا عن حضارة الغرب وتقدُّمه، ودعا بعضهم الولايات المتحدة لنصرة الهند في جامو وكشمير، والقضاء على المقاومة الوطنيَّة التي تدعو إلى استقلال كشمير أو إلى انضمام أغلب أراضيها إلى باكستان، وبدأت حكومة دلهي بالفعل إعادة النظر في تدريس المناهج الدينيَّة في المدارس والمعاهد الإسلاميَّة في الهند؛ لتَبْتَعِدَ عمَّا يرتبط بالعنف والإرهاب كما يزعم الأمريكان!!

كما قدَّمت الهند دعمًا كبيرًا لقوَّات تحالُفِ المعارضة الشمالي في أفغانستان بالسلاح والمال والاحتياجات الإداريَّة، بشكل أسهم بصورة مؤثِّرة في إسقاط نظام طالبان في كابول في وقت وجيز، ولا تزال حكومة دلهي تطالِبُ الولايات المتحدة بالضغط على إسلام أباد لوقف تسلُّل المجاهدين عبر الحدود الهنديَّة الباكستانيَّة التي يحتشد على جانبيها حاليًا نحو مليون جندي من قوَّات الدولتين[17]!!

هذا، ولا يزال الاضطهاد الديني من قِبَلِ الهندوس تجاه المسلمين مستمرًّا إلى وقتنا الحالي، وعلى الرغم من اقتراب تعداد المسلمين في الهند من 141 مليون نسمة، لكنهم ما زالوا أقلِّيَّة داخل الهند، التي يزيد تعداد سكانها على المليار نسمة بقليل، وتنادي هذه الأقلية في كثير من الأحيان بالمساعدة من الدول الإسلاميَّة التي تربطها بالهند عَلاقات اقتصاديَّة وسياسيَّة قويَّة، وكذلك المناداة بتدخُّل منظمة المؤتمر الإسلامي التي من شأنها حماية الأقليات المسلمة في البُلدان المختلفة.

[1] عباس العقاد: الله ص44.

[2] انظر: الشهرستاني: الملل والنحل ص601-606.

[3] مصطفى حلمي: الإسلام والأديان دراسة مقارنة ص46.

[4] أحمد عبد الغفور العطار: الديانات والعقائد في مختلف العصور ص103، نقلاً عن مصطفى حلمي: الإسلام والأديان ص56.

[5] عباس العقاد: الله ص45.

[6] ابن الجوزي: صيد الخاطر ص377.

[7] د. مانع بن حماد الجهني: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والمعاصرة 2/726.

[8] د. مانع الجهني: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والمعاصرة 2/727.

[9] رد الشهرستاني على هذه المزاعم بقوله: " ليس كل عقل إنساني على استعداد ما يعقل عنه أمره، ولا كل نفس بشريَّة بمثابة من يقبل عنه حكمه، بل أوجبت مِنَّته ترتيبًا في العقول والنفوس، وارتضت قسمته أن يرفع "بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (الزخرف: 32)، فرحمة الله الكبرى هي النبوة والرسالة، وذلك خير مما يجمعون بعقولهم المختالة ". انظر: الشهرستاني: الملل والنحل ص603، وانظر: ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص99.

[10] مصطفى حلمي: الإسلام والأديان دراسة مقارنة ص49.

[11] أنيس منصور: حول العالم في 200 يوم ص45.

[12] انظر: أحمد عبد الرحيم: حركات هدّامة ص248.

[13] انظر: ألبير شويتزر: فكر الهند، ترجمة يوسف شلب الشام ص188-193.

[14] أحمد بن أيوب بن مانوس، كان من تلاميذ النظَّام، وافقَ (أحمد بن حائط) و(فضل الحدثي) على القول بالتناسخ. انظر: الصفدي: الوافي بالوفيات 6/261.

[15] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/165-167.

[16] انظر: مصطفى حلمي: الإسلام والأديان دراسة مقارنة ص68.

[17] انظر: موقع مفكرة الإسلام.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلنا اخوة​
السلام عليكم

المعتزلة

الاعتزال لغة واصطلاحا

الاعتزال معناه لغة: الانفصال والتنحي، واعتزلت القوم أي فارقتهم وتنحيت عنهم، والمعتزلة هم المنفصلون[1]. هذا في اللغة.

أما في الاصطلاح فهي فرقة عقلانية كلامية فلسفية، تتكون من طوائف من أهل الكلام، الذين خلطوا بين الشرعيات والفلسفة والعقليات في كثير من مسائل العقيدة، وقد خرجت المعتزلة عن السنة والجماعة في مصادر التلقي ومناهج الاستدلال ومنهج تقرير العقيدة وفي أصول الاعتقاد[2]. ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية[3] والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركًا، وقالوا: لفظ القدرية يُطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ احترازًا من وصمة اللقب إذ كان الذم به متفقًا عليه لقول النبي : "الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"[4].

النشأة وجذور الاعتزال
الواقع أن نشأة الاعتزال كانت ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية، وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية؛ فقبل بروز المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء كان هناك جدل ديني فكري بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي، على أن هناك رواية ترجع الفكر المعتزلي في نفي الصفات إلى أصول يهودية فلسفية؛ فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي[5]. وقيل أيضًا: إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية[6] قد أدت إلى تشكيكه في دينه، وابتداعه لنفي الصفات, كما أن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تُعدُّ موردًا من موارد الفكر الاعتزالي؛ إذ إنه كان يقول بالأصلح، ونفي الصفات[7] الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية[8].

وقد برزت المعتزلة بعد ذلك كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الذي كان تلميذًا للحسن البصري، وذلك عندما دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفِّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟

فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء[9]: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل؛ فسمي هو وأصحابه معتزلة[10]. ولأجل هذا سمَّاهم المسلمون معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها[11].

وكان سبب سؤال السائل ذلك للحسن البصري أنه لم يكن في زمن النبي خوض في هذه المسائل ولا في صدر الإسلام، وإنما حدث ذلك في أواخر عصر متأخِّري الصحابة وأول حدوثه في مسألة القَدَرِ وفي الاستطاعة من معبد الجُهنَيّ وغيلان الدمشقي والجَعد بن درهم، وتبرّأ منهم متأخَرو الصحابة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبو هريرة، وتواصَوا وأوصَوا أخلافهم أن لا يسلموا عليهم، ولا يصلّوا على جنائزهم، ولا يعودوا مَرضاهم، وإنما حملهم على ذلك ما صحّ عن رسول الله من ذّم القدرية[12].

وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون: إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن؛ لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من الله تعالى، ولمعرفته بأن ما جاء من عند الله حق، ولكنه فاسق بكبيرته، وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام، وعلى هذا القول مضى سلف الأمة من الصحابة وأعلام التابعين[13].

مؤسس الاعتزال وأبرز المنظرين
مؤسس هذه الفرقة هو واصل بن عطاء البصري (80- 131هـ/ 699- 749م) الغزّال المتكلم البليغ المتشدق الذي كان يلثغ بالراء، فلبلاغته هجر الراء وتجنبها في خطابه، سمع من الحسن البصري وغيره، قال أبو الفتح الأزدي: رجل سوء كافر.

قلت[14]: كان من أجلاد المعتزلة، ولد سنة ثمانين بالمدينة. ومما قيل فيه:

ويجعل البر قمحًا في تصرفـه *** وخالف الراء حتى احتال للشعر

ولم يطق مطرًا في القول يعجله *** فعاذ بالغيث إشفاقًا من المطـر

وله من التصانيف: كتاب أصناف المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب معاني القرآن، وكان يتوقف في عدالة أهل الجمل ويقول: إحدى الطائفتين فسقت لا بعينها، فلو شهد عندي عليٌّ وعائشة وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم[15]. مات سنة إحدى وثلاثين ومائة[16].

ومن أبرز منظري المعتزلة أيضًا:

أبو الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف (135- 226هـ/ 753- 841م) شيخ المعتزلة، ومقدم الطائفة، ومقرر الطريقة، والمناظر عليها، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء[17]، وتُنسب إليه فرقة الهذيلية.

وأيضًا إبراهيم بن يسار بن هانئ النظَّام (ت 231هـ/ 846م) وقد طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة[18]، وتُنسب إليه فرقة النظاميّة.

ومنهم أيضًا معمر بن عباد السلمي (ت 220هـ/ 835م) وهو من أعظم القدريّة فِرْيةً في تدقيق القول بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره عن الله تعالى، والتكفير والتضليل على ذلك[19]، وتُنسب إليه فرقة المعمرية.

ومنهم عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار (ت 226هـ/ 841م)، وكان يقال له: راهب المعتزلة[20]، وقد عُرف عنه التوسُّع في التكفير حتى كفّر الأمة بأسرها بما فيها المعتزلة، وتُنسب إليه فرقة المردارية.

وأيضًا ثمامة بن أشرس النميري (ت 213هـ/ 828م) كان جامعًا بين قلة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق، وقيل إنه الذي أغرى المأمون ودعاه إلى الاعتزال، وتُسمَّى فرقته الثماميّة[21].

ومن أبرز منظري المعتزلة أيضًا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 256هـ/ 870م) وهو من كبار كُتَّاب المعتزلة، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة، ونظرًا لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن يدسّ أفكاره المعتزلية في كتاباته كما يدس السم في الدسم، مثل البيان والتبيين، وتُسمى فرقته الجاحظية.

وكذلك أبو الحسين بن أبي عمر الخياط (ت 300هـ/ 913م) من معتزلة بغداد، وبدعته التي تفرد بها قوله بأن المعدوم جسم، والشيء المعدوم قبل وجوده جسم، وهو تصريح بقدم العالم، وهو بهذا يخالف جميع المعتزلة، وتسمى فرقته الخياطية[22].

ومنهم أيضًا القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني (ت 414هـ/ 1023م) فهو من متأخري المعتزلة، قاضي قضاة الرَّيّ وأعمالها، وأعظم شيوخ المعتزلة في عصره، وقد أرّخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية. هؤلاء هم أشهر منظري المعتزلة.

المبادئ العامة للمعتزلة
جاءت المعتزلة في بدايتها بفكرتين مبتدعتين:

الأولى: القول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل، فهو يخلق أفعاله بنفسه، ولذلك كان التكليف. ومن أبرز من قال ذلك غيلان الدمشقي، الذي أخذ يدعو بمقولته هذه في عهد عمر بن عبد العزيز حتى عهد هشام بن عبد الملك حيث كانت نهايته.

الثانية: القول بأن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا، ولكنه فاسق، فهو بمنزلة بين المنزلتين، هذا حاله في الدنيا. أما في الآخرة فهو لا يدخل الجنة؛ لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة، بل هو خالد مخلد في النار، ولا مانع عندهم من تسميته مسلمًا باعتباره يظهر الإسلام، وينطق بالشهادتين، ولكنه لا يُسمى مؤمنًا[23].

