مدونتي احتفالية الموت

مواكب الراحلين

:: عضو مُشارك ::
إنضم
3 أكتوبر 2017
المشاركات
106
النقاط
21
محل الإقامة
الأوراس
الجنس
ذكر
فكرة خطوبتكِ لم تؤثّر عليّ إلى الحدّ الذي تتوقعين، ولم تبلغ الآمال التي كنتِ قد علّقتِها عليها كوسيلة للهروب مني، لا أعتقد أن امرأة صادقة مثلكِ بقلبها الرقيق والمرهف أن تتعمّد إيذائي على هذا النحو الفظيع، ليس بإمكانكِ إلحاق الأذى بي، على الأقل ماكنتِ تخفينَ عنّي أمراً بالغ الأهمية كخطوبتكِ. ليس لكِ أيّ مبرّر يتيح لكِ تبرير فعلتكِ هذه إن اتّضحت صحة الخبر، في الحقيقة حزنكِ الذي لا يفارقكِ خلال كل الأيّام التي قضيناها معاً كان عظيماً، كان واضحاً أنّ لا ملجأ إليكِ ترمين فيه أثقالك، لا شخص لكِ تهربين إليه حينما تضيق بك الحياة، فإن كنتِ مخطوبة فعلاً، ماذا كنتِ تفعلين معي أغلب ساعات اليوم، في ليله ونهاره! لماذا كنتِ تلجئين إليّ وأنتِ تدركين تماماً أنّكِ تنتمين إلى رجل آخر ليس أنا !!
عزيزتي .. عليكِ أن تدركِي أنّ خدعتكِ هذه التي أقحمتِ فيها صديقتك، والتي تهدفين بها إلى رميي بعيداً عنكِ حتى أعانق وهاد اليأس ، هي فكرة ليست ذكيّة تماما ولم أقدر على تصديقها، بعد تحليلها والتعمّق فيها بمنطق وواقعيّة، لم أجد تفسيراً أو سبباً يدفعني إلى تصديق ما تحاولين ترويجه. كان بإمكانكِ الرحيل بصمتٍ كما العادة، مخفِّفة عنّي كثيراً من الألم الذي يلتهمني الآن، والتساؤلات التي تنهش بدماغي حتى يكاد ينفجر، كنت سأتفّهم الأمر ككائن ليس مرغوباً به، كإنسان ينفر منه الجميع، لأنّكِ لستِ أوّل من يهجرني وأنتِ تدركين هذا جيّداً، كنت سأتقبّل الأمر بالرغم من الأوقات القاسية التي سأعيشها بعدكِ، بالرغم من خوفي الشديد لما ينتظرني من اضطرابات لن تهدأ حتى يتمّ دفني في التراب.
إنّ المسافة التي قطعتها معكِ هي الأطول والوحيدة منذ خيبتي الأولى، أنتِ وحدكِ من بعثتِ الحياة في جسدي الجامد، وحدكِ من تمكّنت من جمع ما تبعثر مني، أنتِ من أعدتِ جريان الدم في شراييني بعدما كانت راكدة تماماً. لم تكن علاقتي معكِ لتنتهي على هذا الحال، وبهذه الطريقة القاتلة، فيهون عليّ كلّ ماكان بيني وبينكِ، كنتِ بالنسبة أكثر من مشروع حياة كاملة، لأنني كثيراً ما أتساءل عن آخر نفس لي كيف سيكون، كنت أرى نهايتي ورأسي على صدرك فيما تهذبّين لحيتي البيضاء وأنتِ تطأطئين برأسكِ ليقابل رأسي، وعلى هذا النحو أغادر العالم، غارقاً في عينيكِ الخالدتين، راضياً كلّ الرضا، سعيداً كلّ السعادة، لكنني كنت مخطئاً حينما تصوّرت كل هذه الأشياء معكِ، ناسياً أو متناسياً دوري المحدود في الحياة، وغاية وجودي التي سبق للطبيعة أن أوضحتها لي في كثير من الأحيان، وها أنتِ تؤكّدِين كلّ ما كنت مؤمناً به منذ البداية، ولست ألومكِ أو أعاتبكِ على أيّ شيء في أيّ حال من الأحوال، وليس أيضاً من حقّي التدخل في قراركِ بالرحيل عنّي، لأنّني لست ممّن يتسوّلون الحب وأنت تعرفين ذلك جيّداً، حتى أنّني لم أطالبك بشيء خلال وجودكِ بجانبي، ولم أجرحكِ كذلك، أو أقوم باستغلالكِ، كنت صادقاً معكِ دوماً، بعيداً كلّ البعد عن جميع أشكال التصنّع والتكلّف والابتذال، كنت حقيقيّاً دائماً وفي كل الأوقاتِ، لكنني لم أنتبه للثقل الذي كان يسبّبه وجودي معكِ، ولم أشعر بنفوركِ مني، بالرغم من أنني ألتمست حبّكِ لي في كثير من الأحيان، وشعرتُ بعاطفةٍ رهيبة تحرق أعماقكِ، لكنّكِ كنتِ خائفة ومشوّشة لأسباب أعتقد أنّني أفهمها بوضوح، وحاولت جاهداً مشاركتكِ فيها لكن من غير جدوى. قد يكون هذا وهماً كذلك أو حلماً زائفاً، أو خطأ منكِ، حتى حينما أعترفتِ بحبّكِ لي ثمّ هجرتني قد يكون اعترافكِ هذا لهواً أو شفقة عليّ ! لا أعرف ؟؟
كثيرة هي التساؤلات التي تستوطن دماغي وتجثِمُ على روحي الآن لأبدو وكأنني ممدّد على المقصلة كمجرم حُكِمَ عليه بالإعدام، كطفلٍ فقد أمّه وسط الزحام، لكنّني هادئ جدّاً وهذا ما يثير قلقي، فمن العادة أن أنكسر وأنهار، حتى أتلاشى تماماً وأستسلم للحزن الذي لا يتردّد بمعانقتي لكثير من الزمن، هذا القلق غامض وعميق، بنكهة الخوف وطعم انتصار البائس على عواطفه.
 

