موسوعة أعلام الجزائر

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أعجبتني جدا سيرة الأديب الجزائري محمد ديب

و المفكر مالك بن نبي
بكل هذا الإثراء الأدبي والفكري لديهما
وروائع مؤلفاتهما وكتبهما

بارك الله فيك أستاذي الفاضل جبران
على هذه الإضافات القيمة لهؤلاء الإعلام وجهودكم المميزة
نفع الله بكم ولا حرمكم الأجر
ننتظر رجوعك بكل فارغ الصبر.

</b></i>
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
الشكر لك الشكر الاوفى يا جهيدة يا مثل الاخلاص والوفا
لن انسى جميلك ولن انسى مواقفك طول حياتي
اخجلتني بأروع الصفات و أجمل المواقف
ومهما فعلت لن ارد جميلك
تحياتي لك ازفها عطرة طيبة
ودعواتي لك من كل قلبي بكل الخير
شكر على المرور العطر الذي زكى بشذاه متصفحي
دمت بود يا أصيلة
 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة السابعة والثلاثون ترجمة فضيلة الشيخ أحمد سحنون رحمه الله .








موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة السابعة والثلاثون


ترجمة فضيلة الشيخ أحمد سحنون
رحمه الله
.




(
1907م1996م )






المولد :
ولد الشيخ رحمه الله عام 1907 ميلادية ببلدة ليشانة قرب مدينة بسكرة، توفيت أمه وهو رضيع، وتولى والده الذي كان معلما للقرآن الكريم تربيته، فحفظ كتاب الله وعمره 12 سنة كما تعلم مبادئ اللغة العربية والشريعة الإسلامية على يد مجموعة من المشايخ والعلماء أبرزهم الشيخ أحمد خير الدين والشيخ محمد الدراجي والشيخ عبد الله بن مبروك.

ومنذ نعومته أظافره كان الشيخ رحمه الله مولعا بكتب الأدب، فدرس وطالع منها الكثير قديمها وحديثها.

في سنة 1936م التقى لأول مرة مع رائد الإصلاح والنهضة في الجزائر العلامة عبدالحميد بن باديس رحمه الله، وفي ذلك يقول:

"وذكرت- عندما كتبت فصلا عن ابن باديس الموجه- بمناسبة ذكراه أنه جمعني به أول مجلس فبادرني بسؤاله: ماذا طالعت من الكتب ؟ فأخذت أسرد له – لسوء حظي أو لحسنه- قائمة حافلة بمختلف القصص والروايات، فنظر إلي نظرة عاتبة غاضبة وقال: هلا طالعت العقد الفريد لابن عبد ربه، هلا طالعت الكامل للمبرد بشرح المرصفي، واستمر في سرد قائمة من الكتب النافعة المكونة، فكانت تلك الكلمة القيمة خير توجيه لي في هذا الباب".

وهكذا كان هذا اللقاء نقطة تحول كبرى في حياة الشيخ أحمد سحنون، حيث انضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصبح من أعضائها الفاعلين.

يقول في هذا المجال في مقدمة كتابه "توجيهات إسلامية":

"إن كل شيء كنا نعمله لهذا الشعب، وكل ما نبذله لهذا الوطن، إنما كان بوحي من روح الجمعية، ووفق الخطة التي رسمتها لتطهير هذه الأرض العربية المسلمة من وجود الإستعمار ومن سيطرة الأجنبي، ومن عار الحكم بغير ما أنزل الله"

وبالإضافة إلى الخطابة والتعليم والشعر، اقتحم الشيخ رحمه الله ميدان الصحف والمجلات، فكتب في العديد منها كالشهاب والبصائر، حتى أن الإبراهيمي علق على كتاباته قائلا:"إن ما تكتبه في البصائر هو حلة البصائر"

وهي شهادة كانت أعز عليه من كل وصف، ذلك أنها صدرت من رجل كان يعتبره قدوة له وعظيما من عظماء الأمة، فقد وصفه ذات مرة فقال:

"ولاعجب، فقد كان الإمام الإبراهيمي من بناة النهضة الكبار الذين عاشوا كل حياتهم، وأعظم همهم تكوين عدد ضخم من حملة الأقلام وإنشاء جيل قوي يحسن التعبير باللسان والقلم، يكون الغرة الوضاءة في جبين الجزائر، والكتيبة الأولى في معركة تحريرها".

في سنة 1947 اشترك في المجلس الإداري للجمعية، وقام بكتابة نشيدها الذي يقول في مطلعه:

يابني شعب الأباة ... للمعالي
أنتم نسل الأمازيغ الكماة ... في النزال
كل من ضحى بنفسه فمات ... لا يبالي

كما عينته الجمعية في نفس السنة معلما في مدرسة التهذيب الحرة في بولوغين ثم أصبح مديرا لها بعد عام واحد.

ويشهد الجميع للشيخ بقوة خطابه وبلاغته وفصاحته، حيث كان يقصده جمع غفير من الناس يؤدون عنده صلاة الجمعة في مسجد الأمة ببولوغين، فكان يحث الشباب على الإعتزاز بماضيهم والتمسك بالحرية والسعي نحو الإنعتاق من نير الإستعمار.

الشيخ سحنون والثورة التحريرية
أدرك الشيخ رحمه الله منذ اللحظة الأولى حقيقة المستعمر، فكان دائم التحذير من مكائده والتنبيه إلى أساليبه وساهم مع إخوانه العلماء في نشر الوعي الديني والوطني في أوساط الشعب وبعث الثقة في نفسه، ليرفع لواء الحرية والإستقلال ويطهر وطنه من رجس المستعمرين.

وكان رحمه الله قد كون تنظيما فدائيا سريا انطلاقا من مسجد الأمة عام1953، وبعد اندلاع الثورة لم يتردد في مساندتها مما أدى إلى سجنه عام 1956 وحاول المستعمر استغلال مكانة الشيخ عند الشعب الجزائري وتأثيره فيه فطلب منه أن يحذر الناس من المجاهدين ويبعدهم عن احتضان الثورة ودعمها، فرد عليه قائلا:

"أنا الآن في حكم الميت، إذا نفذت ما طلبتم مني يقتلني إخواني وإذا لم أنفذ تقتلونني أنتم، ومادمت ميتا فليكن موتي على أيديكم أفضل".

فحكم عليه بالإعدام، ثم أطلق سراحه بعد ثلاث سنوات لأسباب صحية، فقام المجاهدون بتهريبه إلى منطقة باتنة بالشرق الجزائري ثم إلى مدينة سطيف ليواصل عمله وجهاده بين أفراد شعبه.

وخلال تواجده بالسجن كان مواظبا على متابعة ما يصدره الأستاذ سيد قطب رحمه الله من تفسيره في ظلال القرآن وكان يقول: "كان الظلال يخرج من السجن في مصر ويدخل السجن في الجزائر".

الشيخ سحنون بعد الإستقلال

بعد نيل الجزائر استقلالها، عين الشيخ أحمد سحنون إماما خطيبا بالجامع الكبير بالعاصمة وعضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى، فواصل عمله الدعوي التربوي بكل إخلاص واستقلالية، فكان أحرص ما يحرص عليه حرية الكلمة وخاصة إذا كانت تخرج من المنبر، فلم يكن يهادن في دينه ولا يقبل المساومة في مبادئه من غير جبن ولا تهور أو انفعال، شعاره في ذلك قول الباري عز وجل:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " حتى استطاع بمنهجه أن يصبح منبرا للتعقل والحكمة ومرجعا لوحدة الشعب الجزائري والتفافه حول ثوابته.

وقد كان يقول رحمه الله: ( فليست الدعوة إلى الله – إذن- كلاما مجردا عاديا، يستطيع أن يملأ به شدقيه كل من لا حظ له من دين أو خلق، ولا خلاق له من إيمان أو استقامة، إنما هي كفاح مرير ينبغي أن لا يخوض غماره إلا من تسلح له بسعة الصدر ولين القول واستقامة السيرة وبلاغة المنطق وقوة الحجة ).

وكتب ذات مرة مقالا بعنوان "الدعوة إلى الله" ومما جاء فيه:
"وإذا كانت الكلمة اللينة والصدر الرحب من خير أدوات الدعوات بحيث تجعل العدو صديقا كما تشير إليه الآية، فبعكس ذلك تكون الكلمة الجافية والصدر الضيق من شر أسباب النفور بحيث يجعلان الصديق عدوا".

هكذا إذن كان منهجه في الدعوة إلى الله كما كان منهج الأنبياء بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولكن إذا انتهكت حرمات الله أو حورب الله ورسوله وهدد الإسلام في عقر داره فإنه يرفع لواء التصدي والذود عن دين الله كما فعل رحمه الله لما حاولت شرذمة من النسوة بدافع من اللائكيين وبقايا أذناب المستعمر في الجزائر أن تستبدل قانون الأسرة المستمد من الشريعة الإسلامية بآخر علماني لاديني، فخرج مع غيره من الدعاة في مسيرة حاشدة حضرها زهاء مليون إمرأة مسلمة جزائرية أصيلة ليقول لا لمحاولات العبث بدين الأمة وثوابتها.

وكان قبل ذلك نصح وعمل على منع القيام بمسيرة خلال أحداث أكتوبر 1988 الدموية خشية الوقوع في فخ أعداء الصحوة الإسلامية والزج بشباب الدعوة في برك من الدماء.

وفي سنة 1982 حرر إلى جانب صديق دربه الشيخ عبد اللطيف سلطاني والدكتور عباسي مدني بمناسبة التجمع الحاشد لأبناء الحركة الإسلامية بالجامعة المركزية "بيان النصيحة"، يدعو فيها الحكام إلى إلتزام منهج الله وقيادة الأمة بدينها وإعطائها حقوقها، وكان أن سجن الكثير من الدعاة ووضع الشيخ تحت الإقامة الجبرية لكبر سنه.

ومن الجهود المباركة التي قام بها الشيخ رحمه الله، محاولنه تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية وهي إطار دعوي يجمع كافة أطياف الحركة الإسلامية لتوجيه العمل الدعوي وتوجيه جهود العاملين بعد توحيدها وتنسيقها لاجتناب التناحر والشقاقات داخل صفوف الحركة الإسلامية، كان ذلك سنة 1989م، وقد كانت محاولة رائدة لو كتب لها الله النجاح والإستمرار.

ولما دخلت الجزائر في محنتها وسالت دماء أبنائها حاول مخلصا جاهدا أن يجنب الشعب ويلات تلك المحنة وآلامها، فكان جزاؤه محاولة اغتياله وهو في ساحة المسجد متوجها للصلاة مما ترك في نفسه الأثر العميق لما وصلت إليه الجزائر، فعكف في بيته يدعو الله ويعبده ويطالع الكتب ويدرس إلى أن لقي الله ولم يبدل تبديلا.

وقد روى لي أحد الإخوة ممن زاره في الأسبوع الأخير من رمضان وهو على فراش المرض أنه كان يدخل في غيبوبة لبعض الوقت ولما يستفيق يردد قوله تعالى: {فأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}. قال ولما عزمنا على الخروج من عنده طلبنا منه أن ينصحنا فقال رحمه الله:
عليكم بالتوحيد والوحدة.

لقد مات الشيخ سحنون وهو يتألم مما وصل إليه حال الجزائر من انهيار وتفكك وفرقة، مات وفي قلبه أمل أن يرى الدعاة إلى الله على قلب رجل واحد.

وأخيرا فإن فقدان أب الصحوة الإسلامية في الجزائر وقبله الشيخ محفوظ نحناح والشيخ محمد السعيد وغيرهما من رواد هذه الصحوة ينبغي أن يكون محطة تاريخية تراجع فيها الحركة الإسلامية في الجزائر نفسها، فتتوب من معاصي الفرقة والتشتت والخصومات كي تستطيع القيام بدورها الرسالي في صناعة مستقبل الأمة والوصول بشعبها إلى شاطئ الأمان وإنقاذ البلد من محاولات طمس هويته وتغريبه.

آثار الشيخ
ترك الشيخ بعض الآثار المخطوطة والمطبوعة أهمها:
كتاب دراسات وتوجيهات إسلامية
كتاب كنوزنا ويقع في 300 صفحة احتوى تراجم لبعض الصحابة وهو لم يطبع بعد.
ديوان شعر بعنوان" حصاد السجن" يضم 196 قصيدة
ديوان شعر" تساؤل وأمل " وهو لم يطبع بعد
إلى جانب عشرات المقالات في العديد من الجرائد والمجلات كالبصائر والشهاب

فرحم الله الشيخ أحمد سحنون وأسكنه فسيح جنانه مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أوبئك رفيقا وإنا لله وإنا إليه راجعون.

-----------

الشيخ أحمد سحنون .. الحكيم الذي عصته أمته
الشروق اليومي 2010.09.03 ميلود/ب .لطيفة/ب . غنية/ق

غصت قاعة المحاضرات للمركز الدولي للصحافة بنخبة من شيوخ العلم والدعاة، وكوكبة من الأئمة ورجال الثقافة والفكر والإعلام، الذين توافدوا على "الشروق اليومي" ليشاركوا ويسجلوا شهادات حية حول شخصية العلامة المجاهد الراحل أحمد سحنون في الندوة التكريمية التي رفعت إلى روحه، والتي نظمت الاثنين الماضي بحضور نجله وابنته وحفيده وبمشاركة خاصة لمعالي الوزير الأسبق الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي .

علي فضيل :
"‬الشيخ يستحق أكثر من ندوة تكريمية "


ثمن علي فضيل، المدير العام لجريدة الشروق اليومي، الحضور المكثف الذي لبى دعوة تكريم الشيخ احمد سحنون ـ رحمه الله ـ واعتبر التوافد الكبير خير دليل على أنه يستحق أكثر من ندوة، وأكثر من وقفة تكريم وعرفان بجهوده الجبارة في تعليم الأجيال مبادئ الدين وأسسه، وفي إرساء كلمة الحق. "حتى نستفيد اليوم من علم من أعلام الجزائر الكبار، ومن معلم من معالمها الحضارية، ألا وهو الشيخ سحنون رحمه الله، تنظيمُ ندوة لهذا الشيخ لا تكفي، لأنه جبل أشم وقامة عظيمة، ولا تكفي هذه السويعات للإلمام بمآثره ـ وما أكثرها ـ يستحق الشيخ سحنون أكثر من وقفة. خاصة وأنه عانى من التهميش والتعتيم الإعلامي. وها هي الشروق تحاول أن تنفض غبار النسيان وإحياء ذكراه وربط مسيرته بالجيل الصاعد. فقد قضى 96 سنة (1907 - 2003) كلها في الجهاد والتربية والإصلاح، وظل ثابتا على مبادئه إلى أن توفاه الله، ولم يغير منها جزئية رغم ما مر به من ظروف ومتغيرات". وأشاد علي فضيل بخصال الشيخ ومناقبه في التعامل مع الناس بالتي هي أحسن وأيسر، مضيفا "الشيخ احمد سحنون مفخرة الجزائر ومعجزة من معجزات بلد المليون ونصف المليون شهيد، وللشروق الشرف الكبير أن تنظم وقفة تكريمية لهذا الشيخ الجليل رحمة الله عليه، وأن يحضره علماء ومشايخ الجزائر ممن عرفوه " .

الدكتور طالب الإبراهيمي أشرف على طباعة أول ديوان للشيخ سحنون :
‬ " سأنقل آراء الشيخ سحنون في الدعوة والعمل السياسي في مؤلف جديد "

لم يشأ الدكتور والوزير الأسبق، أحمد طالب الإبراهيمي، أن يفوّت الندوة التكريمية للشيخ المرحوم أحمد سحنون، دون أن يقدم شهادة في حقه، رغم إصراره على تجنب الظهور إعلاميا منذ سنوات عدة، قائلا في كلمة مرتجلة لكنها حملت معاني كثيرة: "شكرا لأسرة الشروق التي لم تنس في هذا الزمن الرديء أعلام الجزائر " .

وعادت ذاكرة نجل العلامة البشير الإبراهيمي إلى سنوات الأربعينات، حينما تعرف على الشيخ أحمد سحنون، وكان الشيخ الإبراهيمي قد عاد من منفاه بقرية آفلو التي قضى بها ثلاث سنوات كاملة، ثم جاءت أحداث 8 ماي 45 وألقى المستعمر القبض عليه مجددا، وبعد سنة من السجن عاد إلى الحياة، وكان ذلك عام 1946، حينما قرر إحياء جريدة البصائر، وكان ذلك سنة 47، فكوّن أول هيئة تحرير شملت كلا من حمزة بوكوسة وفرحات دراجي وبعزيز بن عمر، إلى جانب أحمد سحنون وأحمد رضا حوحو وأحمد توفيق المدني.
ويقول طالب الإبراهيمي: "لقد حكا لي أحمد سحنون بعد أعوام بأنه كان يعتبر هذه التجربة من أحسن وأكبر سنوات حياته، لقد كان يقضي الساعات مع والدي، ويركز على شيئين جد هامين، وهما تفسير القرآن الكريم والشعر العربي، هذا كما عرفته في سنوات الأربعينات، ثم جاءت الثورة في الخمسينات، وخلافا لكثير ممن يدعون مشاركة واسعة في الثورة، فقد شارك سحنون قولا وعملا في الثورة التحريرية، وعرف الاعتقال والاضطهاد، ثم جاء الاستقلال، وعرف مع قلة من العملاء الاعتقال والاضطهاد مجددا".
ويضيف الوزير الأسبق: "لقد شاءت الأقدار أن أكون على رأس وزارة التربية والإعلام والثقافة بعد الاستقلال، فكثرت لقاءاتي بالشيخ أحمد سحنون، وطبعت أول ديوان له الذي حمل عنوان "حصاد السجون" وكان ذلك بداية سنوات السبعينات".
ويعرج الدكتور الإبراهيمي في استذكاره لعلاقته بأحمد سحنون فترة التسعينات، أو كما أسماه بالعشرية الحمراء، وخلالها تأسست لجنة الدفاع عن مساجين الرأي، وترأسها المرحوم أحمد سحنون وكان المتحدث إلى جانب الشيخ طاهر علجت من ضمن أعضائها، وتوقف الإبراهيمي في سرده لمسيرة الراحل أحمد سحنون برهة قائلا: "لن أقول الكثير عن فترة التسعينات، لكنني سأكتب عن موضوع يهم الإسلاميين، ويتعلق الأمر بالعلاقة ما بين الدعوة والعمل السياسي، ولقد كان لسحنون أراء نيرة في هذا الشأن، وأنا سأكتب عن هذا المرحلة".
ويعود وزير التربية الأسبق للحديث مجددا عن المرحوم قائلا : " لقد كان يجيب عن كثير من الأسئلة ببيت من الشعر، وقد زرته في التسعينات بعد حملة إعلامية شرسة ضدي، فقال لي يومها :
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها *** فلن تصيب سوى العالي من الشجر
كما اشتهر المرحوم الشيخ أحمد سحنون بالبيت :

ما أحوج القرآن للسلطان *** لو آمن السلطان بالقرآن

ويؤكد المتحدث الذي أبى إلا أن يشارك في الندوة وأن يدلي بشهادة حق تتعلق بالمسيرة النيرة للعلامة أحمد سحنون، بأنّ أحسن تأبين للشيخ سحنون كان البيت الشعري الذي أبن به الشيخ نفسه والده البشير الإبراهيمي، والذي قال فيه:

لا تقل يا ناعيَ الأحرار ماتا *** لم يمت من علم الناس الحياةَ



الشيخ محمد الطاهر آيت علجت ( رفيق الشيخ )


"‬سحنون أمة وحده . وكان حريصا على سلامة الجزائر "



بدا الشيخ محمد الطاهر آيت علجت متأثرا جدّا وهو يستعيد مآثر رفيق دربه وصديقه الشيح سحنون، واصفا إياه بالأمة من شدّة اهتمامه لكل كبيرة وصغيرة تخصّ عقيدتها، وتأثره لما يصيبها من أذى .


وقال صاحب الكلمة التأبينية للشيخ سحنون "كان أمة وحده، لا هم له إلا الاهتمام بالأمة الإسلامية جمعاء وخاصة الجزائر، كان شديد الإحساس بما يصيبها وينالها من خير وشر، قد يكون مريضا، وإذا يسمع بشائر الجزائر يصبح نشطا مسرورا، وتراه صحيحا معافى، وعندما يسمع خبرا سيئا عن الجزائر يمرض إلى أن يلازم الفراش، حتى إن كثيرا من الخوان ينصحون زوّاره ألا ينطقوا عنده إلا بما يثلج الصدر عن الجزائر " .

وتكّلم آيت علجت عن وطنية الشيخ سحنون "كان يحب وطنه، وبلغ قمّة الوطنية بما ظهر عليه من الأعمال الناجحة، من خلال نشاطه في التعليم والدعوة إلى الله، كان مجاهدا محبّا للجهاد، مشاركا بسلاحه وبالكلمة في ثورة الجزائر".

ولم يغفل جانبه الفكري قائلا " كان يمتاز بالوسطية، يكره العنف والتطرّف، دليل ذلك نجد الشباب الذين ربّاهم وسطيين مستقيمين، لا يتفرقون ولا يتحزبون " .

وذكر "إن له من الفضائل والصفات الجميلة ما تفرّق في غيره، فهو طاهر القلب، رحيم يحب الناس جميعا" وعرّج للحديث عن تسامحه الذي كان يفوق التصوّرات "حتى الذين أرادوا قتله، فإنه سامحهم، لأن قلبه كبير جمع بين الإيمان القوي واليقين الصادق والأدب"، مثمنا جمعه بين الشعور الديني والحس الأدبي، ومحبّته الكبيرة " كان يحب الجميع .. ولا يكره أحدا " .

واسترسل الشيخ آيت علجت في سرد الصفات الحميدة لفقيد الساحة العلمية في الجزائر "تجده خيرا وبركة لفائدة الإسلام والجزائر، عندما يجتمع بإخوانه وجلسائه يطرفهم بطرائف بين الحس الأدبي والديني. كان يسع الناس جميعا المحسن والمسيء، كان غضا يمتاز بالعمل لدينه وباستقامته " وتوارى الشيخ بالصمت عن كلام أفصح عنه وجهه الآسف عن فقد عزيزه .




عائشة سحنون :

"‬أنا كاتبة أبي وكاتمة أسراره "

كل ما قالته عائشة سحنون عن والداها واستحضارها لذكريات الطفولة في كنف والد داعية لسبيل الله، أخذته مع الأيام هموم العالم ومشاغله، أحسنت عندما لخصته في قولها "لو لم يكن الشيخ سحنون والدي لتمنيت أن يكون والدي".

أما عن العالم فلم تحك كثيرا، لأن طلبته ورفاقه تولوا المهمة، لكن عن الأب فقالت "لم يحرمنا الحنان، كان صديق أبنائه.. يسر إلينا، يدللنا ويلاعبنا، وكان يأخذ اللقمة من فمه ويذيقنا من صحنه، مع أننا كنا نأكل نفس الأكل، إنما كان يقول على سبيل الدعابة: ذوقوا من هذا أظن أنه أطيب مما عندكم " .
كان أحب أسلوب لديه أن يفاجأ أبناءه وهم أطفال حسبما تروي عائشة "كان يفاجئنا بالشيء الذي نحبه مثل أن يخفي لي التفاح الذي اشتراه لي في غرفة الاستقبال، وسط حبات الفاكهة غير الحقيقية التي وضعتها أمي للتزيين، وكم كنت أفرح عندما أبحث فأكتشف التفاحات الحقيقة من بين المزيفة " .
كلهم كانوا في كفة وعائشة في كفة أخرى، فهي البنت الوسطى " سماني على اسم والدته التي لم يرها قط، لأنها توفيت عندما وضعته، وبقيت ذكراها غاية عنده يحمل لها الشوق " .
بل وضع عائشة الصغيرة موضع عائشة الوالدة "كان يقول للجميع هذه عائشة بنت المكي، وهي جدتي، كنت كاتبته وكاتمة أسراره ومستشارته، يستشيرني في أزمة مع صديق، خصومة بين الناس أو موقف مع الحكومة، وحتى في مشاكل العائلة كان يطلب مني الرأي".
وكتفسير لمكانتها الخاصة بين إخوتها، 4 بنات وابن واحد، تقول عائشة "ربما لأنني بين إخوتي التي حفظت القرآن وعمري 10 سنوات، مع أنه تعذب معي في الأول، فأوكل المهمة لأختي الكبرى المرحومة سعيدة، التي حفظتني حزبا، وبعدها تحررت الملكة عندي وكنت أحفظ دائما المزيد، وكان يختبر معارفنا باستمرار حتى على سبيل الدعابة " .
الشيخ لم يكن متزمتا ولا قاسيا مع أهل بيته "كان يناقشني في ما أقرأ لعبد القدوس ويوسف السباعي وعبد الحليم عبد الله وناجي إبراهيم ونزار قباني، وكلها كانت كتبا في مكتبه". وعلى سبيل المثال ساقت لنا عائشة مثالا "في يوم تجادلنا حول إحسان عبد القدوس، وكنت أدافع عن كتابه وكان بالمقابل يقول لي: الأفضل أن تأخذي الحكمة من كتب أخرى، واستمررت في الدفاع عن رأيي حتى قال لي: لو كان عبد القدوس نفسه لما أحسن الدفاع عن نفسه بهذا الشكل"، وتوافقت رؤية عائشة مع رؤية الشيخ الغزالي رحمه الله "عندما قابل الشيخ الغزالي وجد عنده نفس الرأي عن إحسان عبد القدوس فجاء ليخبرني بذلك " .
وعن أسرار شخصية، قالت البنت الوسطى "كنا نكتب ما نحتاج من أغراض البيت على ورقة، وعندما يأتي الشاب المكلف بالتسوق ندفعها إليه من تحت الباب، لكنني كنت أدفع معها ورقة صغيرة خاصة بي وباحتياجاتي، لأنني أعلم أن والدي لا يرفض لي طلبا".
الشيخ سحنون يحب الأكل الجيد الدسم ""بوزلوف" كان أفضل أطباقه، لكنه كان لا يحب أن يأكله مع الضيوف، لأنه مع هذا الطبق بالذات يحب أن يأخذ كامل راحته، يأكله بنهم ويكدده عظمة عظمة، وكذلك الحال بالنسبة للحلويات المسكرة، التي كان يحب أن يختلي بها".
كان الشيخ سحنون رحمه الله نعم الوالد الحنون الذي يخفض طرفه لأبنائه مثلما عرفنا من ذكريات طفولة عائشة، التي أكدت أنه رغم وجود أخيها رجاء "الذكر الوحيد" بين 4 بنات والذي جاء بعدها، إلا أن عرشها لم يتزعزع مثلما هو حال البنات في حضور الأولاد، لأنها كانت في نظر الشيخ والدته عائشة بنت المكي .
محمد الهادي الحسني
رثاء سحنون للخميني دليل على تسامحه

ذكر الأستاذ محمد الهادي الحسني في شهادته أنّ أول تكريم للشيخ أحمد سحنون جاء من الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1963، عندما أدرج في عيون البصائر قصيدة لسحنون موضوعها ترحيب بإنشاء مركز لجمعية العلماء المسلمين بالقصبة. ولم يُخف الهادي الحسني دهشته عندما وجد في مكتبة الشيخ أحمد سحنون رواية "الأم" لماكسيم غوركي. وأكّد الهادي الحسني أنّ من تسامح الشيخ سحنون قصيدته التي كتبها في رثاء الإمام الخميني. وذكر الحسني في تكريم الشيخ سحنون هذه الطرفة التي كان بطلها لحبيب اللّمسي، الذي كان دائما يُلح على الهادي الحسني بأن يأخذه لزيارة الشيخ سحنون في بيته، ولما وصلنا، إلى بيت الشيخ سحنون ـ يؤكد الهادي الحسني ـ وجدناه قد فرغ للتو من كتابة أبيات في مدح الحاج لحبيب اللّمسي. وأشار الهادي الحسني إلى أنّه قام بتصحيح الطبعة الأولى من ديوان الشيخ سحنون، واعتبر الطبعة الثانية من هذا الديوان التي صدرت في جزأين تحمل الكثير من الأخطاء والنقائص والتشويهات، وألحّ على ضرورة إعادة طبع الديوان مع ضرورة أن تُحاط العملية بكثير من الاهتمام لتلافي الأخطاء التي حملتها الطبعة الثانية .

الدكتور خيشان مراد ( مرافق الشيخ وتلميذه ):
"‬الشيخ كان صوت الحكمة والوحدة "

يروي الدكتور خيشان مراد، أحد تلامذة الشيخ سحنون، كيف كان المرحوم سحنون يتعزى بوالده، وقد كان يقول دوما بأنه ابن الذي كان يبكي إذا طلع الفجر، وتعود هذه المقولة إلى حادثة طبعت ذاكرة الشيخ سحنون، وجعلته يكف على العبادة منذ نعومة أظافره، فقد دخل يوما على والده فوجده يبكي، ولما سأله عن سبب ذلك قال له أبوه: "يا بني لقد غفوت الليلة ففاتني قيام الليل"، وكانت الحادثة بمثابة نواة في مسيرة وحياة الشيخ سحنون في كل مراحلها، "فلم يترك القيام منذ ذلك اليوم، وكان سنه وقتئذ لا يتعدى 13 عاما، واستمر على هذا الحال إلى أن وافته المنية " .

والتزم الشيخ سحنون بالتحلي بالأخلاق الكريمة، وكان يرجع جوهر الأزمات إلى فساد الأخلاق، وكان يقول بأنه لا فائدة من التدين في المظهر فقط، وكان يقول دائما "سئمت حياتي فهي سجن مؤبد"، وذلك حينما كان يحس بتراجع عطائه في الناحية العلمية، وكان يلزم نفسه دوما بالعلم والعمل، ومن سماته الحلم : " ومن يعرفه عن قرب يشعر بما قاساه وعاناه، ورغم ذلك كان يردد دوما مقولة " ثبت أرضنا بالجبال وقلوب الرجال بالاحتمال " ، وكان ينصح الجميع بتطبيقها .
وكان الشيح سحنون متواضعا أيضا، وبيته مشرعا على مصراعيه ويستقبل الجميع، ويتحدث مع ذوي المستويات الثقافية المتواضعة ومع كل من يقصده، وكان يقبل يدي كل من قبل يديه، لأنه كان يتعمد رد التحية بمثلها أو بأحسن منها، تطبيقا لما ينص عليه القرآن الكريم، كما كان زاهدا وطلّق الدنيا ثلاثا رغم أنها أتته بكل إغراءاتها، وكان دوما يقول "فهمت الناس أنهم طلاب دنيا، وما فهموا أنني طالب الآخرة"، كما كان يرفض أن يكرم في حياته، وقد حاولت جمعيات ذلك لكن دون جدوى، لأنه كان يرفض أن يتبع عمله بالمن والسلوى.
ويضيف الدكتور خيشان: "لقد كان منهج سحنون الوسطية والاعتدال، ولا يحب التهور، لأنه كان يرى بأن من صعد سريعا يسقط سريعا، وكان كذلك رجل جمع ووحدة، وبذل مساعي حثيثة لرأب الصدع، كان لسانه الوحدة، ويتألم لمصاب الأمة، وكان يتغنى بحب الوطن".


إسماعيل زكري، زميل الشيخ وناشر كتبه :
"‬الشيخ سحنون وعاء لجميع الصفات الحميدة "

أكّد إسماعيل زكري في شهادته عن الشيخ المرحوم أحمد سحنون، بأنّه يعده شيخه الأكبر، وأنّ تأثيره عليه كان كبيرا: "سحنون هو شيخي الأكبر وأثر في حياتي الأولى منذ التقيته سنة 1950 بعد خروجي من جامع الزيتونة وعملي في مدرسة التهذيب في بلكور، وكذا مدرسة بولوغين التي كان يديرها الشيخ سحنون"، وأضاف "إنّ أخي الأكبر العلامة أحمد سحنون وعاء لجميع الصفات الحميدة، وهو يمتاز بنبذ العصبية التي يمقتها بلا حدود.. وقد عايشت المرحوم أكثر من أربع سنوات، وعرفته داخل وخارج المعتقل بعد إلقاء القبض علينا من طرف الاستدمار الفرنسي في 24 ماي 1956 مع جماعة من المناضلين، وتنقّلنا بين معتقلات كثيرة منها البرواڤية، بطيوة، سيدي الشحمي، الضاية والدويرة، وهذ الأحداث ربما سأتناولها في كتاب. لقد قمنا ببعض الواجب تجاهه بطبع ديوانه في جزأين عن منشورات الحبر. ونحن في انتظار أن نطبع له كتابا ثالثا تحت عنوان " كنوزنا " ، وكلّفت به ابنة الشيخ سحنون عائشة، وهي تلميذتي بعد اطّلاعي على أفكارها في أبيها، وهي حريصة على جمع تراث والدها باهتمام بالغ " .


الدكتور شكري ‬الرفاعي ( داعية ومعاصر للشيخ )

كان يمثّل السلف الصالح بكلّ مقوماته""

في شهادة الدكتور شكري الرفاعي الذي قدم من قسنطينة خصّيصا للإدلاء بها، تساؤلات عديدة أهمّها سؤال مفاده هل أدّينا حق الإمام الشيخ أحمد سحنون رحمه الله. وعاد الدكتور الرفاعي إلى كيفية تشكّل علاقته بالإمام المرحوم: "علاقتي بالشيخ أحمد سحنون تكوّنت من خلال ما قرأت عنه، وأول لقاء لي به كان لما أخبرني أحدهم بأنّ الشيخ سحنون يريد أن يراني، فجئته في رمضان، ووجدته يعاني من آلام لما انتهت إليه الأوضاع في الجزائر، وشكا لي من الخلافات التي لا مبرر لها إلا اعتبار المصالح. الشيخ سحنون ينتمي إلى جيل القضية التي أعطاها كلّ شيء". وأضاف الدكتور الرفاعي "نحن نذكر سلفنا الصالح بكلّ خير ونكتفي بهذا، وهذا غير صحيح لأنّ حق أسلافنا ألا نكون دونهم فيما قدّموه. لقد تبيّن لي أنّ الشيخ سحنون عندما التقيته أنّه خارج عصره لأنّه كان يمثل السلف الصالح بكلّ مقوماته. والسؤال المؤلم هو هل أدّينا حق الإمام سحنون وزملاؤه الإبراهيمي، ابن باديس وغيرهم .. ؟ نحن استقلنا من المسؤولية، وهذا ما لا يقبله منّا السلف الصالح، ومنجزاتهم تتعرض للتآكل . نحن خنّا أمانة سلفنا بتقاعسنا وخلافاتنا " .


الذي يحمل في قلبه هم البلاد والعباد .



الشيخ بالحاج بكير ( أستاذ بمعهد الحياة ):

الشيخ سحنون هو من جمع الكشافة وسماها الإسلامية

لم يقابل الحاج بكير بلحاج مدير مركز "الحياة" بغرداية الشيخ أحمد سحنون إلا مرتين في حياته حسب روايته، إلا أنهما كانتا كافيتين ليعرف أن الشيخ "من الرجال العظماء الذين ينفخون الروح في أمتهم لتكافح من اجل بقائها".

