reaction
24.4K
الجوائز
4.2K
- الحالة الإجتماعية
- متزوج
- العمر
- 45 إلى 50 سنة
- الجنس
- ذكر
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
يا سادة يا كرام، يا أهل الجود والكلمة التمام يا أهل اللمة الافاضل وجوه الخير والانوار.. رُدّوا الأبواب، وأشعلوا الألباب، وأنصتوا لحديثٍ يُذهب الأوصاب. فما طاب ليلٌ إلا بذكر الله، وما زان سمرٌ إلا بحكايةٍ فيها من الحكمةِ منتهاه.. ليلتنا خامسة، وحكايتنا لمَن أراد الزلفى، فأعيرونا القلوب قبل الآذان، لنبدأ حديث الزمان.
───
───
قالت ليلى: وهي تميل برأسها قليلاً، وتراقب تلاشي آخر خيوط الدخان من شمعةٍ انطفأت لتوها: "يا جدي، لقد طابَ السمرُ في هذه الليلةِ الغراء، واشرأبتِ النفوسُ لمعرفةِ سرِّ الأصفياء، فأتِني بحكايةٍ أرضيةِ المَباني، علويةِ المَعاني، تصفُ لي كيف ينجلي اليأسُ عن الفؤاد، كما ينجلي الليلُ عن وجهِ البلاد."
فابتسم الجدُّ ابتسامةً رقيقة، وأسندَ ذقنه إلى عصاهُ المرصعةِ بالوقار، ثم قال بصوتٍ يهمسُ بأسرارٍ عتيقة:
"بلغني أيها السامعُ لِدقائقِ العُمر، والباحثُ عن جلالِ الصبر، أنه كان في قديمِ الزمان، وسالفِ العصرِ والآوان، بستانيٌّ في مدينةِ نيسابور، يُدعى 'منصور'. كان رجلاً قد خطَّ الشيبُ في رأسهِ دروباً، وذاقَ من تقلباتِ الدهرِ شؤوناً وخطوباً. قضى أربعين عاماً يُروّضُ الشجر، ويستنبتُ الثمر، لكنه كان يملكُ في أطرافِ المدينةِ أرضاً بواراً، لا تُنبتُ عشباً ولا تدرُّ ثماراً. أرضاً صلبةً كالحجر، لا تنفعُ معها حيلةٌ ولا مَطر، حتى ضَحك منه القريبُ والبعيد، وقالوا: 'يا منصور، جُهدك في هذه الأرضِ ضائع، وعزمُك في صخرِها مائع، فوفّر شيبتَك لِما يُفيد، واترك ما لا يبدئُ ولا يُعيد'.
وفي ليلةٍ سكنت فيها الأصوات، وخشعت فيها الكائنات، اعتزل منصورٌ ضجيجَ العباد، وخرج إلى أرضهِ تلكَ يَطلبُ الوداد. وقف والليلُ قد أرخى سدولَه، والفأسُ في يدهِ يرجو نوالَه. طفقَ يضربُ الصخرَ بساعدٍ مكدود، وقلبٍ من لوعاتِ العجزِ ملهود، والنجومُ من فوقهِ شواهد، وهو في محرابِ كدحهِ ساجد.
وحين انتصفَ الليلُ واشتدَّ عليه العناء، ولم يجد لِصبره في الأرضِ سقاء، وفي اللحظةِ التي ترقبَ فيها فجرَ العطايا، وبلوغَ النهايةِ والضحايا؛ نبا الفأسُ عن الصخرِ وطار، وانكسرَ في يدهِ فانقطعَ المشوار! سقط النصلُ بعيداً في العتَمة، وبقيت الخشبةُ في كفهِ وصمةً ولطمة. خرَّ منصورٌ على الأرضِ جثياً، ونادى في جوفِ الليلِ ندياً: 'واضيعةَ العُمر! وا خيبةَ الدهر! أبعدَ أربعينَ عاماً ينكسرُ سندي، ويخونُني في اللحظةِ المرجوةِ جُهدي؟'.