مواكب الراحلين

:: عضو مُشارك ::
إنضم
3 أكتوبر 2017
المشاركات
106
النقاط
21
محل الإقامة
الأوراس
الجنس
ذكر
IMG_20191029_182214.jpg
صديق من الضباب الفاخر
يجرّ خيبة ذيله الذي تمّ قطعه في الخفاء
راجعاً من ليلة صمّاء
يلقي عليّ تحيّة الصباح
في جوّ جنائزيّ حزين
يصافحني بقدمه الخلفية
مشيراً إلى ذيله بحسرة وألم

صديق من الضباب الفاخر
يغني نشيد الربّ المقدّس
يردّد تعاويذ الخلد
يلعن المساءات الحزينة في كلّ ليلة
يرتدي ثوباً ناصع البياض
لولا بقع جراحٍ عميقة
سبّبها كلابٌ مدرّبون
قادمون من الأراضي البلجيكية
بثمن وفير، وجواز سفر لعين
في مهمّة حماية أملاكِ وغدٍ من أوغاد البلد

صديق من الضباب الفاخر
في عينيه الواسعتين الداخلتين بؤس عظيم
يبحث عن رفيق وكوخٍ يتحمل تقدّمه في السّن
كالسنابل التي تلدها الأرض، وترعاها السماء بمطرها
كفراشة تستقرّ على ضفائر ذهبيّة اللون
لامرأة تعزف الغيتار
على مواجع الإنسانية التائهة

صديق من الضباب الفاخر
يذكّرني بشخصيّة أسطوريّة
تحدّتِ الطبيعة وتوهّمتِ الأبدية
قائلاً لي :
ويحكم أيها البشر، لو تحدّثتِ الكلاب ...!