"من غريب الصدف أن أقابل هذا الرجل في مكان لا يخطر على بال" قال الحاج بكير وكان قادما وقتها من القرارة بغرداية، ولم تكن المقابلة في حلقة ذكر أو على منبر في مسجد، مثلما هو حال العلماء بل "قابلته في ملتقى الاستقلال للكشافة إبان الاستعمار، وقد ألقى قصيدة في تلك السهرة التي خصصت للنظر في مصير الكشافة وقت الاستعمار " .
وفي شهادة للتاريخ، كشف الحاج بكير أن تسمية الكشافة الإسلامية كانت من اقتراح الشيخ أحمد سحنون رحمه الله "أثيرت في ذلك الملتقى قضية تسمية الكشافة ودار حولها صراع كبير، انتهى النصر فيه إلى تسمية الكشافة الجزائرية بالكشافة الإسلامية، وانضوت تحتها كل الحركات والفرق الكشفية وكانت الوحدة " ، وهذا دليل حسب الحاج بكير على أن " الشيخ كان نشطا والدعوة إلى الله تكون في كل مكان، ولا يظل صاحبها قابعا وراء منبر أو داخل مسجد " قال المتحدث .
وكان اللقاء الثاني بين الرجلين عندما "تشرفت بزيارته رفقة الشيخ عدو ونجله بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها، وقرأنا في وجهه الحب والصدق والتواضع وحب الخير للناس، بل حتى من اعتدوا عليه لم يذكرهم بسوء" ونتيجة للأخلاق العالية للشيخ قال الحاج بكير "كان ذلك اللقاء عظيما في نفسي " .
إذن، مقابلتان لا ثالث لهما كانتا كافيتين ليحتفظ من خلالهما الشيخ بكير بصورة طيبة ونموذج جيد للداعية في سبيل الله، الذي يحمل في قلبه هم البلاد والعباد .


أحمد بن عبد السلام ( رفيق الشيخ سحنون )

"‬قلب سحنون كان يتألم لما عاشته البلاد "

يقول أحمد بن عبد السلام بانه عرف الشيخ سحنون حينما كان إماما بمسجد أسامة ابن زيد، وساعده في إلقاء الدروس، "لقد كان وطنيا قضى حياته في سجون الاحتلال وفي سجون الاستقلال، لقد طلب مني إلقاء الدروس، فأحسست بالسعادة تغمرني، وكان يقول لي: يا عبد السلام لا استطيع أن أظهر وجهي للناس بسبب ما آلت إليه البلاد، فعلمت أن قلبه كان يعتصر دما جراء ما عاشته البلاد، لكنه كان يقول : لا رأي لمن لا يطاع " .


الدكتور عبد المجيد بيرم ( تلميذ الشيخ )

"‬سحنون حمل صفة الربانية التي هي من سمات العلماء "

يؤكد الدكتور بيرم وهو تلميذ الشيخ سحنون وأحد مرافقيه، بأن المرحوم كان يمثل الخط الأصيل لمنهج جمعية العلماء المسلمين، وكان رمزا في حكمته ونصحه، وكان عصاميا "فقد التقى بابن باديس وسأله عن أمهات الكتب فعكف على قراءتها، وفي أيامه الأخيرة كان يقرأ الكتب وهو مستلق على فراشه مستعينا بمكبر الصورة، وكان تلامذته يرسلون له الكتب من المشرق، ويقرأها بكل أجزائها، كما كان يحث على المطالعة، لأنه كان يقرأ كل ما يقع ما بين يديه " .
وكانت فيه سمة الربانية التي هي من صفات العلماء ورثةِ الأنبياء، ولم يكن يرد سائلا، وكان يخصص ساعة قبل الفجر من كل يوم للدعاء للناس، وذلك بطلب منهم، وكانت الوسطية حصيلة خبرته وتجربته، وكان يتألم لما حدث خلال العشرية السوداء، ويقول الدكتور: "لقد اتصلت به لإيقاف ما كان يحدث في العشرية السوداء، لكنه كان يقول إنني أعلم بذلك، لكن لا يطلب مني الدعاء " .

محمد بن عامر ( تلميذ الشيخ )
الشيخ سحنون كان شديد الإحساس بمسؤولية الكلمة

سلّط تلميذ الشيخ محمد بن عامر الضوء على الطريقة الميدانية التي كان يتبناها الشيخ في الدعوة إلى الله، و لم يكن حبيس مكتبته ولا سجين مجلداته، بل محبا للعلم والعمل معا .

ومن فرط حبّه للعمل، أصرّ على وضع الحجر الأساس لمسجد الأرقم بشوفالي بيديه، وكان يريده أن يكون عاصمة للدين في الجزائر. وتحدّث محمد بن عامر عن رصانته "إن الشيخ على سعة علمه، فقد كان عقله أكبر من علمه، كان متعقلا رصينا حكيما، يعرف موضع الخطوة قبل أن يهمّ بها".
وكان مدمنا على قراءة الكتب، فسأله مرة تلميذه هل يمكن لطالب العلم أن يحصّل العلم من الكتب؟ فأجابه "نعم، لكن شريطة أن تكون القراءة مركزة". وشهد له تلميذه أنه "توفي وكتب أهل العلم النافعة مفتوحة على صدره، تبيت معه، وكنا نستغرب كيف نقدّم له كتابا كبيرا فيسألنا بعد ثلاثة أيام الاستزادة من كتب اخرى". كان لديه شعور كبير بمسؤولية الكلمة، فهي في نظره "قد تحيي أمة وتبعثها من موات وقد تدخلها القلاقل، أنا أخاف من الكلام وحياتي كلّها أفنيتها في الكلام". ومن الجانب العلمي، هو أول من ولي إمامة المسجد الكبير بعد الاستقلال، يقول فيه محمد البشير الإبراهيمي كلمة قوية " استحضار النوازل وقوّة في الفقه " .
ومن كثرة تعبده وروحانيته، كان تلميذه لا يخرج من عنده الا وهو يتفكّر في لقاء الله، وكان الشيخ يقول عن نفسه "أنا عبد محض لله عزّ وجلّ، طوع أمره ورهن إشارته" معتبرا أن الشيخ سحنون يصدق فيه قول الذهبي في بعض كتبه ممن ترجم لهم من العلماء "لا يكاد يوجد إلا في كتاب أو تحت التراب " .

سليمان بلفقي ( رفيق الشيخ )

تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية كان حفاظا على وحدة الصف الجزائري

ذكّر سليمان بلفقي رفيق الشيخ بفضله في إنشاء رابطة الدعوة الإسلامية التي كان يصبو من خلالها لتوحيد الصف الجزائري، وحتى لا يدفع الإسلام ثمن الفتنة التي حدثت، معرّجا على حنكته في التسيير في المواقف الصعبة.

وقال بلفقي إن مبدأ الشيخ عند الاختلاف مع الغير "وجّه ولا تواجه"، مسترجعا ذكريات العمل معه في جمعية العلماء المسلمين، وما عرض له فيها من مشاكل بين التسيير والتدريس، "وكان رغم ذلك كلّه لا يستبد بالرأي ولا يرفض رأي الغير، كما يأخذ ما لا يكفيه من الوقت قبل أن يركن إلى قرار، فتعلّمنا منه أن نكون حكماء في أقوالنا وأفعالنا، ونكون قدوة وألا ندعو غيرنا لشيء ونحن بعيدون عما ندعو إليه " .
وكانت الأمور في غاية الوضوح بالنسبة له في الفتنة التي تعرضت إليها الجزائر، حيث كان يقول لتلاميذه "لقد أكثرتم الكلام واللغط، وسوف يودي بحرب أهلية، ولا أريد أن يكون الإسلام هو الذي يدفع ثمن هذه الحرب والخصومات".
وهذا مبدأ من المبادئ التي جعلته ينشئ رابطة الدعوة الإسلامية، إذ الغرض الإسلامي منها هو أن تكون جامعة لكل الجزائريين على اختلاف مذاهبهم وطريقة العبادة التي يتبعونها، من سلفية وطرقية وإباضية، وقال عنها "إنها صمّام أمان لكلّ مشكل محتمل مستقبلا".
واستعرض بلفقي أمام الحضور واحدة من المواقف الحكيمة التي سيّر بها الشيخ سحنون واقعة، كادت أن تكون اصطدامية فحوّلها بفطنته إلى "لا حدث"، حيث دعا حزبان إلى مسيرة في يوم واحد، وكانت الحكومة قد توعّدت كل من يشارك في المسيرة أن تناله عقوبة، نظرا للحالة الأمنية التي كانت تعيشها الجزائر، فأرسل الشيخ إلى الجهة الأولى "أن جهة غيركم قد أعلنت المسيرة فأوقفوا أنتم مسيرتكم"، أما الجهة الثانية فقال لها: إنها يجب أن تغيّر زمانها ومكانها، وأرسل للحكومة محذّرا إياها من مقاومة أي مسيرة يمكن أن تكون" مرّ ذلك اليوم ولم تشهد فيه مسيرة ولا تدخل حكومي، بفضل التحركات التي قام بها رحمه الله .
وأثنى عليه رفيقه أنه عرف بالاستبسال في مواقف "لم أر شخصا يستطيع أن يتحدى الأمور في مثل ذلك الوقت مثلما تصدى له هو، فقد عاش لغزا ومات لغزا، فرمزيته في لغزيته، ولغزيته في رمزيته، كان لا يحب الأضواء ويطرح الأشياء، لا يحب أن يتطلع عليها الناس حتى تصل إلى منتهاها " . وعّده المتحدث في زمرة من يقل الزمان بالجود بمثلهم .

الشيخ يحيى صاري ( تلميذ الشيخ )

"‬شيخي كان مثالا في الزهد مبغضا للفرقة والتحزّب "

وصف تلميذ الشيخ أستاذَه بالمعدن النفيس، مثمنا فيه ثباته على الحق، توفاه الأجل ولم يغيّر ولم يتحوّل، كان راسخا كالجبال الراسيات، وكان حبيب الجميع ولم يكن له عدوّ .

ثبت على مذهب معلمه عبد الحميد بن باديس، كان وفيا لإخوانه وأحبابه، وفيا لكل من يجلس إليه، ويذكُرهم حتى ولو عادوا إليه بعد سنة .
ومن علامات وفائه، دعاؤه لإخوانه وأحبابه، وقال مرة لتلميذه " إنني أخصص جزءا من قيام الليل للدعاء لأحبائي وإخواني " ويدعو حتى للعلماء من أمثال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم .
ومن مظاهر وفائه إذا سمع بمرض أحدهم فيوصي بعض جلسائه أن يذهب لعيادته، كما كان رحيما على جلسائه وتلاميذته، إذا غاب عنه أحدهم أسبوعا سأل عنه، يقول الشيخ صاري .
وقال تلميذ الشيخ سحنون إنه كان مطلّقا للدنيا، ومثالا للبعد عن البهرج والسمعة وكل ضوء، ويبتعد عن الألقاب الفخمة، إلى درجة أنه رفض المناصب والمنازل العليا التي عرضت عليه حفاظا على هذا الزهد .
وعن علاقته بالقرآن الكريم ذكر "كان يلقي دروسه لا يعدها ولا يكتبها من قبل، بل يدخل المسجد إذا سمع آية من الشريط يفتتح درسه من تلك الآية تفسيرا وشرحا، فلا يخلو له مجلس من فوائد القرآن الكريم، فقد كان القرآن هاديا له في حياته قائما بحقه". كما كان الشيخ شغوفا بالقراءة ومطالعه الكتب، كان معتنيا جدا بمكتبته عناية فائقة، ويتوجع إن رأى جزءا ناقصا من سلسلة ما .
أما عن أخلاقه فذكر عضو جمعية العلماء المسلمين أنه "كان متأنيا رفيقا لا تسمع منه كلمة نابية ولا فاحشة ولا شديدة، متأسيا بأخلاق النبي محمد صلى عليه وسلم، وجبلا في الأخلاق والأدب، علّمَنا كيف نتأدب وكيف نتعامل مع الناس، وكان مدرسة بأفعاله لا بكلامه، كما كان ينتقي كلماته ويحفظ لسانه خشية أن يؤذي أحدا أو أن تحسب عليه " .
ووقف الشيخ موقف الضد من نشأة الأحزاب السياسية في الجزائر، حيث كان يبغض الفرقة، يقول تلميذه، و قال له : " يا بني إنني أنصحك أن تكون أخا لجميع إخوانك، وأوصيك بالاجتماع والوحدة والتآخي " .
وعرف الشيخ بتسامحه وعفوه، إذ بعد خروجه من مستشفى عين النعجة زاره الشيخ صاري في بيته وسألته عن حالته، فقال "إنها هذه بضاعة المفاليس، لقد علم الله أنني مفلس ليس لي عمل صالح فابتلاني بهذا، حتى يرفع لي الدرجات" ولم يتحدّث أبدا عمّن شتمه أو سبّه، بل رأى أن محاولة اغتياله تكريم له من الله . ورغم أن الأطباء منعوا عنه الزيارة، إلا أنه كان يقول لأهله : " لا تمنعوا الناس عني " حبا منه في الضيافة .
كما كانت علاقته باخوانه في جمعية العلماء المسلمين فيذكرهم واحدا واحدا، ويوصينا أنِ " اكتبوا ما تسمعون مني، فإن هذه الشهادات ستضيع " .
ورغم معاشرة الشيخ صاري له، ورغم جهاده في ثورة التحرير الممجّدة، إلا أنه لم يحدث يوما بما فعله في هذه الثورة "لم أسمع انه قال رفعت سلاحا، فقد كان متواضعا لا يتغنى بما فعله أبدا، حتى انه كان يقول: أنا لست بعالم، فالعالم من ألف الكتب وزار البلدان وتتلمذ على أيدي العلماء " لقد كان مربّيا للجميع وأبا للجميع ومحل إجماع " .
ومن مواقف الورع التي ضبطه فيها مرة تلميذه، "دخلت عليه مرّة وهو في الفراش فوجدته يرتعد، قلت له ما بالك؟ قال تذكرت القبر"، ونصح الشيخ صاري، كل من يريد أن يعرفه أكثر أن يقرا ديوانه، لأنه صورة متكاملة عنه.



صالح عوض يروي تفاصيل لقائه الأول بالشيخ سحنون


"‬على الجزائر أن تفخر بعلمائها كفخرها بشهدائها "

كشف الباحث الفلسطيني في تاريخ جمعية العلماء المسلمين ومراسل جريدة الشروق اليومي من غزة، صالح عوض، عن تفاصيل لقائه الأول والأخير بالشيخ احمد سحنون قائلا: "أول ما لمحت في بيت الشيخ سحنون ورقة مكتوبة بخط يده، تضمنت قصيدة عن فلسطين. ثم دخل إحدى غرف بيته المليئة بالكتب وخاطبني "الناس يجمعون المال وأنا اجمع الكتب". وأكد في سياق حديثه عن الزيارة أنه ومنذ ذلك اليوم أصبح متابعا للشيخ ونشاطاته "حبي له كان حبا غامرا وكبيرا وصادقا، ممتدا من حبي لجمعية العلماء المسلمين". وأضاف "الجزائر تفتخر بشهدائها وحق لها أن تفتخر، وعلى الجزائر أن تفتخر بعلمائها ويجب أن تفتخر". وقدم في نهاية شهادته حول الشيخ احمد سحنون الوصف الذي قاله العلامة ابن باديس في العلماء، باعتبارهم أسس النهضة في الجزائر. كما اقتطف صالح عوض كلمات كان قد ألقاها الشيخ بمناسبة افتتاح دار للعلماء المسلمين قائلا "أينما اتجهت في جمعية العلماء المسلمين ترى هذا الخط من الوعي موصول بين رجالاتها " .

عبد المقتدر زروقي يكشف جوانب من علاقته بالشيخ الفضيل
"‬الشيخ سحنون عفا عمن حاول قتله في التسعينات "

رجع عبد المقتدر زروقي إلى الفترة التي كان فيها التواصل بين المشايخ في مختلف الدول العربية ومختلف دول العالم مثاليا. حيث كان سيد قطب يقرا ما يكتبه الشيخ سحنون في سجون الجزائر. ويقرا الشيخ ما يكتبه الشيخ الفضيل وسيد قطب عن سجون مصر.
"اطلع الشيخ البشير الإبراهيمي على عدد من البصائر فضاق صدره لغياب باب التوجيه الديني. وفي إحدى المرات شد الشيخ الفضيل ـ حسب ما رواه ـ احد العناوين، وبعدما فرغ من قراءته بعث للشيخ سحنون رسالة عنوانها "طر في هذه الأجواء يا سحنون". فرأى الشيخ البشير في الرسالة ما يقوي الإعجاب وما يبلج الصدر، من وحدة النسق في الكتابة وعمق التحليل وقوة العلاج للواقع". وقرأ على حضور تكريم الشيخ سحنون مقطعا منها، مستشهدا على أن القران كان ولا يزال وسيبقى.. الدواءَ الذي جرب على أمة كاملة فصحت. وأكد أن الشيخ سحنون اعتبر الرسالة خير هدية . كما كان يردد دائما قول الغزالي " ليست المشكلة في النصيحة وإنما في قبولها " .
قال عبد المقتدر زروقي الكثير في أخلاق الشيخ سحنون، وفي الكثير من الأمور التي كان يسعى لمعالجتها في المجتمع، من إصلاح للقلوب والألسنة والخلق، مؤكدا آن الشيخ سحنون كان ينبذ العنف ويقول "عجبا للخصوم لم يرحمونا.. نسبونا إلى العنف واتهمونا". لخص فيها ما حدث في الجزائر . وختم بالإشارة إلى ما تركته محاولة اغتياله من أثر الحزن والأسى في نفس الشيخ سحنون .

سعيد مولاي يتحدث عن لجنة الدفاع عن سجناء الراي
"‬الوحدة والتوحيد كانا هدف الشيخ سحنون من رابطة المذاهب "

سلط سعيد مولاي الضوء على أهم محطات الشيخ سحنون وانجازاته منذ الستينات، عندما ساهم في تأسيس مسجد لقمان، ثم التجمع بمجلس الطلبة في الثمانينات، وركز على جهود الشيخ في التسعينات، وسعيه إلى لمّ شمل الأمة من خلال تأسيس رابطة المذاهب. "دعاني الشيخ سحنون لأكون عضوا في الرابطة، وكانت له نظرة عميقة في العلاقة بين الدعوة والسياسة. حيث حاول تطبيق هذه العلاقة ولكنه لم يفلح، وهو ما تأسف عليه كثيرا. لازمته في لجنة الدفاع عن سجناء الراي، وكان من أعضائها يوسف بن خدة وكوكبة من رموز هذا البلد". واختار من الذكريات الكثيرة التي جمعته بالشيخ سحنون رحمه الله البعض مما اعتبره مهما، ويستحق التذكر قائلا "الشيخ احمد سحنون رجل الكلمة اللينة والتعقل ورجل الوحدة والتوحيد. وأذكر أنه كثيرا ما يوفد وفود الصلح، وكثيرا ما كان الشيخ الطاهر آيت علجت ضمنها. وفكرة الوحدة والتوحيد هي المسعى الرئيسي من تأسيس الرابطة، وأهم أهداف الشيخ سحنون " .


النذير مصمودي


"‬كنا نترك على بابه تعصبنا المسموم لأحزابنا "

حين نتحدث عن الشيخ أحمد سحنون شاعرا وداعية، نكون قد فتحنا الحديث الجميل، عن أسورة ذهبية كانت في معصم التاريخ، أو عن غيمة ماطرة في زمن الجفاف والملوحة. إنه الرجل الذي كنا نترك على بابه تعصبنا لأحزابنا، وندخل عليه مجردين من هذا السلاح المسموم.. كنا نتلعثم حين كان يسألنا عن الفرق بين السمكة والبحر، ونحس أمامه بالفضيحة حين كانت عينه على البحر، وكانت عيوننا على السمكة وحسب .
كان يستمع إلى كلامنا ونحن نثرثر في رحاب رابطة الدعوة الإسلامية، ثم يأخذ في صمت بصمات أفواهنا وألوان كلماتنا المضرجة بنزواتنا الصغيرة وفوضانا المثيرة .
وكان برغم تعدد الألم وكثافة الحزن، يعثر على لغة الحوار، ويكتبها رغم بعد المسافة على وجه كل غيمة، لازلت أحفظ كلمة قالها لي في زمن القسوة، قال وفي حلقه غصة: "أخشى أن يستمر هذا الزمن بلا قلب، حيث لامكان للرحمة".. يا سيدي، ها أنت قد رحلت وزماننا مازال بعدك محشوا بالأعاصير .. ومازلنا كما تركتنا، نحن نأكل الحريق تلو الحريق، ومازال هذا الوطن علبة كبريت تشتعل فيأخذ من أنفاسنا " الأوكسجين " ويعطينا بدله " ثاني أوكسيد الكربون "













ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الثامنة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا













 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 38 الشهيد الإمام عبد الحميد حمادوش وزاوية قجال








موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الثامنة والثلاثون



الشهيد الإمام عبد الحميد حمادوش وزاوية قجال


(
1919م1958م )



السيد الشهيد ((الإمام عبد الحميد حمادوش رحمه الله))



محطات تاريخية في حياة الشهيد :


ولد الشهيد عبد الحميد حماد وش سنة 1919م ، وكان أصغر إخوته، ظهرت عليه علامات النبوغ والفطنة والشجاعة وسرعة البديهة منذ صغره كما يروي إخوته. حفظ القرآن الكريم مبكرا ، ثم انضم إلى حلقة الشيخ المختار بن الشيخ بالمسجد فتابع دروسه الأولى في الفقه واللغة العربية .


كان ابن بيئته ومجتمعه أحب الفروسية والصيد من أبيه الشيخ الطيب الفارس الحازم ومن أخيه الشيخ عبد العزيز الفارس الذي لا يشق له غبار. وأتقن سباق الخيل على يدي الفارس :"خليفي عمار من أولاد بونشاده. " كانت الفروسية في ذلك الوقت زينة الأعراس والأفراح ،وكانت ميادينها حلبة لتنافس الشباب وإظهار مهاراتهم الفروسية على ظهور الخيل وإطلاق البارود في حركات بهلوانية عجيبة. ولم يكن الشاب عبد الحميد يتخلف عن حضور المنافسات الفروسية رفقة العديد من شباب المنطقة، وكان يمارس هواية الصيد بشغف ومهارة . لكن الحادث الخطير الذي وقع له في أحد الأعراس - حيث وقعت به الفرس فماتت من حينها ونجا هو بأعجوبة - جعلته يصرف اهتمامه عن الفروسية .



-حاجة زاوية قجال إلى مرجع ديني :

كان الشيخ محمد الصديق منذ توليه مشيخة الزاوية بعد وفاة والده الشيخ الطيب، يفكر في مستقبل التعليم بالزاوية، وحاجة الناس إلى مرجعية دينية تتصدى لأمور الفتوى والإرشاد والتوجيه والإصلاح بالمنطقة . وكان الشيخ محمد الصديق يظهر هذه الرغبة للشاب عبد الحميد ويشجعه على طلب العلم ويفتح له سببل التعرف على العلماء ويصطحبه معه في زياراته إليهم فتعرف على الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله،وإمام الحرمين الشيخ محمد العربي التباني ،وكانت له لقاءات مع الشيخ الطيب زروق الذي حثه على السفر إلى تونس للدراسة بجامعة الزيتونة .





في بداية الأربعينيات سافر إلى تونس قضى فيها فترة في جامعة الزيتونة تجاوزت سبع سنوات مر فيها بمراحل التعليم المختلفة وأخذ عن أساتذة وشيوخ أجلاء نذكر منهم: الشيخ الفاضل بن عاشور- الشيخ المهدي الوزاني- والشيخ محمد بوشربية - الشيخ عمر الهمامي -الشيخ المختار بن محمود-والشيخ البشير النيفر-والشيخ الزغواني والشيخ العربي العنابي وغيرهم من علماء تونس الخضراء . وكان من رفاق الشهيد في الدراسة بتونس السادة : عبد الحميد مهري -- ومحمد الصالح يحياوي – وعمر شايب ومبارك شايب ومحمد الصغير قارة وغيرهم عاد الأستاذ الشيخ عبد الحميد من تونس لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرة حياته ؛ مسيرة العطاء ، العطاء اللامحدود الذي ابتدأه ببذل ما وسعه جهده في محاربة الجهل ونشر العلم والمعرفة ، والإصلاح الاجتماعي واختتمه ببذل الروح في سبيل الله
بعد عودته في نهاية الأربعينيات وجد أن المسجد يحتاج إلى إصلاح وترميم ، وكان العديد من طلبة الزاوية ينتظرون عودته لاستئناف الدروس التي توقفت بعد وفاة الشيخ المختار بن الشيخ رحمه الله. فقرر أن يكون عمله في الاتجاهين: فاستأنف الدروس بمجموعة من الطلبة منهم : الشيخ القريشي مدني، الأستاذ السيد إسماعيل زروق والشهيدان محمد رحال والزايدي كفي،والشيوخ الحاج زروق والمحفوظ صفيح ، وبقاق إبراهيم ،وعلي مليزي وعمار مليري،والشريف زروق ولحسن عبد العزيز،وعبد الوهاب حمادوش ومحمد الصغير حمادوش، ومحمد بوكراع وغيرهم ممن كان لهم الفضل الكبير في بعث أول مدرسة جزائرية في عهد الحرية والاستقلال . وفي نفس الوقت كون لجنة من أجل جمع الأموال لإعادة بناء مسجد الزاوية والمرافق التابعة له فكان في عونه رجال مخلصون من قجال وضواحيها من أمثال الحاج المهدي مدني وبن الفلاحي والشهيد سي حمود فني ، والشهيد سي علي بن الزايدي،وعلي حمداش والشيخ الخير فاضلي وهيشور بوزيد وغيرهم .وتم تجديد قاعة الصلاة وحلقات الدرس وأضيف إليها مطهرة وحجرتان .وعلى الأمل معقودا على بناء قاعة خاصة بالنساء لأداء الصلوات الخمس ومتابعة الدروس


- صفات شخصية :

لم يكتب لي أن أتعرف على شخصية الإمام الأستاذ الشهيد عبد الحميد في أبعادها الإنسانية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية ، وذلك لصغر سني في ذلك الوقت حيث كان عمري لا يتجاوز عقده الأول، ولكن رغم ذلك مازلت أذكر بعض ملامح هيئته ذات المهابة والوقار ،كان ربعة في طوله ، ممتلئ الجسم ،رحب الصدر عريض المنكبين , ،طلق الوجه ، مهيب النظرة ، هشا عند اللقاء ، سريع المشية ذا أناقة ملفتة للانتباه يرتدي قندورة –عادة- ما تكون رمادية أو زرقاء ليلية ويضع على رأسه عمامة بيضاء .ذلك بعض ما أمكنني إعتصاره من ذاكرتي من ملامح عن شخصية الشهيد ولقد حاولت منذ سنوات أن أتعرف على شخصيته أكثر من خلال الحديث مع تلاميذه ومع من عرفه عن قرب أو عاش معه أو كان رفيقا له في دراسة أو صحبة في جهاد،فاجتمع لدي من ذلك كله تصورا لبعض المعالم عن أفكاره وتوجهاته خاصة منها الدعوية والاجتماعية والثقافية والسياسية .وقد برزت تلكم المعالم من خلال مواقفه وتعاملاته وعلاقاته مع مختلف الفئات الاجتماعية انطلاقا من إخوته وباقي أفراد عائلته إلى طلبته ،إلى العلماء الذين كان يلتقي بهم أو يزورهم أو يزورونه ، إلى الرجال الذين كان يتصل بهم من الفلاحين والتجار وأصحاب الحرف إلى مواقفه من الاستعمار وأعوانه الخ .

- العالم الرسالي :
كان الإمام الشهيد عبد الحميد رجل علم وتعليم ورجل تربية من الطراز الأول تفانى في كسب العلم حتى برع في أصول وفروع علوم الفقه واللغة وفنون الأدب ما جعله علما من الأعلام في جيله وفحلا من فحول البيان من على المنابر في شتى المناسبات كانت خطبه في الأعياد تقرع الأسماع قرعا فيغدو لها في القلوب وجلا وفي الأنفس أثرا و في العقول نورا ،وعلى الألسن ذكرا طيبا .أم خطبه في التجمعات التي كان يعقدها الثوار من حين إلى حين في القرى والجبال فكانت تلهب حس الجماهير وتؤجج فيهم روح الثورة والجهاد لتحقيق إحدى الحسنيين النصر والاستقلال أو الشهادة في سبيل الله .


كان العلم عنده رسالة نور وخير يشع بها العالم على الناس من حوله ليعرفوا ربهم العليم الكريم ويدركوا أبعاد وجودهم في هذه الحياة ويتمكنوا من خلال النظر في آيات الله في القرآن المقروء وآياته في الكون المنظور من السمو بإنسانيتهم روحا وفكرا وجسدا في عملية تكاملية مستمرة لا تنفرد بالروح فتجعل من الإنسان راهبا مبتدعا ، ولا تنفرد بالفكر فيغدو فيلسوفا متعاليا ولا تنفرد بالجسد فتخلد بالإنسان إلى الأرض وكان طلبة العلم عنده قرة العين ومهجة الفؤاد ،يحرص على تربيتهم من خلال سلوكه معهم ،فلا يرون منه إلا ما يملأ العين ويقع في النفس موقع التأسي والاقتداء ،ولا يسمعون منه إلا ما يزيدهم يقينا بالعلم ويحببهم فيه . كان يردد على أسماعهم الحديث الشريف " إن الملائكة لتبسط أجنحتها لطالب العلم " ليسبح بهم في ملكوت الله ومحبته ويمشي معهم أحيانا إلى البستان ويجول بهم بين أشجاره وهو يتلو على مسامعهم قول الله تعالى "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور". (سورة الملك الآية أو يحمل المعول ويضرب الأرض ، وهو يردد الحديث الشريف " اليد العليا خير من اليد السفلى" في إشارة إلى قيمة اليد العاملة المنتجة التي ترفض التسول والاستجداء .في سنة من سنوات الجفاف والحاجة عجزت ميزانية العائلة عن إطعام الطلبة فما كان من الأمام إلا استأذن أخاه الأكبر الشيخ محمد الصديق في بيع قطعة أرض من أجل سد حاجة الطلبة من الطعام وبعد اتفاق الإخوة باعوا قطعة أرض كانت بالقرب من دوار لخلف . وواصل بذلك الطلبة تعليمهم دون انقطاع وهكذا سجلت هذه الواقعة للأستاذ عبد الحميد موقفا جريئا يؤكد أولا علي استمرار الدور الرسالي له ولعائلته في خدمة العلم وطلبته وحفظة القرآن الكريم . ويعطي ثانيا المثل في البذل من أجل العلم الذي رفع الله من شأنه فجعل حامليه شهودا على وحدانيته وعدله رفقة الملائكة ، وباهى بطلبته الملائكة الأبرار .

التكامل في شخصية العالم الإنسان الداعي إلى الله على بصيرة:

كان الإمام الشهيد عبد الحميد رجلا حباه الله من الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة والذكاء الحاد والبصيرة النافذة ما جعله مضرب المثل، من رآه أول مرة هابه، ومن عرفه أحبه ووقره .إذا أقبل من بعيد هلّ لمقدمه الحاضرون ،وانشرحت لمنظره الصدور ووقف لاستقباله الكبير والصغير إذا جلس عظم به المجلس وحفته السكينة والوقار ،وإذا تحدث أصغت إليه الآذان وإذا سئل نقع غليل السائلين .لم يُر أبدا شاكيا ولا متأففا ولا ساخطا على شيء من الدنيا ، يقول ما يفعل ، منفتحا على كل شخص يتوسم فيه خصائص الفطنة ،والذكاء والعفة والصدق نائيا بنفسه عن كل سفيه ضعيف العقل بليد الحس .

كان شديد الورع ،ذا تقى وصلاح يحمل بين جوانحه قلبا فياضا بالعواطف السليمة والمشاعر النبيلة إذا رأى فقيرا لا تراه إلا ساعيا في مد يد العون له .اليتيم عنده أولى من ولده وأقرب إليه من نفسه .

فإذا ما جئنا إلى علاقات الأمام الشهيد الإنسانية وجدناه نعم الرجل المضياف الكريم السريع النجدة يسعى في خدمة إخوانه ولا يألوا في ذلك جهدا ولا يدخر وسعا . روى لي الشيخ عمر رو ميلي وهو أحد الطلبة الذين كانوا يتابعون الدراسة في جامعة الزيتونة .أنه حين سافر إلى تونس بغرض الدراسة، ولم تكن معه الوثائق الضرورية للإقامة فاختفى عند أحد الجزائريين خوفا من أن تمسكه الشرطة فتعيده إلى بلاده .وكان الإمام الشهيد هو من سعى له في الحصول على الوثائق المطلوبة للإقامة، والتسجيل بجامعة الزيتونة. أم عن سعيه

في إصلاح ذات البين ،فكان يبذل من أجلها الجهد والمال ، فكان كلما سمع بخصام أو نزاع حصل بين طرفين أو أطراف معينة في مكان ما لم ينتظر حتى يأتيه طرف منهم يدعوه إلى الإصلاح بينهم بل كان يباغت الجميع فيدعو الطرفين إليه بالزاوية فيكرمهم ،ويسمع من كل طرف شكواه ،ثم يعظهم بكلمات بليغة مؤثرة ،حتى يزيل من القلوب ما علق بها من ضغائن وأحقاد وأطماع ووساوس ،ثم يدعوهم إلى العفو والصفح عن بعضهم البعض . وإذا تعلق الأمر بحقوق واجبة الأداء ، أمرهم بأدائها، وساعدهم على ذلك ما استطاع؛ ذكر لي أكثر من واحد ممن عرفوه أن طريقة الشهيد عبد الحميد في الإصلاح كان لها الأثر البالغ في النفوس. فقللت من النزاعات بين الناس،وصاروا يسعون إلى فك خصوماتهم بأنفسهم قبل أن يبلغ خبرها إلى الشيخ عبد الحميد فيحرجهم بمباغتته لهم. ومما يتميز به الإمام الشهيد أيضا أنه كان منفتحا على الحياة بجميع مواقعها وتنوع اختصاصاتها وتعدد أعمالها ووظائفها وحرفها ومهنها ،كان يدرك تماما أن العالم الذي يتصدى للدعوة إلى دين الله العظيم ينبغي أن يكون ملما بعلاقة الدين بالحياة تلكم العلاقة الدقيقة جدا والخطيرة جدا على الدين والحياة معا، إذا لم يكن الوعي بها كافيا ،فكثيرا ما ينسى الداعي الشخص المدعو أمامه وربما لا يعرف شيئا عن أحواله أو عمله أو وظيفته أو حرفته ، فيفتنه من حيث يريد إرشاده وتوجيهه أو يضله من حيث يريد له الهداية ،أو يفسده من حيث يريد له الإصلاح وهكذا يتحول الداعي بسبب جهله بعلاقة الدين بالحياة، ودور الدين في إصلاح المجتمع وتنمية الحياة في كل مواقع العمل فيها نحو الأفضل والأصلح والأنجع ،إلى فتان مضل مفسد دون أن يدري ، من هنا كان وعي الإمام الشهيد عبد الحميد بالمسألة . فكان يتحرك في كل مواقع الحياة ومع الناس من مواقع المسؤولية والعمل من منطلق أن الخطاب الدعوي ختلاف الأشخاص وأحوالهم وأعمالهم فكان إذا أتى فلاحا حدثه علي محاولة تطوير فلاحته وتحسين الإنتاج من خلال الاستفادة من تجربة المعمر في فلاحته وربما ختم حديثه معه بالحديث الشريف : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه."