يقول الشهرستاني: الذي يعمُّ طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعانٍ قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية.

واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه، فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال.

واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها.

واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة ومكانًا، وصورة وجسمًا، وتحيزًا وانتقالاً، وزوالاً وتغيرًا وتأثرًا. وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط (توحيدًا).

واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابًا وعقابًا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالمًا كما لو خلق العدل كان عادلاً.

واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب -من حيث الحكمة- رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط (عدلاً).

واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض. والتفضل معنى آخر وراء الثواب.

وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط (وعدًا ووعيدًا).

واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك.

وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء عليهم السلام امتحانًا واختبارًا؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]. واختلفوا في الإمامة والقول فيها نصًّا واختيارًا[24].

ونستطيع القول إذن أن المعتزلة يجمعهم -غالبًا- ما يُسمَّى بالأصول الخمسة، وهي:

1- المنزلة بين المنزلتين، وهو قولهم بأن الفاسق الملّي (مرتكب الكبيرة) لا مؤمن ولا كافر، بل في منزلة بينهما.

2- التوحيد، ويقصدون به نفي صفات الله تعالى.

3- العدل، ويقصدون به نفي القدر.

4- الوعد والوعيد، أو (إنفاذ الوعيد)، وهو زعمهم أن مرتكب الكبيرة مخلَّد في النار إذا مات على كبيرته.

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصدون به الخروج على ولاة الأمور، وإلزام الناس بمقالاتهم وعقائدهم. فمن قال بهذه الأمور أو أكثرها فهو معتزلي[25].

تطور المعتزلة وانقسامها
من خصائص الفكرة المبتدعة -ومثلها في ذلك مثل كل الأفكار البشرية الاعتقادية- أنها عادة تبدأ بسيطة ساذجة في اللفظ والمعنى، ثم لا تلبث أن تتعقد وتتفرع، بل تتغير وتتبدل، ثم تتناقض وتتضارب، وإذا كثير من مبادئها الأوليّة قد تغيرت بشكل تام، وهي في كل ذلك تسير من سيئ إلى أسوأ، وتزداد انحرافًا وبعدًا عن السُّنَّة، وما ذلك إلا لاعتمادها على العقل فيما لا يدركه العقل؛ لذلك قد قيل: إن صاحب البدعة لا تقبل له توبة، فهو ينتقل من حال إلى حال أسوأ كلما أوغل في بدعته. أما من تمسك بالنصوص الثابتة الجلية، والقواعد الصحيحة البينة فلا مجال لانحرافه؛ إذ إن الأمر دائر بين ثبوت النص وقواعد الفقه فيه، وهما أمران واضحان عند أهل السنة والجماعة حسب منهجهم. وقد ظهر ذلك الأمر جليًّا في فكر المعتزلة وتطور مقالاتهم خلال ثلاثة قرون هي فترة حياة الاعتزال كفرقة مستقلة واضحة[26].

فقد افترقت المعتزلة فيما بينها عشرين فرقة، كل فرقة منها تكفِّر سائرها، وهذه الفرق هي الواصلية، والعمرية، والهذيلية، والنظامية، والأسوارية، والمعمرية، والإسكافية، والجعفرية، والبشرية، والمردارية، والهشامية، والتمامية، والجاحظية، والحايطية، والحمارية، والخياطية، وأصحاب صالح قبة، والمويسية، والشحامية، والكعبية، والجبابية، والبهشمية المنسوبة إلى أبي هاشم بن الحبالى. فهذه ثنتان وعشرون فرقة، فرقتان منها من جملة مائة وأربعين من فرق الغلاة في الكفر، وهما الحايطية والحمارية، وعشرون منها قدرية محضة[27].

ومن الواضح أن كل فرقة من هذه الفرق قد تسمت باسم مؤسسها، فالواصلية نسبة إلى واصل بن عطاء، والهذلية نسبة إلى أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف، وهكذا، وقد اتفقوا في الأصول أو المبادئ الخمسة التي سبق ذكرها، واختلفوا في غيرها.

المراحل التي مرت بها فرقة المعتزلة
ظهرت المعتزلة كفرقة فكرية في أوائل القرن الثاني الهجري، إلا أنها -مع ذلك- كان لها نشاط سياسي ودور كبير على مسح الأحداث خاصة في بعض فترات العصر العباسي وإبّان الدولة البويهية الشيعية. ويمكن تقسيم المراحل السياسية للمعتزلة على هذا النحو:

المرحلة الأولى: تكوُّن الفرقة ونشأتها في العصر الأموي.

المرحلة الثانية: المعتزلة في العصر العباسي.

المرحلة الثالثة: في عصر المتوكل (عصر الضعف).

المرحلة الرابعة: في عصر البويهيين (عصر النشاط الثاني).

المرحلة الخامسة: انحلال المعتزلة كفرقة وذوبانها في الفرق الأخرى[28].

سبق أن ذكرنا أن بدايات نشأة المعتزلة كانت حين اعتزل واصل بن عطاء حلقة شيخه الحسن البصري، كان ذلك في عهد الدولة الأموية، والتي كان لشيوخ الفكر الاعتزالي الأوائل من القدرية والجهمية دور كبير في كثير من الحركات التي خرجت عليها، فلقوا جزاءً شديدًا نتيجة الموقف المعادي للدولة الأموية، فقد خرج معبد الجهني -وهو أول من قال بالقدر- على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث في حركته التي كادت تقضي على حكم الأمويين، وقد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بعد فشل الحركة عام 80هـ.

وكذلك خرج الجهم بن صفوان -الذي قال بنفي الصفات وخلق القرآن- مع الحارث بن سريج على بني أمية، فقتله سالم بن أحوز في مرو عام 128هـ بعد فشل الحركة. أما غيلان الدمشقي فقد جرت بينه وبين عمر بن عبد العزيز مناقشات بشأن القدر، فأمسك غيلان عن الكلام فيه حتى مات عمر بن عبد العزيز، ثم أكمل بدعته حتى قتله هشام بن عبد الملك. وأما الجعد بن درهم فقد قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة بعد استفحال أمره[29].

ثم تأتي مرحلة قوة المعتزلة حيث الخلافة العباسية، فقد برز المعتزلة في عهد المأمون حيث اعتنق الاعتزال عن طريق بشر المريسي، وثمامة بن أشرس، وأحمد بن أبي دؤاد، وهو أحد رءوس بدعة الاعتزال في عصره، ورأس فتنة خلق القرآن، وكان قاضيًا للقضاة في عهد المعتصم، وفي فتنة خلق القرآن امتُحن الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الرضوخ لأوامر المأمون والإقرار بهذه البدعة، فسُجن وعُذِّب وضُرب بالسياط في عهد المعتصم بعد وفاة المأمون، وبقي في السجن مدة عامين ونصف ثم أعيد إلى منزله وبقي فيه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق[30].

ولما تولى المتوكل الخلافة عام 232هـ أظهر الانتصار للسُّنَّة، فأمر بالمنع من الكلام في مسألة الكلام، والكفِّ عن القول بخلق القرآن، وأن من تعلّم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق[31] مأواه إلى أن يموت، وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، وأمر بإكرام الإمام أحمد إكرامًا عظيمًا، وقتل محمد بن عبد الملك بن الزيات الذي سعى في قتل أحمد بن نصر وكان سببًا في محنة الإمام أحمد، وأمر بدفن جثمان أحمد بن نصر الذي كان ما زال معلقًا مصلوبًا منذ قتله الواثق. وهكذا انتهت تلك السنوات التي استطال فيها المعتزلة وسيطروا على السلطة وحاولوا فرض عقائدهم بالقوة والإرهاب خلال أربعة عشر عامًا كاملة[32].

وفي عهد دولة بني بويه عام 334هـ في بلاد فارس -وكانت دولة شيعية- توطدت العلاقة بين الشيعة والمعتزلة وارتفع شأن الاعتزال أكثر في ظل هذه الدولة، فعيِّن القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضيًا لقضاء الري عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي، وهو من الروافض المعتزلة، يقول فيه الذهبي: "وكان شيعيًّا معتزليًّا مبتدعًا"[33]. ويقول المقريزي: "إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر". وممن برز في هذا العهد: الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي: "وكان من الأذكياء والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد"[34]. وبعد ذلك كاد ينتهي الاعتزال كفكر مستقل إلا ما تبنته منه بعض الفرق كالشيعة وغيرهم[35].

ثم تأتي مرحلة انحلال وذوبان المعتزلة في التشيع، وقد بدأت تلك المرحلة منذ بدأ التزاوج بين الرفض والاعتزال، ومن الواضح أن الرافضة قد تأثروا بمناهج الفكر الاعتزالي بشكل قوي، فنقلوه وهضموه خاصة في مسائل الصفات والقدر، كذلك في محاولتهم الإيهام بتعظيم دور العقل، مع أن أصل مذهبهم يقوم على أمور غير معقولة -كالإمام الغائب الذي ينتظرون رجعته كل ليلة- وكذلك تبني المعتزلة تدريجيًّا فكر الشيعة المنحرف؛ ليضمنوا القوة والاستمرار في ظل دول الرافضة، فذاب الاعتزال في التشيع، وانتهت المعتزلة كفرقة مستقلة منذ ذلك الحين[36].

الفكر الاعتزالي في العصر الحديث
انتهت المعتزلة كفرقة -كما ذكرنا- لكن بعض أفكارها بدأت بالظهور مرة أخرى في العصر الحديث في آراء بعض المفكرين في عدة قضايا. ويمكن للباحث من خلال كتابات عديد من الكتاب في بضع العقود الماضية أن يتلمس آثار مدرسة فكرية مميزة ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتاب وآراؤهم، يُستدل عليها بوحدة الآراء، وتقارب المفاهيم، وتميُّز بتشابه الموضوعات، وتلاقي المقاصد والغايات[37].

ونجد أن بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر يحاولون إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفا عليه الزمن أو كاد، فألبسوه ثوبًا جديدًا، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل: العقلانية، التنوير، التجديد، التحرر الفكري، التطور، المعاصرة، التيار الديني المستنير، اليسار الإسلامي.

وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وَفْق العقل الإنساني، فلجئوا إلى التأويل كما لجأت المعتزلة من قبل، ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات المادية، وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل إلا من هذا القبيل.

وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر.

وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسُّنة، مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد والحدود، وغير ذلك.. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث... إلخ. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله، وتحكيم العقل في هذه المواضيع. ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر.

ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية، وقاسم أمين مؤلف كتاب تحرير المرأة والمرأة الجديدة، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه "أستاذ الجيل"، وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي"، وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا. هذا في البلاد العربية.

أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان، الذي منح لقب (سير) من قبل الاستعمار البريطاني، وهو يرى أن القرآن الكريم -لا السنة النبوية- هو أساس التشريع، وأحلّ الربا البسيط في المعاملات التجارية، ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعية الجهاد لنشر الدين، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز؛ لأنهم عانوا كثيرًا من جهاد المسلمين الهنود لهم.