بقلم: آخر وثني في شمال أفريقيا
 

مواكب الراحلين

:: عضو مُشارك ::
إنضم
3 أكتوبر 2017
المشاركات
106
النقاط
21
محل الإقامة
الأوراس
الجنس
ذكر
ليلة أخرى من ليالي الجحيم تجرف ما تبقّى من ثبات رجل يقف على نهاية طريقه بأفكار تتلاعب بالعقل وتجلد النفس، وتجعل المعنويات في قاعٍ لا قاع له، والأرق يسلّمني سجيناً لليقظة كقربان لآلهة الواقع العفن، هذا العجز عن النوم ليومين متتاليين أمر مقلق بالنسبة لي، فمهما كان الجهد الذي أبذله كلّ يوم هائلاً إلى أنني أصل يوماً بآخر دون نوم تماماً، كنت كلّما أضع رأسي على الوسادة تهجم عليّ أعداد مخيفة من علامات الإستفهام والتعّجب، تفتِكُ بفكري وتبعثر كل الحقائق على شكل يستحيل جمعها، ليغادرني النوم طوال الليل رغم الإرهاق والتعب، أعود بالزمن إلى الوراء أتفحّص أخطائي منذ البدايات لينتهي بي الأمر إلى كآبة عنيفة لا تطاق، واضطراباتٍ قاسية ما عدت أكبح هيجانها الذي أصبح غير قابل للترويض والتهذيب، كنت فيما مضى ألجأ إلى الفن بجميع أشكاله كطوق للنجاة، والحق أنّه دوماً ما كان يخفّف عني كلّ الأثقال التي لا طاقة لي ككائن أن أحملها على ظهري المنحني. كنت أجد السلام في الكتب والأفلام والموسيقى، كان الفنّ وفيّاً لي كما هو مع الجميع، صديق رائع للكل خاصة أولئك الذين لم تنجح الحياة بكل وسائلها أن تجعلهم نسخاً لغيرهم ممّن استغنوا عن عقولهم ووجدوا الدفء بين القطيع. الآن وأنا أسمع مقطوعة لشاعر البيانو "فريدريك شوبان" بعنوان "ذكريات الماضي" تتسلّل مخيّلتي بخفّة من أصابع الزمن راحلةً إلى ذكريات الطفولة المتوحّشة والمراهقة القاسية، أرى بوضوح ذلك الصبيّ الشقيّ الذي كان يستيقظ كل صباح ذاهباً إلى المخبزة كعادته، هنا بالضبط في هذا الشارع الضيّق والمظلم رأيت جثّة عمي الذي تمّ ذبحه بوحشيّة، بكاء عمتي وصراخها يملأ المكان، الصراخ نفسه يتردّد على مسامعي الآن، الجيران مرعوبون ولا نيّة لهم في الخروج، بعض المصلّين يعودون إلى منازلهم وهم يجرّون أقدامهم جرّاً من الخوف الذي سكن قلوبهم منذ بداية الأزمة في البلد. في ذلك الوادي كنت أنقل الدروس من عند صديقي عبد السلام، بعد انقطاعي عن الدراسة مدة أسبوع من هول المشهد الذي فتح لي أبواب الإنهيار النفسي، هنا في هذا المكان حيث هذه البيوت الفوضوية شيّدنا أول ملعب كرة قدم، من هذه الحجارة صنعنا المرمى وهنا كان جميع أطفال القرية يتجمّعون، في هذا المكان تمّ ضربي مراراً وتكراراً دون تدخّل أحد من الحضور، كنت ضعيف البنية وقصير القامة، كثير الثرثرة والكلام وطالما كان لساني يدفعني إلى متاعب كثيرة وشجارات حادّة حتى مع من يكبرني سنّاً. في هذه الإكمالية أنهيت دراستي لمرحلة المتوسط، خلف أسوارها كنّا ننتشر جماعات جماعات نلعب الورق ونقامر بدنانير قليلة، كنت ألتحق بهم عند رنّ الجرس مباشرة وأنا أتسلّق الحائط فأسقط بينهم على شكل مفاجئ مسبّباً الرعب في قلوبهم. ثم أواصل القمار معهم في أجواء حماسيّة ونحن نتحدّث حول الحياة ودورنا فيها، متفرّعين لعدّة مواضيع لا أخلاقية، تحت هذا الجدار تحدّثنا عن العادة السريّة والحسناوات من نساء القرية ومن يمارسون اللواط في كل المناسبات. فعلاً لقد كانتِ الحياة رحيمة بنا في ذلك الوقت، وماكان لنا أن نكتسب هذا الوعي الذي يقيّدنا ويعذّب أرواحنا، فرغم الفقر والرعب الذي كنا فيه إلى أنني كنت أنام مباشرة كلما ألقيت بجسدي على سريري الخشبي المهترئ، أعتقد أننا استنفذنا كل أوراق المتعة والصداقة والبساطة، ولم يبقى أمامنا إلاّ العذاب والألم النفسيّ الذي لم نشعر بيه حينما كنّا أطفالاً نهجم على المزارع ونعبث بالحقول، الحياة كانت تخفي عنّا كثيراً من الألم الذي كانت تجهّزه لنا حينما كنّا نلهو ونقطف التوت فب الجبل، فما أن اشتدّت سواعدنا حتى عصفت بنا وألقت علينا نيرانها التي تحرق كل ما هو أصيل في أعماق أرواحنا. أصبح وجودنا من عدمه سواء، وصمتنا أبلغ من الكلام، وكل حركة منّا هي إعلان عن حرب وخراب !
 