روي لي أحد المشتغلين بالميكانيكا أن الإمام الشهيد كان يزوره في ورشته ،فلا يحدثه عن شيء خارج دائرة عمله، بل كان يركز كلامه عن الميكانيكا وعن دورها في الحياة الجديدة، وفي تطوير الفلاحة والصناعة وكيف أن كثيرا من الصناعات في أوروبا تطورت على يد ميكانيكيين كانت لهم ورشات مثلنا، وكيف أن هؤلاء الميكانيكيين كانوا يبذلون الجهود المضنية ويدفعون الأموال الطائلة ،وربما بذل أحدهم كل ما يملك من أجل الوصول إلى اختراعه ،كذلك الذي اخترع طلاء الأواني !حيث لم يصل إلى اختراعه إلا بعد أن باع كل مقتنياته من أجل الحصول على المواد الضرورية لأجراء تجاربه، وكان آخر ما باعه كرسيه الذي يجلس عليه للعمل . و كم كانت فرحته عظيمة عندما تحصل على النتيجة بعد ما دفع آخر ما يملك !. هكذا كان الشيخ عبد الحميد يتحرك في أوساط العمال وأصحاب الحرف ،يرشد كل واحد في ميدانه، ويقول لهم : تعلموا الحرف والصناعات وعلموها الناس فإنها من أعظم العبادات .

-اهتمامه بالتاريخ والآثار:

لم تكن اهتمامات الإمام الشهيد عبد الحميد محدودة ،أو محصورة في مجال التعليم والفتوى وحسب. بل كانت له اهتمامات تاريخية وفكرية وسياسية . حدثني أكثر من واحد أن الإمام: كان يحدثنا عن تاريخ منطقة قجال ، وكان يوصي بالمحافظة على ما يعثر عليه المواطنون من آثار أثناء عمليات حفر الترع أو أسس البيوت .وكانت له مراسلات مع بعض المؤرخين في الخارج كما اجتهد في جمع العديد من الوثائق ،ولكن مع الأسف الشديد فإن كثيرا من مراسلاته والوثائق التي كان يحتفظ بها لم نعثر لها على أثر . هل هي عند من أودع عندهم كتبه قبل التحاقه بالثورة ؟ أم هي من الوثائق التي أخذها المؤرخ المهدي البوعبدلي .

-اهتمامه بالصحافة كهدف لنشر الوعي:

أما عن اهتماماته السياسية فكانت تتجلى في متابعته للصحف والمجلات العربية مثل البصائر والأهرام المصرية ومجلة لواء الإسلام ومجلة الدعوى التابعة للإخوان المسلمين أما الصحف الناطقة بالفرنسية فكان يقرأها له ابن أخيه النذير الذي كان يتقن اللغة الفرنسية .أما الأخبار الإذاعية فقد جلب الإمام مذياعا خاصا به وصرنا نتابع الأخبار رفقته وكم كنا نستمتع بالأغاني والأناشيد الوطنية المنبعثة من صوت الجزائر أو صوت العرب وكان الأستاذ يبدي إعجابه الشديد بالأناشيد التي تمجد الثورة الجزائرية . كان اهتمام الإمام بالأخبار وسيلة لنشر الوعي الوطني في أوساط الشباب الجزائري ومتابعة تطورات الثورة في الداخل والخارج . ذكر لي العمري بن غذفة: أن الإمام كان دائم الزيارة له في دكانه المتواضع داخل الحارة المقابلة لصيدلية فرحات عباس سابقا حيث كان يشتغل خياطا رفقة الطالب سي ساعد كتفي الملقب بالروج .كان الإمام يتابع الأخبار والبرامج الثقافية ، ويحاول أن يشرح للحاضرين معه ما صعب عليهم فهمه من كلمات وجمل ومصطلحات، وأخبار ، وبهذا يؤدي دوره الإعلامي والتثقيفي في أوساط المواطنين

- موقف الإمام يوم زيارة الحاكم الفرنسي نيجلان :

كان ذلك في ربيع سنة 1950 م حيث أعدت الإدارة الاستعمارية الفرنسية بالتعاون مع أعوانها من القياد والمنتخبين احتفالا ضخما لاستقبال الحاكم العام أدمون نيجلان الذي قدم لتدشين مدرسة قجال ،وقررت الإدارة أن تكلف الشيخ عبد الحميد حماد وش بإلقاء كلمة الترحيب التي أعدت من طرف الإدارة الاستعمارية .فاقترح عليهم الشيخ عبد الحميد أن يحرر الكلمة بنفسه فلما رُفض طلبه قال لهم :" لا أرضى لنفسي أن أكون بوقا لغيري ، ولا أن يقولني أحد ما لا أريد أن أقوله " وقد حاول أحد المقربين من الإدارة الاستعمارية أن يخوفه فقال له :يا عبد الحميد إنك تخاف على نفسك ،فكان جوابه لا خوف إلا من الله . وقد أحدث موقف الإمام هذا ضجة كبيرة، وطالبت بعض الأطراف معاقبته ،وقال الذين ينظرون إلى المسألة من موقع الحضوة لدى فرنسا :لقد جاءه العز إلى أنفه فرفضه . ولولا عناية الله تعالى بالإمام وتدخل أخيه الأكبر الشيخ الصديق لدى بعض المعارف، لكان مصيره السجن .

-انخراطه في الثورة :

ظل الإمام سيدي عبد الحميد بعد ذلك يؤكد قناعته تجاه الاستعمار إلى أن قامت الثورة.ولنترك تلميذه الشيخ القريشي مدني يحدثنا عن انخراط الإمام في الثورة ، وكيف كان عمله في بدايتها " …وكان رحمه الله من السباقين بالانضمام إلى ثورة أول نوفمبر 1954 وأظهر نشاطا مكثفا في توعية المواطنين والتعريف بالأهداف التي ترمي إليها الثورة ، وشرع في جمع الأسلحة من المواطنين وكذا جمع التبرعات لفائدة الثورة . وكان الذي يعينه في جمع الأسلحة والذخيرة الحربية الشهيد سي حمود فني رحمه الله ، وأول مدفع رشاش دخل جبل بوطالب كان على يدي الإمام الشهيد عبد الحميد ، كان هذا الرشاش اقتناه المجاهد خليفة فلاحي من عهد الحرب العالمية الثانية ، واحتفظ به إلى أن اندلعت الثورة فباح به إلى الإمام عبد الحميد ، فكلفني أنا بأخذ هذا الرشاش ، من هذا المواطن ، وسلمته بدوري إلى المجاهدين وكان رحمه الله كتوما للسر إلى أبعد الحدودوكان يقول : إن الثورة تنجح بالكتمان لا بإفشاءالأسرار…وكان رحمه الله لم يخامره أدنى شك في نجاح الثورة ولا يتردد في عمله الثوري أبدا مهما كلفه ذلك من تضحياتوكان يقول لي : إن الثورة ستنتصر بإذن الله وإن الجزائر ستستقل لا محالة ، ولا أدري أتطول بي الحياة وأعيش حتى أرى الاستقلال أم استشهد ولا أرى الاستقلال …" أما شهادة أبن أخته الشيخ إسماعيل زروق الذي كان مودع سره وبريده مع بعض المجاهدين ، فإن الإمام الشهيد كانت له علاقات واتصالات مع قيادات كبيرة في الثورة في بدايتها وكانت تصله مراسلات من القائد العمروي . ويوسف يعلاوي وغيرهم .

-آخرصلاة صلاها بالناس :

في سنة 1956 توسعت الثورة ،وبدأ يظهر عملها في سطيف وضواحيها ،وأحس الاستعمار بذلك وبدأت محاولاته في تعقب تحركات المواطنين واستفزاز هم وتخويفهم. وكانت أولى تحرشاته بأهل قجال في عيد الفطر لسنة 1374 هجرية الموافق لشهر ماي 1956 حيث كانت آخر صلاة صلاها الإمام بالناس ، وفي الوقت الذي كان المصلون ملتفين حول الإمام لسماع خطبة العيد فإذا بالعدو يطوقهم بثلاث دبابات ومجنزرة وطائرة استكشافية تحلق فوق رؤوسهم ، تنبه الإمام لذلك فقال : أيها الناس لا تتفرقوا علي عادتكم من هنا ،حتى لا يؤذينا العدو ، بل عودوا إلى المسجد. فعاد الناس جميعا إلى المسجد .ثم بعد ذلك خرجوا عائدين إلى بيوتهم وانتهى الأمر بسلام بعد ذلك توقفت الدراسة بالزاوية وغادرها الطلبة فمنهم من التحق بالثورة ، ومنهم من هاجر إلى فرنسا والتحق الشيخ القريشي مدني بالثورة أما نحن الصغار فتولى تعليمنا سيدي إسماعيل زروق أما الأستاذ عبد الحميد فقد وصل عمله السري ،ولم يكن يطلع أحدا على اتصالاته إلا سيدي إسماعيل زروق الذي كان واسطته مع بعض المجاهدين من أمثال الشيخ قدور كسكاس والشهيد أحمد الضحوي رحمهما الله .

-لا للخروج من أرض الجهاد :

واستمر الأمر كذلك حتى سنة 1958 ، حيث كثف الاستعمار مخابراته واستعان بجواسيسه وأعوانه للكشف عن الثوار . ولعله ارتاب في أمر الإمام ،أو تأكد من دروه في الثورة ولكنه لم يجد ما يبرر له القبض عليه . فحاول أن يجعله في خدمته فشدد عليه الحراسة ،فكان يأتيه أحيانا ويستدعيه حينا آخر ويهدده مرة أخرى، حتى يلزمه بالتعاون مع الإدارة الاستعمارية . وفرض عليه الحضور اليومي إلى مركز الدرك للتوقيع .وهنا يسجل الإمام موقفا آخر من مواقف الإيمان والاحتساب لله تعالى؛ روى لي ابن أخيه عبد الوهاب أنه بعد رجوعه في يوم من تلك الأيام العصيبة من مركز الدرك الاستعماري في رأس الماء عرج على بيت أخيه سيدي عبد العزيز رحمه الله، فاقترح عليه أن يسافر إلى تونس حرصا على نفسه وحياته بما تمثله من مستقبل المرجعية الدينية للمنطقة والتعليم بالزاوية .فكان رد الإمام :"أتريدني يا سيدي عبد العزيز أن أولي الأدبار، وأفر من أرض الجهاد،فأبوء بغضب الله تعالى "!

التحاقه بالجبل :

واشتد الأمر عليه ، وتأكد أن قوة العدو ستظل وراءه حتى تنال منه ما تريد أو تقضي عليه فقرر أن يلتحق بالجبل. وفي صباح ذلك اليوم عاد إلى بيته بقجال،وكان قد ترك المبيت فيه منذ مدة فلا يأتيه إلا نهارا . يقول سيدي إسماعيل :في ذلك اليوم طلب مني الإمام أن أشتري له شفرات حلاقة من دكان الطيب بوقزولة الدكان الوحيد بقجال يومئذ، وما كدت أعود إليه بشفرات الحلاقة، حتى وجدت آليات العدو قد أحاطت بدوار قجال والطريق المؤدي إلى مدينة سطيف وأخرجوا كل أفراد العائلة ، وسألوا عن سيدي عبد الحميد ،وكنا قد علمنا بمغادرته البيت نحو بير الابيض .فقلنا لهم:لقد توجه إلى سطيف ،فتركوا القرية وتوجهوا نحو مدينة سطيف أما سيدي عبد الحميد فقد اختفى عند الشيخ موسى حلتيم .فلما غادر كل عساكر العدو المنطقة أسرع إليه الطيب بوقزولة بسيارته وتوجه به نحو أم الحلي . وكان آخر ما قاله في صباح ذلك اليوم لابنه محمد الهادي ذي الأربع سنوات الذي تعلق بساقه وكأنه يودعه الوداع الأخير فقال له :" أبوك الذي تلاحقه فرنسا لم يعد له بقاء معكم". ومنذ ذلك اليوم لم تقع أعيننا عليه حتى بلغنا خبر استشهاده

يومياته بين الشعاب والجبال والكازمات :

فيما يلي مجموعة أحداث ووقائع وأخبار عن الشهيد سجلتها ذاكرة بعض المجاهدين أثناء مرافقة الإمام أو الالتقاء به بعد التحاقه بالجبل . سجلتها من أفواههم ،وأكتبها منسوبة إلى أصحابها .


1-بعد مغادرة بيته بقجال، انطلق صوب أم الحلي ، وفي مشتة الشطاطحه التقى بالمجاهد قويدر درغال،.فقال له :" ياسي قويدر عهد التخفي انتهى " يقول المجاهد قويدر ثم طلب مني أن اشتري له كراسات وأقلاما ومحفظة. وفي نفس اليوم أدى زيارة إلى الشيخ عرا س فني -رحمه الله – المعروف بمحبته للشيخ عبد الحميد وإخوته والزاوية ، وولعه الشديد بالقرآن وطلبة العلم وحرصه على خدمة بيوت العلم بكل ما يملك .

2- بعد التحاقه بالجبل عين الإمام في بداية سنة 1958 قاضيا لمنطقة سطيف ،وفي حفل تنصيبه حضرت وفود من القيادات العليا للثورة ،وبعد إلقاء الكلمات المعهودة في مثل هذه المناسبات ،جاءت كلمة الإمام معبرة عن وعي كبير بالمرحلة الدقيقة التي تمر بها الثورة ،وتصور واضح لما يجب أن تكون عليه القيادات من الالتزام والأداء لتستمر الثورة في خطها التصاعدي نحو تحقيق الاستقلال الوطني ،وقد أثرت تلك الكلمة في الحضور حتى تناقلتها الأسماع وتحدثت بها الألسن من منطقة إلى أخرى . وأكد لي الشيخ القريشي مدني هذه الواقعة وأضاف أنه كان من بين الحاضرين امرأة تعمل ممرضة علقت بعد سماعها كلمة الأستاذ قائلة : "كيف تتركون هذا الرجل في مثل هذه المناطق الخطرة ؟ إن الثورة ستخسر كل شيء إذا لم تحافظ على رجالها العظام "

3- أخبرني سي عبد العزيز لنقر أن الإمام الشيخ عبد الحميد ظل لمدة وإلى يوم استشهاده يتردد على بيتهم بعد انتهاء أعماله الجهادية في الجبال ومناطق الثورة المختلفة ومن المعروف أن هذا البيت هو بيت الشيخ عبد الله لنقر بيت القرآن والصلاح وبيت الشهيد سي التونسي رحمه الله ومن المؤكد أن الإمام الشهيد ما اختار الإقامة في هذا البيت إلا لما وجد فيه من العفاف والطهر و الاحترام والتقدير .ومن المناسب في هذا المقام أن أسجل ما حفظه عنه تلميذه المخلص الشيخ عبد القادر فني. حيث كان كلما زار مكانا أو أقام فيه وشعر فيه بالراحة والهناء والتقدير يقول :" إن المكان الذي يعيش فيه المرء عزيز الجانب،موفور الكرامة تستطيبه النفس ويهنأ به البال "

4- رغم كل ما كانت تفرضه يوميات الثورة من أعباء ومسؤوليات جهادية،وما كانت تستدعيه ترصدات العدو بالثورة ورجالها من احتياطات أمنية وتنقلات تكتيكية، فإن الشيخ عبد الحميد كان يتحين كل فرصة ممكنة ،لتقديم درس أو موعظة أو توجيه في موضوع مناسب للأحوال التي يعيشها الثوار في الجبال والشعاب والكهوف والمخابئ وذلك من أجل ربط القلوب بالله تعالى .ودفعها إلى تحمل المشاق والصعاب ومدافعة الخوف والقلق ونوازع النفس إلى الدعة والراحة واشتياق القلب إلى الزوجة والولد .كانت أغلب دروسه ومواعظه حول الإيمان والصبر والاحتساب لله تعالى والقضاء والقدر وكانت أمثلته من جهاد الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وجهاد آل بيته عليهم السلام وجهاد الصحابة المنتجبين رضي الله تعالى عنهم ، وجهاد رجال المقاومة الوطنية رحمهم الله . كان كلما جلس في مكان واجتمع حوله اثنان أو ثلاثة لم يترك لهم فرصة للغو والكلام الذي لا يرجى منه نفع فيبادرهم بدرس أو سرد واقعة فيها عبرة أو شرح آية إلخ . ومن أطرف ما يذكر عن الإمام في هذا الموضوع ما يرويه المجاهد الميلود بالقندوز من عين الحجر. يقول أنه حضر يوما درسا من دروس الإمام عبد الحميد، وكان موضوعه القضاء والقدر . وبينما كان الإمام يلقي درسه .يقول سي الميلود بالقندوز تكلمت خارج الدرس فصفعني صفعة دمعت لها عيني ،ولم أقل شيئا .وبعد انتهاد الدرس ،ناداني الإمام وقال لي :أتعرف لماذا صفعتك؟ فقلت له :نعم .فقال لي إن هذا الدرس الذي تأخذه أنت بلا مقابل تغربت أنا من أجله السنين وكنت أدفع مقابل تعلمه الثمن الباهظ".

استشهاده:

كان ذلك في اليوم التاسع من شهر يونيو 1959 . جاءت معلومات عن تحركات قوات للعدو الفرنسي< مؤلفة من دبابات ومجنزرات تصحبها طائرات نحو المنطقة القربية من جبل قطيان .وكان الإمام رفقة تسعة من الجنود المسلحين اقترب منهم العدو وأخذ يطاردهم وهم يردون عليه حتى قضى على أكثرهم ،وظل الإمام يواجه العدو مقبلا غير مدبر ،حتى استشهد وفاضت روحه الطاهرة إلى ربها راضية مرضية .لقد وفقه الله إلى الشهادة كما كان يطلبها دائما ويؤكد لرفقائه أن لا يولوا العدو أدبارهم أبدا وعليهم أن يواجهوا العدو بصدورهم حتى الشهادة مصداقا لقوله تعالى :"يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير" ( الآية الأنفال وقد دفن حيث استشهد رفقة الجنود الذين كانوا معه ولم ينج منهم إلا المجاهد عصار عمار الذي توفي منذ أشهر. وما إن بلغ خبر استشهاد الشيخ الإمام عبد الحميد قيادة القوات الفرنسية بمركز "برقنوس "برأس الماء ،حتى سارعت إلى نشره بالمنطقة كلها ،للتعبير عن انتقامها من المجاهدين وإظهار التشفي والشماتة ، وبث الرعب والخوف في الأوساط الشعبية .كان ذلك فعلها كلما تمكنت من أسر أو قتل مجاهد ؛ ومازلت أذكر مساء ذلك اليوم الذي فاجأ فيه قائد قوات العدو الشيخ سيدي محمد الصديق حيث قدم بسيارة جيبت " وبسياقة جنونية دار عدة دورات حول البيت مثيرا فينا الرعب والفزع ثم توقف أمام الشيخ سيدي محمد الصديق .و في يده صورة للشهيد ملطخة بالدماء .كان منظرها مرعبا للغاية ! وبعنجهية وغطرسة رمى الصورة أمام الشيخ قائلا :هذا مصير كل الفلاقة ،لن يفلت منا أحد،سنأتي بهم أين ما كانوا ،ثم انصرف.















ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة التاسعة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا













 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 39 العلامة المصلح الاجتماعي فضيلة الشيخ المفتي، مصطفى فخار بن حميدة بن علال.








موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة التاسعة والثلاثون



[FONT=&quot]العلامة المصلح الاجتماعي فضيلة الشيخ المفتي، مصطفى فخار بن حميدة بن علال.[/FONT]


[FONT=&quot](1310-1399)
[FONT=&quot](1892-1979)[/FONT]​
[/FONT]




[FONT=&quot] ولد-رحمه الله-في مارس 1892الموافق للسنة 1310الهجرية بحوش بالفخار، على مقربة من مقبرة الزبوجة وهو ابن حميدة بن علال بن محمد بن الفخار.

[FONT=&quot] ترعرع في بيت الدين والطاعة الله ورسوله فأبوه حميدة فخار أو بالفخار، كان مفتيا، وابن المفتي علال بالفخار، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، فيما كان يعرف- قديما "بجامع الباي أو الجامع المالكي، أو الوسطاني، وقد رفع مكانه جامع جديد وهوالمسمى اليوم بجامع الإمام مالك رضي الله عنه."

[/FONT]​
[FONT=&quot] فلما درج دخل كتابا كان المؤدب أو الذرار بالتعبير العامي القديم،فيه، كان يعلم الصبية القرآن الكريم ومبادئ الفقه والصرف والنحو، زوج عمته رحمها الله، الشيخ بن يلس.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وبين يدي شيخه ذاك، حفظ القرآن العظيم، وتلقى مبادئ اللغة العربية والنحو والصرف، وحفظ شيئا من الحديث وعددا من المتون، مثل الأجرومية والقطر والبردة والبيقونية وسيدي خليل وألفية بن مالك والشمقمقية والفرائض وما يتصل بها من حساب وكسور إلخ......

[/FONT]​
[FONT=&quot] "فالتعليم الإبتدائي والأساسي" كان عندنا، في الكتاتيب القرآنية، التي كان مؤدبوها أو الشيوخ، أو الذرارون( من الذرية لأنهم يربون الذراري) يلقنون التلاميذ والطلبة، القرآن الكريم-كما رويت ذلك عنه-ويعطونهم سطورا في أسفل اللوحة من المتون الأساسية في ثقافتنا الإسلامية العربية، يحفظونها ويشرحها لهم الشيخ، مع ما يكتبون من القرآن الكريم. فلا يحفظ الطلبة كتاب الله إلا وقد حفظوا معه، ووعوا المتون الأساسية.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وكان يحضر مع الطلبة- حسبما كان يروي ذلك بنفسه - دروس والده في الجامع، التي كان يلقي بعضها على العموم، والبعض الآخر على بعض الطلبة دون عامة الناس.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وقد أخذ الفقه ودرس مدونة و موطأ الإمام مالك.وشرح الإمام القسطلاني و التفسير عن عالم جليل آخر، من علماء بلدنا المحروس ، المدية وهو المرحوم الشيخ ابن الحصيني-كما رويت ذلك عنه رحمه الله- وقد كانت للشيخ بالحصيني، ذاك أياد بيضاء، ومنه وفضل على كثير من مثقفي المدية، وكان هذا العالم الصوفي الفاضل، يدرس لوجه الله في الجامع، للعامة وللطلبة... وعنه روى وتعلم جل شيوخنا القدامى.

[/FONT]​
[FONT=&quot] أما الحديث النبوي الشريف فقد روي عنه أن جدنا علالا وجد الشيخ الفضيل بن رمضان - رحمهم الله جـميعا- سافر إلى الجزائر العاصمة في منتصف القرن التاسع عشر، أو في التسعينيات منه، وأقاما فيها أقاما فيها أربعة أو سنة أشهر، نازلين بمقصورة الجامع الكبير، لا طعام لهم كامل تلك المدة، غير السويق والماء والسويق هو الروينة.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وكانت رحلتهم تلك لنسخ ثلاث نسخ من صحيح البخاري وثلاث نسخ من صحيح مسلم لتلاوتها من أول أحد رجب، وختمها في ليلتي السابع والعشرين والثامن والعشرين من رمضان ...كل سنة .[/FONT]​
[FONT=&quot] وعاد إلى المدية بعد رحلة الحديث تلك، لأن النسخ المطبوعة كانت نادرة، بل ربما لم يكن البخاري ومسلم قد طبعا في ذلك الوقت...فأقدم طبعات بولاق المصرية للصحيحين، من التسعينات من القرن التاسع عشر...فقد حبس الرجلان نفسيهما طوعا نصف عام بلياليه في مقصورة..لكنها مقصورة الجامع الأعظم.. وعاشا على السويق والماء، وهما بمثابة " الأسودين" عندهم إذ ذاك، لنسخ الصحيحين، بأقلام القصب والصمغ ونقع قشر شجر الجوز...

[/FONT]​
[FONT=&quot] وقد سمعت الشيخ الفضيل إسكندر بن رمضان- رحمه الله- يقول: إن المدينة التي يتلى فيها الصحيحان لا يبتليها الله بالخسف.[/FONT]​
[FONT=&quot] وقد قرأ الشيخ المفتي مصطفى بن حميدة والشيخ الفضيل إسكندر بن رمضان، البخاري ومسلم وقرأهما معهم عشرات الطلبة والأئمة، أمثال الشيخ الشهيد إبراهيم بن دالي، وأخيه الشيخ بن عيسى بن دالي والشيخ الجيلالي دوخ والشيخ محمد بن الحصيني، حفيد الشيخ بالحصيني الكبير، والشيخ المرحوم عبدالرحمن الزوبير...قرؤوهما أكثر من ستين سنة، وأفادوا واستفادوا وأناروا البلد... فربطوا على قلوب الناس برباط القرآن العظيم والبخاري ومسلم.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وكان جل علم الشيخ المفتي مصطفى فخار من مطالعاته...فكان إلى حد بعيد عصاميا، فلطالما كان يقول لنا-رحمه الله قول شاعرنا:

[/FONT]​
[FONT=&quot]أطلب العلم لا تضجر من مطلب فآفة الطالب أن يضـجـر![/FONT]​
[FONT=&quot]ألـم تر أن الـحبل بـتكراره على الصخرة الصماء قد أثر!!

[/FONT]​
[FONT=&quot]وعلى ذكر الشعر كان يحب منه شعر الحكمة والفروسية والجود والكرم ويتغنى بمدح الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قرأنا- رحمه الله وجازاه عنا كل خير!.

[/FONT]​
[FONT=&quot] بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.. وبردة البصيري وهمزيته... وأحب نهج البردة... التي نظمها شوقي وغنتها أم كلثوم في الخمسينيات من القرن الماضي.

[/FONT]​
[FONT=&quot] ذلك أن الرجل كان صوفيا بل كان مقدم الطريقة التيجانية بالمدية. وهي من كبريات الطرق الصوفية، شيخها ومؤسسها الولي الصالح سيدي أحمد التيجاني من عين ماضي، قرب الأغواط، ولها مريدون في المغرب الأقصى والجزائر كلها وفي المشرق العربي، وقد نشط عدد كبير منهم فنشروا الإسلام بإفريقيا جنوبي الصحراء، في السنيغال والنيجر والتشاد ونيجريا....

[/FONT]​
[FONT=&quot] فكان سي مصطفى أو الشيخ المفتي كما كان يسميه أهل المدينة تيجانيا، بينما كان أبو شاذليا من مريدي طريقة سيدي بالحسن بن الشاذلي رضي الله عن جميعهم......

[/FONT]​
[FONT=&quot] وكان يعقد يوميا حلقة الوظيفة وهي حلقة ذكر يومية تنعقد بعد العصر حول إزار أبيض كبير يبسط فوق زرابي الجامع لئلا تشغله صورها ورسومها عن ذكرهم.... فيسترسلون في ذكرهم وتسبيحهم اللهم صلي على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله وصحبه حق قدره وقدره العظيم...ولا إله إلا الله إلخ.....

[/FONT]​
[FONT=&quot] وينهان عن الشعر الهزلي.. وكان ممن يذكر معه الحاج خوني كسكسة ومبارك من الذين ترى في وجوههم سكينة الذاكرين وطمأنينة وإيمان المخلصين...

[/FONT]​
[FONT=&quot] وفيما يتعلق بعلمه فكان جله من مطالعاته، فكان عصاميا إلى حد بعيد....

[/FONT]​
[FONT=&quot]فلم أفتح ولم أقرأ قط، كتابا واحد من كتب مكتبته العامرة!وبها كتب كثيرة! إلا في معظم هوامشها تصحيح أو تعليق أو تسجيل في أول الكتاب المذكرات بأهم ما فيه، بخط يده......

[/FONT]​
[FONT=&quot] وكان من أعز أصدقائه وقرنائه الشيخ الفضيل اسكندر بن رمضان،مفتي الحنفية بالمدية، الذي لم يكد يفارقه يوما..فكانت بينهما المناقشات الطويلة والحوار عن مختلف القضايا الشرعية عند الحنفية والمالكية وقد سافرا معا في جولة علمية وسياحية سنة 1936م إلى تونس.[/FONT][FONT=&quot] وهناك زار جامع الزيتونة[/FONT]​
[FONT=&quot] وزار الشيخ الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة، وهو بمثابة عميد الجامعة في أيامنا فامتحنه، فأجازه في الحديث والفقه والتفسير والعربية، وأمهات الكتب والفنون العربية، على عادة القدامى...إمتحنه في الفنون الإسلامية والعربية وفي أمهات كتبها، مذكورة بأسمائها وأصحابها، ومنحه شهادة بالعلم أمضاها بخط يده، رحمهم الله في 1936م

[/FONT]​
[FONT=&quot] وللشيخ المفتي أياد بيضاء على أغلبية المثقفين بالعربية أو بالعربية والفرنسية من أهل المدية، إذ أخذ عنه المئات، وربما الآلاف من أهل المدية وغيرها جل، وربما كل ثقافتهم العربية والإسلامية، لما كانوا يحضرون دروسه في النحو والصرف والفقه والتوحيد والتفسير والتجويد، ويسمعون أو يشاركون في تلاوة البخاري ومسلم، ويحضرون ختمهما في ليلة السابع والعشرين وليلة الثامن والعشرين من رمضان، حين كان يحتفل به في الجامع الجديد وهو الواقع إلى جانب مجلس القضاء اليوم.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وكان يحضر الحفل المهيب والبهيج الشيخ محمود اسطنبولي مفتي البليدة- وهو من آل إسنطنبولي من المدية وكانوا يعرفونه باسم الحاج محمود- يحضر جل القراء، يرفلون في برانسهم و جببهم البيضاء وعمائم الياسمين، فيهتز الجامع بذكرهم وترتيلهم وتلاوتهم، وتسبيحهم...ويخطبون ،فيذكرون الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم ومناقب الصحابة والرواة، والشيخين رضي الله عن جميعهم... فزرعوا بذلك بذور الثقافة والشخصية العربية الإسلامية في أهل البلد.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وإني لأذكر ذلك الأستاذ الكبير- الذي لم يكن يدرس، في شبابه إلا بالمدارس الفرنسية، ولم يتعلم العربية والشريعة إلا منه، من دروسه التي لم يكن يتخلف عن واحد منها ولو أعطوه حمر النعم كما كان يحلو له أن يقول معجبا بفصاحة الشيخ وسرعة بديهته-كما كان يقول-وكله عرفان وتقدير.

[/FONT]​
[FONT=&quot] وللشيخ المفتي مخطوط في مناسك الحج بخط يده عدا آلاف المذكرات في كل الدروس والخطب التي ألقاها على مدى نيف ونصف قرن أو يزيد.....[/FONT]​
[FONT=&quot] توفي رحمه الله في صيف 1979م
[/FONT]​
[/FONT]











ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الأربعون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا













 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 40 من أعلام الجزائر/أحمد بن نصر الداودي المالكي








موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الأربعون



من أعلام الجزائر


أحمد بن نصر الداودي المالكي

الجزء الاول

علم الحديث ومصطلحه يُعد من العلوم التي اهتم بها العلماء الجزائريين منذ القديم، واعتنوا به تدريسا وتأليفا ورواية وإجازة وكان العمل عندهم بالكتب الستة يدرسونها ويحفظونها ويسندونها، ولكن اهتمامهم الأكبر كان بالموطأ والصحيحين، ونحاول في هذه السطور تسليط الضوء على اهتمام علماء الجزائر بصحيحي الإمامين البخاري ومسلم –رحمهما الله-.وفضلت الإرساء
على عالم جليل كان لعطائه سابق الفضل في المعرفة والدراسات الإسلامية إنّه العالم والإمام " أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي

كنيته و اسمه ونسبه :

شيخ الإسلام أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ الْأَسَدِي ، الأموي، الطرابلسي، التلمساني المالكي ، من أئمة الحديث الشريف وحفاظه ، وأحد فقهاء المالكية المشهورين ، ويكني بأبي جعفر, [وكناه الزركلي بأبي حفص وهو غير صحيح ، كما ان الحاج خليفة صاحب " كشف الظنون " أخطا فياسم والده حيث سماه بسعيد وهو اسم جده فذكره حين سرده لشراح صحيح البخاري في ( ج 1 / ص 546 ) : أبو جعفر : أحمد بن سعيد الداودي]، إلا أنه قد يقع البعض في الخلط بينه وبين أحمد بن نصر الهواري أبو جعفر (ت319 هـ)؛ وذلك للتشابه الكبير بينهما، إذ أن كنيتهما هي أبو جعفر و لهما نفس اسم الأب أحمد بن نصر، إلا أنهما يختلفان في اسم الجد، إذ أن جد مترجمنا اسمه سعيد ، وجد الثاني اسمه زياد ، وقد نبه إلى هذا التشابه الإمام برهان الدين ابن فرحون أثناء ترجمته للثاني: أبو جعفر أحمد بن نصربن زياد الهواري في كتابه : " الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب " فقال في 1/46 : " ....وفي المالكيين من يشتبه به وهو أحمد بن نصر الداودي متأخر يأتي ذكره ".

مولده ونشأته:

لم اعثر في جميع المصادر التي ترجمت للدادوي عن سنة ولادته ، إلا أنها أشارت إلى أنه ولد بمدينة المسيلة وقيل ولد بمدينة بسكرة , وهما مدينتان تقعان في الشرق الجزائري، وكل ما نقلته لنا عن نشأتهانه كعادة أترابه ولداته في ذلك الوقت حفظ القرآن الكريم و درس علوم العربية من نحووصرف و بلاغة ، ثم دراسة بعض مختصرات كتب الفقه المالكي، كما هو متعارف عليه عندمدرسي تلك العصور ، ولم تذكر أي شئ عن اسرته أو مجتمعه ، ثم تجدها تنقل لنا سفرهلسبب غير معروف – لعله طلب العلم – الى طرابلس الغرب، حيث سكن و استوطنبها.

شيوخه وعصاميته في طلب العلم:

لقد لاحظت في كل المصادر و المراجع التي قرأت فيها عن حياة الداوي، و كذلك لاحظ جميع المترجمين الذين تعرضوا لتتبع حياة الداودي أنه كان عصاميا حيث انه أعتمد في دراساته على مطالعاته، و جهوده وإرادته الشخصية في حب العلم و التعلم ، فكلهم ذكروا انه : " كان درسه وحده لم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهوروإنما وصل بإدراكه "، وليس معنى هذا انه لم يتتلمذ على أي شيخ ، بل انني وجدت أسماء ثلاث شيوخ تلقى عنهم ،وكتب عنهم ، وقد اجازوه بمروياتهم ومؤلفاتهم ، ولعلهم يقصدون ب: " كان درسه وحده " أن هؤلاء الشيوخ لم يكونوا في مرتبة أو منزلة العلماء البارزين المشهورين ، ومما يؤكد صحة ما ذهبت اليه هذه الحادثة التي أوردها القاضي عياض ومفادها: " وبلغني [أحمد بن نصر الداودي] أنه كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان سكناهم في مملكة بني عبيد ، وبقاؤهم بينأظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك. فأجابوه ( أسكت لا شيخ لك))، أي لأن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل الى ما وصل بإدراكه، ويشيرون أنه لو كان له شيخ يفقهه حقيقة الفقه لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام، وبقية صالحة للإيمان، وأنهم لو خرج العلماء عن إفريقية لتشرّق من بقي فيها من العامة الألف والآلاف فرجحوا خير الشرين، والله أعلم".
كما نقل الإمام الونشريسي عن القاضي عياض أيضا قوله: "بأن الداودي مقارب المعرفة في العلوم وأن علمه كان بنظرهواجتهاده، وغير متلق عن الشيوخ وقد عابه بذلك أهل زمانه" ، ولعله يقصد بذلك أهل القيروان الذين سبق ذكر قصتهم مع الداودي.

