• أهلاً بك زائر في في بيتك الثاني!
    اذا كنت وفيا لمنتدى اللمة بصدق فهو بحاجة لمساهمتك إن مشاركتك ونشاطك يبعثان الحياة فيه ليستمر وينتشر. تفاعل وشاركنا بآرائك، مواضيعك، وإبداعاتك لإثراء المحتوى ونشر الفائدة و كسب الثواب قبل أن نفقد اللمة للأبد كما وقع لباقي المنتديات لاتكتفي بالتفرج.

حروف مُهاجرة

في دائرة الصدى، يتناثر الكلام كما الغبار؛ يُعاد في كل فم كأنه سراب،
لا يملأ فراغًا، ولا يزرع أثرًا، ويظل العدم أعظم من أي لفظ يُستعاد.
وكل كلمةٍ مكررةٍ، كحلمٍ بلا نهاية، تطفو على سطح الفكر بلا وزن،

وتعود لتسقط حيث بدأت، كما لو أن الحروف نفسها
تعترف بعجزها عن حمل معنى جديد.

فما يُعاد ليس أكثر من صدى صدى،
وصرخة في الصمت، ووميض بلا نور،
وكأن اللغة قد نسيت سرّها الأول،
فغدت محض قناعٍ للخيال،
وبهلوانية للغموض، ومراوغة للوجود.
 
في دائرة الصدى، يتناثر الكلام كما الغبار؛ يُعاد في كل فم كأنه سراب،
لا يملأ فراغًا، ولا يزرع أثرًا، ويظل العدم أعظم من أي لفظ يُستعاد.
وكل كلمةٍ مكررةٍ، كحلمٍ بلا نهاية، تطفو على سطح الفكر بلا وزن،

وتعود لتسقط حيث بدأت، كما لو أن الحروف نفسها
تعترف بعجزها عن حمل معنى جديد.

فما يُعاد ليس أكثر من صدى صدى،
وصرخة في الصمت، ووميض بلا نور،
وكأن اللغة قد نسيت سرّها الأول،
فغدت محض قناعٍ للخيال،

وبهلوانية للغموض، ومراوغة للوجود.
 
من أيقن أن غايةَ المعاناة، وخاتمةَ الأنين، هي انكشافُ الحقائق، وزوالُ اليقين الزائف، تاقت نفسُه أن يبلغَ النهاياتِ قبل أن تُستهلَّ البدايات، وأن يُدركَ الثمرَ قبل اكتمالِ الحكايات.
 
من المُضحكِ المُبكي… أن تعيشَ على صدى الصدمة، حين تصفعُك حقيقةُ أحدهم، وقد جاءتْكَ حقيقتُهم، فعشتَ على أثرِها، واصطليتَ بجحيمِها، غيرَ أنَّ حرصَك وسذاجتَك أعمتا بصيرتَك!
 
ما بين البوحِ والصمتِ مسافةُ أمان، فقد يندلقُ لسانُ البوحِ فيندمُ صاحبه، وقد تلوذُ بالصمتِ فيسلمُ قلبه، وبين هذا وذاك، نارٌ تحرقُ صاحبَها صمتًا وبوحًا، ففي الحالتين النهايةُ لا تخلو من الحسرات، فالحكمةُ أن تعرف متى تتكلمُ ومتى تصمتُ، لتسلمَ روحُك قبل أن يحرقَها لهيبُ القرار.
 
كيف أواسي الروح؟ فجفّ الودّ وذبل النسيم، واضمحلّ الوصال وانكسر الشوق، وتشتّت بصيص الانتظار كرمادٍ يتناثر، وغاصت سفن الاهتمام في بحور الشتات، والقلب يئن صامتًا بين صخور الغياب.
 
وأنا أراك تهربُ بين ظلال النور، كأنك نسمة تبحث عن سرّها في صدور الريح، أرى سفرك يحبو على حدود الأفق، ويرسو على مرافئ الخيال حيث يلتقي الهيام، وأنا أمدّ لك يدي من أمواج الحنين، لأقبض بوحك قبل أن يذوب في وعكات الضياع، فدع الفصول تنحني لخطاك، والليل يهمس باسمك، والريح تغني لك أغنية الغياب واللقاء، ولا يبقى سوى صدى قلبك ينسج من الحنين نسيم اللقاء.
 