مواكب الراحلين

:: عضو مُشارك ::
إنضم
3 أكتوبر 2017
المشاركات
106
النقاط
21
محل الإقامة
الأوراس
الجنس
ذكر
وكالعادة دوماً تُوصَد جميع الأبواب في وجهه الذي أصبح مختلفاً تماماً عمّا كان عليه قبل أيام قليلة، بعدما نجح البرد في تغيير ملامحه وتمكّن الشارع من عكس صورته في عينيه الداخلتين، حتى أصبح يظهر ككومة من العذاب البشري، تجرّ خيباتها اللامتناهية في شوارع وهران الضيّقة، وأحيائها الشعبيّة المكتظّة بالبؤس والألم والخوف، ليلة أخرى يقضيها دون نوم أو طعام أو إحساس ولو كان ضئيلاً من الطمأنينة والسلام النفسي. لينتهي الأمر به عند منتصف الليل على كرسي ثابت في مكان مظلم له إطلالة غاية في الجمال على البحر والميناء، رفقة متشرّد آخر مختل عقليّاً يطالبه بالتنحّي من الكرسي الذي اتّخذ منه مأوى له قبل عام من الآن، لقد ضاقت به الأرض وتبعثرت عظمته في المكان على مرآى النجوم، كانتِ الرياح تركض ركضاً وتحمل في أيديها كميّاتٍ هائلة من الغبار والأوراق والأكياس البلاستيكية القذرة وتقذف بهم على رؤوسهم المثقلة بالهم والغم، وصديقه الجديد المجنون يغني أغاني الخلد والمجد في ليلة ترمي بأحزان كل البشريّة على ظهره المقوّس من جفاء الحياة بحقّه، كان المجنون لا يتوقّف عن الكلام بصوتٍ أقرب من الهمس، ثم ينفجر لاعناً السماء والأرض معاً، ينهض من مكانه على حين فجأة يروح ويجيء أمام ضيفه وهو يبصق على الأرض يميناً وشمالاً، ويتلفّظ بكلماتٍ جارحة يخاطب بها العدم، أو أرواحاً تسبّبت بموت كل ما كان جميلاً فيه يوماً،فيما كانت الرياح تدفع به بقوتها نحو الطريق دون أن يشعر بذلك، حتى يستفيق من هذيانه عند أول جرس سيارة قادمة. كانت سلوكيات المجنون مثيرة للدهشة والغرابة، لكن ليس للحدّ الذي يُنسِي عابر السبيل ذلك آلامه ووحدته، للحظات قليلة تناسى وجوده تماماً وراح يتعمّق داخل صدره، ينبش في ذاكرته باحثاً عن طريقة لخلق الدفء في قلبه، كما يبحث عطشان عن مياه يروي بها عطشه في حرارة الصحراء وجوّها الكئيب، فكل شيءٍ كان بارداً وباهتاً يخنق النّفس ويرمي بها إلى أعنف الإضطرابات، وما يزيد من حدّة الشعور بالألم هي تلك المشاعر الجيّاشة التي احترقت ببرودة مدمّرة حينما كان يراها وهي تموت عند وأثناء ولادتها، فما كان عليه إلّا تحمّل آلامِ إنجابها ثم دفنها وعزائِها والحزن عليها، حتى يجيء النهار لتلقيَ الشمسُ عليه دفئها. كان شارد الذهن غير مبالٍ بما يحيط به من خطر، وقد بلغ به الصمت مبلغ الجماد والتحجّر، يطرح على نفسه أسئلةً ترهقُ عقله وتطعن في سرّ وغاية وجودهِ، كانت الحقيقة صعبة المنال والحواجز التي يتخيّلها كحال هيجان البحر الذي غاصت فيه عينيه الذابلتين، كانت روحه تخاطب جميع الآلهة بكبرياء المحاربين القدامى عند الشدائد والأزمات، فيما كانتِ الأمواج لغة تواصلٍ غاية في الصخب بين مدّ البحر