على كل حال ها هي ترجمة قصيرة لهؤلاء الشيوخ الثلاثة:
- ابراهيم بن خلف الأندلسي:" سمع أباه ورحل فسمع بكار بن محمد وأبا سعيد بن الأعرابي وغيرهما روى عنه أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ذكر ذلك أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن الصابوني في برنامجه وحدث بموطأ مالك رواية أبي المصعب الزهري وعبد الله بن مسلمة القعنبي ويحيى بن يحيى الأندلسي عن الداودي عنهقرأت ذلك بخط محمد بن عياد ".
(ابن الابار البلنسي - التكملة لكتاب الصلة 1/ 116.الترجمة رقم: 336).

- أبو بكر بن عبد الله بن أبي زيد و أخيه عمر بن عبدالله :ولدا الشيخ أبي محمد، كانت له ولأخيه عمر بالقيروان،مكانة جليلة، بأبيهما وتقدمهما. ووليَ قضاء القيروان، قبل الفتنة. ولم يكن فيمابلغني بالمحمود السيرة. وقد رويت عنه كتب أبيه. وكان أدركه صغيراً. وكتب أحمد بننصر الداودي عنهما.

(القاضي عياض –ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك 7/102-103).

ثناء العلماء ومعاصريه عليه:

رغم ان الداودي لم يدرس على يد علماء و أئمة مشهورين ،الا انه بفضل الله و بعصاميته و جده و اجتهاده ، وبإرادته الفولاذية في التحصيل والاجتهاد ، وصل إلى مرتبة جعلت علماء عصره يقرون بإمامته في العلم و الفقه ،وببلاغته و حسن بيانه ، وبدقة نظره، وثراء تآليفه، ويثنون عليه في ذلك الثناء العطر، فها هو مؤرخ الاسلام و بروفيسور الرجال الإمام الذهبي رحمه الله يقول عنه [(تاريخ الاسلام - للذهبي 6/421)]: " أحمد بن نصر: أبو جعفر الأزدي الداودي المالكي الفقيه. كان بأطرابلس المغرب، فأملي بها كتابه في شرح الموطأ، ثم نزل تلمسان. وكان ذا حظ من الفصاحة والجدل".
أما القاضي عياض فقد قال عنه لما ترجم له : "من أئمةالمالكية بالمغرب، والمتسعين في العلم المجيدين للتأليف" ، وقال عنه الامام ابن فرحون في ترجمته : " من أئمة المالكية بالمغرب كان فقيها فاضلا متقنا مؤلفا مجيدا له حظ من اللسان والحديث والنظر" ، وقد عده الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد أحمد العرفيمن " جملة العلماء المحققين، الثقات، الاثبات " ، وقال ابن عبد السلام الهواري في وصفه: "كان فقيهًا فاضلا عالما متيقظًا مجيدًا مؤلفا له حظ في اللسان والجدل" ،ووصفه التسولي فقال: "كان إمامًا متقنا متفننا".

و يكفي للدلالة على مكانته و منزلته خاصة في الحديث الشريف و الفقه المالكي، أن جميع شراح صحيح البخاري ( باستثناءالإمام أبو سليمان الخطابي ) كلهم نقولوا عنه و عن شرحه للصحيح ،فهذا الحافظ ابن حجر العسقلاني قد أورد له – حسب إحصائية قمت بها – في " فتح الباري شرح صحيح البخاري " : 479 بين استشهادا و نقلا لفوائد ، و أورد الكثير من أقواله، مرجحابها لرأيه مرة ، و مناقشا لها آخرى ، و موهما لها تارة و مصححا له اطورا.أما بدر الدين العيني الحنفي في " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " فقد أورد : 636 بين استشهادا و فائدة. و الإمام أبو الحسن علي بن خلف ابنبطال في " شرح صحيح البخارى " : فقد أورد 25 بين استشهادا وفائدة. أما في الفقه بصفة عامة والمالكي منه بصفة خاصة ، فيكفي أن تلقى نظرة على دواوين و أمهات كتب الفقه المالكي و النوازل لتجدها طافحة بالآراء الفقهية و الاجتهادات المبنية على استنباطات من النصوص الشرعية، أو المنبثقة عن نظر دقيق في الوقائع الحادثة مع مراعاة الظروف المحيطة بها، وقرائن الأحوال التي تلتها، التي تبين عن شخصية العالم المميز، المجد الفاهم لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها ،و الملتزم بمراعاة حكمها وأسرارها عند استنباط الأحكام من نصوصها، وتفريع الفروع عليها، وخاصة فيما يتعلق بالضروريات، ولذلك فانه لا يمكن بأي حال إهمال آرائه ولاتغييبها عن مواقع الخلاف الفقهي في المذهب.

و من كتب الفقه والنوازل والقضاء التي احتفظت لنا بهذه الآراء والنوازل والمسائل والفتاوى و الاجتهادات على سبيل المثال فقط:

" المعيار المعرب عن فتاوى إفريقية والمغرب" للونشريسي.

" الدرر المكنونة في نوازل مازونة " لأبي زكريا يحي بنموسى المازوني

" مذاهب الحكام في نوازل الأحكام " للقاضي عياض وولده محمد.

" درّة عقد الحواشي، على جيد شرحي الزّرقاني والخراشي" و " الأحكام الجوازل، في نُبذ من النّوازل " لأبي راس النّاصري الجزائري.

" نوازل البرزلي" لأبي القاسم بن احمد بن محمد البرزلي.

" مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل " لشمس الدين أبوعبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي ، المعروف بالحطاب الرُّعيني.

" الذخيرة في الفقة المالكي " لشهاب الدين أحمد بنإدريس القرافي.

" الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني" لأحمَد بن غنيمِ بن سالم النفراوي ، الازهري المالكي.
" جامع الأمهات" لابن الحاجب.

" تعليق علي المدونة " و" شرح التلقين " و " فتاوى " الإمام محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري.
فتاوى ابن رشد.

"الموافقات" لإبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي ، الشهير بالشاطبي.

وغيرها من مصادر الفقه المالكي.

تلامذته:

لقد تخرج على يد هذا العالم خلق كثير،حيث انه أملى مؤلفاته في مجالس التدريس وشرحها و أجاز بها الكثير من علماء و مشايخ عصره ، وطلبته النجباء الذين صار لهم شأن و أي شأن ، و نذكرمنهم:
أبو عبد الملك مروان بن علي - أبو محمد - الأسدي القطان البوني، نسبة إلى بونة ( مدينة عنابة بالشرق الجزائري ت حوالي سنة 440هـ ): " روى عنه أبو القاسم حاتم بن محمد وقال: لقيته بالقيروان وشهد معنا المجالس عند أهل العلم بها، وكان رجلاً حافظاً نافذاً في الفقه والحديث.... ولازم أبا جعفر الداودي لمدة خمس سنوات فأخذ عنه معظم تآليفه وأخذ عنه حاتم الطرابلسي، أبو عمر بن الحذاء قال عنه حاتم: كان رجلا فاضلا حافظًا نافا في الفقه والحديث، وألف في شرح الموطأ كتاباً مشهورا حسنًا رواه عنه الناس." ((الصلة في الرواة لابن بشكوال1/200).

أبو بكر أحمد أبي عمر أبي محمد بن أبي زيد (ت بعدسنة 460هـ) : " الفقيه الإمام الفاضل، العارف بالأحكام والنوازل القاضي العادل، روىالتهذيب عن مؤلفه البراذعى، وكان البراذعى يثني عليه كثيرًا، أخذ عن أبي جعفرالداودي وغيره".
هشام بن عبد الرحمن بن عبد الله، يعرف بابن الصابوني: من أهل قرطبة؛ يكنى: أبا الوليد( ت 423 هـ ) : " ...رحل إلى المشرق فأدى الفريضة وروى هنالك عن أبي الحسن القابسي، وأبي الفضل الهروي، وعن أبي القاسم علي بن إبراهيم التميمي الدهكي البغدادي، وعن أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي وغيرهم. وكان خيراً فاضلاً، عفيفاً طيب الطعمة. مخزون اللسان، جيد المعرفة، حسن الشروع فيالفقه والحديث. دؤباً على النسخ، جماعاً للكتب، جيد الخط. وله كتاب في تفسيرالبخاري على حروف المعجم كثير الفائدة".

أحمد بن سعيد بن علي الأنصاري القناطري، المعروف: بابن الحجال، من أهل قادس، يكنى: أبا عمر.( ت سنة 428 هـ): " سمع بقرطبة، ورحل إلى المشرق ولقي أبا محمد بن أبي زيد، وأبا جعفر الداودي، وأكثرعنه وعن غيره".

أحمد بن محمد بن ملاس الفزاري. من أهل إشبيلية، يكنى: أبا القاسم ( ت سنة 435 هـ ): " له رحلةٌ إلى المشرق لقي فيها أبا الحسن بن جهضم، وأبا جعفر الداودي وأخذ عنهما وعن غيرهما. وسمع بقرطبة: من أبي محمد الأصيلي،وأبي عمر بن المكوي، وابن السندي، وابن العطاروغيرهم،وكان: متفننا في العلم، بصيراً بالوثائق مع الفضل والتقدم في الخبر. ذكره ابن خزرج وقال: توفي سنة خمسٍ وثلاثين وأربع مائة، ومولده سنة سبعين وثلاث مائة."
أحمد بن محمد بن يحيى القرشي الأموي الزاهد، يعرف: بابن الصقلي سكن القيروان.( ت 431 هـ): " ...ذكره ابن خزرج وقال: كان منقطعاً في الصلاح والفضل. قديم العناية بطلب العلم بالأندلس وغيرها. من شيوخه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو جعفر الداودي، وأبو الحسن ابن القابسي، أبو عبد الله محمد بن خراسان النحوي، وعتيق بن إبراهيم وجماعة سواهم."
عبد الرحمن بن عبد الله بن خالص الأموي: من أهل طليطلة، يكنى أبا محمد ( ت ؟؟): " ...له رحلةٌ إلى المشرق روى فيهاعن أبي جعفر الداودي وغيره."

هل الداودي هو أول شارح لصحيح البخاري؟:

ذكر الشيخ عبد الرحمن الجيلالي - حفظه الله - أن شرحه هذا هو أول شرح لصحيح البخاري ، وتبعه في ذلك عادل نويهض في معجمه وغيره من المهتمين ، وهذا غير صحيح في نظري ، وإن كان فيها من نفسي شئ – و الله أعلم - لأن أول من وضع شرحا على صحيح البخاري هو أبو سليمان حمد بن محمد الخطاب البستي (ت 388 ) في كتابه ( أعلام الحديث أو أعلام السنن) ، يأتي بعده شرح مترجمنا الداودي، وان كان بعض الاخوة يشكك في هذه المعلومة ولا يحملها على إطلاقها وذلك لأن أبا جعفر الداودي معاصر للخطابي وتوفي عام 402 ( بين وفاتهما 4 سنوات ) ،فما الذي يجزم أن الخطابي هو صاحب الأولية ؟ فما المانع بأن يكون الداودي قد ألفه في نفس الفترة أوقبل تأليف الخطابي ؟ زيادة على ذلك فإن علماء السنة عندما تحدثوا عن أول من صنف في السنة ذكروا كوكبة من العلماء منهم الربيع بن صبيح وشعبة ومالك وقالوا إنهم في عصر واحد ولم يجزموا بأولية أحد ؟ ومما يزيد في الشك ان الخطابي ألف شرحه للجامع الصحيح في أخريات حياته أي بعد تصنيفه لمعالم السنن لشرح سنن أبي داود ، فجعل أعلام الحديث أو أعلام السنن مكملاً لما ذكره في معالم السنن، يقول في المقدمة: "وقد تأملت المشكل من أحاديث هذا الكتاب فوجدت بعضها قد وقع ذكره في معالم السنن مع الشرح لهو الإشباع في تفسيره" وقد يكون بعض العلماء اعتبروه أول شرح للصحيح لشهرة الكتاب و تعدد طبعاته ، وشهرة مؤلفه واهتمام العلماء به مقارنة بالداودي رحمهماالله و جزاهما الله خيرا، والسؤال يبقى مطروحا، وقابلللمناقشة.
وما يمكنني الجزم به هو أن الداودي يعتبر أول شارح للجامع الصحيح في الجزائر و المغرب العربي الغرب الإسلامي

مؤلفاته وآثاره:

ان مثل هذا العالم الحافظ الذي لقب بشيخ الإسلام، لا بدوانه ترك ثروة علمية كبيرة قيمة ، ضمنها في مؤلفاته وآثاره ، منها ما وصل إليناومنها ما لم يصل، ولكن المصادر التي ترجمت له ، و العلماء الذين نقلوا عنه في كتبهم احتفظوا لنا بأسماء بعضها، ومن أهم مؤلفاته:
النصيحة في شرح صحيح البخاري: و يسميه البعض " النصيح " وقد ألف هذا الكتاب الجليل في تلمسان حيث ألف أكثر كتبه بها.
النامي في شرح موطأ الإمام مالك : وهذا الكتاب أصَلَه وأملاه بطرابلس أي في المرحلة الأولى من حياته، وبالتالي يمكن القول إن كتاب النامي من اوائل الكتب التي ألفها الداودي، وهو كتاب جليل حاز به الفضل على غيره من جميع من تقدمه أو تأخر عنه من علماء الإسلام.
ويعتبر هذا الكتاب ثاني شرح للموطأ بعد شرح محمد بنسحنون القيرواني له. وقد ذكر عبد الرحمن الجيلالي أنه توجد نسخة منه بمكتبة القرويين بفاس تحت رقم(527).

وهذين الكتابين هما اللذان اعتمد عليهما الكثير من شراح الحديث الشريف، و نقلوا عنهما كما ذكرت سابقا ، فالحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لصحيح البخاري يذكر انه ينقل عنه في باب الرواية، كما في باب الدراية ، كما أن رواية الداودي لصحيح البخاري كانت من ضمن الروايات التي يرويها ابن حجر عن الصحيح،بل هي أعلى الروايات لديه من حيث العدد كما صرح هو بذلك حيث قال: " وأما رواية الداودي فهي أعلى الروايات لنا من حيث العدد". وقال الحافظ ابن حجر أيضا في معجمه: " كتاب شرح الموطأ وكتاب شرح البخاري كلاهما تأليف أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي المالكي التلمساني أنبأنا بهما أبو علي الفاضلي عن أحمدبن أبي طالب عن جعفر بن علي عن محمد بن عبد الرحمن الحضرمي عن عبد الرحمن بن محمدبن عتاب عن يوسف بن عبد الله النمري (ابن عبد البر) عنه إجازة ومات سنة اثنتين وأربعمائة".
الأموال: وهو فتاوى وأحكام في الأمور العارضة وفيما جرى عليه الحال في البلدان المفتوحة مثل: صقلية والأندلس و بعض بلدان افريقية الجنوبية ،وبعض النوازل الفقهية التي كانت في عصر المؤلف، وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب مصورة عن النسخة الموجودة بالأسكوريال بإسبانيا تحت رقم 1165، وقد قام بتحقيقه الاستاذ رضا محمد سالم شحادة، وطبعه مركز إحياء التراث العربي - الرباط.بالمملكة المغربية الشقيقية.

وتقدم الأستاذ نجيب عبد الوهاب بمناقشة حوله في رسالة ( أطروحة دكتوراه ) ببريطانيا.
الواعي في الفقه

الإيضاح في الرد على القدرية : وهو كتاب يرد فيه على إحدى الفرق الكلامية المنحرفة، وهي القدرية.

كتاب الأصول

كتاب البيان

كتاب تفسير القرآن المجيد: وهذا الكتاب لم يذكره إلا عبد الرحمن الجيلالي فيما اطلعت عليه من كتب التراجم وقال: إن المفسر عبد الرحمن الثعالبي قد نقل عنه في كتاب الجواهر الحسان وكذا غيره من المفسرين
وفاته:
استقر مترجمنا بمدينة تلمسان، حيث ألف معظم كتبه، وفيها توفي وقد اختلف العلماء في سنة وفاته، إلا أن جمهورهم اتفق على أنها كانت سنة 402 هـوهي السنة التي رجحها القاضي عياض عند ترجمته للداودي في ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك 7/102-103)).
بقوله: " ...قال حاتم الطرابلسي: توفي بتلمسان سنة اثنتين وأربعماية، وقبره عند باب العقبة، ولم يسمع منه حاتم وكان حياً إذ كان حاتم بالقيروان، وقرأت في بعض التواريخ أن وفاته سنة إحدى عشرة والأول أصحّ ".

أمثلة من أقواله و آرائه واجتهاداته:

أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري شرح صحيح البخاري " قولا استحسنه للداودي نقله من شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال عند حديثه عن ( بَاب فَضْل الْفَقْر ) ج 10 ص 168. فقال : "... وَحَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ " نِعْمَ الْمَال الصَّالِح لِلرَّجُلِ الصَّالِح " أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْر ذَلِكَ قَالَ : وَأَحْسَن مَا رَأَيْت فِي هَذَا قَوْل أَحْمَد بْن نَصْر الدَاوُدِيِّ : الْفَقْر وَالْغِنَى مِحْنَتَانِ مِنْ اللَّه يَخْتَبِرُبِهِمَا عِبَاده فِي الشُّكْر وَالصَّبْر كَمَا قَالَ تَعَالَى ( إِنَّا جَعَلْنَامَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا ) وَقَالَ تَعَالَى ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة ) ، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَسْتَعِيذ مِنْ شَرّ فِتْنَة الْفَقْر وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْغِنَى " ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا حَاصِله أَنَّ الْفَقِير وَالْغَنِيَّ مُتَقَابِلَانِ لِمَا يَعْرِض لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي فَقْر هوَغِنَاهُ مِنْ الْعَوَارِض فَيُمْدَح أَوْ يُذَم وَالْفَضْل كُلّه فِي الْكَفَاف لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط ) وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ اِجْعَلْ رِزْق آلِ مُحَمَّد قُوتًا ".

و في " الفتح " لابن حجر ايضا:
قَوْله مَهْ
قَالَ الْجَوْهَرِيّ : هِيَ كَلِمَة مَبْنِيَّة عَلَى السُّكُون ، وَهِيَ اِسْم سُمِّيَ بِهِ الْفِعْل ، وَالْمَعْنَى اُكْفُفْ ، يُقَال مَهْمَهْته إِذَا زَجَرْته ، فَإِنْ وَصَلْت نَوَّنْت فَقُلْت مَهٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة " مَا هَذَا " كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْض اللَّفْظَة فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَة".

خصص الونشريسي في موسوعته الفقهية ( المعيار المعربعن فتاوى إفريقية والمغرب 10/102-103) بابا بعنوان: "إذا لم يكن بالبلد قاض زوج صالحوا البلد من أراد التزويج" و أورد فيه ما يلي بنصه:
" وسئل أبوجعفر أحمد بن نصر الداودي عن امرأة أرادت التزويج وهي ثيب ولا حاكم بالبلد وأولياؤها غيب ترفع أمرها إلى فقهاء البلد فيأمر من يزوجها وكيف إذا لم يكن بالبلد عالم ولا قاض أترفع أمرها إلى عدول البلد في البكر والثيب؟فأجاب: إذا لم يكن بالبلد قاض فيجتمع صالحوا البلد ويأمرون بتزويجها." كل بلد لا سلطان فيه فعدول البلد وأهل العلم يقومون مقامه في إقامة الأحكام"وسئل أيضا عن بلاد المصامدة ربما لم يكن عندهم سلطان وتجب الحدود على السراق وشربة الخمر وغيرهم من أهل الفساد هل لعدول ذلك الموضع وفقهائه أن يقيموا الحدود إذا لم يكن سلطان وينظرون في أموال اليتامى والغيب والسفهاء ؟فأجاب بأن قال: "ذلك لهم وكل بلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يضيع الحدود أو سلطان غير عدل فعدول الموضع وأهل العلم يقومون في جميع ذلك مقام السلطان".وسئل أيضا عن بلد لا قاضي فيه ولا سلطان أيجوز فعل عدوله في بيوعهم واشريتهم ونكاحهم؟فأجاب:"بأن العدول يقومون مقام القاضي والوالي في المكان الذي لا إمام فيه ولا قاضي".
قال أبو عمران الفاسي : أحكام الجماعة الذين تمتد إليهم الأمور عند عدم السلطان نافذ منها كل ما جرى على الصواب والسداد في كل ما يجوز فيه حكم السلطان وكذلك كل ما حكم فيه عمال المنازل من الصواب ينفذ".

ورد في كتاب : " منح الجليل مختصر خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِي" لعليش ( 6/191). ما نصه:
" ... مِمَّا خُصَّ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُشَاوَرَةِ ) لِذَوِي الْأَحْلَامِ مِنْ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَأْلِيفًا لَهُمْ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ عِلْمًا ، فَالْخُصُوصِيَّةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ كَامِلَ الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُشَاوَرَةُ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَاوِرُ فِي الْحُرُوبِ وَفِيمَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ الْأَحْكَامُ فَلَا يُشَاوِرُ فِيهِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا إنَّمَا يُلْتَمَسُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْهُ ،وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَأَنْزَلْنَا إلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَلِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } الْآيَةَ.


المصادر والمراجع:

أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي " شرح صحيح البخارى" تحقيق : أبو تميم ياسر بن إبراهيم،

، نشر مكتبة الرشد - الرياض السعودية، الطبعة الثانية 1423هـ - 2003م. ابن حجر العسقلاني، " فتح الباري في شرح

صحيح البخاري " صححه وحققه عبد العزيز عبد الله بن باز، المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة 1380هـ. القاضي عياض

السبتي: " ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، ، تحقيق مجموعة من الباحثين. الرباط: وزارة الأوقاف

المغربية ، 1983م. إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي: "الموافقات" ، تحقق : أبو عبيدة مشهور

بن حسن آل سلمان ، نشر: دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م. برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد،ابن

فرحون، " الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب" ، مطبعة عباس بن عبدالسلام بن شقرون مصر الطبعة الأولى سنة

1351 هـ. أبو العباس أحمد الونشريشي، " المعيار المعرب والجامع المقرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب"،

خرجه جماعة من العلماء بإشراف محمد حاجي - دار الغرب الإسلامي - بيروت - سنة 1401هـ- 1981م. خلف بن عبد

الملك، ابن بشكوال: " كتاب الصلة ". القاهرة: مكتبة الخانجي، 1994م. أبو عبد الله محمد، ابن الأبار: "التكملة لكتاب الصلة"

، تحقيق عبد السلام الهراس. الدار البيضاء: دار المعرفة، 1995م. محمد بن أحمد ( عليش ) : " منح الجليل شرح

مختصرخليل": طبعة بولاق سنة 1294هـ. أبو القاسم محمد الحفناوي،" تعريف الخلف برجال السلف"،مؤسسة الرسالة سوريا

المكتبة العتيقة تونس الطبعة الأولى 1402هـ- 1982م. عبد الرحمن محمد الجيلالي:" تاريخ الجزائر العام"، دارالثقافة ببيروت

لبنان. 1400هـ/1980م. أبو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الأولى ،

2000م. الأستاذ عز الدين زغيبة: مقالة بعنوان:" أحمد بن نصر الداودى الطرابلسي التلمساني: حياته وآثاره".
الجزء الثاني

يعتبر الإمام أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي المالكي التلمساني المتوفى سنة 402 هـ صاحب السبق في ميدان شروح كتب الحديث النبوي، حيث

ألف كتابه الجليل الذي حاز به الفضل على غيره من المتقدمين والمتأخرين عنه من علماء الإسلام ذلك هو كتابه "النصيحة" الذي شرح به

صحيح الإمام البخاري، فكان بهذا أول شرح وضع على هذا الكتاب الجامع على الإطلاق حيث أن كل الشروح على البخاري المعروفة وغير

المعروفة جاءت بعد هذا الشرح الأول من نوعه.

والإمام أبو جعفر أحمد الداودي عدّه ابن فرحون من علماء الطبقة السابعة في الديباج 1 كما ترجم له القاضي عياض في ترتيب المدارك 2. له عدة مؤلفات أخرى منها:

- النامي في شرح الموطأ .
- الواعي في الفقه.
- الرد على القدرية ... وغير ذلك.

ثم جاء بعده تلميذه العلامة الفقيه المحدث أبو عبد الله مروان الأسدي البوني المتوفى سنة 440 هـ الذي ألف كتابا في شرح البخاري، ذكره الإمام ابن حجر في معجمه عند ذكره لرجال أسانيده إلى البخاري.

وفي موضوع ضبط الألفاظ وبيان المعنى نجد الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الوهراني الحمزي المتوفى بفاس سنة 560 هـ ألف كتابه


الكبير: مطلع الأنوار على صحاح الآثار 3 وخصه بالموطأ والصحيحين.

وفي نفس الإطار الزمني دائما نجد المحدث الفقيه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمان الأزدي الاشبيلي الذي رحل إلى بجاية وتخيرها وطنا إلى غاية وفاته سنة 581 هـ له تآليف جليلة القدر منها:

- الجمع بين الصحيحين: جمعه في مجلدين وقد التزم فيه بألفاظ الأصليين 4.

- الجمع بين الكتب الستة: وهي موسوعة ضخمة جمع فيها بين الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود والترميذي والنسائي
- مختصر صحيح البخاري وهو مرتب على المسانيد 5
- المنهاج في رجال مسلم بن الحجاج:

وممن اهتموا بصحيح مسلم الإمام ابن يحيى السكلاني الحميري الزواوي المتوفى سنة 743 هـ والذي ألف كتاب: شرح صحيح مسلم في 12

مجلدا ضخما، وكذلك الإمام الحافظ محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب أبو عبد الله السنوسي المتوفى سنة 895 هـ صاحب التصانيف المشهورة 6 منها:

- شرح صحيح مسلم المسمى: مكمل إكمال الإكمال وهو تكملة واستدراك لشروح المازري و القاضي عياض ثم الآبي.
- مختصر الآبي على صحيح مسلم .
- شرح صحيح البخاري ولم يكمله وصل فيه إلى باب من استبرأ لدينه.
- شرح مشكلات البخاري.

وقبله نجد الإمامين الجليلين ابن مرزوق الجد والحفيد. أما الأول فهو الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر محمد بن مرزوق التلمساني

الشهير بالخطيب المتوفى بتلمسان سنة 781 هـ ألف عدة كتب منها: شرح صحيح البخاري.

أما الثاني فهو الإمام المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن محمد بن مرزوق العجيسي التلمساني المعروف بالحفيد

، أخذ العلم عن كبار علماء زمانه أمثال: والده وعمه ابني الخطيب التلمساني ، وبتونس عن الإمام ابن عرفة وفي القاهرة عن العلامة ابن

خلدون والفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط والسراج البلقيني والحافظ العراقي وابن الملقن .وفي الحجاز التقى بشيخ الإسلام ابن حجر

العسقلاني فأخذ كل منهما عن الآخر.

من تأليفه: شرح البخاري المسمى:"المتجر الربيح والمسعى الرجيح والمرحب الفسيح والوجه الصبيح والخلق السميح في شرح الجامع الصحيح"

قال الشيخ عبد الرحمان الجيلالي في تاريخ الجزائر العام (2/245): فمن ذلك ما وقفت عليه بنفسي جزءان من شرح البخاري كلاهما كان

موجودا بمكتبة الجامع الجديد بالجزائر وهما بخط المؤلف ثم فقد الجزء الأول منهما وبقي الثاني، وبعد مدة وقفت على نسخة من الجزء الأول

بنفس المكان وهي بخط مغاير لخط الجزء الثاني وأجمعنا على أنها بخط الثعالبي؟ ولا يزال الجزءان بخزانة الجامع الجديد تحت عدد 143، 440، وهو لعمري من أوسع الشروح وأغررها مادة وأجزلها مباحث وربما هو كما قال مؤلفه: "أغنى عن الشروح الكاملة". أهـ.

وممن اهتم برجال الصحيحين العلامة أبو عبد الله محمد بن الحسن بن مخلوف الراشدي المتوفى سنة 868هـ وهو فقيه مالكي محدث من أهل تلمسان له من الآثار:

• الزند الواري في ضبط رجال البخاري.

• فتح المبهم في ضبط رجال مسلم 7.

مع الوجود العثماني بالجزائر قل التأليف في علم الحديث عموما وفي شروح الكتب خصوصا وذلك راجع لوجود وفرة في الشروح العظيمة لهذه

الكتب فتولى العلماء مهمة تدريس الحديث رواية وشرحا.

وممن قاموا بالتدريس في هذه الفترة الشيخ عبد الرزاق حمادوش الذي تولى سرد صحيح البخاري في الجامع الكبير بالعاصمة 8. وأيضا الشيخ

أبو حسن علي الونيسي المالكي والذي ختم شرح البخاري ومسلم عدة مرات. وترك من المؤلفات الحديثة شرح صحيح البخاري في 12 جزءا.

وكان الإمام أحمد المقري-رحمه الله- مشهورا برواية الحديث الذي أخذه عن علماء المغرب والمشرق. وقد تصدر لتدريس صحيح البخاري في

الجامع الأزهر حتى بهر الحاضرين كما وفد على المدينة المنورة سبع مرات وأملى الحديث النبوي هناك. وأملى أيضا صحيح البخاري بالجامع الأموي بدمشق أثناء درس كان يلقيه بعد صلاة الصبح.

ولما كثر الناس حوله خرج إلى صحن الجامع، وحضر درسه غالب أعيان دمشق وجميع الطلبة، ويصف المحبي يوم ختم البخاري قائلا :"وكان

يوم ختم البخاري حافلا جدا اجتمع فيه الألوف من الناس وعلت الأصوات بالبكاء فنقلت حلقة الدرس إلى وسط الصحن ..... وأتي إليه بكرسي

الوعظ فصعد عليه وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره أبدا. وتكلم على ترجمة البخاري ... وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قرب الظهر ..... ولم يتفق لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق ما اتفق له من الحضوة وإقبال الناس".9 أهـ.

وممن قام بالتأليف في هذه الفترة: المحدث أحمد بن قاسم بن محمد بن ساسي البوني المتوفى سنة 1129 هـ والذي ألف كتبا كثيرة منها:

• مختصر مقدمة فتح الباري على صحيح البخاري.

• فتح الباري بشرح غريب البخاري.
• التحقيق في أصل التعليق (معلقات البخاري)
• الإلهام والانتباه في رفع الإيهام والاشتباه (أي الكائن في البخاري).

وترك ولده محمد بن أحمد البوني نظميين:

- الأول: نظم كتب صحيح البخاري.
- الثاني: نظم كتب صحيح مسلم.

كما قام الشيخ ابن أبي جمرة باختصار صحيح البخاري في مجلد، وكان مختصره مشهورا متداولا بين الجزائريين. وقد شعر عبد الرحمان بن عبد

القادر المجاجي أن هذا المختصر في حاجة إلى شرح يضبط ألفاظه ويقرب معانيه فقام بعمل ضخم بها الصدد وسمى شرحه (فتح الباري في ضبط

ألفاظ الأحاديث التي اختصرها ابن أبي جمرة من صحيح البخاري) 10.

كما نظم الشيخ محمد بن علي المعروف بأقوجيلي الجزائري منظومة سماها (عقد الجمان اللامع المنتقى من قعر بحر الجامع) 11 وهي منظومة

في مخرجي أحاديث الجامع الصحيح للبخاري وعدد الأحاديث التي لكل منهم ومن هو المكثر ومن هو المقل. وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية.

أما في عصرنا الحالي فنجد الأستاذ العلامة محمد بن أبي شنب ألف بحث لطيفا قدمه إلى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر المنعقد بالجزائر سنة 1905م سماه:"وصول صحيح البخاري إلى أهل الجزائر". كما قامت وزارة الشؤون الدينية في عهد الشيخ عبد الرحمان شيبان بإحياء سنة قراءة

صحيح البخاري بالجامع الكبير بالعاصمة، وممن قاموا بشرح بعض أحاديث البخاري الشيخ العلامة محمد شارف –حفظه الله- كما قام الشيخ محمد باي بلعالم بشرح صحيح مسلم.

وفي خلاصة البحث نقول: إن علماء الجزائر برغم أنهم مغاربة مالكيون إلا أن اهتمامهم بصحيح البخاري قد فاق صحيح مسلم بكثير ونحن نعلم من علم مصطلح الحديث أن علماء المغاربة يفضلون صحيح مسلم على صحيح البخاري.12


الهوامش:


1- الديباج المذهب – ابن فرحون ج 2 / 114
2- ترتيب المدارك – القاضي عياض ج2/51
3- تاريخ الجزائر العام –الجيلالي ج2/78
4- توجد نسخة منه بالقاهرة تحت رقم أول 1/325
5- توجد نسخة منه بمكتبة بطارسبورغ تحت رقم 1/12
6- تاريخ الجزائر العام – الجيلالي ج3/206
7- معجم أعلام الجزائر –عادل نويهض ص 331
8- تاريخ الجزائر الثقافي –سعد الله ج2/26
9- خلاصة الأثر –المحبي ج1/305
10- تاريخ الجزائر الثقافي –سعد الله ج2/30. وتوجد نسخة منه بالخزانة العامة بالرباط برقم ك 1775
11- تاريخ الجزائر الثقافي –سعد الله ج2/32. وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية مجموع رقم 52
12- أنظر: تدريب الراوي للسيوطي ص 69 و الباعث الحثيث للشيخ أحمد شاكر ص 23















ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الواحد و الأربعون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا












 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
مجلّة الشهاب .. للدكتور الفاضل أبو القاسم سعد الله






الحلقة الواحد و الاربعون

مجلّة الشهاب .. للدكتور الفاضل أبو القاسم سعد الله


جاء في كتاب (خارج السرب مقالات وتأملات) للدكتور الفاضل أبو القاسم سعد الله ص 214-221 هذا التعريف الرائع بمجلّة (الشهاب) والتشريح الدقيق لملابسات ظهورها والتصوير الشامل لدوافع هذا الظهور أهدافه وغاياته بل هو شيء من الإعتراف بالجميل لتلك القلعة الشامخة والحصن المنيع والصفحة المشرقة من تاريخ الحركة الإصلاحية وأبعادها الوطنية والعربية والإسلامية بالجزائر فلتتفضّلوها مشكورين :

مجلّة الشهاب ..