وجاء تلميذه "سيد أمير علي" الذي أحلّ زواج المسلمة بالكتابي، وأحل الاختلاط بين الرجل والمرأة.

ومن هؤلاء أيضًا مفكرون علمانيون، لم يُعرف عنهم الالتزام بالإسلام، مثل زكي نجيب محمود صاحب (الوضعية المنطقية)، وهي من الفلسفة الوضعية الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي.. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من التراث ويجب أن نحيِّيه، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف المعتزلة من المشكلات القائمة[38].

[1] انظر البستاني: محيط المحيط ص1391، ابن منظور: لسان العرب 11/440.
[2] ناصر العقل: الجهمية والمعتزلة ص127.
[3] لقولهم بقول جهم في إنكار القدر.
[4] الشهرستاني: الملل والنحل 1/56. وحديث "القدرية مجوس هذه الأمة" رواه أبو داود عن ابن عمر (4691)، وحسنه الألباني، انظر صحيح الجامع (4442).
[5] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 5/20.
[6] السمنية: بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات. انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 5/22.
[7] نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عبد البر قوله: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبِّه وهم -عند من أقر بها- نافون للمعبود، والحق فيها ما قال القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة نبيه وهم أئمة الجماعة. انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 3/264.
[8] انظر: الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص64 وما بعدها.
[9] واصل بن عطاء الغزَّال، البصري المتكلم، كبير المعتزلة، ولد سنة (80هـ) ومات سنة (131 هـ)، كان تلميذًا للحسن البصري فحصل خلاف بينه وبين شيخه الحسن البصري، فطرده من مجلسه.
[10] الشهرستاني: الملل والنحل 1/61، 62.
[11] البغدادي: الفرق بين الفرق ص105.
[12] الصفدي: الوافي بالوفيات 27/245.
[13] البغدادي: الفرق بين الفرق ص108.
[14] أي ابن حجر.
[15] قال أهل السنة والجماعة في هذا الأمر بتصويب علي وأتباعه يوم الجمل، وقالوا: "إن الزبير رجع عن القتال يومئذ تائبًا، فلما بلغ وادي السباع قتله بها عمرو بن جرموز غِرَّة، وبشَّر عليٌّ قاتله بالنار، وهمّ طلحة بالرجوع فرماه مروان بن الحكم -وكان مع أصحاب الجمل- بسهم فقتله، وعائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو أزد وبنو ضبة على أمرها حتى كان من الأمر ما كان، ومن قال بتكفير الفريقين أو أحدهما فهو الكافر دونهم". اتظر: البغدادي: الفرق بين الفرق ص110.
[16] ابن حجر: لسان الميزان 8/369، 370.
[17] الشهرستاني: الملل والنحل 1/64.
[18] المصدر السابق 1/67.
[19] السابق نفسه 1/79، 80.
[20]الشهرستاني: الملل والنحل 1/82.
[21] المصدر السابق 1/84.
[22] السابق نفسه 1/89.
[23] انظر: الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص67.
[24] الشهرستاني: الملل والنحل 1/56، 57.
[25] ناصر العقل: الجهمية والمعتزلة ص127.
[26] محمد العبدة، طارق عبد الحليم: المعتزلة بين القديم والحديث ص101، 102.
[27] البغدادي: الفرق بين الفرق ص104.
[28] محمد العبدة، طارق عبد الحليم: المعتزلة بين القديم والحديث ص114.
[29] السابق نفسه ص114، 115.
[30] الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص65.
[31] المطبق: سجن تحت الأرض. انظر: تاج العروس 26/62.
[32] محمد العبدة، طارق عبد الحليم: المعتزلة بين القديم والحديث ص120، 121.
[33] الذهبي: سير أعلام النبلاء 16/512.
[34] المصدر السابق 17/589.
[35] الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص66.
[36] محمد العبدة، طارق عبد الحليم: المعتزلة بين القديم والحديث ص124.
[37] المصدر السابق ص136.
[38] الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص72، 73.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

كلنا اخوة​
السلام عليكم

القاديانية (الأحمدية)

نشأة القاديانية
فتح المسلمون الهند بقيادة السلطان محمود الغزنويّ، وخضعت الهند للحكم الإسلامي العادل، فلم يُجبر أحد على اعتناق الإسلام وترك دينه؛ فبقيت الديانات الهندية القديمة كالبوذية والبرهمية، وظل الأمر كذلك حتى اجتاح الهند الاستعمار البريطاني الغاشم. وبالطبع هبَّ المسلمون للدفاع عن أرضهم وكانوا أشد الناس صلابة في وجه الاستعمار، ولمَّا تيقن الإنجليز من أن الدين الإسلامي هو السبب الرئيسي والمحرِّك الأساسي لكل الثورات والانتفاضات الشعبية في الهند، كثَّفت الإدارة البريطانية جُلَّ جهودها لتقويض النفوذ الإسلامي وزعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين بهذه المنطقة، فقامت الإدارة البريطانية بتشجيع كل الأفكار المنحرفة عن الشريعة الإسلامية، وبحثت كثيرًا عن بديل يمكنه سحب البساط من تحت أقدام الإسلام كقائد للمقاومة والجهاد أمامهم، ووجد الاحتلال بغيته في الدعوة القاديانية.

مؤسس القاديانية
في قرية قاديان، إحدى قرى البنجاب التابعة الآن لباكستان، وُلِد غلام أحمد القادياني في عام 1265هـ الموافق 1839م مؤسِّس ومخترع الديانة القاديانية.

أحمد القادياني ينتمي أحمد القادياني إلى أسرة اشتهرت بخيانة الدين والوطن، وهكذا نشأ غلام أحمد وفيًّا للاستعمار مطيعًا له في كل حال، فاختير لدور المتنبِّئ حتى يلتف حوله المسلمون وينشغلوا به عن جهادهم للاستعمار الإنجليزي. وكان للحكومة البريطانية إحسانات كثيرة على أسرته، فأظهروا الولاء لها، وكان غلام أحمد معروفًا عند أتباعه باختلال المزاج، وكثرة الأمراض، وإدمان المخدِّرات[1].

بدأ غلام أحمد نشاطه كداعية إسلامي يدافع عن الإسلام ويردُّ على الشبهات المثارة حوله، واستمر أحمد القادياني على هذا النحو فترة من الزمن ذاع فيها صيته، وكثر أنصاره ومحبوه، ثم ادَّعى أنه مُلهَمٌ من الله، وأنَّه مجدِّد الدين على رأس القرن، ثم زاد القادياني في غيِّه وادَّعى أنَّه المهدي المنتظر الذي ينادي به الشيعة!

ولم يقف القادياني عند هذا الحد بل اندفع في الطريق الذي رسمه لنفسه أو الذي رسمه له الاستعمار الإنجليزي، فادَّعى أن روح المسيح قد حلَّت فيه، وتبعتها روح النبي محمد [2].

معتقدات القاديانية
يعتقد القاديانيون أن الله يصوم ويصلِّي، وينام ويصحو، ويكتب ويخطئ ويجامع -تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا-، كما صرَّح أحمد القادياني بأن إلهه إنجليزي؛ لأنه يخاطبه بالإنجليزية!!

وتعتقد القاديانية أيضًا بأن النبوة لم تختم بمحمد بل هي جارية، والله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعًا، وأن جبريل كان ينزل على غلام أحمد القادياني، وأنه كان يُوحي إليه، وأن إلهاماته كالقرآن، وقد ألَّف بالفعل كتابًا سمَّاه الكتاب المبين.

وبما أن نبيهم من قاديان فإن هذه القرية تعادل عندهم مكة المكرمة والمدينة المنورة بل تفضل عليهما، وأرضها حرام، وهي قبلتهم وإليها حَجُّهم! بل وكل مسلم عندهم كافر حتى يتبع القاديانية.

ثم يأتي الهدف الأساسي الذي من أجله صُنِعت هذه الدعوة ونالت الحماية والرعاية والدعم من الاحتلال البريطاني، فها هي القاديانية تحرِّم الجهاد، وتطالب أتباعها بالطاعة العمياء للحكومة الإنجليزية؛ لأنها -حسب زعمهم- هي وليُّ الأمر بنص القرآن!![3].

شخصيات قاديانية بارزة
تُوفِّي غلام أحمد القادياني في عام 1908م متأثرًا بالطاعون الذي أصاب قريته قاديان، وقد أراد الله أن يفضحه بعد أن طمأن أحمد القادياني أهل قريته -في إحدى إلهاماته- بأنها لن تصاب بالطاعون لحرمتها الدينية.

من أهم الكتب التي ألَّفها أحمد القادياني: كتاب التبليغ، وكتاب تجلِّيات إلهية.

بعد وفاة أحمد القادياني انقسم أتباعه إلى فريقين؛ أحدهما يرى أنَّه نبي مرسل، وهذا الفريق هو امتداد للقاديانية، أمَّا الفريق الآخر فاكتفى بكونه وليًّا لله، ويُطلق على أتباع هذا الفريق الأحمديَّة.

كان على رأس الفريق القادياني ابن أحمد القادياني ويُدعى نور الدين، وهو الذي تولَّى منصب الخليفة الأول للقاديانية، ووضع الإنجليز تاج الخلافة على رأسه فتبعه المريدون، ثم خلف نور الدين عن طريق الانتخاب غلام رضا، فلما مات خلفه بشير أحمد، وكان بشير من أشد المتحمِّسين لنبوة أحمد القادياني، وألَّف كتابًا أسماه حقيقة النبوة ذكر فيه أن القادياني أفضل من كثير من الأنبياء، بل أفضل من بعض أولي العزم من الرسل، وزاد في غلوِّه وادَّعى أن أحمد القادياني هو النبي محمد ، وهو مصداق قول الله : {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6][4]!!

أيضًا كان لتعيين ظفر الله خان القادياني كأول وزيرٍ للخارجية الباكستانية أثرٌ كبير في دعم هذه الفرقة الضالة؛ حيث خصص لها بقعة كبيرة في إقليم بنجاب لتكون مركزًا عالميًّا لهذه الطائفة، وسمَّوها ربوة استعارة من نص الآية القرآنية {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50].

أماكن انتشار القاديانية
يتركز القاديانيون في الهند وباكستان، وقليل منهم في إسرائيل والعالم العربي. وللدعوة القاديانية نشاط كبير في إفريقيا، ونشاطهم الواسع يؤكد دعم الجهات الاستعمارية لهم؛ حيث ترعى الحكومة الإنجليزية أتباع هذا المذهب، وتسهِّل لأتباعه التوظف بالدوائر الحكومية العالمية في إدارة الشركات والمفوضيات، وتتخذ منهم ضباطًا في مخابراتها السرية.

نشط القاديانيون في الدعوة إلى مذهبهم بكافة الوسائل، وخصوصًا الثقافية، ونجحوا في اجتذاب العديد من العلماء والمهندسين والأطباء، ويوجد في بريطانيا قناة فضائية باسم التلفزيون الإسلامي يديرها أتباع القاديانية[5].

