الكلمة تقيم القلب

إلياس

:: عميد الأعضاء :: ✍️top5👑
أوفياء اللمة
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»
الكلمة التي تُقيم القلب إذا اعوجّ، وتُطمئن الروح إذا اضطربت
ما أكثر الكلمات التي تمرّ على الأسماع ثم تمضي كأنها لم تكن، وما أقلّ الكلمات التي إذا استقرّت في القلب غيّرت الإنسان من داخله، فهذّبت خوفه، وعدّلت ميزان نظرته إلى الحياة، وأعادت ترتيب علاقته بربّه وبالدنيا من حوله. ومن تلك الكلمات الخالدة التي لا يَبلى معناها مع الزمان، ولا تنطفئ أنوارها بتقلّب الأحوال، قول العبد:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»
إنها ليست ذكرًا يُردّد فحسب، بل عقيدةٌ كاملة، ومشروعُ يقينٍ متجدّد، وبناءٌ روحيّ ينهض بالإنسان كلّما أوشكت الدنيا أن تُثقله.

فأولها: «لا إله إلا الله»؛ وهي ليست كلمة تُقال باللسان وحسب، بل ثورةُ تحريرٍ على كل صنوف العبودية الخفية؛ تحريرٌ من الخوف الذي يستعبد النفوس، ومن التعلّق الذي يُضعف القلب، ومن الانكسار أمام الأسباب. فمن عرف أن الإله واحد، هانت عليه كثرة المتغيرات، لأنه يعلم أن وراء المشهد كلّه ربًّا حكيمًا يدبّر الأمر.

ثم تأتي: «وحده لا شريك له»، وكأنها تغسل القلب من شوائب الالتفات إلى غير الله؛ فلا يعلّق رجاءه بالبشر تعلّق المفتقر، ولا يخشى المخلوق خوف المستسلم، لأن خزائن النفع والضرّ بيد الله وحده، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

أما قوله: «له الملك»، ففيه تذكيرٌ يردّ الإنسان إلى حجمه الحقيقي؛ فما يملكه الناس عاريةٌ مؤقتة، وما يتفاخرون به ظلٌّ زائل، والملك الحقّ لله، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، يرفع أقوامًا ويخفض آخرين بحكمةٍ لا يحيط بها عقلٌ محدود.

ثم يأتي قوله: «وله الحمد»، وكأنها مدرسةٌ كاملة في الرضا؛ فالحمد ليس كلمة تُقال عند النعم فقط، بل مقامٌ إيمانيّ رفيع؛ يحمد المؤمن ربّه إذا أُعطي شكرًا، وإذا مُنع صبرًا، لأنه يعلم أن اختيار الله لعبده أرحم من اختيار العبد لنفسه.

وأخيرًا: «وهو على كل شيء قدير»؛ العبارة التي تُطفئ نار اليأس قبل اشتعالها، وتفتح نوافذ الرجاء في أكثر اللحظات عتمة. فما من مستحيلٍ على قدرة الله، ولا من بابٍ أُغلق إلا وله مفتاح، ولا من كربٍ اشتدّ إلا وجعل الله بعده فرجًا.

ولعظمة هذا الذكر، لم يأتِ فضله في السنّة عرضًا، بل جاء مؤكدًا متكررًا، حتى يعلم المؤمن أن الكلمات العظيمة ليست بكثرتها، بل بما تحمله من صدق التوحيد.

فعن أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال:

> «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه».
رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم.
وفي حديثٍ آخر يفتح باب الطمأنينة لأهل الذكر، قال ﷺ:
> «أفضل الذكر: لا إله إلا الله».
رواه سنن الترمذي وحسّنه جماعةٌ من أهل العلم.
وعن فضل المداومة عليه صباحًا ومساءً، قال ﷺ:
> «من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكُتب له عشر حسنات، وحُطّ عنه عشر سيئات، ورُفع له عشر درجات، وكان في حرزٍ من الشيطان حتى يمسي».
فيا مَن أثقلتك الحياة، وأتعبتك الحسابات، وأرهقتك تقلّبات الأيام؛ اجعل لسانك رطبًا بهذا الذكر، لا عادةً فارغة، بل فهمًا واستحضارًا. قُلها وأنت تستشعر أن الملك له، والحمد له، والتدبير له، والقدرة له.
فربّ كلمةٍ خرجت من قلبٍ حاضر، فتحت لصاحبها باب سكينةٍ لم يكن يظنّه موجودًا.
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»
كلماتٌ قليلة المبنى… لكنها من أعظم ما عُمِّرت به القلوب، واطمأنّت به الأرواح، ورُفعت به الدرجات. 🌿
 
العودة
Top Bottom