عندما أسس عبد الحميد بن باديس أوائل العشرينات من القرن العشرين مطبعة وجريدة لم يكن ذلك أمرا جديدا على أسرته وعلى بلاده فقد كان جدّاه (المكي وحميدة) من أوائل الجزائريين الذين تفطّنوا لأهمية الإعلام في النضال ضدّ السلطة الإستعمارية . فجدّه المكّي قد عمل في القضاء وشارك في عضوية اللجان وفي المجالس المحليّة ، ولجأ إلى كتابة كتيبات للتعبير عن رأيه ورأي أعيان أهل قسنطينة في قضايا الساعة التي كانت موضع نقاش حادّ بينهم وبين زعماء الكولون (المعمرين) الفرنسيين . فكتب في جريدة (المنتخب) التي تأسست في قسنطينة على يد أحد الفرنسيين . وحرّر العرائض ولا سيّما للجنة مجلس الشيوح سنة 1892 م ، وألّف الكتيبات ونحوها ، وكلها كانت تخدم رسالة الإعلام التي تغير الرأي العام وتجنّده وراء مطالب الأعيان ، ولا شكّ أن الرجلين (المكي وحميدة) قد وعيا ذلك الدور للإعلام من التجربة الفرنسية ، فقد كانت جرائد الكولون منتشرة في كلّ مدينة بالجزائر ، وكانت تعكس آراء وتيارات الكولون في كلّ صغيرة وكبيرة كنزاعهم ضدّ العسكريين ومطالبهم في الحصول على المزيد من الأرض من الأهالي ، وسياسة الإندماج ومعارضتهم لنشر التعليم بين الأهالي والحملة على القضاة المسلمين .
وكانت فترة ميلاد عبد الحميد بن باديس (ولد سنة 1889) قد بدأت تشهد تحولات هامة في السياسة الفرنسية بالجزائر . فقد حلّ الحاكم العام جول كامبون ..
jules Cambon)
محلّ
( I.Tirman)
وجاءت لجنة التحقيق بزعامة جول فيري
( Jules Ferry)
(1892)
وراجعت فرنسا سياستها الإسلامية في كلّ من المغرب العربي والمشرق ونهض الإستشراق نهضة واسعة على يد أساتذة مدرسة الجزائر وعلى رأسهم رينيه باصيه
(R.Basset)
ونشطت حركة التنصير في الجزائر ، ومنها امتدّت إلى تونس ، على يد لافيجري
(La Vigerie)
وحوارييه ، وزاد اعتماد الإدارة على شيوح الطرق الصوفية في نشر الإستعمار إلى إفريقيا انطلاقا من الجزائر في شكل بعثات استكشافية استعانت فيها بعناصر جزائرية (مسلمة) تقوم بالترجمة والإتصال والجندية ، وأخيرا نشير إلى إعادة النظر في المنظومة التعليمية للأهالي وإصلاح المدارس الحكومية الثلاث المعدّة لتخريج القضاة . وكان من نتيجة هذا التحوّل في السياسة الفرنسية ظهور عنصرين جديدين الأول ما يسمّى اليوم بالمجتمع المدني في الأوساط الجزائرية (الأهلية) فظهرت الجمعيات والنوادي والفرق الموسيقية والمسرحية . أمّا العنصر الثاني فهو ميلاد الصحافة العربية . وهكذا شهدت العشرية الأولى من القرن العشرين عهد الحاكم شارل جونار
(Ch. Jonnart)
مجموعة من الصحف باللسان العربي ، بعضها كان صادرا بدعم من الإدارة الإستعمارية نفسها (المغرب ، كوكب إفريقيا) ، وبعضها كانت محاولات متعسرة من رواد الصحافة الوطنية أمثال عمر بن قدور وعمر راسم (الجزائر ، الفاروق ، ذو الفقار ... ) .
في هذه الأثناء كان عبد الحميد بن باديس تلميذا في مساجد قسنطينة حيث كان والده ، نائبا في مجلس الولاية ، ولم يكن معروفا عن هذا الوالد أنه ، مثل ، سلفه ، مهتما بالصحافة والإعلام ، ولكنه بدون شك كان يتابع نشاط نادي صالح باي في قسنطينة نفسها ، وتأثير الصحف الفرنسية في هذه المدينة التي كانت تعج بالأفكار المتطرّفة وبلسان غلاة الاستعمار مما أدى إلى ردود فعل متطرّف أحيانا من جانب الأهالي الذين كانوا يطالبون بالإصلاح أكثر من غيرهم في القطر . وقد عبر مالك بن نبي في مذكّراته عن هذه المرحلة بدقة عندما تحدّث عن مجتمع كان يموت وآخر يولد . إنها المرحلة نفسها التي كان فيها ابن باديس يتلقى العلم على يد الشيخ حمدان الونيسي والتي كان فيها كاتب مثل جان سيرفييه
(J.Servier)
يكتب كتابه المثير عن (الخطر العربي) ، وعن النخب الجزائرية والتونسية والمصرية ، بينما يكتب فيها أحد النخبة الجزائرية وهو الشريف بن حبيلس كتابه غير المثير (الجزائر الفرنسية كما يراها الأهالي) .
إنّها مرحلة الإعلام المثور للرأي العام ، على كلا الضفتين من البحر الأبيض المتوسط إذ ظهر خلالها أيضا كتاب إسماعيل حامد (مسلمو شمال إفريقيا) وكتاب إرنيست ميرسييه
(E.Mercier)
عن المرأة المسلمة ، وكانت الجزائر تستقبل الشيخ محمّد عبده ومجلّة المنار ومحمّد فريد زعيم الحزب الوطني المصري ، وعبد العزيز جاويش الإعلامي البارز ، والشيخ محمّد الخضر حسين صاحب مجلّة السعادة العظمى ، ومؤتمر المستشرقين الدولي الرابع عشر ، كما كانت البلاد تشهد حركة احتجاج وهجرة بمناسبة جعل التجنيد العسكري إجباريا على الشباب الجزائري . إنّ هذه التطوّرات كلها كانت تجري في الجزائر قبل أن يغادرها عبد الحميد ابن باديس إلى تونس لمواصلة دراسته في جامع الزيتونة ، إن وعيه بأهمية التطورات في الجزائر قد بدأ قبل ذهابه إلى تونس التي نزلها وهو في حدود التاسعة عشرة من عمره .
ولكن نضج تجربة ابن باديس قد حدث في تونس ، ولا داعي هنا لذكر عوامل هذا النضج ، فالتجربة الإنسانية لشاب موهوب مثل عبد الحميد بن باديس ذات أبعاد عديدة ، فهناك تجربته مع شيوحه الذين لم يتأثر بهم جميعا على حدّ سواء . ويبدوا أنه تأثر بالشيخ محمّد النخلي بدرجة كبيرة ، وكان النخلي من مدرسة الشيخ محمد عبده ومن المعجبين بمجلّة المنار . وكانت النخب التونسية في أوج نشاطها الوطني والأدبي ، فقد كان شعارها (تونس للتونسيين) بينما كان شعار النخبة الجزائرية (المساواة بالفرنسيين) . ومن ثمة واجهت النخبة التونسية تحدّيات خطيرة . فنفت فرنسا علي باشا حانبة وهاجر محمد الخضر حسين وعبد العزيز الثعالبي وصالح الشريف وإسماعيل الصفائحي وغيرهم متوجهين إلى المشرق ، وهؤلاء هم الذين سيؤلفون قوة ناطقة باسم استقلال تونس والجزائر خلال الحرب العالمية الأولى ونحن لا نستغرب أن يبادر ابن باديس على إثر انتهائه من الدراسة في تونس ، ترسم خطى هؤلاء الزعماء (رغم حداثة سنه) فيتوجه أيضا إلى المشرق باسم الحج (وهو ربما تعلة فقط كما فعل غيره من الجزائريين وربما بقصد الهجرة) . ولكن عوامل أخرى (منها نصيحة شيخه الهندي نزيل المدينة) جعلته يقفل راجعا إلى مسقط رأسه ليبدأ مشروعا برأسين من أجل تحرير الجزائر : الأول نشر التعليم العربي في شكل تسمح به ظروف الحرب الإستثنائية ، والثاني إنشاء مؤسسة إعلامية للتوعية والتثقيف لا تسمح بها ظروف الحرب التي جمدت كلّ الأنشطة الإعلامية السابقة . أما تجربة التعليم فقد سارت سيرها وأثمرت ثمرها وفق أسلوب مخطط ومنهج محدد . وأمّا تجربة الإعلام فتحتاج إلى وقفة قصيرة .
آمن عبد الحميد بن باديس بدور الإعلام في نشر الوعي الوطني وإحياء التراث وتثبيت الهوية ومصارعة الخصوم . وسواء كان ذلك تقليد لمسيرة جدّيه المكي وحميدة (وهو ما نرجّحه) ، أو كان بدافع الظروف التي عاشتها الجزائر وتونس والمشرق ، فإنّ إنشاءه لمؤسسة إعلامية يعتبر في حدّ ذاته تعبيرا واعيا عن طموحاته وإيمانه بقيمة هذه الوسيلة الفعالة لخدمة القضية الوطنية من جهة وعن استعداده لمصارعة الإدارة الفرنسية والخصوم بنفس الوسيلة التي يتقنونها .
فقبل أن بدأ ابن باديس في إصدار (الشهاب) أسّس المطبعة الإسلامية الجزائرية ، وهي التسمية التي تعبّر في حدّ ذاتها عن برنامج له أبعاد ، وسواء أسّسها بمال الأسرة (وهي غنية) أو بتبرعات الفئة الواعية فإن المطبعة كانت ضرورية لإصدار الصحف التي كان ينوي إصدارها . وقد ثبت من تجربة زميله الطيب العقبي مع جريدته (الإصلاح) أن جريدة ليس لها مطبعة خاصة بها تتعرض لمضايقات وعراقيل شتّى . عندما أصدر ابن باديس جريدة (المنتقد) لم تعاني من نقص في المال ولا من عراقيل مطبعية ، وإنما عانت من قرار الإدارة التي أوقفتها عن الصدور لحدّة لهجتها ولذاعة نقدها . وقد عوضهنا ابن باديس بالشهاب في شكل جريدة ثم في شكل مجلة جعل لها شعارا يبعدها قليلا ولو بصفة مؤقتة عن المواجهة مع الإدارة والخصوم حتى تتمكن من مواصلة رسالتها وتتغلغل في أوساط الناس وتخلق للتيار الإصلاحي الوطني شريحة عريضة من القرّاء والأنصار .
لا نريد هنا أن نؤرّخ للشهاب وتطورها من جريدة إلى مجلّة ، ونحلل محتوياتها ، وندرس أسلوبها ، فقد كفانا ذلك الأستاذ عبد الرحمن شيبان و د . تركي رابح ود . محمد ناصر وغيرهم . ولكن ذلك لا يمنعنا من بعض الإشارات التي بدت لنا من قراءة تاريخ الحركة الوطنية عموما ومسيرة الشهاب خصوصا .
لقد اتخذت الشهاب شعارات من الآيات القرآنية ومن التراث العربي الإسلامي ، بل حتى من الثورة الفرنسية ، مثل ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة .. ) ، (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة .. ) ، إن بعض هذه الشعارات كانت تقصد بها التخفيف من غلواء النقمة عليها بدعوى أنها تعالج القضايا السياسية والإجتماعية بأسلوب الإثارة والتهريج والتثوير (كما تتهمها الإدارة والخصوم) ، وذلك ما تعبّر عنه الآيات القرآنية ، ولكنها في نفس الوقت كانت تنشر الوعي بين المواطنين بالتركيز على عدم الخوف وإعلانها بأن الحق فوق كل أحد ، وعلى حب الوطن والتضحية في سبيله ، والفصل بين فرنسا والجزائر ، وهي التي تشير إليها الشهاب بعبارة (الوطن قبل كلّ شيء )، وهذه الفكرة (الوطنية) التي أعلنتها صراحة عندما ردت على منكري وجود الوطن الجزائري عبر التاريخ . وكان تلاميذ اين باديس ، ومنهم الشاعر محمد الهادي السنوسي ، يكثرون من كلمة (وطن) في أدبياتهم ويتغنّون بالجزائر في أناشيد وطنية وقصائد استنهاضية منذ أوائل العشرينات ، أي قبل تأسيس الأحزاب السياسية التي أصبحت تقول اليوم إن الوطنية من مبتكراتها .
لقد كانت الشهاب مجلة خاصة بابن باديس وبمشروعه الإصلاحي للجزائر الذي هو في نفس الوقت مشروع حضاري بالنسبة للأمة الإسلامية . فهي ليست الناطقة بلسان المصلحين في الجزائر وإن كانوا يجدون فيها مجالا لطرح أفكارهم ولواء لحمل دعوتهم ، وهي أيضا ليست مجلّة لجمعية العلماء التي أصبح ابن باديس نفسه رئيسا لها ، رغم أن الشهاب كانت تنشر برنامج الجمعية على الناس وتدافع عن مبادئها ، أما الصحف الرسمية للجمعية فقد كانت غير الشهاب (وأطول صحف الجمعية عهدا هي البصائر) ، وإلى اليوم ما يزال بعض الباحثين يحسبون مجلّة الشهاب ناطقة باسم جمعية العلماء ، وقد نجح ابن باديس في جعل الشهاب تتبنى الفن الصحفي والإعلامي بالغة العربية في وقت لم تكن تعرف فيه الجزائر سوى جريدة (النجاح) التي لم تستطع الصمود كجريدة مستقلة فتحوّلت إلى جريدة للموظفين الرسميين ، في وضع شبيه بجريدة (المبشر) التي اختفت حوالي سنة 1927 م .
وإذا كان يظهر أن الشهاب قد اتخذت شكل مجلة المنار وأفكارها الإصلاحية ، فإنها في الواقع كانت مجلة جزائرية صميمة في موضوعاتها وتبويبها وأسلوبها الكتابي ولهجتها ولا شك أنها كانت تشكو من قلة الكتاب باللغة العربية في الموضوعات التي تريد طرقها ، إذ كان متعلّمو العربية لا يخرجون عن طلبة الزوايا المحلية وجامع الزيتونة أو المدارس الحكومية الثلاث ، وكانت الكتابة عند هؤلاء هي بالأساس (فن الإنشاء) بالمعنى الذي تطور عندئذ في المؤسسات المذكورة والذي يعني تحرير مقالة بسيطة في وصف الطبيعة أو حدث ديني أو نعي عزيز أو تمجيد زعيم أو مدح شيخ .
وهذه الموضوعات لا تستجيب لمشروع الشهاب الكبير . ولذلك اعتمدت الشهاب على قلم ابن باديس نفسه وعلى قليل من خريجي المشرق مثل الإبراهيمي والحافظي والعقبي ، وعلى قلم أحمد توفيق المدني الذي جمع بين ثقافة الزيتونة والخلدونية ، وأمثالهم .
ولذلك أيضا لجأت الشهاب إلى النقل عن الصحف والمجلات العربية ، ولو كانت تصدر في المهاجر الأمريكية ، بالإضافة إلى اعتمادها على كتب التراث في القضايا الدينية والأخلاقية والتربوية .وبهذه الطريقة مثلت الشهاب مدرسة متكاملة من عدّة نواح . فلغتها وأسلوبها وخطابها كانت تعبر عن مستوى ما وصلت إليه اللغة العربية في وطن خضع للإستعمار الفكري واللغوي والثقافي أكثر من قرن ، فكانت اللغة العربية في الشهاب تمثل الكفاح المستمر من أجل البقاء وتمثل التحدي للغة الفرنسية الرسمية التي غزت العقول والألسنة والأقلام ، وكانت الشهاب بموضوعاتها وأفكارها واتجاهها
تتحدّى الثقافة التي أشاعتها الطرق الصوفية المتجذرة عبر القرون وهي ثقافة المسكنة والخرافة والتواكل واليأس من الإصلاح والتطور . أما خطاب الشهاب فكان تصديا لمخططات الإدارة الإستعمارية العاملة على طمس المعالم الحضارية والهوية الوطنية للشعب الجزائري ، ولحملة الإذلال والإهانة للإنسان الجزائري ، وهكذا وقفت الشهاب موقفين أساسيين موقف الدفاع عن هوية الجزائر والحضارة الإسلامية واللغة العربية ، وموقف الهجوم ضد مشاريع الإندماج في فرنسا وإذلال الجزائريين .
وبدون فهم مشروع الشهاب (الذي هو مشروع ابن باديس) لا يمكننا فهم بعض الأقوال التي صدرت عن ابن باديس مثل (إنني أعاهدكم على أنني سأقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيت سوادي عليهما ، وإنها لواجبات ... وهذا عهدي لكم ) ، ومثل (كيف صارت الجزائر عربية) ، ومثل (إن الجزائر ليست فرنسا ولا يمكن أن تصير فرنسا حتى ولو أرادت .. ) .
وكانت فتوى ابن باديس ضد التجنس بالجنسية الفرنسية أقصى ما وصل إليه التحدي ضد مشاريع الإدارة الإستعمارية إذ كان التجنس يهدف إلى إلغاء إسلام وعروبة الجزائريين وتغييب هويتهم . وهي الفتوى التي وضعت حدّا فاصلا بين حضارتين إحداهما مغزوة تلعق جراحها وتحاول النهوض من كبوتها والأخرى غازية تريد أن تبتلع الجريح وتصيّره منسيا .
إن البعض قد يدرس الشهاب على أنّها مدرسة في السياسة الجزائرية في مواجهة السياسة الفرنسية الإستعمارية ، وقد يدرسها البعض على أنها مدرسة في الإصلاح الديني والأخلاقي والإجتماعي على الطريقة السلفية التي تحمل شعار (لا يصلح آخر هذه الأمّة إلاّ بما صلح به أوّلها) . ولكن الشهاب في نظرنا يمكن أن تدرس أيضا على أنّها مدرسة أدبية ، ففي الوقت الذي حوصرت فيه العربية في مجالات عقود الزواج والطلاق وكتابة الأحجبة والتمائم وبعض المقالات المكتوبة بأساليب المستشرقين هنا وهناك ، ظهرت الشهاب لتكون أوّل مجلّة عربية وطنية في الجزائر ، وأول صورة للأسلوب العربي المبين ، بشعره ونثره ، وقد ربطت القارئ الجزائري بالأدب العربي في مشرقه ومهجره ، وفي تراثه القديم وأشكاله الجديدة ، فلم يعد الجزائري المتطلع للثقافة العربية الحيّة ينتظر ترخيص الإدارة بدخول مجلاّت مثل (الرسالة) و(الثقافة) و(المنار) ونحوها إلى الجزائر ، بل أصبح وهو في وطنه يقرأ مجلّة عربية راقية الأسلوب والأفكار ، ومعبّرة عن مشروع وطني وحضاري كبير .
إنّ الذي يقدم اليوم مجلّة الشهاب للقرّاء يختلط عليه الأمر فيحتار هل يقدم لهم فعلا المجلّة أو صاحبها عبد الحميد بن باديس ، وفي نظرنا أنهما شيء واحد . فالشهاب صورة لفكر وتفكير ابن باديس ، وابن باديس هو روح وعمق مجلّة الشهاب ، إذ لا يمكن الفصل بين الوالد والولد ، بين الذات وجوهرها ، ومن ثمّة نرى أنّ إعادة نشر مجلّة الشهاب إنّما يعني إعادة بعث روح ابن باديس في الأجيال القادمة ، حتى في الإنتاج الذي لم يكتبه بقلمه ، لأنه في الواقع هو الذي اختاره ورضي عنه ، وإذا كان ابن باديس عملاقا بين المصلحين في العصر الحديث ، فإنّ مجلّة الشهاب عملاقة بالتبعية بين المجلاّت العربية المعاصرة وربما يزيد فضلها على أخواتها أنها ولدت في بيئة معادية للحرف العربي واللسان العربي والإنسان العربي لصلة هذه الثلاثة بالقرآن والإسلام .

جامعة آل البيت (الأردن) 2 صفر 1421 ه 7 مايو 2000 م / منشور في المجلّد الأخير من مجلّة الشهاب ، ط ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت






 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
فضيلة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي








موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الثانية والأربعون



من أعلام الجزائر


فضيلة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي



أحد أئمة الأولياء ،ومشاهير الأتقياء العارف بالله تعالى الشيخ سيدي عبد الحفيظ بن محمد بن أحمد الونجلي الهجرسي الإيدريسي الحسني الخنقي .ولد حوالي : سنة: 1203هـ (1789م)بخنقة سيدي ناجي –ولاية بسكرة- وبها نشأوترعرع حفظ القرآن الكريم ، وتفقه
في علوم الدين على يد مشايخها ، ثم اتصل بالقطب الأشهر الشيخ سيدي محمد بن عزوز البرجي فتتلمذ عليه وأخذ عنه الطريقة الخلوتية وسلك على يده وأجازه .وفي سنة1232هـ سافر صاحب الترجمة مع سيدي علي بن أعمر وسيدي مبارك بن خويدم صحبة شيخهم سيدي محمد بن عزوز البرجي لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام .وأنشأ في ذلك قصيدتين مشهورتين إحداهما في فضل حجته صحبة شيخه .والأخرى في زيارته لقبر النبي صلى الله عليه وسلم
وأسس زاويته المعمورة بمسقط رأسه و قصدها طلاب العلم والمعرفة
من عدة نواحي ، من الأوراس ، ومن الجنوب الشرقي وأيضا
من الجريد بتونس ، وتخرج عنه الكثير من الطلبة حفظة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ، والمريدين في التربية الروحية .من أبرز تلامذه الشيخ محمد المكي بن الصديق ، والشيخ التارزي بن عزوز .
وكان للشيخ عبد الحفيظ الخنقي دورا بارزا في المقاومة الشعبية بقيادة الشيخ بوزيان ، ومن أبرز المعارك التي قادها سيدي عبد الحفيظ الخنقي ضد القوات الإستعمارية بقيادة الضابط الفرنسي (دوسان جرمان) في منطقة وادي براز بناحية سيدي عقبة بتاريخ :17/09/1849م وقد لقن الشيخ وأتباعه فيها درسا قاسيا لقوات المستعمر حيث قتل
في هذه المعركة قائد الحملة العسكرية (دوسان جرمان)وعدد آخر
من جيشه .
وقد تضاربت الروايات في سبب وفاة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي فبعض المراجع تطرح أنه توفي بمرض الحمى الخطير الذي أصاب المنطقة وأخرى تقول أنه توفي ببسكرة ، ومراجع أخرى تقول أنه توفي بسبب ما أصيب به من جروح في المعركة –والله أعلم-.
وعلى أية حال فإن الشيخ –رحمه الله- كان من العلماء العاملين ومن الشيوخ المربيين ومن الرجال المجاهدين المرابطين الذين ضحوا بالنفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة التوحيد يبتغون فضلا من الله ورضوانا والله ذو الفضل العظيم وكانت وفاته –رحمه الله- حسب ما ورد ذكره في كتاب معجم أعلام الجزائر (ص135) سنة :(1266هـ)
(1850م). ويقع ضريح الشيخ داخل المسجد بالزاوية يزار ويتبرك به.-رحمه الله- ورضي عنه ونفعنا ببركاته-آمين-.
وله مؤلفات كثيرة ، ورسائل وقصائد عديدة ، أهم مؤلفاته : الحكم الحافظية، والجواهر المكنونة في العلوم المصونة ويشتمل هذا الكتاب الأخير على مواضيع هامة ومفيدة نذكر منها:
-رسالة في بيان الذكر والسلوك وأحوال المريدين .
-إمتزاج النفس بالطبائع وأسرار القلب .
-رسالة في نبذة من بيان سر التفكر في آلاء الله ونعمه.
-رسالة في صفة العبد وعظم خلقه .
-وصية الشيخ للإخوان في كل زمان.
-حكريم الفلاح.
-شرحه على نظمه غنية الفقير ((سنذكرها بتمامها فيما يلي)) وغيرها كثير مجموع في هذا الكتاب المبارك ، طبع بتاريخ:
15شعبان 1316هـ الموافق لـ(1899م)بتونس
هذا نص منظومة غنية الفقير المشار إليها أعلاه:


باسمك اللهم رب إبتديت على النبي محمدصليت
ثم السلام مستمرا دائما على الحبيب المصطفى معظما
الله يا رحمان يا رؤوف ألطف بعبدك المسيئ الضعيف
وجد عليه ثم تب تكرما وأرحمه إنك رحيم الرحما
ياربنا ياسامع الأصوات أسبل علينا الستر فيما يات
واحجب علينا صولة الظلام واكفنا شر الحاسد المثام
واجعل مكائدهم في نحورهم أكفنا يامولاناا من شرورهم
وادخلنا في حصنك المنيع واكفنا بكنفك المريع
الله ياالله يامجيب أجب دعاء المظطر ياقريب
وأحفظ صدورنا من الخناس وول أمرنا على الأنفاس
ولا تكلنا قط إلى نفوسنا طرفة عين أو أقل مولاناا
لأننا نحن عبيد ضعفا وأنت رحيم الراحمين رءوفا
ياربنا يا واسع الغفران أنت الكريم مالك الإحسان
أعل بنا على أمر المعاند من هولإخواننا ذو حسد
ولا تول أمره علينا بل رده عليه لا إلينا
ياحي يا قيوم ياجبار أقهر أعداءنا ياقهار
واجعل عنادهم عليهم حسرة وزدنا به في الأمان قوة
وول أمرهم عليهم ندما حتى يكاد يبرز لهم عمى
واسجن شيطانهم ولا توله على الإخوان واكفنا من غله
واقهرعلينا كل جبار عنيد مهما أرادنا بشره قيد
ثقف لسانه عند المقال وكف يده عند التعال
يابر يارحيم ياوهاب هب لعبيدك دعىيجاب
وهب لناعلما وحكمةمعا يكن لنا في الحال معها مسرعا
ولاتحجب علينا سر الحكم وأجعله صحوا لأبصارنا يم
وافج سحاب مشكلات بصر حتى نشاهد شموس حضر
واعطنا من فضلك العميم واسقنا من سرك العظيم
الله يافتاح يا رزاق أرزق عبيدك رزقا يساق
وافتح له في الرزق مايشاء رزق الأشباح عنده سواء
مدارنا على رزق الأرواح به تنعم وعيش الصاح
يافوز من عاش به تمتعا دام سروره في الدارين معا
يارب بالمختار سيد البشر أدم حضورنا معك ياقادر
والزم وقوفنا ببابك العلي ولاتخيب الرجاء يا أزلي
واكتبنا في جملة أوليائك الداخلين تحت كبريائك
بالإسم الأرفع المرفع المجير أصلح امورنا ياعالم ياخبير
يا ربنا ياربنا أنت الكريم أعف علينا ياجواد ياحليم
أسبل علينا سترك المجملا ولا ترد كفي صفرا محولا
وأغفر لنا وأرحمنا يا تواب نحن الحاضرين والغياب
وامنن بمغفرتك للمسلمين وأغفر يارب هفوات الوالدين
واقبل تنصل ناظم الأبيات عبيدك المقر بالسيئات
أصيكم إخواننا عليكم بحفظ هذا النظم به تسلموا
ومن قرأه صباحا ومسايا أمن من كل داء وبلايا
سميته بغنية الفقير ومن تلاه لا يخشى من فقر
قائله عبد الحفيظ المذنب إبن محمد لله أيّب

ختمت نظمي بالصلاة والسلام على الحبيب المصطفى خير الأنام
وآله وصحبه والتابعين ما رنت لأطيار بالتلاحين




المرجع: كتاب ، في الذكرى المئوية الرابعة لنشأة خنقة سيدي نا جي ((الجمعية الناصرية للتنمية الثقافية والإجتماعيةلخنقة سيدي ناجي))






ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الثانية و الأربعون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا












 
آخر تعديل:

أبو تراب

:: عضو مُشارك ::
إنضم
17 نوفمبر 2013
المشاركات
140
النقاط
7
رد: موسوعة أعلام الجزائر



الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض الجزائري.

للتنبيه بيوض هذا ليس من أهل السنة والجماعة بل هو إباضي والإباضية فرقة من فرق الخوارج المبتدعة البعيدة عن منهج أهل السنة والأثر
فلا ينبغي الإشادة به والله الموفق
 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 42 // الدكتور يحيى بو عزيز