الرد على القاديانية
قوبلت الدعوة القاديانية منذ بداياتها بوقفة صُلبة من المسلمين، وتصدَّى العلماء لأحمد القادياني عندما بدأت شطحاته الأولى بادِّعاء تلقي الإلهام الإلهي.

وممن تصدى لهذه الدعوة الخبيثة، الشيخ أبو الوفاء ثناء الله تستري أمير جمعية أهل الحديث في الهند؛ حيث ناظره طويلاً حتى أفحم حجته، وعندما زاد أحمد القادياني وتمادى في أكاذيبه بَاهَلَه الشيخ أبو الوفا على أن يموت الكاذب منهما في حياة الصادق، فلم تمر سوى أيام قلائل حتى هلك أحمد القادياني.

وعلى المستوى الشعبي فقد اجتاحت باكستان ثورة عارمة في عام 1953م مطالبة بإقالة ظفر الله خان وزير الخارجية حينئذٍ، كما طالبت باعتبار الطائفة القاديانية أقلية غير مسلمة، وقد استشهد في هذه الثورة قُرابة عشرة آلاف مسلم حتى نجحت في إقالة الوزير القادياني.

أيضًا قام مجلس الأمة الباكستاني بمناقشة زعيم الطائفة القاديانية والرد عليه في سلسلة مناظرات استمرت قرابة الثلاثين ساعة، عجز فيها ناصر أحمد عن الأجوبة، وانكشف النقاب عن كفر هذه الطائفة، فأصدر المجلس قرارًا باعتبار القاديانية أقلية غير مسلمة.

كما عقدت رابطة العالم الإسلامي في عام 1974م مؤتمرًا كبيرًا في مكة المكرمة وحضره ممثلون للمنظمات الإسلامية العالمية من جميع أنحاء العالم، وقد أعلن المؤتمر صراحة كفر هذه الطائفة وخروجها عن الإسلام، بل وطالب المسلمون بمقاومتها وعدم التعامل مع القاديانيين، وعدم دفن موتاهم في قبور المسلمين[6].

لا شك أن القاديانية تخالف ما صرَّح به النبيُّ ، وما أجمع عليه المسلمون من كون النبيّ محمد هو آخر جزء في صرح الرسالة الإلهية، وفوق ذلك ادِّعاءات إمامهم الغريبة بأنه هو المسيح، وبأنَّه هو النبي محمد ، وكل هذه الادعاءات ليس عليها أي دليل، وأقصى ما جاء به أحمد القادياني من معجزات -كما سماها هو- هو تنبؤه بالخسوف والكسوف قبل وقوعهما، ومعلوم أن ذلك أمر يسير لعلماء الفلك والأرصاد، ويتكرر حدوثه وتمَّ حسابه أيَّام الادعاءات القاديانية.

وإضافةً إلى افتقار الدعاوي القاديانية للأدلة التي تقوِّيها نجدها لا تتفق بل وتخالف الشريعة الإسلامية التي قام عليها الدليل، ومن ثَمَّ فإن هذه الادعاءات تُخرِج صاحبها عن الإسلام؛ حيث تركنا النبي محمد على المحجَّة البيضاء التي ليلها كنهارها، وإذا كان القادياني يتمسك بحديث "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا"[7]، فإن المجدِّدين قبله لم يدَّعوا النبوة، ولا أن معهم آيات تثبت نبوتهم، فلماذا شذَّ أحمد القادياني عنهم؟!

وبالرغم من تقاربه الملحوظ مع أقوال أئمة الشيعة، حيث يدَّعون أن أئمتهم معصومون وملهمون، وتجري على أيديهم المعجزات، إلا أنهم لا يدَّعون أنَّهم يتلقوا الوحي، ولا أنَّهم يكلِّمون الله، وغير ذلك الكثير مما لا يقبله عقل ولا يميل إليه قلب؛ فتعاليم القاديانية ليست من الإسلام في شيء[8]، بل هي كفر مَحْض.

[1] أحمد عبد الرحيم: حركات هدامة، الطبعة الأولى، 1416هـ/ 1996م، ص199.

[2] د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الخامسة عشرة، 1423هـ- 2003م، ص386.

[3] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ندوة العالم الإسلامي.

[4] د.مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص388.

[5] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ندوة العالم الإسلامي.

[6] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ندوة العالم الإسلامي.

[7] رواه أبو داود في سننه (4291)، والحاكم في مستدركه (8592)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1874).

[8] محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، 1996م، ص232.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

الزرادشتية

مؤسس الديانة الزرادشتية
الديانة الزرادشتية فرق وأديانتُعَدُّ الزرادشتيَّة (المجوسيَّة[1]) من أديان الفرس القديمة؛ حيث يَعتقد الزرادشتيون بوجود إلهٍ للخير يسمُّونه "أهورامزدا" ربّ الخير، ويقولون: إنه إله النور. وفي عقيدتهم أيضًا يوجد مصدر للشرِّ يسمُّونه "آهرمان"، ومعناه الخبيث أو القوى الخبيثة، وهو إله الظلمة.

تُنسب الزرادشتية إلى زرادشت المولود قبل ميلاد عيسى بحوالي 660 سنة بأذربيجان بفارس، ويُروى عن مولده وعن الفترة السابقة عليها قصصٌ وأساطير كثيرة، يُشبه بعضُها ما يقوله المسيحيون عن المسيح من أنَّ روح القدس قد حلَّت فيه، وأنه أحد الأقانيم[2] المكوِّنة للإله -تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا-. واهتمَّ والد زرادشت بابنه، ورأى أنْ يُعَلِّمه أفضل تعليم في البلاد؛ لذا أرسله في سنِّ السابعة إلى الحكيم الشهير "بوزين كوروس"، وظلَّ الابن معه ثمانية أعوام، درس فيها عقيدة قومه، ودرس الزراعة وتربية الماشية وعلاج المرضى، ثم عاد إلى موطنه بعد هذه الأعوام الطِّوَال.

ولم يَكَدْ يستقرُّ بين أبوَيْه حتى غزا الطورانيون[3] إيران، فتطوَّع زرادشت للذهاب إلى ميدان القتال لا ليحارِب وإنما ليعالج الجرحى والمصابين، ولما وضعت الحرب أوزارها انتشرت المجاعة في البلاد، وانتشر معها المرض، فتطوَّع زرادشت ثانية؛ ليضع خبرته وجهده في علاج المرضى، وانقضت خمس سنوات أخرى من عمره في هذا الأمر.

رأى زرادشت أنَّ تاريخ العالم يتمثَّل في الصراع بين الخير الذي يمثِّله الإله "أهورامزدا"، والشرِّ الذي يمثِّله الإله "آهرمان"، و"أهورامزدا" لا يمكن أن يكون مسئولاً عن الشرِّ؛ لأنَّ الشرَّ جوهرٌ مثله مثلُ الخيرِ، وأنَّ هاتين القوَّتين وجهان للموجود الأوَّل الواحد؛ لذلك لا بُدَّ أن يكون بعد الموت حياة أخرى، بعدما ينتصر الإله الأوحد على الشرِّ، عندئذٍ يُبعث الموتى، ويحيا الناس مرَّة أخرى، وتنطلق الأرواح الخيِّرة إلى الجنة، أمَّا رُوح الشرِّ وأتباعها من الخبثاء فيحترقون في المعدن الملتهب، عندها يبدأ العالم السعيد الخيرَ الذي لا شرَّ فيه ويدوم سرمديًّا.

وظلَّ زرادشت على جبل سابلان يستوضح أفكاره، التي تخرج في بطء شديد كأنها ولادة متعثِّرة، وتزعم الأساطير أنه وهو واقف على الجبل رأى نورًا يسطع فوقه، وإذا به "فاهومانا" كبير الملائكة، ينبِّئه بأمر النبوَّة، وقد كان أوَّل مَنْ آمن به واتبعه ابن عمِّه "متيوه"، ثم تَبِعَه مَلِكُ فارس آنذاك وأهلُ بيته، ثم سائر الرعيَّة.

وللديانة الزرادشتيَّة كتاب مقدَّس عند أتباعها اسمه "الأبستاق" أو "الأوستا" يحتوي على معتقداتهم وتشريعاتهم، وقد ضاع هذا الكتاب بعد غزو الإسكندر المقدوني لفارس سنة 330 ق.م، وفُقِدَتْ معه كلُّ تفاسيره[4].

وانتشرت الديانة المجوسية في إيران بعد ثمانية قرون من موت زرادشت، وبعد أن انحسرت إلى حدٍّ ما ديانة "الماجي" المجوسيَّة التي اقتصرت حينها على الملوك والكهنة، وقد بشَّر زرداشت بالقوَّة الشافية للعمل البنَّاء، وقدَّم مذهبًا أخلاقيًّا يتألَّف القسطاس فيه من العدل والصدق والأعمال الجيدة، والنار والشمس هما رمزا أهورامزدا؛ ولذلك ترتبط هذه الديانة بما يشبه عبادة النار.

اختلاف العلماء حول الزرادشتية
وقد أوضح الشهرستاني[5]حقيقة هذه الديانة قائلاً: "وبعد أن بلغ زرادشت ثلاثين عامًا، بعثه الله تعالى نبيًّا ورسولاً إلى الخلق، فدعا كشتاسب[6] الملك، فأجابه إلى دينه، وكان دينه: عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث، ثم قال بالنور والظلمة، وهما أصلان متضادَّان، فيزدان (النور) وأهرمن (الظلمة) هما -في زعمه- مبدأ موجودات العالم، وحصلت التراكيب من امتزاجهما، والبارئ تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له، ولا ضدَّ ولا ندَّ، ولا يجوز أن يُنسب إليه وجود الظلمة، لكن الخير والشرّ والصلاح والفساد والطهارة والخبث إنما حدثت بامتزاج النور والظلمة والخير والشرِّ، ثم يتخلَّص الخير إلى عالمه، والشرُّ ينحطُّ إلى عالمه، وذلك هو سبب الخلاص، والبارئ تعالى هو الذي مزجهما وخلطهما لحكمة رآها في التراكيب، وربما جعل النور أصلاً، وقال: وجوده وجود حقيقي، وأمَّا الظلمة فتبع كالظلِّ بالنسبة إلى الشخص، فإنه يرى أنه موجود، وليس بموجود حقيقة، فأبدع النور وحصل الظلام تبعًا"[7].