وكشمسٍ تتوارى خلفَ غِرابٍ أو كفٍّ، وهي في كبدِ الحقيقةِ ظاهرةٌ... تجد في منطقهم خِداجَ فكرٍ، وسذاجةَ وعيٍ، وإفلاسَ حُجّةٍ، وكبرياءَ غِرٍّ!
 
تلكَ الطُّرُقُ — وإنْ بدتْ موحشةً — هي ممرّاتُ النضجِ الخفي، لا يُضيئُها ضَوءُ رفيقٍ، بل شرارةُ الوعيِ في أعماقِك، ففي العُزلةِ يختبرُ المرءُ صدقَ ذاته، ويعلمُ أنَّ بعضَ الدروبِ لا تُقطعُ بالأقدام، بل بالبصيرةِ التي لا تخون.
 
وعيون ترقب الملأ، وأفكار تعبر المدى، وقلب نبضه العسى. وفي مستودع القلب يرقد الأسى، وفي الله عظيم الرجاء.
 
عن ذلك الاشتياق، تلاوات الحنين التي سيجها الغياب، إلى أناي التائهة في دروب الانتظار، عن الأحلام المؤجلة، وعن الساعة الآتية من عمق الغمام.
 
في غياهبِ الروحِ مرافئٌ لا تُرى،
تتلوّى فيها الهمساتُ كنبضٍ يختبرُ صدقَ الدهشة،
فإذا غُصتَ في دهاليزِ ذاتِك،
أدركتَ أن للضوءِ ظلالًا تتوارى،
وللظلالِ ضوءًا يتجلّى لمن أرهفَ الإصغاء.


هناك، حيثُ يتهجّى القلبُ أسماءَه المنسيّة،
يتخمّرُ الانتشاءُ في جرارٍ من أسرارٍ لم تُفتح بعد،
وتتعانقُ الحقائقُ بوَجَلٍ كأنّها تخشى اكتمالها،
وتتناثرُ المشاعرُ الصادقةُ كحبيباتِ مطرٍ
تُطهّرُ وجهَ العالمِ في لحظةِ صفاء.


في ذلك العمقِ الذي لا يجيدُ الحكاية،
تتبدّى الروحُ حريرًا ينسابُ فوق جمرٍ خفي،
وتستيقظُ فيك رغبةٌ لا تُسمّى،
كأنّ الكونَ يهمسُ:
إن الغوصَ فيكَ… أعمقُ من كلِّ بحرٍ،

وإن الانتشاءَ بك… أصدقُ من كلِّ بوح.
 
في سكونِ الليلِ حين تُطفئُ النجومُ شهقاتِها،
أفتحُ بابًا في داخلي لا يعرفُ المفاتيح،
وأمضي إلى وادٍ تُنصتُ فيه الأرواحُ لبعضها
كأنها تتبادلُ رسائلَ مكتوبةً على ضوءِ الوعي.


أغوصُ في خزانةٍ من مشاعري المتربّبة،
فأجدُ صدقًا يلمعُ كحدِّ السيف،
وخوفًا يختبئُ في ظلّ قلبٍ لم يتعلّم بعدُ
كيف يواجهُ عُريَ الحقيقة.


هناك…
في النقطةِ التي تتلاقى فيها نبضاتُ الوجد
مع ارتجافِ السرّ،
أشعرُ بأن روحي تشربُ من كأسٍ لا تنضب،
كأسٍ يُصاغُ من لحظةٍ واحدة
يكون فيها الصدقُ هو البحار،

وأنا… الغريقُ الراضي بالغرق.
 
ما كان الصمت عندي عيا عن جواب،
ولا انقطاعا عن خطاب، ولكني رأيت للكلمات أثقالا،
وللمعاني إذا خرجت من سعة الخاطر إلى ضيق العبارة مآلا.


فكم من فكرة كانت في النفس مشرقة،
فلما لبست حروف اللسان انطفأ بريقها،
وضاق مداها، وصارت غير ما أريد لها أن تكون.