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الثالثة والأربعون



من أعلام الجزائر


الدكتور يحيى بو عزيز


الدكتور يحيى بو عزيز
بقلم: زليخة خربوش بن اسماعين

من هو الدكتور يحيى بوعزيز؟

حقا هو معروف لدى الطلبة بحكم مهنته، أستاذ جامعي، في مادة التاريخ، لكن الطلبة مشغولون بالبحث عن لقمة العيش أي عن مكان في الحياة في هدا الزمن المقلوب... لم يطمحوا بعد في مكان في المجتمع. أما الدكتور بوعزيز مؤرخ الجزائر الكبير الذي حمل هم الجزائر و هم كيانها مند طفولته عرفته صحافة الجزائر محررا ومنسقا كما عرفته جامعتها معلما ومتعلما و باحتا ومؤرخا لكن أنا وأنت و بقية القراء و الكتاب والمثقفين فلا نذكره إلا عندما نحتاج كتبه لامتصاص بحوثه و معارفه ولا أحدنا يرفع قلمه ليحط كلمة أو نقدا ليعرف بموسوعته التاريخية تحفزا للأطفال و الشباب على التعرف عليها. أما إجحاف الأوساط الرسمية فحدث، فلا تعرفه هذه إلا عندما تحدث الزلازل الشعبية وتصفر وجوه الساسة فيلجأ ون إليه لأن الوجوه الملطخة تتجنب مقابلة المظلوم فتختفي وراء المعالم كي لا تظهر بشاعة أفعالها وراء الموسوعة. إن بوعزيز يجلس في زاويته ولكنه يعرف كل شيء عن الجزائر أما الجزائر فلا تعرف عنه أي شيء... كتب موسوعة تضم أكثر من أربعين كتابا بما فيها المخطوطات الثمانية التي لا زالت تئن في رفوف دور النشر و تنتظر الله أن يمن عليها بسلطان مثقف يأخذ بثأرها... الغريب في الأمر هو لو كح مغني أو مغنية أو عطس لاعب أو رقص راقص في الصباح نسمع به في نشرة الأخبار المسائية... نعم يا زمان الشهرة الرواية و الكروية تمنح الجوائز و الأوسمة لمن تشاء أما المثقف فلا يستحق إلا التهميش و الأبعاد و الدبح لان شأنه صغير و دمه رخيص عند الجهال ... نعم هو داك عصر القوة أنت تعرف من مات في الأيام السوداء؟.مات المثقف و الصحافي و المعلم و راع الغنم في المروج وأم السبعة في الكوخ و اغتصبت بنت الفلاح في مزرعتها و الصبي في البطن على يد من التحى بلحية على و تدربل بدربلة أبوذ ر الغفاري ولبس عباءة عمر العادل وحمل سيف خالد و أقبل لينقد الضعفاء. فاذا به زاد الفقير فقرا وهما ...و الواقع قانون القوة عندنا يحكم من زمان... خلى العصر العثماني وعصر السفاح وأترك نكبة كر بلاء و الفتنتين الكبرى و الصغرى و حلق معي إلى عصر النبوة ! عذب بلال لأنه لا يملك قبيلة و ماتت أسمى و عبد الله و كلهم من الفقراء لكن لم تقترب قريش من أبناء كبار التجار... و عندما عزمت على قتله صلى الله عليه و سلم لم تخف قريش الله وإنما خافت من مركز عم النبي عليه الصلاة و السلام فحسبت له ألف حساب و أخذت ا فرادا من كل قبيلة...الدكتور بوعزيز عندما انعزل في مخدع وثائقه لم يبحث عن الشهرة السياسية أو إرضاء للساسة والقراء و النقاد و أصحاب النظريات الجامدة و إنما سعى إلى حماية الجزائر و حفظ كيانها، و مرجعيته كانت في أعماقه و صوت ضميره فرفض أن يسكت في مجتمع يحركه أقوياء يرفضون ما شاءوا و يهمشون و يغيبون...الدكتور بوعزيز رفع شعار < الجزائر قبل كل شيء > و أشهر سيف قلمه و نزل إلى دهاليز الجزائر ليرصص بنيانها و يرمم جدرانها حتى تبقى صامدة أمام العدو الحقيقي و أذنابه ... رأى المافيا التجارية تنخر أعمدة الجزائرفي الداخل والخارج و تتآمر على حدودها و تتكالب على معادنها ... شاهد القبور المقدسة تنبش و شرف الاستشهاد والمجاهدين يعرض و المعالم تكسر... فأخذ أدواته و راح يحفر و يثقب و يستنطق التاريخ الغابر...و لما وضع ملف الهوية الجزائرية على طاولة التساؤل أدرك أن الجزائر في خطر و عرف أن عقدة المتقاعسين عن الجهاد استيقظت... كما تفطن إلى الهوس الذي أصاب عقول الذين لم يدفعوا ثمن الاستقلال و قدمت لهم الحرية هدية من طرف من جاء قبلهم ... فاعتمد مؤرخنا رحمه الله على الله و وطنه و أجداده الدين حفرت أسماؤهم على جدران الجزائر و أرضها و نشدتها وديانها و بحارها أمثال ماسينيسا و عقبة، الأمير و ابن باديس و البشير، بن بولعيد و لطفي و احمد زبانة وجميلة، بن بلة و آية أحمد و بومدين وزروال و بوتفليقة و غيرهم من الدين لا زالوا يعيشون في قلوبنا و وجداننا في حين مات و انقرض معاصروهم من أرباب المافيا التجارية الدين تهافتوا على الرصيد العالي لأن أسماؤهم كتبت بالطباشير و مسحت بالممسحة.و نحن نقول لأمثال هؤلاء كلوا و اشربوا أيامكم معدودة أما أمثال بوعزيز فسوف يفتح لهم التاريخ أبوابه العريضة ليضمهم إلى جدار الإنسانية السرمدي و ليملأ رصيدهم بالأطفال و الشبان الدين يزورون كتبه كلما شعروا بانزلاق أو كلما أحسوا بانحراف يهدد بلادهم...رفض بوعزيز أن يرى البلاد التي أحبها تنهار أمامه... أحبها و هو في العدم و هو في بطن أمه و مند نعومته و هو طالب و شاب يعمل ويجاهد في صوت العرب ... ولم يسكت عما أصاب بلاده جبنا بل سكت لأنه قوي الشخصية يتصف بالصبر و الهدوء و التدبير و رغم قلة الوسائل و الوثائق عزم على أن يشيد حضارة مستقبل الجزائر و أجيالها. لم يبالي بالخلافات الدينية و الخصومات الحزبية و إنما اهتم بتصحيح الأخطاء التاريخية من أجل بقاء الجزائر و صيانة وثائقها من الضياع وعبث العابثين.لقد سد الدكتور بموسوعته الثغرات و أحبط الافتراء... فتش عن الوثائق و حث على استرجاعها من المتاحف الأجنبية و حفز المواهب للعودة إلى التاريخ الحقيقي للوطن...ساءه أن يرى الحط من قيمة الفاتح من نوفمبر وزعمائه- لا أبطالنا أبطال ولا حكامنا حكام أرادوا لنا أن نستورد الحكام والعلماء والأبطال من وراء البحار أيضا لكن بو عزيز كان لهم بالمرصاد.. فنهض بوعزيز و تتبع أحداث الفاتح من نوفمبر و خلد ثورته و أبطالها و لم يكتفي بل راح يمسح الغبار عن دور المرأة و كفاحها أثناء الجهاد الأصغر و الأكبر، وفضح تنكر المستبدين لها وبين كيف استعملوها أثناء الثورة ثم قاموا بتهميشها وأرادوا لها العودة إلي سنوات الذل والاضطهاد ولكن هيهات..و رغم أن ظروف النشر عرقلت أعماله ظل بنفث أفكاره في كل زاوية و تحت كل حنية وفوق كل قمة من قمم الجزائر بل نفثها في كل حرف خطه... اللهم فاشهد و نحن نشهد أن الدكتور بوعزيز قد بلغ و وضع وثيقة خالدة قي حضن الجزائر... سمي باسم الله و باسم الوطن و باسم المليون و نصف المليون شهيد و غمد قلمه في صدر المتاحف و كهوف الوثائق و وضع في يد الجزائر موسوعته كوثيقة تاريخية تشهد على بطولات الجزائر ، تفتخر بها الأجيال العربية عبر العصور و تعيش مرفوعة الرأس و سيبقى بوعزيز المجاهد التاريخي الأكبر الذي كافح في هدا الزمن القاسي من أجل أن تبقى الجزائر العربية المسلمة الامازيعية واقفة و ضحى من أجلها قبل الاستقلال و أثناء الاستقلال و بعده.ترك بوعزيز غلان المادة و شأنهم و انصرف عن الشهرة المزيفة والتكالب السياسي ليعري التاريخ و يظهره على حقيقته حتى تستمد الجزائر كل الاعتزاز والشموخ...لقد تمسك الدكتور بالآية الكريمة ’’ هده أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون،فكان جزائريا أمازيغيا مسلما عربيا ومن ثم أضاف شيئا من التاريخ إلي الشعار الذي حفره { ابن باديس } في وجداننا وبدلك أحبط المؤامرات وخيانة العقول التي لا زالت مستعمرة من الداخل بنائب الفاعل المستتر والتقدير تعرفه أنت وأنا...عرف بو عزيز أن انقراض امة يجر معه كل القيم بما فيها الوطن فاحتاط لهدا العصر المقلوب وتسلح بالرفض العنيد الذي يكسر ولا يكسر ويغير مسيرة التاريخ ولا يغير...وبمثل هدا الرفض بنيت نهضتنا الإصلاحية وفجرت ثورتنا الخالدة..هكذا الناس أصناف منها صنف لا خير في نظره إلا فيما يحقق نزوات نفسه الضارية التي يبيعها رخيصة...وصنف لا يعرف الخضوع إلا لله –امثال الفلسطينيين- ويفضل الموت علي الذل ولا يجد السعادة إلا في الصراع لنصرة الحق وهؤلاء هم شموخ الوطن وبوعزيز واحد منهم، وفيهم يقو ل الفيلسوف الإنجليزي {توماس}:هم المكيفون للحياة...هم القدوة الحسنة...هم ما تراه قائما في الوجود.إن الدكتور بو عزيز حدد مصير الجزائر بعد أن اختلطت الأمور وتعارضت الأهداف وتشعبت سبل الفتن فكانت كتبه هي صحوة ضمير الأمة من اجل وجودها في هده المرحلة الشاقة من مراحل تاريخ جهادنا الأكبر...ينبغي إن تجند هده الحقائق التاريخية في الحملات الإعلامية والحروب النفسية الوحشية المعادية لوطننا حتى نرد العدو الحقيقي واد نابه في الداخل والخارج وهكذا ننشر الوعي فيمن يغرر بهم..أقول هدا لأنني سمعت احد اذناب أرباب المافيا يدعو الله ويتوسل إليه قائلا: اللهم اطل عمر الإرهاب...فأيقنت أن أمثال هدا هم الدين ينعشون الإرهاب.ويحرضون المسلم ضد المسلم...موسوعة بوعزيز تحليل للتاريخ واستنطاق للحوادث، تناولت الحاضر المباشر وامتداده إلي الماضي - الذي يربط الجزائر بامجادها الذين حققوا المعجزات - ونظرته إلي المستقبل ، توحي للأجيال بالخصوصية والهوية وتشمل التنمية والحداثة وتعرفهم علي المجتمع المدني والسياسي وعلاقتهما ببعض.إن قوة شخصية الدكتور جعلته يسمو عن مستوي المشاغبين والمستهترين ومن كثرة ما عاناه من ثقل الثقلاء وجفاء الثورة كان رائدا في الصبر والصمود أمام التمزق واللهفة علي المادة والسلطة: مند بداية الثورة وهو يناضل بقلمه في الصحف وبلسانه في اذاعة صوت العرب: الذي أجج نار الثورة ودوره لم يقل عن دور جمعية العلماء في التحريض والتوعية ضد الاستدمار...ولقد وفقه الله في خدش وجه عصره بالقلم والحرف ولا احد يشك في إن اسمه سيظل محفورا ما دامت الجزائر شامخة بعلمائها أمثال{ مولود قاسم} رحمه الله وغيره من الدين أحبوا الجزائر وافنوا العمر في الدود عنها...وما كتبه بوعزيز عن بدماء وجدانه وعقله – حتى لو لم يعد عليه بالمادة مثل ما عاد عل المنتهزين الذين جرفهم تيار المافيا التجارية وغلان السياسة فان آثاره أغلا واثمن من كل مادة لأنها ستخلده عبر الزمن ...لقد قابل شح الوظيفة بالحب الكبير لبلاده وامته وتحمل مكر بيروقراطية دور النشر التي تركت أعماله تئن تحت الرفوف... كما صبر علي وعودها الكاذبة وكابد العناد المؤلم أثناء رحلة البحث والتمحيص حتى تغلب علي الصعاب وضمد جراح الشهداء والمجاهدين وواسى معاناتهم كما صبر المتطرفين ليحد من وطأة عنفهم...ظل يلم الشمل ويجمع الكلمة ،التي تفرقت ،خوفا علي الجزائر أن تذهب ريحها..لم يكتب بوعزيز التاريخ مسبحا بحمد احد لأنه يمتاز بخصائص الوفاء للوطن وهو الذي حقق له البقاء الذي حرمه الله علي غيره من أصحاب الرغبات والنزوات الفردية والذين لا يفهمون قيمة النضال ضد الفناء وضد القهر. لقد رفع الله رصيد بو عزيز في التجربة وجعل موسوعته أرشيفا أبديا للمشاعر الوطنية وقد صفف الدكتور أرشيفه علي المراحل التاريخية التي مرت بها الجزائر وثورتها السابقة واللاحقة وعلى رأسها ثورة نوفمبر...أرادها الأعداء فترات تاريخية وأرادها بوعزيز مراحل تاريخية...بني أسسها ورفع بنيانها مرصوصا فلم يترك شعرة ولا نقطة ولا ذرة...حمل شعار {مسلم عربي امازيغي جزائري} في عقله ووجدانه..أحس به وفكر فيه ولآجل ذلك جاءت بحوثه مستخرجة من حياة جزائره التي يراها واحدة وشعبها واحدا ووطنه واحدا ومن ثم عمل علي لم الشمل وتوحيد أمته وقوميته، فجاءت موضوعات وبحوثه معبرة عن مراحل متواصلة لا تقبل المساومة، لأنها شارك في نسجها وخلقها بلايين البشر ونقشوا عليها بصمات بيئاتهم المتحدثة بقلم بو عزيز. حقا هو كتبها باللغة العربية التي يتكلم بها ملايين العرب لكنها لغة الجزائر رغم فصاحتها ومتانتها تلتحف بالبرنوس وترتدي السروال العريض والعباءة والبلوزة والبنطلون وتحمل البندقية وتمتطي الجياد والجمال...زرت الدكتور في الفيلا التي يسكنها، لم يكن يعرفني، كنت اعرفه من خلال كتبه التي نورتني...زرته لأنني شممت في كتبه رائحة مدرسة دار الحديث المختلطة والتي تعلمت فيها علي يد جمعية العلماء المسلمين ... كنت علي يقين انه الوحيد الذي سيفهم لغة قصصي...زرته ليتفضل علي بكتابة مقدمة لكتابي ُُ الحيطان العالية،‘ وجدته منعزلا في جناحه، خصصته له زوجته الطاووس- اسم علي مسمي-الفاضلة وهي تعمل في معمل لها في بيتها تخيط وتعلم فن الخياطة ولهذا رأت ألا تزعج زوجها بالزبائن ...وبيت الدكتور ليس كبيوت العنكبوت المنتشرة في مجتمعنا انه بيت كالبنيان المرصوص...كل أعضائه يعملون ،الدكتور مشغول بالبحث والكتابة والطاووس مشرفة علي البيت والأسرة زيادة عن شغلها في معملها والبنتان طيبتان تعالجان الإمراض وجراح الأبرياء وترقعان ما افسده الارهاب ..بوعزيز ليس كبقية الكتاب والباحثين الدين لا يرون إلا نفوسهم يستغلون زوجاتهم في بناء شهرتهم ويصعدون وحدهم ويجعلون زوجاتهم كالسلالم يصعدون علي ظهورهن وهن لا يصعدن أبدا...لقد تحدث الدكتور عن بلاده وأجداده.. كما تحدث عن خصال زوجته واعترف بفضلها ونشر صورتها بجانب صورته... ولم يكتفي بل راح يبحث عن دور المرأة التي همشت وغطاها النسيان ومسح عن نفسا عقد النكوص والنقص والاضطهاد.وتوفي رحمه الله ولم ينل تكريم الاعلام كالذي ناله المغنيين والمتصوفة والمجاهدين وحركة 8مارس من شرق البلاد الى غربها؟وأخير و ليس بآخر إن ما ذكرته عن الدكتور ما هو إلا القليل جدا ومن أراد أن يعرفه فعليه أن يقرا كتبه الأربعين ليعرف مدا حبه لهذا الوطن وأهله...لقد أحب الرجل نفسه وعائلته وأسرته وتمدد ذلك الحب الكبير ليضم وطنه الصغير ووطنه العربي الكبير ودينه وامته وتمطط هذا الحب ليشمل الإنسانية المقهورة في كل زمان ومكان...





ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الرابعة و الأربعون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







 
آخر تعديل:

nour el hanna

:: عضو بارز ::
إنضم
26 مارس 2014
المشاركات
5,397
النقاط
351
سيدى الكريم لك كل الشكر ولامتنان على مجهودتك الجبارة وعلى جميع مواضيعك المميزة فى شتى المجلات خصوصا الادب والمعرفة
لك كل التقدير والاحترام على هذا العطاء وكان الله فى عونك وجزاك كل الخير
 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
سيدى الكريم لك كل الشكر ولامتنان على مجهودتك الجبارة وعلى جميع مواضيعك المميزة فى شتى المجلات خصوصا الادب والمعرفة
لك كل التقدير والاحترام على هذا العطاء وكان الله فى عونك وجزاك كل الخير
العفو يا اختي الكريمة بل الشكر لك موصول على مرورك الكريم ومتوجا باكاليل التقدير والاحترام
نورت متصفحي بزيارتك الطيبة
جزاك ربي كل خير وفير.
 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 43 // العلامة المصلح الاجتماعي فضيلة الشيخ المفتي، مصطفى فخار بن حميدة بن علال









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الرابعة والأربعون



من أعلام الجزائر











موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الثالثة والأربعون



من أعلام الجزائر



العلامة المصلح الاجتماعي فضيلة الشيخ المفتي، مصطفى فخار بن حميدة بن علال






العلامة المصلح الاجتماعي فضيلة الشيخ المفتي، مصطفى فخار بن حميدة بن علال
(1310-1399)
(1892-1979)

ولد-رحمه الله-في مارس 1892الموافق للسنة 1310الهجرية بحوش بالفخار، على مقربة من مقبرة الزبوجة وهو ابن حميدة بن علال بن محمد بن الفخار.

ترعرع في بيت الدين والطاعة الله ورسوله فأبوه حميدة فخار أو بالفخار، كان مفتيا، وابن المفتي علال بالفخار، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، فيما كان يعرف- قديما "بجامع الباي أو الجامع المالكي، أو الوسطاني، وقد رفع مكانه جامع جديد وهوالمسمى اليوم بجامع الإمام مالك رضي الله عنه."
فلما درج دخل كتابا كان المؤدب أو الذرار بالتعبير العامي القديم،فيه، كان يعلم الصبية القرآن الكريم ومبادئ الفقه والصرف والنحو، زوج عمته رحمها الله، الشيخ بن يلس.

وبين يدي شيخه ذاك، حفظ القرآن العظيم، وتلقى مبادئ اللغة العربية والنحو والصرف، وحفظ شيئا من الحديث وعددا من المتون، مثل الأجرومية والقطر والبردة والبيقونية وسيدي خليل وألفية بن مالك والشمقمقية والفرائض وما يتصل بها من حساب وكسور إلخ......
"فالتعليم الإبتدائي والأساسي" كان عندنا، في الكتاتيب القرآنية، التي كان مؤدبوها أو الشيوخ، أو الذرارون( من الذرية لأنهم يربون الذراري) يلقنون التلاميذ والطلبة، القرآن الكريم-كما رويت ذلك عنه-ويعطونهم سطورا في أسفل اللوحة من المتون الأساسية في ثقافتنا الإسلامية العربية، يحفظونها ويشرحها لهم الشيخ، مع ما يكتبون من القرآن الكريم. فلا يحفظ الطلبة كتاب الله إلا وقد حفظوا معه، ووعوا المتون الأساسية.


وكان يحضر مع الطلبة- حسبما كان يروي ذلك بنفسه - دروس والده في الجامع، التي كان يلقي بعضها على العموم، والبعض الآخر على بعض الطلبة دون عامة الناس.


وقد أخذ الفقه ودرس مدونة و موطأ الإمام مالك.وشرح الإمام القسطلاني و التفسير عن عالم جليل آخر، من علماء بلدنا المحروس ، المدية وهو المرحوم الشيخ ابن الحصيني-كما رويت ذلك عنه رحمه الله- وقد كانت للشيخ بالحصيني، ذاك أياد بيضاء، ومنه وفضل على كثير من مثقفي المدية، وكان هذا العالم الصوفي الفاضل، يدرس لوجه الله في الجامع، للعامة وللطلبة... وعنه روى وتعلم جل شيوخنا القدامى.


أما الحديث النبوي الشريف فقد روي عنه أن جدنا علالا وجد الشيخ الفضيل بن رمضان - رحمهم الله جـميعا- سافر إلى الجزائر العاصمة في منتصف القرن التاسع عشر، أو في التسعينيات منه، وأقاما فيها أقاما فيها أربعة أو سنة أشهر، نازلين بمقصورة الجامع الكبير، لا طعام لهم كامل تلك المدة، غير السويق والماء والسويق هو الروينة.


وكانت رحلتهم تلك لنسخ ثلاث نسخ من صحيح البخاري وثلاث نسخ من صحيح مسلم لتلاوتها من أول أحد رجب، وختمها في ليلتي السابع والعشرين والثامن والعشرين من رمضان ...كل سنة .
وعاد إلى المدية بعد رحلة الحديث تلك، لأن النسخ المطبوعة كانت نادرة، بل ربما لم يكن البخاري ومسلم قد طبعا في ذلك الوقت...فأقدم طبعات بولاق المصرية للصحيحين، من التسعينات من القرن التاسع عشر...فقد حبس الرجلان نفسيهما طوعا نصف عام بلياليه في مقصورة..لكنها مقصورة الجامع الأعظم.. وعاشا على السويق والماء، وهما بمثابة " الأسودين" عندهم إذ ذاك، لنسخ الصحيحين، بأقلام القصب والصمغ ونقع قشر شجر الجوز...

وقد سمعت الشيخ الفضيل إسكندر بن رمضان- رحمه الله- يقول: إن المدينة التي يتلى فيها الصحيحان لا يبتليها الله بالخسف.
وقد قرأ الشيخ المفتي مصطفى بن حميدة والشيخ الفضيل إسكندر بن رمضان، البخاري ومسلم وقرأهما معهم عشرات الطلبة والأئمة، أمثال الشيخ الشهيد إبراهيم بن دالي، وأخيه الشيخ بن عيسى بن دالي والشيخ الجيلالي دوخ والشيخ محمد بن الحصيني، حفيد الشيخ بالحصيني الكبير، والشيخ المرحوم عبدالرحمن الزوبير...قرؤوهما أكثر من ستين سنة، وأفادوا واستفادوا وأناروا البلد... فربطوا على قلوب الناس برباط القرآن العظيم والبخاري ومسلم.


وكان جل علم الشيخ المفتي مصطفى فخار من مطالعاته...فكان إلى حد بعيد عصاميا، فلطالما كان يقول لنا-رحمه الله قول شاعرنا:
أطلب العلم لا تضجر من مطلب فآفة الطالب أن يضـجـر!
ألـم تر أن الـحبل بـتكراره على الصخرة الصماء قد أثر!!
وعلى ذكر الشعر كان يحب منه شعر الحكمة والفروسية والجود والكرم ويتغنى بمدح الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قرأنا- رحمه الله وجازاه عنا كل خير!.
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.. وبردة البصيري وهمزيته... وأحب نهج البردة... التي نظمها شوقي وغنتها أم كلثوم في الخمسينيات من القرن الماضي.


ذلك أن الرجل كان صوفيا بل كان مقدم الطريقة التيجانية بالمدية. وهي من كبريات الطرق الصوفية، شيخها ومؤسسها الولي الصالح سيدي أحمد التيجاني من عين ماضي، قرب الأغواط، ولها مريدون في المغرب الأقصى والجزائر كلها وفي المشرق العربي، وقد نشط عدد كبير منهم فنشروا الإسلام بإفريقيا جنوبي الصحراء، في السنيغال والنيجر والتشاد ونيجريا....
فكان سي مصطفى أو الشيخ المفتي كما كان يسميه أهل المدينة تيجانيا، بينما كان أبو شاذليا من مريدي طريقة سيدي بالحسن بن الشاذلي رضي الله عن جميعهم......
وكان يعقد يوميا حلقة الوظيفة وهي حلقة ذكر يومية تنعقد بعد العصر حول إزار أبيض كبير يبسط فوق زرابي الجامع لئلا تشغله صورها ورسومها عن ذكرهم.... فيسترسلون في ذكرهم وتسبيحهم اللهم صلي على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله وصحبه حق قدره وقدره العظيم...ولا إله إلا الله ....إلخ.....
وينهان عن الشعر الهزلي.. وكان ممن يذكر معه الحاج خوني كسكسة ومبارك من الذين ترى في وجوههم سكينة الذاكرين وطمأنينة وإيمان المخلصين...
وفيما يتعلق بعلمه فكان جله من مطالعاته، فكان عصاميا إلى حد بعيد....
فلم أفتح ولم أقرأ قط، كتابا واحد من كتب مكتبته العامرة!وبها كتب كثيرة! إلا في معظم هوامشها تصحيح أو تعليق أو تسجيل في أول الكتاب المذكرات بأهم ما فيه، بخط يده......
وكان من أعز أصدقائه وقرنائه الشيخ الفضيل اسكندر بن رمضان،مفتي الحنفية بالمدية، الذي لم يكد يفارقه يوما..فكانت بينهما المناقشات الطويلة والحوار عن مختلف القضايا الشرعية عند الحنفية والمالكية وقد سافرا معا في جولة علمية وسياحية سنة 1936م إلى تونس.
وهناك زار جامع الزيتونة
وزار الشيخ الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة، وهو بمثابة عميد الجامعة في أيامنا فامتحنه، فأجازه في الحديث والفقه والتفسير والعربية، وأمهات الكتب والفنون العربية، على عادة القدامى...إمتحنه في الفنون الإسلامية والعربية وفي أمهات كتبها، مذكورة بأسمائها وأصحابها، ومنحه شهادة بالعلم أمضاها بخط يده، رحمهم الله في 1936م
وللشيخ المفتي أياد بيضاء على أغلبية المثقفين بالعربية أو بالعربية والفرنسية من أهل المدية، إذ أخذ عنه المئات، وربما الآلاف من أهل المدية وغيرها جل، وربما كل ثقافتهم العربية والإسلامية، لما كانوا يحضرون دروسه في النحو والصرف والفقه والتوحيد والتفسير والتجويد، ويسمعون أو يشاركون في تلاوة البخاري ومسلم، ويحضرون ختمهما في ليلة السابع والعشرين وليلة الثامن والعشرين من رمضان، حين كان يحتفل به في الجامع الجديد وهو الواقع إلى جانب مجلس القضاء اليوم.


وكان يحضر الحفل المهيب والبهيج الشيخ محمود اسطنبولي مفتي البليدة- وهو من آل إسنطنبولي من المدية وكانوا يعرفونه باسم الحاج محمود- يحضر جل القراء، يرفلون في برانسهم و جببهم البيضاء وعمائم الياسمين، فيهتز الجامع بذكرهم وترتيلهم وتلاوتهم، وتسبيحهم...ويخطبون ،فيذكرون الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم ومناقب الصحابة والرواة، والشيخين رضي الله عن جميعهم... فزرعوا بذلك بذور الثقافة والشخصية العربية الإسلامية في أهل البلد.


وإني لأذكر ذلك الأستاذ الكبير- الذي لم يكن يدرس، في شبابه إلا بالمدارس الفرنسية، ولم يتعلم العربية والشريعة إلا منه، من دروسه التي لم يكن يتخلف عن واحد منها ولو أعطوه حمر النعم كما كان يحلو له أن يقول معجبا بفصاحة الشيخ وسرعة بديهته-كما كان يقول-وكله عرفان وتقدير.
وللشيخ المفتي مخطوط في مناسك الحج بخط يده عدا آلاف المذكرات في كل الدروس والخطب التي ألقاها على مدى نيف ونصف قرن أو يزيد.....توفي رحمه الله في صيف 1979م.



ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الخامسة و الأربعون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 44 // من أعلام الجزائر/أحمد بن نصر الداودي المالكي الجزء الاول









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الخامسة والأربعون



من أعلام الجزائر












من أعلام الجزائر/أحمد بن نصر الداودي المالكي




الجزء الاول



علم الحديث ومصطلحه يُعد من العلوم التي اهتم بها العلماء الجزائريين منذ القديم، واعتنوا به تدريسا وتأليفا ورواية وإجازة وكان العمل عندهم بالكتب الستة يدرسونها ويحفظونها ويسندونها، ولكن اهتمامهم الأكبر كان بالموطأ والصحيحين، ونحاول في هذه السطور تسليط الضوء على اهتمام علماء الجزائر بصحيحي الإمامين البخاري ومسلم –رحمهما الله-.وفضلت الإرساء
على عالم جليل كان لعطائه سابق الفضل في المعرفة والدراسات الإسلامية إنّه العالم والإمام " أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي

كنيته و اسمه ونسبه :

شيخ الإسلام أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ الْأَسَدِي ، الأموي، الطرابلسي، التلمساني المالكي ، من أئمة الحديث الشريف وحفاظه ، وأحد فقهاء المالكية المشهورين ، ويكني بأبي جعفر, [وكناه الزركلي بأبي حفص وهو غير صحيح ، كما ان الحاج خليفة صاحب " كشف الظنون " أخطا فياسم والده حيث سماه بسعيد وهو اسم جده فذكره حين سرده لشراح صحيح البخاري في ( ج 1 / ص 546 ) : أبو جعفر : أحمد بن سعيد الداودي]، إلا أنه قد يقع البعض في الخلط بينه وبين أحمد بن نصر الهواري أبو جعفر (ت319 هـ)؛ وذلك للتشابه الكبير بينهما، إذ أن كنيتهما هي أبو جعفر و لهما نفس اسم الأب أحمد بن نصر، إلا أنهما يختلفان في اسم الجد، إذ أن جد مترجمنا اسمه سعيد ، وجد الثاني اسمه زياد ، وقد نبه إلى هذا التشابه الإمام برهان الدين ابن فرحون أثناء ترجمته للثاني: أبو جعفر أحمد بن نصربن زياد الهواري في كتابه : " الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب " فقال في 1/46 : " ....وفي المالكيين من يشتبه به وهو أحمد بن نصر الداودي متأخر يأتي ذكره ".

مولده ونشأته:

لم اعثر في جميع المصادر التي ترجمت للدادوي عن سنة ولادته ، إلا أنها أشارت إلى أنه ولد بمدينة المسيلة وقيل ولد بمدينة بسكرة , وهما مدينتان تقعان في الشرق الجزائري، وكل ما نقلته لنا عن نشأتهانه كعادة أترابه ولداته في ذلك الوقت حفظ القرآن الكريم و درس علوم العربية من نحووصرف و بلاغة ، ثم دراسة بعض مختصرات كتب الفقه المالكي، كما هو متعارف عليه عندمدرسي تلك العصور ، ولم تذكر أي شئ عن اسرته أو مجتمعه ، ثم تجدها تنقل لنا سفرهلسبب غير معروف – لعله طلب العلم – الى طرابلس الغرب، حيث سكن و استوطنبها.

شيوخه وعصاميته في طلب العلم:

لقد لاحظت في كل المصادر و المراجع التي قرأت فيها عن حياة الداوي، و كذلك لاحظ جميع المترجمين الذين تعرضوا لتتبع حياة الداودي أنه كان عصاميا حيث انه أعتمد في دراساته على مطالعاته، و جهوده وإرادته الشخصية في حب العلم و التعلم ، فكلهم ذكروا انه : " كان درسه وحده لم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهوروإنما وصل بإدراكه "، وليس معنى هذا انه لم يتتلمذ على أي شيخ ، بل انني وجدت أسماء ثلاث شيوخ تلقى عنهم ،وكتب عنهم ، وقد اجازوه بمروياتهم ومؤلفاتهم ، ولعلهم يقصدون ب: " كان درسه وحده " أن هؤلاء الشيوخ لم يكونوا في مرتبة أو منزلة العلماء البارزين المشهورين ، ومما يؤكد صحة ما ذهبت اليه هذه الحادثة التي أوردها القاضي عياض ومفادها: " وبلغني [أحمد بن نصر الداودي] أنه كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان سكناهم في مملكة بني عبيد ، وبقاؤهم بينأظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك. فأجابوه ( أسكت لا شيخ لك))، أي لأن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل الى ما وصل بإدراكه، ويشيرون أنه لو كان له شيخ يفقهه حقيقة الفقه لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام، وبقية صالحة للإيمان، وأنهم لو خرج العلماء عن إفريقية لتشرّق من بقي فيها من العامة الألف والآلاف فرجحوا خير الشرين، والله أعلم".
كما نقل الإمام الونشريسي عن القاضي عياض أيضا قوله: "بأن الداودي مقارب المعرفة في العلوم وأن علمه كان بنظرهواجتهاده، وغير متلق عن الشيوخ وقد عابه بذلك أهل زمانه" ، ولعله يقصد بذلك أهل القيروان الذين سبق ذكر قصتهم مع الداودي.

على كل حال ها هي ترجمة قصيرة لهؤلاء الشيوخ الثلاثة:
- ابراهيم بن خلف الأندلسي:" سمع أباه ورحل فسمع بكار بن محمد وأبا سعيد بن الأعرابي وغيرهما روى عنه أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ذكر ذلك أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن الصابوني في برنامجه وحدث بموطأ مالك رواية أبي المصعب الزهري وعبد الله بن مسلمة القعنبي ويحيى بن يحيى الأندلسي عن الداودي عنهقرأت ذلك بخط محمد بن عياد ".
(ابن الابار البلنسي - التكملة لكتاب الصلة 1/ 116.الترجمة رقم: 336).

- أبو بكر بن عبد الله بن أبي زيد و أخيه عمر بن عبدالله :ولدا الشيخ أبي محمد، كانت له ولأخيه عمر بالقيروان،مكانة جليلة، بأبيهما وتقدمهما. ووليَ قضاء القيروان، قبل الفتنة. ولم يكن فيمابلغني بالمحمود السيرة. وقد رويت عنه كتب أبيه. وكان أدركه صغيراً. وكتب أحمد بننصر الداودي عنهما.

(القاضي عياض –ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك 7/102-103).

ثناء العلماء ومعاصريه عليه:

رغم ان الداودي لم يدرس على يد علماء و أئمة مشهورين ،الا انه بفضل الله و بعصاميته و جده و اجتهاده ، وبإرادته الفولاذية في التحصيل والاجتهاد ، وصل إلى مرتبة جعلت علماء عصره يقرون بإمامته في العلم و الفقه ،وببلاغته و حسن بيانه ، وبدقة نظره، وثراء تآليفه، ويثنون عليه في ذلك الثناء العطر، فها هو مؤرخ الاسلام و بروفيسور الرجال الإمام الذهبي رحمه الله يقول عنه [(تاريخ الاسلام - للذهبي 6/421)]: " أحمد بن نصر: أبو جعفر الأزدي الداودي المالكي الفقيه. كان بأطرابلس المغرب، فأملي بها كتابه في شرح الموطأ، ثم نزل تلمسان. وكان ذا حظ من الفصاحة والجدل".
أما القاضي عياض فقد قال عنه لما ترجم له : "من أئمةالمالكية بالمغرب، والمتسعين في العلم المجيدين للتأليف" ، وقال عنه الامام ابن فرحون في ترجمته : " من أئمة المالكية بالمغرب كان فقيها فاضلا متقنا مؤلفا مجيدا له حظ من اللسان والحديث والنظر" ، وقد عده الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد أحمد العرفيمن " جملة العلماء المحققين، الثقات، الاثبات " ، وقال ابن عبد السلام الهواري في وصفه: "كان فقيهًا فاضلا عالما متيقظًا مجيدًا مؤلفا له حظ في اللسان والجدل" ،ووصفه التسولي فقال: "كان إمامًا متقنا متفننا".

و يكفي للدلالة على مكانته و منزلته خاصة في الحديث الشريف و الفقه المالكي، أن جميع شراح صحيح البخاري ( باستثناءالإمام أبو سليمان الخطابي ) كلهم نقولوا عنه و عن شرحه للصحيح ،فهذا الحافظ ابن حجر العسقلاني قد أورد له – حسب إحصائية قمت بها – في " فتح الباري شرح صحيح البخاري " : 479 بين استشهادا و نقلا لفوائد ، و أورد الكثير من أقواله، مرجحابها لرأيه مرة ، و مناقشا لها آخرى ، و موهما لها تارة و مصححا له اطورا.أما بدر الدين العيني الحنفي في " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " فقد أورد : 636 بين استشهادا و فائدة. و الإمام أبو الحسن علي بن خلف ابنبطال في " شرح صحيح البخارى " : فقد أورد 25 بين استشهادا وفائدة. أما في الفقه بصفة عامة والمالكي منه بصفة خاصة ، فيكفي أن تلقى نظرة على دواوين و أمهات كتب الفقه المالكي و النوازل لتجدها طافحة بالآراء الفقهية و الاجتهادات المبنية على استنباطات من النصوص الشرعية، أو المنبثقة عن نظر دقيق في الوقائع الحادثة مع مراعاة الظروف المحيطة بها، وقرائن الأحوال التي تلتها، التي تبين عن شخصية العالم المميز، المجد الفاهم لروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها ،و الملتزم بمراعاة حكمها وأسرارها عند استنباط الأحكام من نصوصها، وتفريع الفروع عليها، وخاصة فيما يتعلق بالضروريات، ولذلك فانه لا يمكن بأي حال إهمال آرائه ولاتغييبها عن مواقع الخلاف الفقهي في المذهب.

و من كتب الفقه والنوازل والقضاء التي احتفظت لنا بهذه الآراء والنوازل والمسائل والفتاوى و الاجتهادات على سبيل المثال فقط:

" المعيار المعرب عن فتاوى إفريقية والمغرب" للونشريسي.

" الدرر المكنونة في نوازل مازونة " لأبي زكريا يحي بنموسى المازوني

" مذاهب الحكام في نوازل الأحكام " للقاضي عياض وولده محمد.

" درّة عقد الحواشي، على جيد شرحي الزّرقاني والخراشي" و " الأحكام الجوازل، في نُبذ من النّوازل " لأبي راس النّاصري الجزائري.

" نوازل البرزلي" لأبي القاسم بن احمد بن محمد البرزلي.

" مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل " لشمس الدين أبوعبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي ، المعروف بالحطاب الرُّعيني.

" الذخيرة في الفقة المالكي " لشهاب الدين أحمد بنإدريس القرافي.

" الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني" لأحمَد بن غنيمِ بن سالم النفراوي ، الازهري المالكي.
" جامع الأمهات" لابن الحاجب.

" تعليق علي المدونة " و" شرح التلقين " و " فتاوى " الإمام محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري.
فتاوى ابن رشد.

"الموافقات" لإبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي ، الشهير بالشاطبي.

وغيرها من مصادر الفقه المالكي.

تلامذته:

لقد تخرج على يد هذا العالم خلق كثير،حيث انه أملى مؤلفاته في مجالس التدريس وشرحها و أجاز بها الكثير من علماء و مشايخ عصره ، وطلبته النجباء الذين صار لهم شأن و أي شأن ، و نذكرمنهم:
أبو عبد الملك مروان بن علي - أبو محمد - الأسدي القطان البوني، نسبة إلى بونة ( مدينة عنابة بالشرق الجزائري ت حوالي سنة 440هـ ): " روى عنه أبو القاسم حاتم بن محمد وقال: لقيته بالقيروان وشهد معنا المجالس عند أهل العلم بها، وكان رجلاً حافظاً نافذاً في الفقه والحديث.... ولازم أبا جعفر الداودي لمدة خمس سنوات فأخذ عنه معظم تآليفه وأخذ عنه حاتم الطرابلسي، أبو عمر بن الحذاء قال عنه حاتم: كان رجلا فاضلا حافظًا نافا في الفقه والحديث، وألف في شرح الموطأ كتاباً مشهورا حسنًا رواه عنه الناس." ((الصلة في الرواة لابن بشكوال1/200).

أبو بكر أحمد أبي عمر أبي محمد بن أبي زيد (ت بعدسنة 460هـ) : " الفقيه الإمام الفاضل، العارف بالأحكام والنوازل القاضي العادل، روىالتهذيب عن مؤلفه البراذعى، وكان البراذعى يثني عليه كثيرًا، أخذ عن أبي جعفرالداودي وغيره".
هشام بن عبد الرحمن بن عبد الله، يعرف بابن الصابوني: من أهل قرطبة؛ يكنى: أبا الوليد( ت 423 هـ ) : " ...رحل إلى المشرق فأدى الفريضة وروى هنالك عن أبي الحسن القابسي، وأبي الفضل الهروي، وعن أبي القاسم علي بن إبراهيم التميمي الدهكي البغدادي، وعن أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي وغيرهم. وكان خيراً فاضلاً، عفيفاً طيب الطعمة. مخزون اللسان، جيد المعرفة، حسن الشروع فيالفقه والحديث. دؤباً على النسخ، جماعاً للكتب، جيد الخط. وله كتاب في تفسيرالبخاري على حروف المعجم كثير الفائدة".

أحمد بن سعيد بن علي الأنصاري القناطري، المعروف: بابن الحجال، من أهل قادس، يكنى: أبا عمر.( ت سنة 428 هـ): " سمع بقرطبة، ورحل إلى المشرق ولقي أبا محمد بن أبي زيد، وأبا جعفر الداودي، وأكثرعنه وعن غيره".