وقد أبطل زرادشت جميع معتقدات المجوس القدماء، فقال بعدم وجود قوى رُوحية كثيرة للخير، ولا عفاريت كثيرة للشرِّ، إنما هو إله واحد اسمه (أهورامزدا) الذي ليس كمثله شيء، وهو الواحد الأحد، القدُّوس الصمد، وهو الحقُّ والنور، وهو الحكيم القادر الخالق الذي لا يشاركه في ملكه وربوبيته شيء، وإن القوى الرُوحية التي زعموها خالقة للخير ليست بخالقة، بل هي نفسها من خلق (أهورامزدا)، ثم إن العناصر الأساسيَّة للدين الزرادشتي، الاعتقاد بالحياة الأخروية، فقد قال زرادشت: لا تنتهي حياة الإنسان بموته في هذا العالم المادي، بل له حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، فالذين عملوا الصالحات في حياتهم الدنيا يدخلون عالم السعادة، والذين دنَّسوا نفوسهم بالشرور يدخلون عالم الشقاء. وكذا الاعتقاد ببقاء الرُّوح من معتقدات الدين الزرادشتي الأساسيَّة، فهو يقول بفناء الجسم، أما الرُوح فيبقي ويلاقي جزاءه[8].

ومن معتقدات أتباعه أنه يوجد صراع بين إله النور وإله الظلمة؛ لذلك أُطلقت عليهم تسمية ثَنَويَّة، والمؤمنون عندهم واجبهم أن ينصروا إله النور؛ لذلك تشكِّل النار عاملاً رئيسيًّا في عباداتهم، وبيوت النار هي مراكز العبادة والتقديس؛ لذلك توضع النار في موقد حجري مستقرٍّ على أربع قوائم ويوقدها الكاهن نهارًا وليلاً وهم يُلقون فيها كمِّيَّات من البخور، ويضع الكاهن كِمامة[9] على فمه لئلاَّ يُدَنِّسَ النار.

ويعتقد الزرادشتيون أن الطوفان الذي حدت زمن نوح لم يُصبهم، وهم يؤمنون بالله وبنبوَّة زرادشت وبالمعاد الأخروي؛ لذلك فإن العالم عندهم له نهاية محتومة، وحينها سينتصر أهورامزدا وسيهلك أهرمان وكل قوى الشرِّ، وبعدها سيظهر أشيزريكا على أهل العالم، ويحيي العدل ويميت الجور... ويحصل في زمانه الأمن والدعة وسكون الفتن وزوال المحن.

الزرادشتية عقيدة ضالة
الزرادشتية عقيدة ضالةلابن الجوزي رأي آخر -ينقله عن الجاحظ- يُخالف فيه الشهرستاني وهو أن زرادشت قد جاء من الأساس بعقيدة ضالَّة، على عكس ما يعتقده البعض من أن أتباعه هم الذين حرَّفوا وغيَّروا، فقال: "وجاء زرادشت من بلخ وهو صاحب المجوس، فادَّعى أن الوحي ينزل إليه على جبل سيلان، فدعا أهل تلك النواحي الباردة الذين لا يعرفون إلاَّ البرد، وجعل الوعيد بتضاعف البرد، وأقرَّ بأنه لم يُبعث إلاَّ إلى الجبال فقط، وشرع لأصحابه التوضُّوء بالأبوال، وغشيان الأمهات، وتعظيم النيران مع أمور سمجة.

ومن قول زرادشت: كان الله وحده، فلمَّا طالت وحدته فكَّر فتولَّد من فكرته إبليس، فلما مَثُلَ بين يديه وأراد قتله امتنع منه، فلما رأى امتناعه ودعه إلى مدَّة. وقد بنى عابدو النار لها بيوتًا كثيرة؛ فأوَّل من رسم لها بيتًا أفريدون، فاتخذ لها بيتًا بطَرْطُوس وآخر ببخارى، واتخذ لها بهمن بيتًا بسجستان، واتخذ لها أبو قباذ بيتًا بناحية بخارى، وبُنيت بعد ذلك بيوتٌ كثيرة لها، وكان زرادشت قد وضع نارًا زعم أنها جاءت من السماء فأكلت قربانهم؛ وذلك أنه بنى بيتًا، وجعل في وسطه مرآة، ولفَّ القربان في حطب، وطرح عليه الكبريت، فلمَّا استوت الشمس في كبد السماء قابلت كوَّة قد جعلها في ذلك البيت، فدخل شعاع الشمس، فوقع على المرآة، فانعكس على الحطب، فوقعت فيه النار، فقال: لا تُطفئوا هذه النار"[10].

وأتى "زرادشت" بمعجزات إلى الملك "كيستاسف"، منها: أنه مرَّ على أعمى فأمرهم أن يأخذوا حشيشة -سمَّاها- ويعصرها في عينيه فأبصر. والزرادشتيون يُعَظِّمون النيروز، وهو أول يوم من سَنَتِهِم وعيدهم الأكبر، وأوَّل من رتَّبه "جمشيد" أخو "طهمورث"، ويُعَظِّمون أيضًا المهرجان، وهو عيد مشهور من أعيادهم.

ورغم ما قاله ابن الجوزي عن زرادشت، بأنه جاء بعقيدة سيِّئة من أساسها، وأنه لم يكن نبي مرسل من قِبَلِ الله تعالى لقومه، إلاَّ أن الدكتور مصطفى حلمي يقف موقفًا وسطًا بين الرأيين، موضِّحًا وجهة نظره بقوله: "إن الزرادشتية دعت إلى التوحيد الخالص لله تعالى في بدايتها، فآمن بها الناس في بلاد فارس، واتخذها الملوك ديانة رسميَّة لهم، لكنها سرعان ما طرأت عليها تغييرات بسبب دخول الرمز على الذات الإلهية في الزرادشتيَّة، حتى تقوى الجماهير على إدراكها -حسب اعتقادهم- باعتبارها ذاتًا رُوحانيَّة خالصة مجرَّدة من شوائب المادَّة، فأُشِيرَ إليها برمزين أحدهما سماوي وهو الشمس، والآخر أرضي وهو النار، فكلاهما عنصر متلألئ مضيء طاهر مطهَّر لا يتطرَّق إليه الخبث ولا الفساد، وتتوقَّف عليه الكائنات، وهذه الصفات تشبه طائفة من صفات الخالق نفسه، وترمز إليه، فانتهت الزرادشتيَّة إلى تقديس النار في ذاتها وعبادتها بعد أن كانت رمزًا للإله.

وهذا التغيير ربما استُحدث بفعل الأتباع والمريدين، لا سيَّما المتأخِّرين منهم عن عصر زرادشت، فهؤلاء المتأخِّرون عادةً ما يُحدثون تحوُّلات ملحوظة، منها ما يتناول الفروع، ومنها ما يتناول الأصول الجوهريَّة، ويقطع الصلة بما قاله واعتقده الأوائل، فلا يبقي إلاَّ الاسم والنسبة، والدليل على تحوُّل الزرادشتيَّة، أن الاعتقاد في النار أخذ يتدرَّج خطوة خطوة، فبعد تعظيمها في أوَّل الأمر بالاتجاه إليها وإلى الشمس ساعة الصلاة -لأن النور رمز الإله في زعمهم- انحرفت بهم طائفة رجال الدين إلى اتخاذها بذاتها قِبْلَة في العبادات، ثم جاءت الخطوة الأخيرة فعبدوا النار، وصاروا يبنون لها الهياكل والمعابد، بحجة أنه جوهر شريف علوي، وإنها لم تحرق الخليل إبراهيم ، ويظنُّون أن تعظيمها سيُنجيهم من عذابها"[11].

تطور الزرادشتية
مع التطوُّر الذي حدث في الأوستا (كتاب الزرادشتية المقدَّس)، والذي أدَّى في نهاية الأمر إلى دخول عناصر الطبيعة، والذي استمرَّ على أنه خاصِّيَّة أصيلة في الدين الزرادشتي، عَمِل الزرادشتيون على المحافظة على الماء والنار من النجاسة؛ فالفرس يُقَدِّسون الماء قبل كل شيء إلى حدِّ أنهم لا يغسلون به وجوههم ولا يلمسونه، إلاَّ أن يكون للشرب أو لريِّ الزرع.

ومع هذا فإن مكانة النار عند الزرادشتيين باتت عظيمة سامقة؛ بسبب ما لحق بنصِّها المقدَّس من تحريف وتبديل بإدخال الرمز وعناصر الطبيعة وخاصَّة النار، والتي صارت -عند المتأخرين منهم- تُعبد لذاتها؛ لذا ميَّز الأوستا بين خمسة أنواع من النار: أوَّلها نار المعابد، وهي النار التي ينتفع بها الناس عادة، ثم النار التي تُوجد في جسد الإنسان والحيوان، ويسمُّونها (وهوفريانه)، ثم نار النباتات ويسمُّونها (أوروازسته)، ثم النار الكامنة في السحاب، ويسمُّونها (زيستا)، ثم النار التي تشتعل أمام (أهورامزدا) في الجنة[12].

الزرادشتية في عهد الساسانيين
وحينما نستعرض تاريخ الزرادشتيَّة نجد أنها في عهد الساسانيين[13]، استطاعت أن تجد لنفسها سبيلاً في هذه الدولة الفارسيَّة القديمة؛ فقد استمرَّت الصلات الوثيقة بين الدولة والدين الزرادشتي طَوَال العهد السَّاساني، وكان ممن وثَّق هذه الصلة أردشير الأول؛ حيث أمر بجمع النصوص المبعثرة من الأوستا ثم كتابتها في نصٍّ واحد، فأُوجيز هذا النصُّ واعتُبر كتابًا مقدَّسًا، وجاء من بعد أردشير الأول سابورُ الأول ابن أردشير، الذي أدخل في هذه المجموعة من الكتب المقدسة النصوصَ التي لا تتعلَّق بالدين، والتي تبحث في الطبِّ والنجوم وما وراء الطبيعة، والتي كانت منتشرة في اليونان وبلاد الهند المجاورة، وأمر سابور بوضع نسخة من الأوستا الجديدة، في بيت نار آذر كَشنسب في (شيز)[14].

لكنَّ الخلافات الدينيَّة ظلَّت مستمرَّة، فأمر سابور الثاني بعقد مجمعٍ مقدَّس، حدَّد نهائيًّا نصِّ الأوستا، وقسَّمها إلى واحد وعشرين كتابًا (نسك) على عدد كلمات الصلاة المقدَّسة، وقد اختفت الأوستا الساسانيَّة أثناء العصر الإسلامي، ولم يكن اختفاؤها راجعًا إلى تعصُّب ديني من المسلمين، ويمكن إرجاع ذلك إلى الظروف المادِّيَّة الصعبة التي كان يُعاني منها الكثير من المجوس في ذلك الوقت، فكان من الصعب عليهم أن يستمرُّوا في استنساخ هذه المجموعة الكبيرة من النصوص المقدسة[15].

لكن الزرادشتية -رغم انتشارها في بلاد الفرس قبل الإسلام- لم تكن متاحة للعامَّة، بل نتج عنها مجموعة من الأمراض الاجتماعيَّة، قال عنها العامري: إنهم ابتلوا -في أثناء عظمتهم المدنية وقت حكم الأكاسرة - بمحنتين عظيمتين لا يدانيهما شيء من المحن الدنيوية:

أولاً: احتكار الموابذة -وهم أعلى طبقة من رجال الدين الزرادشتي- لتفسير الدين، ومنع العامَّة من النظر والاستدلال، ومعاملتهم لهم بالقهر؛ وذلك لحرصهم على الإبقاء على نفوذهم، وحتى لا يكشف الناس -إذا نظروا وتحقَّقوا- زيف اعتقادات زرادشت، والتي منها كون العالم من قديمين (إلهين)، وحول جبلَّته من امتزاج الضدَّيْنِ، وأنواع هذيانه في العفاريت والشياطين، وخطؤه الفاحش في شكل الأرض وتخطيط الأفلاك.