ولقد علمت أن القول إذا كثر هان،
وإذا أفرط في تفسيره ذبل،
وأن بعض الصمت أبقى للمعنى
من كلام يستنفد رونقه قبل أن يبلغ غايته.


لذلك يقف المرء أحيانا على حافة السكوت،
لا رهبة من البوح، بل صيانة لما لا تحسن اللغة حمله،
ولا تطيق الحروف أداءه.


وما البعد دائما جفاء،
ولا التوقف عن المضي إعراضا؛
فقد يمسك المرء خطاه خشية أن تجره المسالك
إلى ما يثقل القلب ويتعب الفكر،
فيؤثر الوقوف حيث يبقى الود نقيا،
والمعنى مصونا، والذكرى بلا كدر.


ولعل أخطر ما في الكلمة أنها تحدد ما كان مطلقا،
وتقفل باب الاحتمال بتعيين المعنى.

لذلك يقف بعض الناس على حافة الصمت،
لا خوفا من البوح، بل تحرزا من أن تظلم العبارة الفكرة،
أو يتحول العمق إلى تعريف ضيق.


وقد قيل: إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة؛
لأن اللغة مهما بلغت تبقى أقل من أن تحمل
كامل ما يعتمل في النفس من تصورات وتساؤلات.


غير أن لبعض المجالس في النفس أثرا لا يزول،
ولبعض الأحاديث وقعا يبقى وإن سكن الصوت وطال السكوت.

وقد كان فيما بين الفكر والفكر من مدارسة المعاني،
ومطارحة السؤال، ما يوقظ النفس من غفلتها،
ويبعث العقل على التماس آفاق لم يكن يدركها قبل.



فلعل الليالي ـ وإن تباعدت مسالكها ـ
ترد يوما حديثا لم يكتمل،
ومجلسا ما برح العقل يأنس به،
فنعود إلى القول لا متكلفين،
وإلى التأمل لا متحفظين،
وقد خف عن الأرواح وقر التردد،
وهان عليها التورط في كلمة.
 
نوازعُ النفس...
لصٌّ يقتحمُ مخدعَك،
ويسرقُ منك ثوبَ دَعَتِك،
ويكسرُ بابَ مأمنِك،
ويتركُ الرُّعبَ مدفونًا في رَوْعِك.


ثم يمضي خفيَّ الخُطا،
لا يُرى لهُ أثرٌ سوى ارتجافِ الرُّوح،
كأنَّهُ ما دخلَ إلا ليوقظَ فيك
ما كنتَ تظنُّ أنَّهُ مات.


يُنازعُك في صمتِ الليل،
ويصبُّ في قلبِك وساوسَ التردُّد،
حتى تغدو لنفسِك غريبًا،
وتأوي إلى الضجيجِ فرارًا
من صوتِك إذا خلا بك.


وما أشدَّ فتكَها حين تأتيكَ
بوجهِ الناصحِ الأمين،
وفي جوفِها خرابٌ يتسلَّلُ
كما يتسلَّلُ الدخانُ في الشقوق،
فلا تشعرُ بهِ

إلا وقد امتلأَ صدركَ اختناقًا.
 
محجوز لفارس مرتجل،
ومفوه لا يعرف الكذب،
وغائص في لجج المعنى اليقظ،
وطريح محتسب.. على لظى الصمت محتجب،
وفكر مضطرب.. حبيس وصل ملتهب،
ولسان مجتهد.. بعثر الوصية بالرغم
من حرصه المجتهد،


وروح اذا لامست يقينا ارتابت من اكتماله
كأنما الحق حين يتم
يفقد سر اشتعاله،
فلا يطمئن لها قرار
ولا يستقيم لها سؤال،
سوى وجع يتقنه الواعون
كأنهم صلوا على نار المعنى

فما انطفأ فيهم زواله.
 