أرسلَ عينيه بالبكاء، وبللَ التربةَ بدموعِ الرجاء، وفي تلك اللحظةِ من (الانكسارِ التام)، والافتقارِ إلى رَبِّ الأنام، حدثت المعجزةُ التي لا تُرى بالعيون، ولا تُدركُها الظنون.
لم تنشقَّ الأرضُ عن ماءٍ مَعين، بل انشقت بصيرتُه عن حقِّ اليقين! انقشعَ عن قلبهِ غبارُ الاستعجال، ورأى في التربةِ القاسيةِ مِرآةَ الحال. أدركَ أن العظمةَ ليست في أن تُزهرَ الأرضُ بكلمتِه، بل في أن يزهرَ قلبُه بصدقِ هِمتِه.
في تلك اللحظة، شعرَ ببردٍ يغمرُ الجَنان، لم يذق طعمهُ منذ سالفِ الأزمان. وكأنَّ انكسارَ الفأسِ كان هو 'المفتاح' لِقفلِ الروح، وبدايةَ الشفاءِ لكلِّ مَجروح. عاد منصورٌ إلى الناسِ مع الفجر، بوجهٍ يُشرقُ بنورِ النصر، لا يطلبُ من الدنيا مآرب، ولا يخشى من صروفِها نوائب. فكان إذا مرَّ بأرضٍ جرزٍ اخضرت ببركةِ إيمانه، لا بضربةِ سِنانِه. وأيقنَ في صمتٍ مَهيب، أن السِّرَ في القربِ لا في النصيب، وأنه صار (أثراً لمرادِ مُوجدهِ، لا أسيرَاً لمُرادِ نفسه)؛ فصار هو البستانَ، وصار هو الساقي، وصار هو الثمر.. في ليلةٍ طُوي فيها العُمر، وبقي فيها السّر."
───
───
يا سادة يا كرام، يا أهل الجود والكلمة التمام يا أهل اللمة الافاضل وجوه الخير والانوار.. رُدّوا الأبواب، وأشعلوا الألباب، وأنصتوا لحديثٍ يُذهب الأوصاب. فما طاب ليلٌ إلا بذكر الله، وما زان سمرٌ إلا بحكايةٍ فيها من الحكمةِ منتهاه.. ليلتنا خامسة، وحكايتنا لمَن أراد الزلفى، فأعيرونا القلوب قبل الآذان، لنبدأ حديث الزمان.
───
قالت ليلى: وهي تميل برأسها قليلاً، وتراقب تلاشي آخر خيوط الدخان من شمعةٍ انطفأت لتوها: "يا جدي، لقد طابَ السمرُ في هذه الليلةِ الغراء، واشرأبتِ النفوسُ لمعرفةِ سرِّ الأصفياء، فأتِني بحكايةٍ أرضيةِ المَباني، علويةِ المَعاني، تصفُ لي كيف ينجلي اليأسُ عن الفؤاد، كما ينجلي الليلُ عن وجهِ البلاد."
فابتسم الجدُّ ابتسامةً رقيقة، وأسندَ ذقنه إلى عصاهُ المرصعةِ بالوقار، ثم قال بصوتٍ يهمسُ بأسرارٍ عتيقة:
وفي ليلةٍ سكنت فيها الأصوات، وخشعت فيها الكائنات، اعتزل منصورٌ ضجيجَ العباد، وخرج إلى أرضهِ تلكَ يَطلبُ الوداد. وقف والليلُ قد أرخى سدولَه، والفأسُ في يدهِ يرجو نوالَه. طفقَ يضربُ الصخرَ بساعدٍ مكدود، وقلبٍ من لوعاتِ العجزِ ملهود، والنجومُ من فوقهِ شواهد، وهو في محرابِ كدحهِ ساجد.