ثانيًا: التمييز الطبقي، فإن طبقاتهم بأسرها كانوا مضطهدين بسياسة الاستعباد، فنظام الزرادشتة الطبقي كان صارمًا؛ حيث آمن به الملوك، وجعلوه مطبَّقًا، فكانوا يُلزمون كلَّ طبقة -أدنى من طبقتهم- ما إليها من عمل أو صناعة أو حرفة، ولا يُرخِّصون لأحد في تجاوز رتبته، ويعاقبون مَنْ لم يكتفِ بطبقته[16].

الزرادشتية في صدر الإسلام
في صدر الدعوة الإسلاميَّة، كان الزرادشتيون (المجوس) المسيطرون على بلاد فارس قد دخلوا في حروب طاحنة مع الروم النصارى، ولما كان العرب قَوْمًا أُمِّيِّين مشركين، فإنهم فرحوا بما حقَّقه المجوس من نصر ظافر على الروم، لكنَّ المسلمين في مكة -في أوَّل أمر الدعوة- أحزنهم الأمر؛ حيث كان الروم أهل كتاب مثلهم، يؤمنون بوجود إله، فنزل قول الله في سورة الروم، مُزِيلاً الهمَّ عن المسلمين، ومبشِّرًا إيَّاهم بنصر الروم، وكانت هذه الآية القرآنيَّة الكريمة، إعجازًا أذهل العرب؛ فقد أنبأت بحادث غيبي سيقع بعد بضع سنين بانتصار الروم، فقال تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1-5].

وقد ذكر القرآن الكريم المجوس ( الزرادشتيين ) صراحة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]، وعلَّق الإمام الطبري قائلاً: "إن الفصل بين هؤلاء المنافقين الذين يعبدون الله على حرف، والذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام، والذين هادوا وهم اليهود، والصابئين[17]، والنصارى، والمجوس الذين عظَّموا النيران وخدموها، وبين الذين آمنوا بالله ورسله - إلى الله"[18]. فهذه الآية القرآنية السابقة توضِّح موقف المسلم من كل عقيدة تبتعد عن منهج الله، وتعطي للمسلم اطمئنانًا وثقة في عدله تعالى.

وحينما تهيَّأ الأمر لرسول الله في المدينة المنورة -فأصبح للإسلام دولة تدعو إلى عبادة الله وحده- بدأ في إرسال الرسائل للأمراء والملوك والعظماء يدعوهم بدعوة الإسلام، وذلك في نهاية العام السادس من الهجرة بعد صلح الحديبية، ومن جملة هذه الرسائل، ما أرسله إلى كسرى عظيم الفرس، وهي محاولة من رسول الله ليُخرج هؤلاء المجوس من ظلمات طاغوتهم ونيرانهم إلى نور الإله العظيم قائلاً: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَشَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إلى النَّاسِ كَافَّةً، لِيُنْذِرَ[19] مَنْ كَانَ حَيًّا؛ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْمَجُوسِ". فمزَّق كتاب رسول الله ، فقال رسول الله: "مُزِّقَ مُلْكُهُ"[20].

وشاءت إرادة الله تعالى أن يخرج سلمان الفارسي -الذي كان يدين بالزرادشتيَّة- من قريته باحثًا عن الدين الحقِّ، فتدرَّج باعتناقه النصرانيَّة قبل اعتناق الإسلام، وأثناء بحثه عن الحقيقة، يُحاوره والده قائلاً: "... فقال (أي والد سلمان ): أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم. فقلت: "والله ما هو بخير من دينهم؛ هؤلاء قوم يعبدون الله، ويدعونه، ويُصَلُّون له، ونحن إنما نعبد نارًا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت"[21]. فينتهي به المطاف إلى اعتناق الإسلام دين الله الخاتم على يد خير البشر محمد في المدينة.

وعندما فتح المسلمون بلاد فارس بَقِيَ بعض المجوس على دينهم، فعاملهم المسلمون معاملة تُظهر ما تربَّوْا عليه من رُوح السماحة، وقد تجلَّت هذه الرُّوح في حُسْنِ المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وقد حضَّ القرآنُ الكريم المسلمينَ على التحلِّي برُوح السماحة في آيات قرآنيَّة كثيرة، منها قوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، 9]. لذا تحرَّك المسلمون وسط المجوس وهم يحملون تعاليم الإسلام من رفق بالضعيف، وإطعام للجائع، وكساء للعاري، فلم يتعرَّض أحدٌ منهم لإيذاء أو امتهان؛ فكان ذلك سببًا من أسباب دخول كثير منهم في دين الإسلام راغبين[22].

وجاءت سيرة النبي وصحابته مليئةً برُوح هذه السماحة التي عامل فيها المسلمون المجوس، فممَّا يُروى عن عمر بن الخطاب أنه لما أُصِيبَ من أبي لؤلؤة المجوسي، أوصى عمر بن الخطاب بأهل الذمَّة من بعده خيرًا، وأن يوفَّى بعهدهم، وأن يُقاتَل مِنْ ورائهم، وألا يُكلُّفوا فوق طاقتهم[23].

وعندما تحرَّك صحابة رسول الله لتعريف هؤلاء المجوس بحقيقة الإسلام، وقف كسرى وأعوانه من جبابرة الفرس فحالوا دون إبلاغ الرسالة الإسلاميَّة لهؤلاء العامَّة، فكان ذلك سببًا في وقوع الغزوات الإسلاميَّة على بلاد فارس، بداية من خالد بن الوليد، وانتهاءً بانتصار المسلمين في موقعة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص ، وما لحقها من غزوات وفتوحات أخرى في عمق الدولة الفارسيَّة، وحينما استقرَّ الأمر للمسلمين بدأ الناس في هذه البلاد في التعرُّف على الإسلام، والدخول فيه أفواجًا، ولكن قلَّة من هؤلاء ظلوا يَدِينون بالمجوسيَّة.

الزرادشتية في عهد الخلافة الأموية
مع استمساك بعض هؤلاء الفرس بالزرادشتية في ظلِّ الإسلام الذي أصبح واقعًا في بلاد فارس، فإن مفهوم الزرادشتية -من الناحية الواقعية- وقت الإسلام بات يأخذ منحًى آخرًا أشدَّ خطرًا من كونها مجموعة ذمِّيَّة قابعة في مكان بعينه، تقيم شعائرها الدينيَّة المتعارف عليها؛ فالأمر بدأ يدخل في اتجاه التشيُّع، فأصبح مأوى لكلِّ من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يُريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية؛ فتستَّر بعضُ الفرس بالتَّشَيُّع وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلاَّ الكره للمسلمين العرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم، فأرادوا كيد الإسلام بالمحاربة عن طريق الحيلة؛ لعجزهم عن مواجهته الصريحة، فرأَوْا أن كيده بالمحاربة عن طريق الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيُّع بإظهار محبَّة أهل البيت، واستبشاع ظُلْم عليٍّ، ثم سلكوا بهم مسالك شتَّى أخرجوهم عن طريق الهدى[24].

الزرادشتية في عهد الخلافة العباسية
أخذ الأمر بالتطوُّر حتى ظهر في العصر العباسي ما يُسمَّى بالشعوبيَّة[25]، تلك الحركة التي استغلها الحاقدون على الإسلام لبثِّ معتقداتهم الفاسدة داخل بنيان الإسلام الشامخ.

ثم تَعَدَّد المجوس الزرادشتية وتنوَّعت أغراضهم، فانقسموا إلى مجموعة من الفرق، بعضها جاهر بعدائه للبعض، خاصَّة في العصور المتأخِّرة، وقد أوضح الشهرستاني جملتهم في العصر الإسلامي العباسي، فقال: "ومن المجوس السيسانية، والبهافريدية[26]، ورئيسهم رجل يُقال له: سيسان، من رستاق[27] نيسابور، من ناحية يُقال لها: خَوَاف. خرج في أيام أبي مسلم صاحب الدولة، وكان زمزميًّا[28] في الأصل يعبد النيران، ثم ترك ذلك ودعا المجوس إلى ترك الزمزمة، ورَفْضِ عبادة النيران، ووضع كتابًا، وأمرهم فيه بإرسال الشعور، وحرَّم عليهم الأُمَّهات والبنات والأخوات، وحرَّم عليهم الخمر، وأمرهم باستقبال الشمس عند السجود على ركبة واحدة، وهم يتَّخذون الرباطات، ويتبادلون الأموال، ولا يأكلون الميتة، ولا يذبحون الحيوان حتى يهرم، وهم أعدى خلق الله للمجوس الزمازمة"[29].

ونجد في بعض كتب التاريخ ما يُنبئنا عن أخبار هؤلاء الزرادشتيين، المتفاوتين في الأقطار المختلفة أثناء الخلافة الإسلاميَّة العباسيَّة، خاصَّة مَن لمع نجمه منهم، وكان له أثر فيمن حوله؛ ففي أواخر القرن الثالث الهجري، أسلم سامان أمير بلخ، وكان زرادشتيًّا، وأسس مملكة إسلاميَّة هي الدولة السامانيَّة. وفي سنة (259هـ/873م) دخل جمع كبير من أهل الديلم الزرادشتيين في الإسلام على يد ناصر الحقِّ أبي محمد.

وفي سنة (299هـ/ 912م ) دعا الحسن بن عليٍّ -من الأسرة العلويَّة التي كانت تحكم الشاطئ الجنوبي لبحر قزوين- أهلَ الديلم وطبرستان إلى الإسلام، فأجاب أكثرهم، وكان بعضهم وثنيين وبعضهم زرادشتيين. وفي سنة (394هـ/1003م) دخل الشاعر المشهور مهيار الديلمي[30] في الإسلام على يد الشريف الرَّضِيّ، وكان من عبدة النار، وقبله في أوائل القرن الثاني للهجرة وأوائل القرن الثامن الميلادي خرج من الزرادشتية إلى الإسلام عبد الله بن المقفَّع، وغيرهم من كبار المجوس الذين تركوا مِلَّتهم القديمة الفاسدة إلى ضياء الإسلام[31].

وظلَّ المسلمون يعاملون المجوس المعاملة الحسنة -ما داموا خاضعين لقوانين الدولة الإسلاميَّة، ومن أهمِّها مراعاة مشاعرهم- على مدار التاريخ كله، مطبِّقين فيهم مبدأ العدل الذي تربَّوْا عليه، والذي اتخذوه شعارًا ومنهاجًا بينهم وبين غيرهم من أهل الأديان الأخرى، فكان ذلك سببًا في انصهار المجوس داخل المجتمع المسلم، لهم ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما على المسلمين من واجبات، آمنين مأمونين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم؛ فقد عاشوا العدل الإسلامي واقعًا، وأمنوا كل مكر قد يحيق بهم؛ فالإسلام دين يدعو إلى العدل والقسط وحفظ النفس التي حرَّم الله قتلها بغير حقٍّ.