أحمد بن محمد بن ملاس الفزاري. من أهل إشبيلية، يكنى: أبا القاسم ( ت سنة 435 هـ ): " له رحلةٌ إلى المشرق لقي فيها أبا الحسن بن جهضم، وأبا جعفر الداودي وأخذ عنهما وعن غيرهما. وسمع بقرطبة: من أبي محمد الأصيلي،وأبي عمر بن المكوي، وابن السندي، وابن العطاروغيرهم،وكان: متفننا في العلم، بصيراً بالوثائق مع الفضل والتقدم في الخبر. ذكره ابن خزرج وقال: توفي سنة خمسٍ وثلاثين وأربع مائة، ومولده سنة سبعين وثلاث مائة."
أحمد بن محمد بن يحيى القرشي الأموي الزاهد، يعرف: بابن الصقلي سكن القيروان.( ت 431 هـ): " ...ذكره ابن خزرج وقال: كان منقطعاً في الصلاح والفضل. قديم العناية بطلب العلم بالأندلس وغيرها. من شيوخه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو جعفر الداودي، وأبو الحسن ابن القابسي، أبو عبد الله محمد بن خراسان النحوي، وعتيق بن إبراهيم وجماعة سواهم."
عبد الرحمن بن عبد الله بن خالص الأموي: من أهل طليطلة، يكنى أبا محمد ( ت ؟؟): " ...له رحلةٌ إلى المشرق روى فيهاعن أبي جعفر الداودي وغيره."

هل الداودي هو أول شارح لصحيح البخاري؟:

ذكر الشيخ عبد الرحمن الجيلالي - حفظه الله - أن شرحه هذا هو أول شرح لصحيح البخاري ، وتبعه في ذلك عادل نويهض في معجمه وغيره من المهتمين ، وهذا غير صحيح في نظري ، وإن كان فيها من نفسي شئ – و الله أعلم - لأن أول من وضع شرحا على صحيح البخاري هو أبو سليمان حمد بن محمد الخطاب البستي (ت 388 ) في كتابه ( أعلام الحديث أو أعلام السنن) ، يأتي بعده شرح مترجمنا الداودي، وان كان بعض الاخوة يشكك في هذه المعلومة ولا يحملها على إطلاقها وذلك لأن أبا جعفر الداودي معاصر للخطابي وتوفي عام 402 ( بين وفاتهما 4 سنوات ) ،فما الذي يجزم أن الخطابي هو صاحب الأولية ؟ فما المانع بأن يكون الداودي قد ألفه في نفس الفترة أوقبل تأليف الخطابي ؟ زيادة على ذلك فإن علماء السنة عندما تحدثوا عن أول من صنف في السنة ذكروا كوكبة من العلماء منهم الربيع بن صبيح وشعبة ومالك وقالوا إنهم في عصر واحد ولم يجزموا بأولية أحد ؟ ومما يزيد في الشك ان الخطابي ألف شرحه للجامع الصحيح في أخريات حياته أي بعد تصنيفه لمعالم السنن لشرح سنن أبي داود ، فجعل أعلام الحديث أو أعلام السنن مكملاً لما ذكره في معالم السنن، يقول في المقدمة: "وقد تأملت المشكل من أحاديث هذا الكتاب فوجدت بعضها قد وقع ذكره في معالم السنن مع الشرح لهو الإشباع في تفسيره" وقد يكون بعض العلماء اعتبروه أول شرح للصحيح لشهرة الكتاب و تعدد طبعاته ، وشهرة مؤلفه واهتمام العلماء به مقارنة بالداودي رحمهماالله و جزاهما الله خيرا، والسؤال يبقى مطروحا، وقابلللمناقشة.
وما يمكنني الجزم به هو أن الداودي يعتبر أول شارح للجامع الصحيح في الجزائر و المغرب العربي الغرب الإسلامي

مؤلفاته وآثاره:

ان مثل هذا العالم الحافظ الذي لقب بشيخ الإسلام، لا بدوانه ترك ثروة علمية كبيرة قيمة ، ضمنها في مؤلفاته وآثاره ، منها ما وصل إليناومنها ما لم يصل، ولكن المصادر التي ترجمت له ، و العلماء الذين نقلوا عنه في كتبهم احتفظوا لنا بأسماء بعضها، ومن أهم مؤلفاته:
النصيحة في شرح صحيح البخاري: و يسميه البعض " النصيح " وقد ألف هذا الكتاب الجليل في تلمسان حيث ألف أكثر كتبه بها.
النامي في شرح موطأ الإمام مالك : وهذا الكتاب أصَلَه وأملاه بطرابلس أي في المرحلة الأولى من حياته، وبالتالي يمكن القول إن كتاب النامي من اوائل الكتب التي ألفها الداودي، وهو كتاب جليل حاز به الفضل على غيره من جميع من تقدمه أو تأخر عنه من علماء الإسلام.
ويعتبر هذا الكتاب ثاني شرح للموطأ بعد شرح محمد بنسحنون القيرواني له. وقد ذكر عبد الرحمن الجيلالي أنه توجد نسخة منه بمكتبة القرويين بفاس تحت رقم(527).

وهذين الكتابين هما اللذان اعتمد عليهما الكثير من شراح الحديث الشريف، و نقلوا عنهما كما ذكرت سابقا ، فالحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لصحيح البخاري يذكر انه ينقل عنه في باب الرواية، كما في باب الدراية ، كما أن رواية الداودي لصحيح البخاري كانت من ضمن الروايات التي يرويها ابن حجر عن الصحيح،بل هي أعلى الروايات لديه من حيث العدد كما صرح هو بذلك حيث قال: " وأما رواية الداودي فهي أعلى الروايات لنا من حيث العدد". وقال الحافظ ابن حجر أيضا في معجمه: " كتاب شرح الموطأ وكتاب شرح البخاري كلاهما تأليف أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي المالكي التلمساني أنبأنا بهما أبو علي الفاضلي عن أحمدبن أبي طالب عن جعفر بن علي عن محمد بن عبد الرحمن الحضرمي عن عبد الرحمن بن محمدبن عتاب عن يوسف بن عبد الله النمري (ابن عبد البر) عنه إجازة ومات سنة اثنتين وأربعمائة".
الأموال: وهو فتاوى وأحكام في الأمور العارضة وفيما جرى عليه الحال في البلدان المفتوحة مثل: صقلية والأندلس و بعض بلدان افريقية الجنوبية ،وبعض النوازل الفقهية التي كانت في عصر المؤلف، وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب مصورة عن النسخة الموجودة بالأسكوريال بإسبانيا تحت رقم 1165، وقد قام بتحقيقه الاستاذ رضا محمد سالم شحادة، وطبعه مركز إحياء التراث العربي - الرباط.بالمملكة المغربية الشقيقية.

وتقدم الأستاذ نجيب عبد الوهاب بمناقشة حوله في رسالة ( أطروحة دكتوراه ) ببريطانيا.
الواعي في الفقه

الإيضاح في الرد على القدرية : وهو كتاب يرد فيه على إحدى الفرق الكلامية المنحرفة، وهي القدرية.

كتاب الأصول

كتاب البيان

كتاب تفسير القرآن المجيد: وهذا الكتاب لم يذكره إلا عبد الرحمن الجيلالي فيما اطلعت عليه من كتب التراجم وقال: إن المفسر عبد الرحمن الثعالبي قد نقل عنه في كتاب الجواهر الحسان وكذا غيره من المفسرين
وفاته:
استقر مترجمنا بمدينة تلمسان، حيث ألف معظم كتبه، وفيها توفي وقد اختلف العلماء في سنة وفاته، إلا أن جمهورهم اتفق على أنها كانت سنة 402 هـوهي السنة التي رجحها القاضي عياض عند ترجمته للداودي في ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك 7/102-103)).
بقوله: " ...قال حاتم الطرابلسي: توفي بتلمسان سنة اثنتين وأربعماية، وقبره عند باب العقبة، ولم يسمع منه حاتم وكان حياً إذ كان حاتم بالقيروان، وقرأت في بعض التواريخ أن وفاته سنة إحدى عشرة والأول أصحّ ".

أمثلة من أقواله و آرائه واجتهاداته:

أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري شرح صحيح البخاري " قولا استحسنه للداودي نقله من شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال عند حديثه عن ( بَاب فَضْل الْفَقْر ) ج 10 ص 168. فقال : "... وَحَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ " نِعْمَ الْمَال الصَّالِح لِلرَّجُلِ الصَّالِح " أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْر ذَلِكَ قَالَ : وَأَحْسَن مَا رَأَيْت فِي هَذَا قَوْل أَحْمَد بْن نَصْر الدَاوُدِيِّ : الْفَقْر وَالْغِنَى مِحْنَتَانِ مِنْ اللَّه يَخْتَبِرُبِهِمَا عِبَاده فِي الشُّكْر وَالصَّبْر كَمَا قَالَ تَعَالَى ( إِنَّا جَعَلْنَامَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهمْ أَحْسَن عَمَلًا ) وَقَالَ تَعَالَى ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة ) ، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَسْتَعِيذ مِنْ شَرّ فِتْنَة الْفَقْر وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْغِنَى " ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا حَاصِله أَنَّ الْفَقِير وَالْغَنِيَّ مُتَقَابِلَانِ لِمَا يَعْرِض لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي فَقْر هوَغِنَاهُ مِنْ الْعَوَارِض فَيُمْدَح أَوْ يُذَم وَالْفَضْل كُلّه فِي الْكَفَاف لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط ) وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ اِجْعَلْ رِزْق آلِ مُحَمَّد قُوتًا ".

و في " الفتح " لابن حجر ايضا:
قَوْله مَهْ
قَالَ الْجَوْهَرِيّ : هِيَ كَلِمَة مَبْنِيَّة عَلَى السُّكُون ، وَهِيَ اِسْم سُمِّيَ بِهِ الْفِعْل ، وَالْمَعْنَى اُكْفُفْ ، يُقَال مَهْمَهْته إِذَا زَجَرْته ، فَإِنْ وَصَلْت نَوَّنْت فَقُلْت مَهٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة " مَا هَذَا " كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْض اللَّفْظَة فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَة".

خصص الونشريسي في موسوعته الفقهية ( المعيار المعربعن فتاوى إفريقية والمغرب 10/102-103) بابا بعنوان: "إذا لم يكن بالبلد قاض زوج صالحوا البلد من أراد التزويج" و أورد فيه ما يلي بنصه:
" وسئل أبوجعفر أحمد بن نصر الداودي عن امرأة أرادت التزويج وهي ثيب ولا حاكم بالبلد وأولياؤها غيب ترفع أمرها إلى فقهاء البلد فيأمر من يزوجها وكيف إذا لم يكن بالبلد عالم ولا قاض أترفع أمرها إلى عدول البلد في البكر والثيب؟فأجاب: إذا لم يكن بالبلد قاض فيجتمع صالحوا البلد ويأمرون بتزويجها." كل بلد لا سلطان فيه فعدول البلد وأهل العلم يقومون مقامه في إقامة الأحكام"وسئل أيضا عن بلاد المصامدة ربما لم يكن عندهم سلطان وتجب الحدود على السراق وشربة الخمر وغيرهم من أهل الفساد هل لعدول ذلك الموضع وفقهائه أن يقيموا الحدود إذا لم يكن سلطان وينظرون في أموال اليتامى والغيب والسفهاء ؟فأجاب بأن قال: "ذلك لهم وكل بلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يضيع الحدود أو سلطان غير عدل فعدول الموضع وأهل العلم يقومون في جميع ذلك مقام السلطان".وسئل أيضا عن بلد لا قاضي فيه ولا سلطان أيجوز فعل عدوله في بيوعهم واشريتهم ونكاحهم؟فأجاب:"بأن العدول يقومون مقام القاضي والوالي في المكان الذي لا إمام فيه ولا قاضي".
قال أبو عمران الفاسي : أحكام الجماعة الذين تمتد إليهم الأمور عند عدم السلطان نافذ منها كل ما جرى على الصواب والسداد في كل ما يجوز فيه حكم السلطان وكذلك كل ما حكم فيه عمال المنازل من الصواب ينفذ".

ورد في كتاب : " منح الجليل مختصر خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِي" لعليش ( 6/191). ما نصه:
" ... مِمَّا خُصَّ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُشَاوَرَةِ ) لِذَوِي الْأَحْلَامِ مِنْ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَتَأْلِيفًا لَهُمْ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ عِلْمًا ، فَالْخُصُوصِيَّةُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ كَامِلَ الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُشَاوَرَةُ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَاوِرُ فِي الْحُرُوبِ وَفِيمَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَ النَّاسِ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ الْأَحْكَامُ فَلَا يُشَاوِرُ فِيهِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَا إنَّمَا يُلْتَمَسُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْهُ ،وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَأَنْزَلْنَا إلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَلِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } الْآيَةَ.


المصادر والمراجع:

أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي " شرح صحيح البخارى" تحقيق : أبو تميم ياسر بن إبراهيم،

، نشر مكتبة الرشد - الرياض السعودية، الطبعة الثانية 1423هـ - 2003م. ابن حجر العسقلاني، " فتح الباري في شرح

صحيح البخاري " صححه وحققه عبد العزيز عبد الله بن باز، المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة 1380هـ. القاضي عياض

السبتي: " ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، ، تحقيق مجموعة من الباحثين. الرباط: وزارة الأوقاف

المغربية ، 1983م. إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي: "الموافقات" ، تحقق : أبو عبيدة مشهور

بن حسن آل سلمان ، نشر: دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م. برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد،ابن

فرحون، " الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب" ، مطبعة عباس بن عبدالسلام بن شقرون مصر الطبعة الأولى سنة

1351 هـ. أبو العباس أحمد الونشريشي، " المعيار المعرب والجامع المقرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب"،

خرجه جماعة من العلماء بإشراف محمد حاجي - دار الغرب الإسلامي - بيروت - سنة 1401هـ- 1981م. خلف بن عبد

الملك، ابن بشكوال: " كتاب الصلة ". القاهرة: مكتبة الخانجي، 1994م. أبو عبد الله محمد، ابن الأبار: "التكملة لكتاب الصلة"

، تحقيق عبد السلام الهراس. الدار البيضاء: دار المعرفة، 1995م. محمد بن أحمد ( عليش ) : " منح الجليل شرح

مختصرخليل": طبعة بولاق سنة 1294هـ. أبو القاسم محمد الحفناوي،" تعريف الخلف برجال السلف"،مؤسسة الرسالة سوريا

المكتبة العتيقة تونس الطبعة الأولى 1402هـ- 1982م. عبد الرحمن محمد الجيلالي:" تاريخ الجزائر العام"، دارالثقافة ببيروت

لبنان. 1400هـ/1980م. أبو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الأولى ،

2000م. الأستاذ عز الدين زغيبة: مقالة بعنوان:" أحمد بن نصر الداودى الطرابلسي التلمساني: حياته وآثاره".




ونلتقي لنرتقي

في الجزء الثاني من هذه الحلقة
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا






 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
تابع ... الحلقة 45 // من أعلام الجزائر/أحمد بن نصر الداودي المالكي الجزء الثاني









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الخامسة والأربعون



من أعلام الجزائر












من أعلام الجزائر/أحمد بن نصر الداودي المالكي





الجزء الثاني






يعتبر الإمام أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي المالكي التلمساني المتوفى سنة 402 هـ صاحب السبق في ميدان شروح كتب الحديث النبوي، حيث

ألف كتابه الجليل الذي حاز به الفضل على غيره من المتقدمين والمتأخرين عنه من علماء الإسلام ذلك هو كتابه "النصيحة" الذي شرح به

صحيح الإمام البخاري، فكان بهذا أول شرح وضع على هذا الكتاب الجامع على الإطلاق حيث أن كل الشروح على البخاري المعروفة وغير

المعروفة جاءت بعد هذا الشرح الأول من نوعه.

والإمام أبو جعفر أحمد الداودي عدّه ابن فرحون من علماء الطبقة السابعة في الديباج 1 كما ترجم له القاضي عياض في ترتيب المدارك 2. له عدة مؤلفات أخرى منها:

- النامي في شرح الموطأ .
- الواعي في الفقه.
- الرد على القدرية ... وغير ذلك.

ثم جاء بعده تلميذه العلامة الفقيه المحدث أبو عبد الله مروان الأسدي البوني المتوفى سنة 440 هـ الذي ألف كتابا في شرح البخاري، ذكره الإمام ابن حجر في معجمه عند ذكره لرجال أسانيده إلى البخاري.

وفي موضوع ضبط الألفاظ وبيان المعنى نجد الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الوهراني الحمزي المتوفى بفاس سنة 560 هـ ألف كتابه


الكبير: مطلع الأنوار على صحاح الآثار 3 وخصه بالموطأ والصحيحين.

وفي نفس الإطار الزمني دائما نجد المحدث الفقيه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمان الأزدي الاشبيلي الذي رحل إلى بجاية وتخيرها وطنا إلى غاية وفاته سنة 581 هـ له تآليف جليلة القدر منها:

- الجمع بين الصحيحين: جمعه في مجلدين وقد التزم فيه بألفاظ الأصليين 4.

- الجمع بين الكتب الستة: وهي موسوعة ضخمة جمع فيها بين الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود والترميذي والنسائي
- مختصر صحيح البخاري وهو مرتب على المسانيد 5
- المنهاج في رجال مسلم بن الحجاج:

وممن اهتموا بصحيح مسلم الإمام ابن يحيى السكلاني الحميري الزواوي المتوفى سنة 743 هـ والذي ألف كتاب: شرح صحيح مسلم في 12

مجلدا ضخما، وكذلك الإمام الحافظ محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب أبو عبد الله السنوسي المتوفى سنة 895 هـ صاحب التصانيف المشهورة 6 منها:

- شرح صحيح مسلم المسمى: مكمل إكمال الإكمال وهو تكملة واستدراك لشروح المازري و القاضي عياض ثم الآبي.
- مختصر الآبي على صحيح مسلم .
- شرح صحيح البخاري ولم يكمله وصل فيه إلى باب من استبرأ لدينه.
- شرح مشكلات البخاري.

وقبله نجد الإمامين الجليلين ابن مرزوق الجد والحفيد. أما الأول فهو الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر محمد بن مرزوق التلمساني

الشهير بالخطيب المتوفى بتلمسان سنة 781 هـ ألف عدة كتب منها: شرح صحيح البخاري.

أما الثاني فهو الإمام المحدث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن محمد بن مرزوق العجيسي التلمساني المعروف بالحفيد

، أخذ العلم عن كبار علماء زمانه أمثال: والده وعمه ابني الخطيب التلمساني ، وبتونس عن الإمام ابن عرفة وفي القاهرة عن العلامة ابن

خلدون والفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط والسراج البلقيني والحافظ العراقي وابن الملقن .وفي الحجاز التقى بشيخ الإسلام ابن حجر

العسقلاني فأخذ كل منهما عن الآخر.

من تأليفه: شرح البخاري المسمى:"المتجر الربيح والمسعى الرجيح والمرحب الفسيح والوجه الصبيح والخلق السميح في شرح الجامع الصحيح"

قال الشيخ عبد الرحمان الجيلالي في تاريخ الجزائر العام (2/245): فمن ذلك ما وقفت عليه بنفسي جزءان من شرح البخاري كلاهما كان

موجودا بمكتبة الجامع الجديد بالجزائر وهما بخط المؤلف ثم فقد الجزء الأول منهما وبقي الثاني، وبعد مدة وقفت على نسخة من الجزء الأول

بنفس المكان وهي بخط مغاير لخط الجزء الثاني وأجمعنا على أنها بخط الثعالبي؟ ولا يزال الجزءان بخزانة الجامع الجديد تحت عدد 143، 440، وهو لعمري من أوسع الشروح وأغررها مادة وأجزلها مباحث وربما هو كما قال مؤلفه: "أغنى عن الشروح الكاملة". أهـ.

وممن اهتم برجال الصحيحين العلامة أبو عبد الله محمد بن الحسن بن مخلوف الراشدي المتوفى سنة 868هـ وهو فقيه مالكي محدث من أهل تلمسان له من الآثار:

• الزند الواري في ضبط رجال البخاري.

• فتح المبهم في ضبط رجال مسلم 7.

مع الوجود العثماني بالجزائر قل التأليف في علم الحديث عموما وفي شروح الكتب خصوصا وذلك راجع لوجود وفرة في الشروح العظيمة لهذه

الكتب فتولى العلماء مهمة تدريس الحديث رواية وشرحا.

وممن قاموا بالتدريس في هذه الفترة الشيخ عبد الرزاق حمادوش الذي تولى سرد صحيح البخاري في الجامع الكبير بالعاصمة 8. وأيضا الشيخ

أبو حسن علي الونيسي المالكي والذي ختم شرح البخاري ومسلم عدة مرات. وترك من المؤلفات الحديثة شرح صحيح البخاري في 12 جزءا.

وكان الإمام أحمد المقري-رحمه الله- مشهورا برواية الحديث الذي أخذه عن علماء المغرب والمشرق. وقد تصدر لتدريس صحيح البخاري في

الجامع الأزهر حتى بهر الحاضرين كما وفد على المدينة المنورة سبع مرات وأملى الحديث النبوي هناك. وأملى أيضا صحيح البخاري بالجامع الأموي بدمشق أثناء درس كان يلقيه بعد صلاة الصبح.

ولما كثر الناس حوله خرج إلى صحن الجامع، وحضر درسه غالب أعيان دمشق وجميع الطلبة، ويصف المحبي يوم ختم البخاري قائلا :"وكان

يوم ختم البخاري حافلا جدا اجتمع فيه الألوف من الناس وعلت الأصوات بالبكاء فنقلت حلقة الدرس إلى وسط الصحن ..... وأتي إليه بكرسي

الوعظ فصعد عليه وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره أبدا. وتكلم على ترجمة البخاري ... وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قرب الظهر ..... ولم يتفق لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق ما اتفق له من الحضوة وإقبال الناس".9 أهـ.

وممن قام بالتأليف في هذه الفترة: المحدث أحمد بن قاسم بن محمد بن ساسي البوني المتوفى سنة 1129 هـ والذي ألف كتبا كثيرة منها:

• مختصر مقدمة فتح الباري على صحيح البخاري.

• فتح الباري بشرح غريب البخاري.
• التحقيق في أصل التعليق (معلقات البخاري)
• الإلهام والانتباه في رفع الإيهام والاشتباه (أي الكائن في البخاري).

وترك ولده محمد بن أحمد البوني نظميين:

- الأول: نظم كتب صحيح البخاري.
- الثاني: نظم كتب صحيح مسلم.

كما قام الشيخ ابن أبي جمرة باختصار صحيح البخاري في مجلد، وكان مختصره مشهورا متداولا بين الجزائريين. وقد شعر عبد الرحمان بن عبد

القادر المجاجي أن هذا المختصر في حاجة إلى شرح يضبط ألفاظه ويقرب معانيه فقام بعمل ضخم بها الصدد وسمى شرحه (فتح الباري في ضبط

ألفاظ الأحاديث التي اختصرها ابن أبي جمرة من صحيح البخاري) 10.

كما نظم الشيخ محمد بن علي المعروف بأقوجيلي الجزائري منظومة سماها (عقد الجمان اللامع المنتقى من قعر بحر الجامع) 11 وهي منظومة

في مخرجي أحاديث الجامع الصحيح للبخاري وعدد الأحاديث التي لكل منهم ومن هو المكثر ومن هو المقل. وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية.

أما في عصرنا الحالي فنجد الأستاذ العلامة محمد بن أبي شنب ألف بحث لطيفا قدمه إلى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر المنعقد بالجزائر سنة 1905م سماه:"وصول صحيح البخاري إلى أهل الجزائر". كما قامت وزارة الشؤون الدينية في عهد الشيخ عبد الرحمان شيبان بإحياء سنة قراءة

صحيح البخاري بالجامع الكبير بالعاصمة، وممن قاموا بشرح بعض أحاديث البخاري الشيخ العلامة محمد شارف –حفظه الله- كما قام الشيخ محمد باي بلعالم بشرح صحيح مسلم.

وفي خلاصة البحث نقول: إن علماء الجزائر برغم أنهم مغاربة مالكيون إلا أن اهتمامهم بصحيح البخاري قد فاق صحيح مسلم بكثير ونحن نعلم من علم مصطلح الحديث أن علماء المغاربة يفضلون صحيح مسلم على صحيح البخاري.12


الهوامش:


1- الديباج المذهب – ابن فرحون ج 2 / 114
2- ترتيب المدارك – القاضي عياض ج2/51
3- تاريخ الجزائر العام –الجيلالي ج2/78
4- توجد نسخة منه بالقاهرة تحت رقم أول 1/325
5- توجد نسخة منه بمكتبة بطارسبورغ تحت رقم 1/12
6- تاريخ الجزائر العام – الجيلالي ج3/206
7- معجم أعلام الجزائر –عادل نويهض ص 331
8- تاريخ الجزائر الثقافي –سعد الله ج2/26
9- خلاصة الأثر –المحبي ج1/305
10- تاريخ الجزائر الثقافي –سعد الله ج2/30. وتوجد نسخة منه بالخزانة العامة بالرباط برقم ك 1775
11- تاريخ الجزائر الثقافي –سعد الله ج2/32. وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية مجموع رقم 52
12- أنظر: تدريب الراوي للسيوطي ص 69 و الباعث الحثيث للشيخ أحمد شاكر ص 23



ونلتقي لنرتقي

في الحلقة السادسة و الأربعون من سلسلة أعلام الجزائر
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا






 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 46 // العالم البروفيسور كمال صنهاجي









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة السادسة والأربعون



من أعلام الجزائر
















العالم البروفيسور كمال صنهاجي









يعتبر البروفيسور الجزائري كمال صنهاجي أحد أبرز الباحثين العالميين حول داء الإيدز، يُشرِف في الوقت الحالي على ثاني أكبر مستشفى جامعي بفرنسا في مدينة ليون، التي درس فيها منذ كان في المرحلة الثانوية، فهو من مواليد 1954 بالجزائر العاصمة، عمل أستاذاً جامعيا منذ العام 2000 ودخل معترك السياسة عنوة من عام 2002 إلى غاية 2007 ليخرج منه بتجربة مريرة وفقاً لتصنيفه، حصل على عدة جوائز وتكريم من أعلى المستويات.
للبروفيسور صنهاجي أكثر من 100 بحث علمي منشور في أكبر وأشهر الدوريات العالمية، وفي الوقت الراهن يستحيل أن يعقد ملتقى في العالم حول داء الإيدز ولا يستدعى إليه، هذا الرجل المتواضع دائم الابتسام الذي اكتشفت علاجا للإيدز وأطلقت عليه مصطلح العلاج الجيني، لقد حصلت على براءة اختراع هذا العلاج في الولايات المتحدة في الوقت.


البروفيسور كمال صنهاجي هو واحد من أكبر علماء المعمورة، يقال في فرنسا أنه أمل العالم في القضاء على داء السيدا، مكّنت مشاركته في أبحاث المناعة من حصول فرنسا على جائزة نوبل في الطب لعام 2008 بفضل الدكتور، لوك مونتانيي، مكتشف فيروس السيدا، حيث كان ضمن الثلاثي المتكوّن من الأطباء الذي أهل البروفيسور الفرنسي لحمل أكبر جائزة في العالم، وكان ضمن الفريق الطبي الذي قام بأول عملية لزرع خلايا سليمة في الرحم في العالم، انه البروفيسور كمال صنهاجي، لم يفاجئنا بتواضعه وحبه المتدفق للجزائر، وإنما بلغته العربية الفصحى وثقافته الواسعة، هو بالمختصر المفيد ابن سينا عصره، بحر من العلوم، لا يمكن أن تتحاور مع البروفيسور صنهاجي المتواجد حاليا في مخابر ليون الفرنسية إلا وتتمنى لو كان طبيبا في مستشفياتنا، ولا نقول مسؤولا في قطاع الصحة المريض عندنا.

تحدثت الولايات المتحدة الأمريكية الشهر الماضي عن خطوات جديدة للقضاء على السيدا، هل كنت ضمن المشاركين في هذا الإنجاز العلمي الهام؟

الحدث العلمي منح الولايات المتحدة الأمريكية مولودا يبلغ من العمر سنة واحدة، ولد من أم حامل لفيروس السيدا، المولود خضع لعلاج من الفيروس، والأم تمت معالجتها ضد فيروس السيدا خلال الأشهر التسعة لحملها، المولود أيضا تمت معالجته خلال الشهر الأول من ولادته ثم توقف العلاج، لكن هذه الظاهرة لوحظت في السنوات الماضية لدى البالغين وليس لدى الأطفال، حيث سبق وأن لاحظنا أن بعض البالغين الحاملين لفيروس السيدا المعالجين بما يسمى العلاج الثلاثي، وأوقفوا العلاج بسبب ظهور أعراض جانبية أو عدم الجدية في العلاج، لكن الفيروس لم يبق في عضوية الجسم، لأنه بعد أخذ جرعات العلاج من طرف بعض المرضى، فإن دفاعهم المناعي يتطعم عند مستوى توقف الدواء، ويمكن مراقبة الفيروس داخليا وعضويا، ما حدث لهذا الرضيع حديث الولادة في الولايات المتحدة الأمريكية مشابه لما حدث لبعض البالغين، مع الملاحظة أن الفيروس يبقى في خلايا هذا المولود وبعض البالغين ولكنه لا يتكاثر.
.
وماذا عن أبحاثكم في مخبر ليون؟

أولا، يجب توضيح أن الأدوية المتوفرة حاليا ضد فيروس السيدا أبانت محدوديتها مع مرور الوقت بسبب المقاومة الخارقة للفيروس، أما عن التطعيم أو التلقيح فإن بلوغ مبتغاه هو حماية الإنسان من الفيروس، فما زال بعيدا جدا بسبب نضج الفيروس، هذه المحدودية في طريق القضاء على السيدا أو فشل العلاج والتطعيم جعلنا في مخابر ليون نندفع نحو اختيار العلاج المركّز لأجل نسف الفيروس باختيار طريق العلاج الجيني، وهو واحد من أهم وسائل العلاج المستعملة في أبحاثنا في مخابر المناعة في ليون، العلاج الجيني مكن لأول من منع فيروس السيدا من التعمّق داخل الخلية، وها في حد ذاته انتصار علمي كبير، كل هذه الأبحاث تم نشرها في المجلة الأمريكية الأولى المختصة في الإيدز، الأبحاث أنجزناها على فئران تجارب قبل نقلها إلى الإنسان، هذه التجارب لا تعوض العلاج المكثف الآن، وقد تكون في المستقبل هي الحل، الحمد لله الأمور تسير في الطريق السليم.
وحتى أشرح بتبسيط للقارئ الكريم، فإن المعادلة تقول أن الجينين يعطيان بروتينات تمنع الفيروس من أن يلتصق بالخلايا، وعندما تلاقي خلية سيدا خلية بشرية سليمة يتم جذبها من طرف جاذب خاص تلتصق به وتدخل فيه، وليس في الخلية، البحث يتواصل والهدف الذي سنصل إليه بحول الله هو حماية الخلية وقتل الفيروس في مهده، وبعد ثلاثة أسابيع الفيروس الموجود في الدم يتم القضاء عليه، كل التقارير الطبية تؤكد أننا في الطريق السليم لنسف الفيروس من الوجود.
.
بروفيسور، لماذا لا تنقل هذه الأبحاث إلى البلد الأم، الجزائر، أو على الأقل تساعدون في تكوين أطباء أكفاء؟

"نحن نسير في الطريق السليم للقضاء نهائيا على داء السيدا"
من قال هذا؟ أؤكد مرة أخرى أنني شخصيا رهن إشارة الجزائر لتحويل أبحاثي من دون أي مقابل أو شرط، أشرح، أتواصل، ألتقي وأكون الشباب، لأنها مهنتي الأولى والحقيقية، والدليل أن مخبر أبحاث المناعة في طريقه للظهور في جامعة مولود معمري بتيزي وزو، ومن المفروض أن يكون هذا المخبر شبه ملحق لأبحاثنا في ليون، للأسف انتظرنا عشر سنوات كاملة ليظهر هذا المخبر، والسبب هو الفيروس الأبدي الذي تعاني منه الجزائر، وهو البيروقراطية، نقل الأبحاث والخبرات لا يمكن تحقيقه في غياب ثقافة الأبحاث العلمية والطبية، إضافة إلى مشاريع عصرية تعطي للعلم مكانته وتغرسه فعلا في بلادنا، الخدمات العمومية مجبرة على سياسة حقيقية وتطبيقية، لأن الحقيقة لا تكون إلا بالفعل وليس بالكلام والتمني والوعود العسلية، السؤال المطروح حاليا، هو هل الإرادة السياسية موجودة أم غائبة؟ وسيكون بعد ذلك من السهل وضع تجهيزات علمية تتماشى والطموحات.
.
فاق رقم الأطباء الجزائريين الأخصائيين في المستشفيات العمومية والخاصة في فرنسا الثلاثة آلاف، وغالبيتهم تخرجوا من معاهد الطب الجزائرية، ألا ترى أن الرقم مهول؟

أظن أنك تريد معرفة سبب ذلك، ولماذا يختار رجالات العلم والكفاءات الهروب من الجزائر، وليس رأيي في الرقم، يجب أن نتفق أولا على أن حركة الأشخاص وتنقلاتهم موجودة منذ الأزل، وحتى علماء فرنسا يتنقلون ويتواجدون في كل مكان، وهناك من الأشخاص من لا يمكن توقيف حركيته ونشاطه وحبه للتواجد في كل مكان.
.
دعنا نتحدث مباشرة عن هروب الأدمغة من الجزائر؟

أنت تريد أن نفتح جرحا غائرا وخطيرا ومؤلما، الأسباب معروفة، أولا غياب الإرادة السياسية لتجميع الإمكانات والكفاءات والاستعانة بها في اتخاذ القرار في مجالاتها العلمية لأجل دفع عجلة التقدم، والدليل أن المحاولات والأعمال الارتجالية ظلت من دون استمرارية، في غياب الرؤية المستقبلية، وغياب الإرادة وغياب الكفاءات التي تسير هذا الملف الهام، أظنه الجواب الوحيد والدقيق لهذه المعضلة، ليس عدد المقاعد البيداغوجية الذي تفتخر به جامعاتنا، ولا إنتاج الشهادات الموزعة سنويا، ولا كمية رسائل التخرج هي التي تبرهن أن هذا البلد أو ذاك يشجع الأبحاث، ماذا قدمت وماذا أنتجت بعد أبحاثك وتكوينك من أعمال، وما نشر لك في المجلات العلمية العالمية، إنه البارومتر الوحيد للإجابة عن تطور البلاد علميا وتكنولوجيا.
.
تعاونت مع الكثير من العلماء في أوربا وأمريكا، ربما صادفت علماء جزائريين؟

لا يمكن أن تذكر الطب في العالم وتتجاهل البروفيسور الجزائري صديقي، إلياس زرهوني، أحد ركائز المنظومة الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية، لقد التقينا لأجل وضع مجال للباحثين الجزائريين أو العلماء الذين هم من أصول جزائرية لتقديم خدمة علمية لبلدنا الأم من أي مكان في المعمورة، إلياس زرهوني باحث من مستوى عالمي، وهو الذي قدم نموذجا لجهاز الأشعة الطبية المعروف باسم "إي.آر.أم".
.
أطلقت مصر بعد ثورتها ودول عديدة خطة لاسترجاع الكفاءات المتناثرة في مختلف القارات، الى أين وصلت مساعي الجزائر؟