وحين انتصفَ الليلُ واشتدَّ عليه العناء، ولم يجد لِصبره في الأرضِ سقاء، وفي اللحظةِ التي ترقبَ فيها فجرَ العطايا، وبلوغَ النهايةِ والضحايا؛ نبا الفأسُ عن الصخرِ وطار، وانكسرَ في يدهِ فانقطعَ المشوار! سقط النصلُ بعيداً في العتَمة، وبقيت الخشبةُ في كفهِ وصمةً ولطمة. خرَّ منصورٌ على الأرضِ جثياً، ونادى في جوفِ الليلِ ندياً: 'واضيعةَ العُمر! وا خيبةَ الدهر! أبعدَ أربعينَ عاماً ينكسرُ سندي، ويخونُني في اللحظةِ المرجوةِ جُهدي؟'.
أرسلَ عينيه بالبكاء، وبللَ التربةَ بدموعِ الرجاء، وفي تلك اللحظةِ من (الانكسارِ التام)، والافتقارِ إلى رَبِّ الأنام، حدثت المعجزةُ التي لا تُرى بالعيون، ولا تُدركُها الظنون.
لم تنشقَّ الأرضُ عن ماءٍ مَعين، بل انشقت بصيرتُه عن حقِّ اليقين! انقشعَ عن قلبهِ غبارُ الاستعجال، ورأى في التربةِ القاسيةِ مِرآةَ الحال. أدركَ أن العظمةَ ليست في أن تُزهرَ الأرضُ بكلمتِه، بل في أن يزهرَ قلبُه بصدقِ هِمتِه.
في تلك اللحظة، شعرَ ببردٍ يغمرُ الجَنان، لم يذق طعمهُ منذ سالفِ الأزمان. وكأنَّ انكسارَ الفأسِ كان هو 'المفتاح' لِقفلِ الروح، وبدايةَ الشفاءِ لكلِّ مَجروح. عاد منصورٌ إلى الناسِ مع الفجر، بوجهٍ يُشرقُ بنورِ النصر، لا يطلبُ من الدنيا مآرب، ولا يخشى من صروفِها نوائب. فكان إذا مرَّ بأرضٍ جرزٍ اخضرت ببركةِ إيمانه، لا بضربةِ سِنانِه. وأيقنَ في صمتٍ مَهيب، أن السِّرَ في القربِ لا في النصيب، وأنه صار (أثراً لمرادِ مُوجدهِ، لا أسيرَاً لمُرادِ نفسه)؛ فصار هو البستانَ، وصار هو الساقي، وصار هو الثمر.. في ليلةٍ طُوي فيها العُمر، وبقي فيها السّر."
───
لغز الليلة:
"يا ليلى ويا أهل اللمة، في حكايتي سرٌّ مكتوم، وفضلٌ معلوم.. فما هي تلك (المصادفةُ) التي تجعلُ انكسارَ الآلةِ أعظمَ من وفرةِ الغلال؟ وما هو اسم (الليلةِ) التي إذا أشرقَ فجرُها في قلبِ العبد، استغنى بموجدهِ عن وجدِه، وصار عجزُه هو عينُ قُدرتِه؟"تحدي الليلة العظمى :
"يا ليلى ويا رفاق اللمة الكبرى، تحديكم في هذه اللحظاتِ الغالية والليلة العظمى، أن تبحثوا في أعماقكم عن "فأسٍ" تعبتم من حملها، وعن أرضٍ جفَّت من طولِ انتظاركم لها و اطلبوا من صاحبِ القدرِ في هذه الليلةِ أن يفتحَ لكم باب الرضا و القبول .بهذا القدر نكون قد أنهينا سلسلتنا من حكايات ثلاثين ليلة وليلى.
تقبل الله صيامكم وقيامكم ورمضانكم أعاده الله علينا وعليكم أعواماً عديدة وأزمنة مديدة
في أمان الله
محبكم فريد أبوفيصل
تقبل الله صيامكم وقيامكم ورمضانكم أعاده الله علينا وعليكم أعواماً عديدة وأزمنة مديدة
في أمان الله
محبكم فريد أبوفيصل