الزرادشتيون في العصر الحديث
انحسرت الديانة الزرادشتية بشكل كبير، حيث لم يبقَ من أتباعها في العالم سوى 200 ألف نسمة, وهم كالآتي:

69601 زرادشتي في الهند حسب إحصاء سنة 2001م، و5000 زرادشتي في باكستان يتمركزون في مدينة كراتشي، وما بين 18 إلى 25 ألف زرداشتي في قارة أمريكا الشمالية، وكذلك فإن هناك جالية كبيرة في إيران, حيث يتواجدون بشكل خاصٍّ في مدن يزد وكرمان، إضافة إلى العاصمة طِهران، كما يُوجد لهم نائب في البرلمان الإيراني، وهناك جالية صغيرة في منطقة آسيا الوسطى (بلخ، وطاجيكستان)، التي كانت موطن الديانة الزرادشتية سابقًا.

أعياد الزرادشتيين ولغاتهم
يحتفل الزرادشتيون بعيد النيروز، الذي هو أول أيام سَنَتِهِم، وقد استمرَّت الاحتفالات بعيد النيروز تقام في إيران منذ أيام الخلافة العباسيَّة؛ حيث كان التأثير الفارسي واضحًا في صبغ مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعيَّة وإلى التاريخ المعاصر، إذ بلغت ذروتها في أيام الشاه محمد رضا بهلوي (1941- 1979م)، فكانت العطلة تقارب أسبوعًا كاملاً، إضافة إلى أسبوعين عطلة للجامعات والمدارس، بعكس عطلتي عيد الفطر والأضحى حيث خصّص لكل منهما يوم واحد فقط.

وانعكس هذا على وضع المجوس في كردستان العراق، فبعد أن كانت عطلة النيروز يومًا واحدًا (21 مارس) حسب الاتفاق الذي أبرمته قيادة الحركة الكرديَّة مع الحكومة العراقيَّة في (11 من مارس1970م)، وصلت إلى أربعة أيام كجزء من الصراع الذي كان دائرًا بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البرزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني.

وأخيرًا تمَّ تثبيت ثلاثة أيام كعطلة للنيروز في حكومتي إقليم كردستان في أربيل والسليمانيَّة للأيام (21 و22 و23 مارس) من كل سنة، بالرغم من الانتقادات التي كانت تُوَجَّه على استحياء إلى حكومة إقليم كردستان من بعض الاتجاهات الإسلاميَّة الحزبيَّة والشعبيَّة، وقد يكون مبرِّرُ هؤلاء أنهم يقتدون بالدولة الإيرانيَّة الإسلاميَّة، والتي تُبيح هذه الاحتفالات في بلادها!![32].

لغات الزرادشتيين

يستعمل الزرادشتيون اللغة الداري (مختلفة عن الداري الأفغانية)، التي تسمَّى أحيانًا في إيران لغة غابري أو بيهديان، كما أن الزرادشتيين في الهند يتحدَّثون اللغة الغوجراتيَّة أيضًا، ويسمون في الهند بالبارسيين[33].

[1] وتسمَّى المجوسية أيضًا؛ لأن قبيلة المجوس الفارسية هي أول مَن اتبع الزرادشتية.

[2] الأقانيم: الأصول، واحدها أقنوم. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة (قنم) 12/495.

[3] إن كلمة الطورانيين (Torranians) تُطلق على الأقوام الذين يقطنون المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط حتى منغوليا، وتربط بينهم رابطة الدم والعنصر واللغة، ومن القبائل التركية -التي كانت ضمن جيش دار الثالث الذي هُزم أمام جيش الإسكندر المقدوني في معركة أربيلا سنة 328-330 ق.م، والتي سمِّيت بهذا الاسم نسبة إلى مدينة أربيل الحالية- (البلخيون والصغد...)، فهم من القبائل التركية في آسيا الصغرى، وبعد أن هزم جيش دار، تفرَّق الجنود في المنطقة مختلطين مع الأقوام الساكنة فيها.

[4] انظر: جيفري برندر، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام: المعتقدات الدينية لدى الشعوب ص89-95. وانظر: موقع إسلام أون لاين.

[5] أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، المتكلِّم على مذهب الأشعري؛ كان إمامًا مبرَّزًا فقيهًا، تفقَّه على أحمد الخوافي وعلى أبي نصر القشيري، وغيرهما، وبرع في الفقه. وُلد عام 479هـ بشهرستان، وهي بليدة بخراسان قرب نَسَا، بينهما ثلاثة أميال، وهي بين نيسابور وخوارزم، وإليها تنتهي بادية الرمل التي بين خوارزم ونيسابور، وتوفي بها عام 548هـ. انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان 4/273.

[6] كستاسف أو كتشاسف، قال ابن الأثير: ابتنى بفارس مدينة "فسا"، ورتّب سبعة من عظماء أهل مملكته مراتب، وملّك كل واحد منهم مملكة على قدر مرتبته، واصطلح مع ملك الترك، ثم قُتل على يد رستم الشديد بسجستان. انظر: ابن الأثير: الكامل 1/106، وانظر: الشهرستاني: الملل والنحل ص281.

[7] الشهرستاني: الملل والنحل 1/283.

[8] كامل سعفان: معتقدات آسيوية ص107.

[9] الكمامة: شيء يسدُّ به الفم. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة (كمم) 12/526.

[10] ابن الجوزي: تلبيس إبليس ص78، 79.

[11] انظر: مصطفى حلمي: الإسلام والأديان، دراسة مقارنة ص107-111.

[12] آرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، ترجمة يحيى الخشاب، ص135.

[13] الدولة الساسانية: حكمت بلاد إيران في القرن السابع الميلادي، ويكوِّن الفرس مادة هذه الإمبراطورية, ولكنها أخضعت الترك في بلاد ما وراء النهر, والعرب في العراق, وكانت حدودها الغربية غير مستقرَّة حسب قوَّتها,؛ فكانت أحيانًا تغلب على أطراف بلاد الشام كما حدث سنة 614م عندما اجتاحت بلاد الشام واستولت على بيت المقدس, ثم استولت على مصر سنة 616م، ثم سقطت مع قدوم المسلمين وفتحهم لبلاد فارس في حدود سنة (15هـ/637م).

[14] شيز: إقليم بأذربيجان.

[15] آرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، ترجمة يحيى الخشاب ص130، 131.

[16] العامري، تحقيق أحمد عبد الحميد غراب: الإعلام بمناقب الإسلام ص173-175.

[17] الصابئون: قوم يُشبه دينهم دين النصارى إلاَّ أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح، وهم كاذبون، وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: قد صبأ. عَنَوْا أنه خرج من دين إلى دين، وقيل: هم الذين يعبدون الكواكب والنجوم. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة (صبأ) 1/107.

[18] الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن 18/584.

[19] وقد ذكرها ابن كثير: "لأنذر". انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 4/269.

[20] الطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/132.

[21] انظر القصة بكاملها: السيوطي: الخصائص الكبرى ص31.

[22] وقد علّق الإمام شهاب الدين القرافي على معنى "البر" الذي أمر الله المسلمين أن يُعاملوا به أهل الذمة بقوله: أن يُرفق بضعيفهم، وسدّ خُلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم -على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا سبيل الخوف والذلَّة- واحتمال إذايتهم، في الجوار -مع القدرة على إزالته- لطفًا منَّا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودُنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرَّض أحد لأذيَّتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يُعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم. انظر: شهاب الدين القرافي: الفروق 3/15.

[23] يحيى بن آدم: الخراج ص74. وانظر: يوسف القرضاوي: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ص51.

[24] أحمد أمين: فجر الإسلام ص276-278.

[25] الشُّعُوبي: محتَقِرُ أمر العرب، وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم، حتى قيل لمحتقر أمر العرب شُعُوبي، أضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد. والشُعُوبية: فرقة لا تفضِّل العرب على العجم ولا ترى لهم فضلاً على غيرهم، وقد برزت هذه الحركة جلية في العصر الأول من الخلافة العباسية. انظر: الزبيدي: تاج العروس، مادة (شعب) 3/143، 144.

[26] نسبة إلى بهافريد، وكان قد ظهر في صدر الدولة العباسية، وقبل ظهور أبي العباس من قرية يُقال لها: روى من أبرشهر. وهو مجوسي كان يُصلِّي الصلوات الخمس بلا سجود متياسر عن القبلة، وقد تكهَّن ودعا المجوس إلى مذهبه، فاستجاب له خلق كثير، فوجَّه إليه أبو مسلم أحد قوَّاده، وهو عبد الله بن سعيد، فعرض عليه الإسلام فأسلم، ثم لم يُقبل إسلامه لتكهُّنه فقُتل، وعلى مذهبه بخراسان جماعة إلى هذا الوقت. انظر: ابن النديم: الفهرست ص482.

[27] رُستَاقُ: الرستاق مدينة بفارس من ناحية كرمان، وربما جعل من نواحي كرمان، والرستاق: الناحية. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان 2/322.

[28] زمزمي: أي مجوسي من الزمزمة، وهي صوت المجوس عند الأكل ويكون من الخياشيم .

[29] الشهرستاني: الملل والنحل ص285.

1 أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي:شاعر كبير، في أسلوبه قوة، كان مجوسيًّا وأسلم سنة 394هـ على يد الشريف الرضي، وتشيع وغلا في تشيعه، وسبَّ بعض الصحابة في شعره، توفي عام 428هـ. انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان 5/359-363.

[31] أحمد أمين: فجر الإسلام ص104.

[32] فرست محمود مرعي الدهوكي: مقال بعنوان " المجوسية وآثارها في المجتمع الإيراني، النيروز نموذجًا"، مجلة السنة، عدد 87، لعام 1420هـ.

[33] انظر: موقع المعرفة.
 
رد: فرق ومذاهب وأديان- متجدد

السلام عليكم

البهائية

يعتقد البهائيون أن البهاء هو الذي خلق كل شيء بكلمته، ويؤمنون بحلول الله في البهاء، وأن الثواب والعقاب إنما يكونان للأرواح فقط على وجه يشبه الخيال

النشأة والمؤسس
وُلِد حسين عليّ الملَّقب بالبهاء في قرية إيرانية في 2 من المحرم 1233هـ الموافق 11 من نوفمبر 1817م.

لم يتلقَّ حسين تعليمًا نظاميًّا في مدرسة أو معهد، وإنما عهد به أبوه إلى من يعلِّمه في المنزل، ولما نال قسطًا من التعليم اعتمد على نفسه في المطالعة والقراءة، فقرأ كتب الصوفية والشيعة، وشغف بقراءة كتب فرقة الإسماعيلية، وكتب الفلاسفة القدماء، وتأثر بأفكار البوذية والزرادشتية.