صروح مجد شيدها مخذول خرف
دحرج الحرف على جبل مكتمل
وأنفاس معنى يلتقطها سائم الحدس


يطوف بفكره حول كعبة النقض
والسعي بين حرتين على مهل
يتلوه دعاء مقتضب يمضمض به فاه
على عجل


ومن خرم ابرة التوفيق مرتهن
وقبلة التوديع نحوها متجه
وشموع اشعلت في وضح النهار

وأُقِّتَت
 
واقف على جبل النور واثق
وفي كتف الحقيقة إحرام متصل
وفي خطبة الوداع لي شوق

وفي العرصات رهنت كلي وبعضي
وفي بقايا المنى أمنية
أمسح وجهها بكف الرجاء وأحتسب
ومن غار الخوف أطللت برأسي

ومن ساحة الارتياب أُصارع الأنا
وفي بحر الحيرة غارق أنا
وفي دفتر الذكريات عانيت أنا
وفي درب الرجوع خطو يتكسر
كلما ظننت الوصول تراجع وانسدل
وفي كف الدعاء رجاء يتيم
إذا ارتفع انكسر على عتبة الجبل

أناجي الظن في ليل السؤال
وأستجدي اليقين من سراب محتمل
وأرسم للنجاة طريقا

إذا اقتربت منه تلاشى وانتحل
 
دعني أبوح لك من أكون
فها أنا بين ما كنت وما أكون
لا مستقر لي ولا سكون
كأنني سؤالٌ يمشي على قدمين
ولا جواب له في هذا الكون


أنا أنا في لجج التيه سقطت
وبكف القدر نجوت وارتقيت
وبين يقين يتكسر وظن يشتد ضعت
حتى لم أعد أعرفني


تفتت داخلي كمرآة في رياح الشك
وانسكبت ذاتي بين ما أردت وما لا أدرك
وتعلقت بكبرياءٍ ظننته عزًا
حتى صرت أعبد ظلي دون وعي
ومن قسوة الإصرار قطعت خيط الرجاء
وأطفأت في صدري ما كان يشبه الدعاء
وسرت خلف ثباتٍ كان وهما
يقودني من يقظة إلى فناء


ثم خرجت من سجن السؤال الكبير
ومن ضيق فلسفةٍ لا تنتهي إلى مصير
فانكشف لي أن ما حسبته خلاصًا
لم يكن سوى باب إلى ضياعٍ جديد

أعدت قراءة نفسي في مرآة الأمس
فرأيتني أركض خلف ظلٍ لا يُمس
وأكتب يقينًا يتغير كل لحظة
وأبني معنى ينهار مع كل نفس

فأيقنت أن الكلام إن لم يتهذب
صار ضجيجًا يلبس ثوب الأدب
وأن ما نظنه نور الفهم
قد يكون وهجًا يخدع القلب

حتى هبط في القلب نورٌ خفي
كأنه رفقٌ من غيبٍ عليّ
فانكسر في داخلي طغيان السؤال
وهدأت في صدري ريحُ المحال
وعلمت أن الطريق ليس ادعاء
ولا كبرياء عقلٍ ولا عناء
بل انكسارٌ يلين له الفؤاد
وصدقُ رجوعٍ إلى رب العباد


فخررتُ من نفسي على بابه
وطرقتُه بالذنب في محرابه
فأجابني سترٌ يفيضُ أمانا
وغمر قلبي رحمةً وحنانا


فهدأتُ… وعرفتُ أين المسير
إلى نورٍ يبدد كلّ ظلامٍ كثير
ومن ضياع الأمس صار اليقين

أن الهداية بداية العارفين
 
ما يتركني مُقعَدًا عن الحديث،
حين يفد إليّ سؤالٌ يبعثر ما في عقلي،
فيجعلني ألتفّ حول ذاتي.


وحين أطلب المدد من ذات المعين،
الذي يمحو آثار السبب،
في أمر الشعور الذي لا يُحسن معرفة كُنهه حتى صاحبه،
فكيف بمن دونه؟
فيقبض على المعنى بمشرط التأويل، فتزلّ به الأقدام بعد ثبوتها.


وأنا أسير معك في ذاك التيه،
ليس لأقلّص مسافته، بل لأضيء بعض جوانبه.
ففي اعوجاج الطرق لوائح سيرٍ موحّدة،
قانونها واضح، وعواقبها لمن خالفها.