وجزره، لكن الحقيقة كانت تبتعد عنه شيئاً فشيئاً، تختفي بين أمواج البحر بخفّة وحبور، ذاهبة إلى المجهول على متن سفينة مهترئة غادرتِ الميناء. كان يعتقد في قرارة نفسهِ أنّ الحقيقة في قارة لعينة كأفريقيا ليست أكثر من حلم زائل، وسرابٍ زائف خاصة حينما اعتمدتِ المجتمعات حصرها في أمور لطالما كانت تافهة بالنسبة له، وقد كان هذا يعذّب روحه بقسوة ناضجة، ويدفع عقله إلى التّشكيك في كل شيء من حوله على نحو يحرّض على الإنتحار ووضع حدٍّ لحياته التافهة.
كان الوقت يمضي ببطء شديد كامرأة حامل في شهرها الأخير، ولا يزال المجنون يلوّح بيده مشيراً إلى السماء، مخاطباً الربّ بأسلوب عنيف يعبّر عن مدى استيائه وسخطه من غيمةٍ تحجب عنه القمر شاكياً له حجم العتمة التي تحيط به، وما يتركه الظلام على روحه من ندوبٍ كلّ ليلة كلّما غادره ضوء القمر الذي اتّخذ منه رفيقاً منذ مغادرة والديه لهذا العالم وهو طفل لا يتجاوز عشر سنوات، كان يردّد ذلك في كلامه بين الحين والآخر، وينتقل من موضوع إلى آخر بشكل عشوائي غير منتظم يجعل مهمة فهمه مستحيلة تماماً. ما لفت انتباه شريكه الجديد في الكرسي هو وقوفه على حافة الكورنيش مقابلاً للبحر، وقيامه بعدّة حركات تصبّ في فكرة واحدة يعبّر بها عن انتظارٍ وشوقٍ لآخر صديق له، هاجر البلد نحو الأراضي الإسبانية قبل عقد من الزمن، منادياً باسمه بأعلى صوت: "حوسيييييين ... حوسييييين فاتت عشر سنين صحبي هاوينك "، كانت فكرة الهجرة محطّة توقّف عندها مطوّلاً هذا الغريب الذي لم يجد طوال السنوات التي عاشها مكاناً يستقرّ فيه ، ويعيد ترتيب حياته من جديد على النحو الذي يجعله يتقبّل وجوده في عالمٍ مليءٍ بالحقد والكراهية والخبث والخداع والخيانات العظيمة، مع غياب تامّ لكلّ ماهو إنساني أصيل. وراح يتناول هذه الفكرة بكل ما يحيط به من ألم وإهانات، كحلّ أخير لابدّ من خوض تجربة معه ومغامرة قد تكون نقطة تغيير حقيقي في حياته، مطلقاً العنان لمخيّلتهِ التي لا تتردّد في تبسيط كل الصعوبات، متوهّماً وجوده على الجانب الآخر من البحر على الأراضي الأندلسية، يشرب النبيذ الأحمر ويتبوّل واقفاً على الجهة الأخرى التي لطالما أشعرته بالإختناق والموت متعفّناً في إحدى محطّات الحافلات، أو ملقياً على الطرقات ككيس تملؤه القمامة تعبث بها الكلاب الضّالة.
يتبع ...
 

مواكب الراحلين

:: عضو مُشارك ::
إنضم
3 أكتوبر 2017
المشاركات
106
النقاط
21
محل الإقامة
الأوراس
الجنس
ذكر
لا أدري لما أشعر بالوحدة تمزّقني منذ يومين، وكأنني لم أكن وحيدا في حياتي كما أنا عليه الآن، لست أعرف حتى من أفتقد إليه في هذه اللحظات، كل من هجرني أو هجرته انقرض تماما من ذهني، ولم يعد لوجودهم أثر على أفكاري وتساؤلاتي، لكنني أشعر بوحدة عميقة تأكل داخلي، تطحن هدوئي بخبث، وتقمع استقراري بوحشية فظيعة ..
 
Top