وفي شبابه انضم حسين إلى الدعوة البابيَّة، التي أطلقها عليّ محمد الشيرازي المعروف بـ"الباب"، الذي ادَّعى لنفسه النبوة والرسالة، والتفَّ حوله الأتباع والدعاة من غُلاة الباطنية.

انشق حسين على البابية بعد أن برز اسمه في صفوفها وصار له أتباع، ولقَّب نفسه باسم "بهاء الله"، وزعم أنه هو الوريث الحقيقي للباب عليّ محمد الشيرازي الذي تم إعدامه في عام 1850م[1].

وعندما تنامت الدعوة البهائية قامت الخلافة العثمانية بنفي البهاء حسين في عام 1868م إلى مدينة عكا؛ حيث تلقاه اليهود المقيمون في المدينة بالترحاب، وكفلوا له الأموال، وأحاطوه بالرعاية والأمن، ومنذ ذلك الحين أصبحت مدينة عكا مقرًّا للبهائية.

وعندما اطمئن البهاء وسط الحماية اليهودية انطلق في دعوته الخبيثة، ولم يكتفِ البهاء بادِّعاء النبوة، بل تجاوزها إلى ادِّعاء الألوهية، وأنه القيُّوم الذي سيبقى ويخلد، وأنه روح الله، وهو الذي بعث الأنبياء والرسل، وأوحى بالأديان!

وجعل البهاء الصلاة ثلاث مرات، في كل صلاة ثلاث ركعات، وأبطل الصلاة في جماعة إلا في الصلاة على الميت، وقصر الوضوء على غسل الوجه واليدين وتلاوة دعاءين قصيرين، وجعل الحج إلى مقامه في مدينة عكا، وهو واجب على الرجال دون النساء، وليس له زمن معين أو كيفية محددة لأدائه، وغير ذلك الكثير من الخرافات والخزعبلات الشيطانية، ولكن أهمها -من حيث كونها تكشف أغراضه الخبيثة- ما أقرَّته التعاليم البهائية من إسقاط لتشريع الجهاد، وتحريم الحرب تحريمًا تامًّا!

ترك البهاء عدة كتب منها (الإيقان)، و(مجموعة اللوائح المباركة)، و(الأقدس) وهو أخطر كتب البهاء؛ حيث ادَّعى أنه ناسخ لجميع الكتب السماوية بما فيها القرآن.

أفكار البهائية ومعتقداتها
يعتقد البهائيون أن البهاء هو الذي خلق كل شيء بكلمته، ويؤمنون بحلول الله في البهاء، وأن الثواب والعقاب إنما يكونان للأرواح فقط على وجه يشبه الخيال.

كما يقدسون العدد 19 فجعلوا عدد الشهور 19 شهرًا، وعدد الأيام 19 يومًا، ويؤمنون بنبوة بوذا وكونفوشيوس وزرادشت وأمثالهم من حكماء الهند والصين، وينكرون معجزات الأنبياء وحقيقة الملائكة والجن، كما ينكرون الجنة والنار، ويحرِّمون الحجاب على المرأة، ويحلِّلون المتعة وشيوعية النساء والأموال[2].

أصيب البهاء في آخر حياته بالجنون، وهلك في 2 من ذي القعدة 1309هـ الموافق 29 من مايو 1892م، وخلفه في رئاسة البهائية ابنه عباس الملقَّب بعبد البهاء[3].

وقد زار عباس سويسرا وحضر مؤتمرات الصهيونية ومنها مؤتمر بال 1911م، كما استقبل الجنرال اللنبي لما أتى إلى فلسطين بالترحاب؛ مما حمل بريطانيا على تكريمه ومنحه لقب (سير). كما زار لندن وأمريكا وألمانيا والمجر والنمسا والإسكندرية للخروج بالدعوة من حيز الكيان الإسلامي، فأسَّس في مدينة شيكاغو الأمريكية أكبر محفل للبهائية. وقد هلك عباس في مدينة القاهرة المصرية في عام 1340هـ الموافق 1921م.

خلف عباس بعد وفاته في رئاسة البهائية حفيده شوقي أفندي وهو ابن الرابعة والعشرين من العمر، وسار على نهجه في العمل على نشر هذه الدعوة الخبيثة، ومات بمدينة لندن البريطانية بأزمة قلبية، ودُفِن بها في أرض قدَّمتها الحكومة البريطانية هدية للطائفة البهائية.

في عام 1963م تولى تسعة من البهائيين شئون البهائية بتأسيس بيت العدالة الدولي من تسعة أعضاء: أربعة من الولايات المتحدة الأمريكية، واثنين من إنجلترا، وثلاثة من إيران.

أماكن انتشارها

توجد الغالبية العظمى من البهائيِّين في إيران، وقليل منهم في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة حيث مقرهم الرئيسي[4].

البهائية في مصر
وصلت البهائية إلى مصر في أوائل القرن العشرين بعد أن مهَّد لها الاستعمار السبيل، وانطلق دُعاتها يكتبون ويناقشون ويوزِّعون مطبوعاتهم في كل مكان، وكان لهم محافل في عددٍ من المدنِ المصرية، استطاعوا من خلالها نشر دعوتهم عن طريق الإغراء بالمساعدات المالية، ولكن حال دون استفحال خطرهم يقظة علماء الأمة الذين تصدَّوا بقوة لهذه الدعوة الخبيثة من خلال العديد من الخطب والمحاضرات والبيانات التي توضح ضلالات البهائية ومنافاتها لتعاليم الشريعة الإسلامية.

تشير التقديرات إلى أنَّ عدد البهائيين في مصر لا يزيد على بضعة آلاف ينتشرون في محافظات مصر، ويعيش الكثير منهم دون أوراق رسمية؛ حيث صدر قرار جمهوري سنة 1960م، يحمل رقم 263 يقضي بإغلاق جميع المحافل والمراكز البهائية، عقب دعوى جنائية اتهم فيها بعض الأفراد بنشر الدعوة البهائية في مصر، وبناء على هذا القرار حُكم بالحبس والغرامة على عددٍ من أتباعِ البهائية لقيامهم بممارسة نشاطهم في القاهرة عام 1965م، وتكرر هذا الأمر مع آخرين في عام 1972م، ثمَّ قُبض على مجموعةٍ أخرى في عام 1985م على رأسها رسام شهير كان يعمل وقتها في صحيفة أخبار اليوم، وقد اعترفوا بإيمانهم برسولهم "بهاء الله" وكتابهم الأقدس، وأنَّ قبلتهم جبل الكرمل بحيفا في فلسطين المحتلة، وقد أدانتهم محكمة أول درجة وإن برَّأتهم محكمة الاستئناف لأسبابٍ إجرائية!

وفي عام 2004م، صدر قرار يقصر خانة الديانة في البطاقات الشخصية للمصريين على أصحابِ الديانات الثلاثة المعترَف بها: المسيحية- اليهودية- الإسلام، أو أن تُترك فارغة.

رأي الأزهر
أكَّدت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أنَّ الإسلام لا يعترف بالبهائية، وأصدرت فتوى في شهر ديسمبر من عام 2003م، تُعلن أن "الإسلام لا يقر أيَّ ديانة أخرى غير ما أمرنا القرآن باحترامه".

وهذه الفتوى أكدَّت ما أفتى به الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله -شيخ الأزهر الشريف السابق- بأنَّ البهائية فرقة مرتدة عن الإسلام، لا يجوز الإيمان بها، ولا الاشتراك فيها، ولا السماح لها بإنشاء جمعيات أو مؤسسات؛ وذلك لأنها تقوم على عقيدة الحلول، وتشريع غير ما أنزل الله، وادِّعاء النبوة، بل والألوهية. والبهائية فكر خليط من فلسفات وأديان متعددة، ليس فيها جديد تحتاجه الأمة الإسلامية لإصلاح شأنها وجمع شملها، بل وضح أنها تعمل لخدمة الصهيونية والاستعمار، فهي سليلة أفكار ونِحَل ابتليت بها الأمة الإسلامية حربًا على الإسلام وباسم الدين.

ثمَّ فسَّر الشيخ جاد الحق أكثر؛ فقال: إنَّ مبادئ هذه البدعة كلها منافية للإسلام، ومن أبرزها:

القول بالحلول بمعنى: أن الله I بعد ظهوره في الأئمة الاثني عشر -وهم أئمة الشيعة- ظهر في شخص (الباب)، ثم في أشخاص من تزعَّموا هذه الدعوة من بعده، ولقد ادَّعى (بهاء الله) أنَّه المهدي، ثم ادَّعى النبوة الخاصة، ثم ادَّعى النبوة العامة، ثم الألوهية، وذلك كله باطل ومخالفة صريحة لنص القرآن الكريم.

كما أنكر البهائيون يوم القيامة، وقالوا: إن الجنة هي الحياة الروحانية، والنار هي الموت الروحاني، بجانب ادِّعاء بعضهم نزول الوحي عليهم، وأن بعضهم أفضل من سيدنا محمد ، وألَّفوا كتبًا تعارض القرآن، وادَّعوا أن إعجازها أكبر من إعجاز القرآن.

أيضًا إبطالهم لفريضة الحج إلى مكة، وحجهم إلى حيفا الفلسطينية حيث دُفِن بهاء الله، مخالفين بهذا صريح القرآن الكريم في شأن فريضة الحج.

وتقديسهم العدد 19 ووضع تفريعات كثيرة عليه، فهم يقولون: الصوم تسعة عشر يومًا بالمخالفة لنصوص القرآن في الصوم، وأنه مفروض به صيام شهر رمضان. ويقولون: إن السنة تسعة عشر شهرًا، والشهر تسعة عشر يومًا، مخالفين قول الله سبحانه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [التوبة: 36]، وقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 188]، ومخالفين الأمر المحسوس المحسوب أن الشهر القمري إمَّا تسعة وعشرون يومًا، وإمّا ثلاثون يومًا، وهو أيضًا ما أنبأ به الرسول محمد .

ثمَّ إلغاؤهم فريضة الجهاد ضد الأعداء الثابتة بصريح القرآن، وصحيح السنة النبوية، وهذا ما يؤكد انتماءهم للصهيونية العالمية، ويؤكد أنهم نَبْتٌ يعيش في ظلِّها وبأموالها وجاهها[5].

[1] محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، ص217.

[2] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي - الرياض، الطبعة الرابعة، 1420هـ، 1/412.

[3] انظر: موقع إسلام أون لاين.

[4] أحمد عبد الرحيم: حركات هدامة، دار المنارة - بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ- 1996م، ص71.

[5] مقتطفات من الفتوى، منشورة بكاملها على موقع إسلام أون لاين.
 
لإعلاناتكم وإشهاراتكم عبر صفحات منتدى اللمة الجزائرية، ولمزيد من التفاصيل ... تواصلوا معنا
العودة
Top