وفي الوقت ذاته،
توجد مسارات أخرى لا تخضع للمحاسبة،
خارج نطاق المساءلة.


قد تكون شاقّة، وقد تكون محفوفة بالمخاطرة،
وما يجبرني على خوض ذلك الشقاء
هو نزعة الاستقلال وكسر قيد الإذلال.

إلى وقفة هنا…
أعلم أن عواصف من الأسئلة تعصف بعقولكم الآن.


أترك هنا حروفًا تجرّدت من حصانة المساءلة،
وتمردت على عادتها،
فجثمت طويلًا على صدر حاضري،
فتآكل مني بعضي.


وأنا أسبح في لُجّة التأمل،
حيث لا قاع يُدرك ولا شاطئ يُرى،
تتماوج في داخلي المعاني
كما تتكاثر الظلال عند غروب الفكرة.


هناك…
حيث تختلط الجهات في صدري،
وتتداخل التفسيرات كما تتداخل أنفاس الغريق
بين نجاةٍ وظنٍّ بالنجاة،
أفهم ولا أفهم،
وأقترب كلما ابتعدت الحقيقة عن اسمها.
إنها مشاعرٌ لا تُحسن الوقوف على أرضٍ واحدة،
تتأرجح بين وضوحٍ يلمع ثم ينطفئ،
وغبشٍ يزداد كلما حاولتُ مسكه.


وفي هذا التيه،
يتحوّل الحب من معنى ساكن إلى معاناةٍ
تمشي على أطراف القلب،
تطرق أبوابه ببطءٍ شديد،
حتى ينهك الصمتُ صاحبه،
فينكسر حاجز الكتمان لا عن ضعف،
بل عن امتلاءٍ لم يعد يحتمل السكون.


فالحب لا يُقال دفعةً واحدة،
بل يُنتزع من الصدر انتزاعًا،
كما تُنتزع الحقيقة من بين ركام الاحتمالات.


حتى إذا بلغ المرء حافة احتماله،
وتساوت عنده الخسارة مع البقاء على الصمت،
تساقطت منه الحروف كما يتساقط الضوء
من نافذةٍ لم تعد تُغلق،
فيصرّح…
لا لأنه اختار الكلام،
بل لأن الصمت لم يعد يتّسع له.


وحين ينطق،
لا يخرج الحبّ من فمه صافياً كما يتوهم العابرون،
بل يخرج مثقلاً بكل ما سبقَه من صمتٍ طويل،
كأنه كان محبوسًا في صدور الأيام لا في صدره وحده.


يخرج متعثّرًا،
تحمله ارتعاشة المعنى قبل ارتعاشة اللسان،
وتسبقه دهشة القلب إلى حافة الاعتراف.


هناك،
تبدو الكلمات صغيرة أمام اتساع ما كان يُخفى،
كأن الحروف لا تكفي لتأويل ما تراكم من وجعٍ جميل،
ولا اللغة تُحسن حمل ما امتلأ به الداخل من اشتياقٍ متوارٍ خلف التأويل.


في الحب،
لا يكون التصريح نهاية الطريق،
بل بدايته التي تتكشّف فيها المعاني على حقيقتها،
ويغدو الصمت السابق مجرد ظلٍّ لما لم يُقل،
ومرآةً لما كان يختبئ بين نبضتين.


وما بين المعنى والمعاناة خيطٌ رفيع،
لا يُرى إلا حين يشتدّ الضوء على القلب،
فينكشف كم كان الاقتراب مؤلمًا،
وكم كان البُعد ضروريًا كي يُولد هذا الاقتراب.


وحين يستقرّ الاعتراف،
لا يهدأ الداخل كما يُظن،
بل يبدأ نوعٌ آخر من التيه،
تيهٌ لا يبحث عن المعنى،
بل عن كيف يُحافظ على ما صار معنى.


كأن الحبّ ليس محطة وصول،
بل بحرٌ آخر يبدأ بعد أن نظن أننا عبرنا البحر،
فنجد أنفسنا من جديد…
نُتقن السباحة في عمقه،
ونتعلم أن الغرق فيه ليس فناءً،

بل شكلٌ آخر من الحياة.
 
العودة
Top Bottom