في كل دول العالم، أصحاب الكفاءات العلمية يعتبرون ثمرة نجاح لصالح أوطانهم ويساهمون في تطوير بلدانهم الأصلية، عبر تبادل الخبرات ونقلها بين الذهاب إلى البلد الأصل، والعودة إلى مكان العلم، والبلد الأصلي يساعد ولا يبتلع الطاقة، يجب استغلال هذه الكفاءات، للأسف الجزائر مثل بقية الدول العربية لا تستغل هذه الكفاءات رغم قوتها، أقصد القوة العلمية وأيضا قوة الجزائر ماديا وتاريخيا، الجزائر من الدول التي شهدت هروبا مدعما وكثيفا للكفاءات، وهي في كل مرة تحاول عبر خطابات شفهية من دون تطبيق حقيقي استرجاعها، ولكن؟
في السنوات الأخيرة تم إنشاء سكريتارية دولة لأجل الجالية الجزائرية في أوربا، وهدفها ربط علاقة الكفاءات بالخصوص مع البلد الأم، ويرأسها حاليا السيد بلقاسم ساحلي، وهي تابعة للدولة وربما حركت مستقبلا الكفاءات في الاتجاه المأمول.
.
لو نعود إلى سبعينات القرن الماضي فقط، نتذكر أن الجزائر كانت تزخر بمنظومة طبية مح****؟ لماذا تأخرت الآن؟

أنا لا أتوقف مع سؤالك على حدود السبعينات، وإنما أغوص حتى في الحقبة الاستعمارية، لعلمك مستشفى مصطفى باشا الجامعي بالعاصمة كان في أواخر الخمسينات في المركز الثاني في أوربا بعد مستشفى باريس، وحتى في سنوات الاستقلال الأولى، في رأيي أزمة التكوين في الجزائر تبدأ من المرحلة الابتدائية، وليس من معهد الطب، العقود الثلاثة السابقة أوصلنا فيها الطلبة الجامعيين إلى خوض التكوين من دون أسس ولا قواعد ولا بيداغوجية، كان مسارا أعمى، منحنا اختصاصيين غير مؤهلين، ودفع الطب والمستشفى الثمن غاليا مثل بقية القطاعات، حتى لو قمنا بتحسين معاهد الطب فلن تكون أي نتيجة، لأن التحسين يجب أن يبدأ من الجذور.
.
حدثنا بروفيسور عن مسارك الدراسي، إلى أن بلغ مركزك المرموق في مدينة ليون؟

ليس المهم عدد المقاعد أو الشهادات وإنما ماذا قدمت وماذا أنتجت ونشرت
أنا من مواليد قلب العاصمة أثناء الثورة عام 1954، سكنت حي القبة منذ عام 1958، عندما بنى والدي مسكنا، جدِّية والدتي صنعت شخصيتي، وكما يقول كانت يدا من حديد داخل قفاز من حرير، زاولت دراستي في مكان يسمى "أرضية ميشال"، والمرحلة التكميلية في "كولاج" بن عمر، وفي ثانوية الإخوة حامية، بعد حصولي على شهادة البكالوريا، جرفتني الرغبة لدخول عالم الطب والأبحاث، فتنقلت إلى جامعة الطب والصيدلة في مدينة ليون، خلال دراستي تعرفت على باحثين وأطباء مشهورين في علاج السرطان وزرع الأعضاء، فكان هذا هو "الديكليك" الحقيقي الذي جعلني اختار البحث في عالم المناعة، عملي تطور مع فريق متمكن، فيه البروفيسور جون لويس توران، مكننا من أن نقوم بأول عملية لزرع خلايا أصيلة في الرحم في العالم، وأيضا بالنسبة للأطفال الذين يعانون من انفلات مناعي في داء السيدا، هذا العمل شارك فيه البروفيسور جون لويس توران، والبروفيسور لوك مونتانيي، الذي حصل كما تعلم عام 2008 على جائزة نوبل في الطب بسبب اكتشافه فيروس السيدا.
.
عرفنا عن صنهاجي في البيت مع الزوجة والأبناء والهويات والسفر والرياضة والفن؟

أنا متزوج من طبيبة جزائرية من مدينة قسنطينة، مختصة في الأمراض الجلدية، تعمل في القطاع العمومي في ليون، أب لأربعة أبناء، منهم صبيتان، جميعهم على مقاعد الدراسة من الابتدائي إلى الجامعي، ونزور الجزائر باستمرار، بل دعني أقول لك أننا لا ننقطع عن البلاد نهائيا، زوجتي، حياتي تكاد تكون عمل وأبحاث فقط، لأني مرتبط بعملي كباحث في المركز الاستشفائي الجامعي في ليون، ومدرّس في كلية الطب ومستشار طبي في ليون.
تهمني كثيرا الموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، تعرفت في فرنسا على أعمال الموسيقار الجزائري الأسطورة، إخربوشن، الذي كان قائدا للاوركسترا في فيينا، وأيضا على أعمال زرياب وكبار فناني الأندلسي، اهتم بالمدارس الأندلسية الثلاث في الجزائر من العاصمة إلى قسنطينة إلى تلمسان، حتى الشعبي والوهراني، وفي مكتبتي الخاصة مؤلفات آسيا جبار والروائي أمين الزاوي، وفي أوقات الفراغ أحيانا أعود لهواية لعبة كرة القدم، فألعب مع زملاء الدراسة أو العمل كرة القدم.



ونلتقي لنرتقي

في الحلقة السابعة و الأربعون من سلسلة أعلام الجزائر
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا






 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
االحلقة 47 لشيخ الطنطاوي يحدثكم عن الإمام فضيلة الشيخ محمد البشير الابراهيمي.









موسوعة أعلام الجزائر



الحلقة السابعة والاربعون


من أعلام الجزائر


الشيخ الطنطاوي يحدثكم عن الإمام فضيلة الشيخ محمد البشير الابراهيمي.





والشيخ البشير الإبراهيمي الذي طالت صحبتي إياه، في دمشق عندما كان يزورها (وما أكثر ما كان يزورها) وفي عمان مرات، وفي القدس وفي بغداد.
وطالما خطبت في الحفلات التي كان يخطبفيها، وهو عالم طلق اللسان ناصع البيان، يتدفّق الكلام من فيه تدفّقاً بلا لحن ولا زلل.

وقد كنا يوماً معاً في سيارة واحدة من القدس إلى دمشق ، وكنت إلى جنب السائق حيث تعودت أن أركب دائماً.

وكنا نتحدث ، فتعبت رقبتي من الالتفات إليه لأنني لم أكن أتلو بيتاً من الشعر إلا قال : إنه لفلان الشاعر من قصيدة كذا ، وسرد علي القصيدة كلها أو جلها .
فقلت : كيف حفظت هذا كله ؟ قال : وأخبرك بأعجب منه ، فهل تحب أن تسمع ؟ قلت : نعم .

فراح يقرأ علي مقالات لي كاملة مما نُشر في ( الرسالة ) أو مقاطع كثيرة منها ، ما كنت أنا نفسي أحفظها.


قلت : يا سيدي ، الشعر فهمت لماذا تحفظه ، فلماذا حفظت مقالاتي وما هي من روائع القول ولا من نماذج الأدب ؟ قال :
ما تعمدت حفظها ، ولكني لا أقرأ شيئاً أحبه وأطرب له إلا علق بنفسي فحفظته.​

فأظهرت ( صادقاً ) العجب منه والإعجاب به ، وأضمرت في نفسي حقيقة استحييت أن أجهر بها ، هي أنه مرّ علي دهر كنت أنا فيه كما قال.

وأنا لا أزال أحفظ مقاطع كثيرة مما كتب المنفلوطي والرافعي والزيات والبشري وكرد علي وأمثالهم من أئمة البيان ، مع صعوبة حفظ النثر وتفلته من الأذهان.​

أما ما أحفظ من الشعر فكثير كثير ، وإن لم يبق منه إلا القليل ، على أن هذا القليل الذي بقي في ذهني كثير والحمد لله.






ونلتقي لنرتقي

في الحلقة الثامنة و الأربعون من سلسلة أعلام الجزائر
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا






 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 48 سلطان الأولياء فخر الجزائر المحروسة سيدي عبد الرحمن الثعالبي قدس الله سره









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة الثامنة والأربعون



من أعلام الجزائر

سلطان الأولياء فخر الجزائر المحروسة سيدي عبد الرحمن الثعالبي قدس الله سره
(786هـ / 1385م - 875هـ / 1471م )








أ ـ نسبـــه:

هو القطب الغوث الجامع بين الشريعة والحقيقة الولي الصالح الزاهد سيدي أبو زيد عبد الرحمان، بن محمد،بن مخلوف، بن طلحة، ابن عامر ابن نوفل ، بن عامر، بن موصور بن محمد، بن سباع، بن مكي ابن ثعلبة بن موسى، بن سعيد بن مفضل، بن عبد البر، ابن فيسي، ابن هلال، ابن عامر، بن حسان، بن محمد بن جعفر، بن أبى طالب ، فهو جعفري النسب.

ب ـ مولده ونشأته :

ولد الثعالبي في سنة 785هـ الموافق لـ : 1384 م بواد يسر على بعد 86 كلم بالجنوب الشرقي من عاصمة الجزائر. ونشأ هناك بين أحضان أبويه، نشــأة علم وصلاح وأخلاق مرضية، وقد تلقى مبادئ قراءته وتعلمه بالجزائر العاصمـــة وضواحيها، وقد كان حاضرا يوم غزى الاسبان " تـدلس " في دولة بنى عبد الـواد ، واخوتهم من بنى مرين، وكان عمره 15 سنة .

ج ـ رحلته لطلب العلم :

نزح الثعالبي من مسقط رأسه صحبة والده محمد بن مخلوف في أواخر القرن الثامن الهجري وأواخر القرن الرابع عشر الميلادي طالبا المزيد من العلوم والعـرفان باحث عن مكانها في مناكب الأرض وقصد المغرب الأقصى حـيث اجتمع ببعض علمائها الفطاحل وأخذ عنهم ما تيسر أخذه وقد سمع ورأى هناك عن عالم الدنيا، محمد بن احمد بن محمد ابن مرزوق العجيسي التلمساني المعروف بالحفيد وكان الثعالبـي إذ ذاك يناهز البلوغ ثم يمم شطر بجاية فدخلها صحبة والده أيضا سنة 802 هـ الموافق لـ1392م فـمكث بها زهاء سنة ثم توفى والده ودفن هناك، وعلى إثر وفاة والده عاد إلى الجزائر قصد زيارة أقاربه ثم رجع إلى بجاية أيضا، حيث قضى ما يقارب من السبع سنوات تلقى خلالها دروسا شتى في مختلف الفنون عن زمرة من فطاحل العلماء وفي سنة 809 هـ الموافق لـ 1406م انتقل إلى تونس حيث مكث حوالي ثماني سنوات انتفع خلالها بمعظـم علمائها وأجازوه فيما هو أهل أن يجاز فيه، وفي سنة 817 ـ 1414 م توجه إلى مصر حيـث أفاد واستفاد وأجازه بعض علمائها ولم يلبث طويلا هناك بل يمم شطر تركيا، ونزل بـ "بورصة " حيث استقبل استقبالا كريـما، وقد أقيمت له زاوية هناك، وما تزال تـلك الزاويـة وقـفا محبسا على الثعالبي إلى يومنا هذا. ومن هناك توجه صوب الحرميـن الشرفيـن ، حيث أدى فريضة الحج واغتنم الفرصة فأخذ عن بعض علماء الحجاز وأجازه فـي فنون شتى ثم عاد إلى مصر وفي سنة 819 هـ 1414م عاد إدراجه إلى بلده المحبـوب الجزائـر بعدما غاب عنه حوالي عشرين سنـة قـضاها كلها في اكتناز المعـــارف واغتـراف العلوم ، أين كانت وحيث بانت ، وهكذا استقر بمدينة الجزائر، حيث راح يشتغل بعبادة ربه ، وبث العلوم الشريفة بين أبناء ملته خصوصا في الجامع العتيق ( الكبير) الذى ألف فيه كتابه "العلوم الفاخرة في النظر فى أمور الآخرة " و "الجامع الكبير" وغيرهــم من المصنفات، وقد زاول التعليم إلى أن ناداه آجله المحتوم صبيحة يوم الجمعة 23 من شهر رمضان المعظم سنة 875 هـ الموافق لـ : 15 مارس لسنة 1479 م بعد أن قضى تسعين ربيعا، كانت كلها طاعة ومرضاة لله عز وجل ووقفا على مصالح العباد.

نقلت جتثه الكريمة من منزله إلى مكان يقع على ربوة خارج "باب الواد " تعرف آنذاك بجبانة الطلبة ودفن هناك، ومنذ ذلك اليوم أصبح ضريحه مزارا يتبـرك به ولم يـزل الزائـرون يقصدونه ذكور وإنـاثا يوميا وطوال السنة إلى وقت غـير معلوم ، رحم الله الـولى الصالـــح، سيدى عبد الرحمان الثعالبي وقد دفن معه شيخه المسمى أبي جمعة المكناسي رحمهم الله.

رحل رحمة الله مخلفا وراءه مؤلفات ومصنفات له تقريبا مائة كتاب فى علم التألـيف ومن أهم مؤلفاته "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" وله العلوم الفاخرة في النظر في أمـور الآخرة .

وقد دفن معه شيخه المسمى بأبي جمعة ابن الحسين المكناسي رحمهما الله في الضريح المسمى بإسمه، وقد بناه له الأتراك وأعيد ترميمه في كل مناسبة عندما تطول المدة ، يعاد ترميمه وإصلاحه إلى يومنا هذا وهو بصدد الترميم والإصلاح ومن بين المدفونين معه بعض بناته وبعض الأتراك وبعض من الأولياء الصالحين .


من مخلفــاتـــه :



لقد اهتم سيدي عبد الرحمن الثعالبي رضي الله عنه بالتدوين والتأليف لخدمة الشريعة الإسلامية المطهرة وله في ذلك الباع الطويل. فلقد ترك رضي الله عنه ما يزيد عن المائة مؤلف بين رسائل وشروح وحواشي وتعاليق وكتـب مستقلة في الوعظ والرقائق والتذكير والتفسير والفقه والحديث واللغة والتراجم التاريخ وغيرها...

منها :

01 كتاب: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" في أربعة أجزاء
02 كتاب: المعجم الغوي
03 كتاب: الرؤى
04 كتاب: "روضة الأنوار و نزهة الأخيار" في الفقه
05 كتاب: "جامع الهمم في أخبار الأمم" في سفرين ضخمين
06 كتاب: جامع الأمهات في أحكام العبادات
07 كتاب: الإرشاد في مصالح العباد
08 كتاب: رياض الصالحين و إرشاد السائلين
09 كتاب: جامع الخيرات
10 كتاب: التـقاط الدرر
11 كتاب: نور الأنوار ومصابيح الظلام
12 كتاب: الأنوار المضيقة بين الشريعة والحقيقة
13 كتاب: تحفة الإخوان في إعراب بعض الآيات من القرآن
14 كتاب: الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز
15 كتاب: العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة
16 كتاب: الأربعين في الوعظ
وكتب أخرى كثيرة لا تحصى بين مطبوع ومخطوط وما هذه إلا نقطة من بحر لا ساحل له وأغلب هذه الكتب ألفها بأرض السودان...

لقد كانت كتبه عبارة عن خزانة علم عظيمة لا يقدر قدرها فكان الكتاب قبل أن ينتهي النساخ من نسخه ينتظرونه لشرائه والانتفاع به وما هذا إلا سر إلاهي لم يتسنى لمن سبقه كالغزالي وغيره من أئمة الهدى.


II ـ وصفه عام لمحيط الثعالبي :

تولى سيدي عبد الرحمن الثعالبي القضاء بالجزائر ومشيختها ولكنه تخلى عنهما ورفضهما وفضل القيام بالتعليم، فالقضاء والمشيخة رأى أنه موجود من يقوم بهما وبقي في وسعه أن يصلح بين الناس ويرشدهم لما فيه الخير والفلاح(1) ولهذا أصبح الثعالبي يتمتع باحترام تام لدى الخاص والعام وخاصة وجهاؤهم، وقد دفع هذا الاحترام والتبجيل إلى بناء مسجد قرب منزله وأسموه باسمه "مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي" وبعد موته دفن بالمكان الذي كان يعلم فيه الطلبة وكان يمسى آنذاك بـ :"جنان الطلبة" قرب بيته.

نظرا للمكانة الخاصة التي يتمتع بها الثعالبي لدى كل الجزائريين دفعتهم إلى أن يبنوا حول ضريحه المبارك مقاما يكون لهم بمثابة تعبير صادق عن شعورهم الخاص ولباسهم الروحي نحو طاعة شيخهم الموقر حيا وميتا(2) كان الضريح في السنين الأولى ـ يتوسط المقام ـ وبعد تجديد بنيان المقام على عهد الأتراك زيد في مساحته في ناحية الشرق، فأصبح الضريح جانبا كما و الآن، نجده عن اليمين عند دخولنا المقام.

تظم القاعة ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي المغطى بتابوت خشبي وعند قدميه يوجد قبر سيدي أبي جمعة بن الحسين المكناسي، وعند شمال المحراب يوجد قبر السيدة روزة بنت محمد الخزناجي زوجة يحي آغا وعند منتهى الشمال الشرقي يوجد الشيخ علي بن الحفاف، وقبور أخرى منها قبر لحسن باشا، وقبر لمصطفى باشا، وقبر لعمر باشا وقبر للحاج أحمد داي(3)
.

1 ـ الحياة السياسية لعصر الثعالبي :

سقطت الدولة المؤمنية في القرن السابع للهجرة فبدأ الانحطاط وكثر الملوك واشتد الصراع على السلطة، وسادت الفوضى، كما شهد المغرب الإسلامي في هذا القرن انقساما سياسيا جديد إلى ثلاث دول مستقلة، سببها انهيار دولة الموحدين، وبهذا يكون القرن الثامن للهجرة عصر صادت فيه الفتن والحروب بين القبائل والولاة، خاصة بين الحفصيين، الزيانيين والمرنيين الذين كانوا يتنافسون حول السلطة، وفي هذه الظروف ولد عبد الرحمن الثعالبي.

نتيجة لهذا الصراع ضعفت مملكة الموحدين وظهرت على انقاضها دويلات جزأت المغرب فاستقل الحفصيون في تونس "واستقل بنو عبد الواد تحت قيادة" يغمراسن مؤسس هذه الدولة بتلمسان وضواحيها واستولى بنو مرين على فاس (4).

وبهذا اقتسم بنو مرين وبنو عبد الواد بلاد المغرب فاختص بنو مرين بالمغرب الأقصى، في حين استقل بنو عبد الواد بالمغرب الأوسط، وهكذا تم انفصال المغربين عن دولة الموحدين التي استقلت عنهم بقيادة زكريا الحفصي.

وكان قادة هذه الدويلات يهدفون إلى إعادة توحيد المغرب العربي وكل يمني نفسه بوضعه موحدا تحت سلطته.

وفي هذه الأثناء كان للثعالبة دورا كبيرا في الحرب التي خضوها ضد المرنين والحفصيين وبني عبد الواد لهذا بدأت الجزائر العاصمة تتقهقر خاصة بعد قتل زعيمهم "سالم التومي" وتتبع إخوانه وقبيلته فأصبحت الجزائر لا تستطيع فرض نفسها كمدينة مستقلة تحت سلطة الثعالبة، المتمركزة في متيجة.

فالملاحظ أن عبد الرحمن الثعالبي عاش في عصر يسوده الانحطاط الحضاري في مختلف الميادين، لكن كل هذا لم يمنعه بأن يكون علامة كبيرا ونابغة في علم التصوف، بل كان منقذا للدولة الجزائرية خاصة بخطابه الواقعي الذي كان يلقيه أمام الجماهير التي تؤيده(5).


2 ـ الحياة الاجتماعية لعصر الثعالبي :

لقد ولد الثعالبي في عصر يموج بالفتن وكل مظاهر التخلف الحضاري بسبب الحروب القبلية الدائرة بين المغرب العربي وخاصة بين الحكام والولاة، هذا ما دفع بالمواطن المغربي للهروب إلى أشياء أخرى كالتصوف وأهل التصوف وإلى التصديق بالكرامات والمعجزات، وتقديس الأولياء(6) سيما من له شرف النسب كأبي مدين التلمساني والشيخ أحمد بن يوسف الملياني واشيخ بعد الرحمن الثعالبي.


3 ـ الحياة الثقافية لعصر الثعالبي :

كانت الحياة الثقافية في المغرب الإسلامي في الفترة ما بين القرن الثالث عشر والقرن السادس عشر ميلادي تتميز بظهور مدارس في فاس وتلمسان وبجاية وتونس على غرار المدارس التعليمية الدينية، التي عرفها المشرق الإسلامي اتسمت هذه المدارس بالإشراف الرسمي للحكام، وبهذا انتصر الإسلام السني وساد المذهب المالكي واستعملت المدارس الرسمية منهجين متعارضين : هما الاجتهاد والاعتقاد، فبالرغم من إن شاء المدارس لتعليم القوانين الشرعية والعلوم اللغوية، فقد انتشر فيها التصوف أكثر بالرغم من معاداة الفقهاء للمتصوفين، فظهر عدد من المتصوفين في القرن الخامس عشر ميلادي فكان الحكام في الممالك الثلاث يخصون الصوفيين بتقدير خاص.

خاصة بعد انتشار تصوف الغزالي ابتداءا من القرن الثاني عشر ميلادي.

فتأثر الشيخ عبد الرحمن الثعالبي آنذاك كثيرا بالحركة الصوفية التي كانت في أنشط فتراتها. فظهرت بعض المدارس التي أنجبت شعراء ورجال التربية كما عرفت اللغة العربية ازدهارا بعدما كانت تتخبط في طي النسيان فأسس مجمع العلم والبحث والثقافة إذا كان يقصده كل طالب علم ومحو الأمية(7).



III ـ انتشار التصوف السني :

خلال القرنين الثالث والرابع للهجرة نجد أن مشايخ الصوفية الكبار كالجنيد والسري السقطي والخراز وغيرهم اهتموا بجمع المريدين حولهم من أجل التربية والإصلاح، ومن هنا ظهرت الطرق الصوفية المتمثلة في المدارس التي تلقن المريدين أصولا في التربية والتكوين علما وعملا.



1 ـ الإمام الغزالي والتصوف السني :

وجاء بعده حجة الإسلام الإمام الغزالي، حيث أقام للصوفية الصحيحة بنيانها وبين لها شروطها وأركانها ورفض رفضا قاطعا الأفكار الدخيلة ونزهها عن كل ما يتنافى مع الشرع، وكرس لسانه وقلمه في خدمة التصوف الحقيقي، فألف العديد من الكتب تظهر الأفكار الإسلامية الصوفية الصحيحة كما قام بتطبيق سلوكيات الصوفي ودعا إلى التصوف الحقيقي القائم على الشريعة.

إذ يرى الغزالي أن التصوف الحقيقي يكمن في تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، واستغراقه في ذكر الله وعدم انشغاله إلا بذكر الله، ويوضح الغزالي طريقة التصوف فيقول "طريقة طهارتها ـ وهي أول شروطها تطهير القلب بكلية عما سوى الله تعالى، و*****ها الجاري منها ـ مجرى التحريم من الصلاة ـ استغراق القلب بالكلية بذكر الله وآخرها الفناء بالكلية الله" (11).

أقام الإمام الغزالي مدرسة تربي فيها المئات من طلبة العلم والحقيقة فهؤلاء نشروا التصوف وازدهر بهم، فانتشر التصوف الحقيقي بعده، وبعده انتشر التصوف السني الصحيح، هذا التصوف القائم على الكتاب والسنة.

فاختص الصوفية المحققون من أهل السنة في معتقدهم وسلوكهم الذي يجب أن يكون مؤسس على الشرع باستنباط حقائق الشرع من ظاهر معاني الكتاب ومدلولاته العقلية : وجعل الشرع بألفاظه ومعانيه معيارا لتلك الحقائق العليا المستنبطة في مجموع الشريعة كتابا وسنة : وإرجاع القضايا إلى نصوص الشرع بعد التفقه فيه و التأدب بأدبه، قبل أن يسلكوا طريق التصوف، ثم الاهتداء ثانيا بهدي الكتاب والسنة حال سلوكهم.

فكان صوفية أهل السنة علماء بعلوم الشرع، وعلماء بنظم المعتقد على أساس العقل، وعلماء بالله والنفس (12).


2 ـ تصوف الثعالبي :

ألف سيدي عبد الرحمن الثعالبي العديد من الكتب منها "تفسير الجواهر الحسان" و "روضة الأنوار ونزهة الأخيار" وكتاب "الأنوار في معجزات النبي المختار" و"الأنوار المضيقة بين الشريعة والحقيقة".

نظرا لما لهذه المؤلفات من فوائد فإن العديد من العلماء أجازوا سيدي عبد الرحمن الثعالبي منهم الشيخ أبي زرعة العراقي بقوله : "الشيخ الصالح الأفضل الكامل المحرر المحصل الرحال أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي ..".

وحلاه الشيخ العلامة الإمام سيدي عيسى بن سلامة البسكرى في كتابه "لوامع الأسرار في منافع القرآن والأخبار" "بالشيخ الصالح الزاهد العالم العارف أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي"(13).

وقال هو عن نفسه :"ولم يكن بتونس يومئذ من يفوتني في علم الحديث إذا تكلمت انصتوا وقبلوا ما أرويه تواضعا منهم وإنصافا واعترافا بالحق"(14).

تعد أعمال الثعالبي في إطار تصوف إسلامي صحيح يسند أصوله من الكتاب و السنة إذا استوحى الثعالبي تصوفه من المدرسة الغزالية فنلمس ذلك من جل كتبه خاصة و أن النزعة الغزالية كانت سائدة آنذاك وما دفع الثعالبي إلى التصوف والزهد حالة العصر التي كانت سائدة آنذاك، وتتمثل في الركود والضعف في المجال السياسي والتمزق الاجتماعي، وخاصة معالم البذخ والانحلال في المجتمع الجزائري التي حملها النازحون من بلاد الأندلس، كما كان التصوف الثعالبي ضد الفتن والأجواء السياسية والمجادلات العقلية والعصبيات المذهبية لا سيما ما كان منها يعود إلى الحياة الاجتماعية والحضارية عامة من ألوان الترف والبذخ.

فحاول الثعالبي أن يتفلسف في إطار الكتاب والسنة، كما فعل من قبله شيخه الروحي الغزالي.


*منهج الثعالبي : لقد سلك الثعالبي في منهجه الصوفي مسلك معظم المتصوفة فاتخذ من التوبة والورع والزهد والتوكل وسائل لبلوغ غايته، كما أنه اعتنى عناية كبيرة بعلم الكلام وهذا ما نكتشفه من مؤلفاته في التعريف تشمل أكثرعلى تحديد المصطلحات الكلامية بالإضافة إلى تحديد مصطلحات في التصوف فيعرف علم الكلام فيقول "هوالعلم بأحكام الألوهية، وإرسال الرسل، وصدقهم في جميع أخبارهم، وما يتوقف عليه شيء من ذلك خالصا له بقوة هي مظنة لرد الشبهات وحل المشكلات وجلى الشكوك"(15).

لقد كان تصوف الثعالبي يقوم على توفيقه بين الشريعة والحقيقة الصوفية والدعوة إلى التحرر من الحياة المادية كمظاهر البذخ والترف والغفلة عن ذكر الله والتمسك الشديد بالكتاب والسنة في كل أحكامه وموافقة الظاهر للباطن في جميع تصرفاته تحقيقا لكسب رضى الله(16).

كما أن الثعالبي ربط بين الدين والأخلاق بل اعتبر الأخلاق جزءا أساسيا من الدين منها أخلاق اجتماعية، وهي التي تتعلق بالقلوب والأقوال والأفعال، وإلى أخلاق نفسية وهي ما يتصل بالخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة.


2 ـ علاقة المؤسس بالإرشاد الديني :



في عصر بني عبد الواد الجزائر عرفت بعض التوترات عندما كان أبو حمو الأول مضطر لمواجهة المرينيين في الغرب والحفصيين في الشرق، وبهذا السبب بدأت الجزائر العاصمة تتقهقر عندما أصبحت عاجزة عن فرض نفسها كمدينة مستقلة تحت سلطة الثعالبة التي كانت متمركزة في متيجة، كل هذه التوترات أدت إلى ظهور عبد الرحمن الثعالبي كمنقذ لها، وما ساعده في ذلك الخطاب الواقعي الذي كان يلقيه أمام الجماهير، وكانت الجزائر بالمقابل تستعد لتصبح عاصمة المغرب العربي للبحر الأبيض المتوسط بفضل التوسعات التي كانت تكتسبها عن طريق ربط علاقات مع الدول الأوروبية المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، حيث كان ميناء الجزائر يتمتع بمركز استراتيجي نظرا لمرور السفن الأوروبية فكانت تربط الجزائر علاقات اقتصادية مع الدول الأوروبية الأخرى(الايطالية والاسبانية)، فضلا عن إدخال ميناء الجزائر ضمن الخرائط البحرية عند الأوروبيين لأهميته الاقتصادية.

كما عرفت الجزائر في هذه الفترة إشعاعا علميا وثقافيا موازيا للدول الإسلامية والأخرى في الشرق الأوسط، والمغرب العربي بفضل العمل الكبير الذي قام به عبد الرحمن الثعالبي، فعرفت الجزائر العاصمة ظهور بعض المدارس والمراكز الثقافة التقليدية منها المدرسة الثعالبية التي تدرس فيها كل المواد العلمية والروحية والتدريس التقليدي (كعلم النجوم، التاريخ والجغرافيا، والقواعد) أصبحت هذه المدارس تثير اهتماما كبيرا من طرف الجماهير خاصة بعد اختصاصها في تدريس مادة أو مجموعة مواد، لهذا أصبح طلبة سيدي عبد الرحمان الثعالبي يمثلون فئة كبيرة من السكان، فأسس الجزائريون آنذاك ما سموه بـ (مجمع العلم والبحث والثقافة) حيث كان يقصده كل طالب علم ومحو الأمية، فلقد زاره أحد وزراء المغرب وهو أبو الحسان العالي، ابن محمد التمكروتي عندما كان متوجها إلى اسطمبول فقال عن ذلك المجمع "الجزائر مكتظة بالسكان كثر طالبي العلم إذ أصبح عددا هائلا من الطلاب مثقفين، كما كانت الجزائر موسوعة علمية لوجود عدد هائل من الكتب"(17).

ساهمت المدرسة الثعالبية في جمع عدد هائل من الطلبة، وبالتالي من السكان وكذلك المسجد الذي يسمى باسمه "مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي" الذي أصبح مركزا عمرنيا بدأت البنايات حوله تكثر وتزداد يوما بعد يوم حتى شكل هذا النسيج العمراني الملتف حول المسجد مدينة، لذا قيل أن بناء المسجد في الإسلام أساس العمران في المدن الإسلامية، إذ لا يلبث العمران أن ينموا حول المسجد حتى صار المسجد نقطة التحول في الدراسة الطبوغرافية التاريخية للمدينة الإسلامية(1.

نستنتج من هذا أن لسيدي عبد الرحمن الثعالبي دورين هامين في مدينة الجزائر العاصمة تمثلا في التمركز السكاني والتمركز الثقافي.

ولهذا أصبحت مدينة الجزائر العاصمة مقترنة في اسمها بعبد الرحمن الثعالبي إلى اليوم" مدينة سيدي بعد الرحمن ـ أولاد سيدي عبد الرحمن".


لقد كثر هذا التعبير في الأغاني والأهازيج الشعبية إذ لا يكاد أحد من عامة الشعب أن يذكر الجزائر إلا مقترنة بعبارة "مدينة سيدي عبد الرحمن الثعالبي".



ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي قدس الله سره


الهــــوامــــش

نور الدين (عبد القادر) صفحات في تاريخ مدينة الجزائر (من أقدم عصورها إلى إنتهاء (العهد التركي) مطبعة البحث، قسنطينة ط2 ، ص 1956 ص 171.
محمد (بن ميمون) التحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر ، ط2 ،1981، ص 348.
محمد بن ميمون مرجع سابق، ص : 351.
عبد الرزاق (قسوم) ، عبد الرحمن الثعالبي والتصوف، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1978 رقم النشر 701 ـ 78 ساند ص 13.
عبد الرزاق (قسوم) مرجع سابق ، ص 16
علي محي الدين (القرة الداعي) ، للإمام أبي حامد الغزالي، الوسط في المذهب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة قطر الجزء الأول ، 1993، ص : 201
علي محي الدين (القرة الداعي)، مرجع سابق ، ص : 202
علي محي الدين (القرة الداعي)، المرجع نفسه، ص : 202
علي محي الدين (القرة الداعي)، مرجع سابق ، ص : 201
محمد جلال (شرف) دراسات في التصوف الإسلامي (شخصيات ومذاهب)، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت ، 1984، ص : 154
عبد الرحمن (الجيلالي) تاريخ المدن الثلاث : الجزائر ومليانة والمدية ط2 ، 1972 ص : 273.
الحفناوي ، تعريف الخلف برجال السلف، غير موقع للنشر ج1، 1991، ص : 74 – 75
عبد الرزاق (قسوم) عبد الرحمن الثعالبي والتصوف ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، 1978 ، ص : 42.
عبد الرزاق (قسوم) عبد الرحمن الثعالبي والتصوف ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1978، ص : 75.
عبد العزيز (سالم) تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس ، من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت ص ت
مكتبة الأبحاث التاريخية والأثرية ، 1981 ، ص : 376




ونلتقي لنرتقي

في الحلقة التاسعة و الأربعون من سلسلة أعلام الجزائر
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا






 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
الحلقة 49 / الكاتب و الشاعر : مالك حداد 1927 / 1978









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة التاسعة والأربعون



من أعلام الجزائر

الكاتب و الشاعر : مالك حداد
1927 / 1978

مالك حداد" شهيد اللغة العربية"


" اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني
أشد وأقوى من حاجز البحر الأبيض المتوسط .. وأنا عاجز عن أن أعبر بالعربية عما أشعر به بالعربية .. إن الفرنسية لمنفاي !"

مالك حداد

من مواليد: 1927.07.05م بقسنطينة ، عمل معلما لفترة قصيرة، تنقل عبر مدن وبلدان عدة منها: باريس، القاهرة، لوزان، تونس، موسكو، نيودلهي وغيرها. اشتهر بمقولته "الفرنسية منفاي".

عاد بعد الاستقلال إلى أرض الوطن وأشرف في قسنطينة على الصفحة الثقافية بجريدة النصر ثم انتقل إلى العاصمة ليشغل منصب مستشار ثم مدير للآداب والفنون بوزارة الإعلام والثقافة. أسس سنة 1969م مجلة آمال، أول أمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين في الفترة ما بين 1974 و1978م.
توفي في: 1978.06.02م.

من مؤلفاته بالفرنسية: الشقاء في خطر (شعر 1956م)، الانطباع الأخير (رواية 1958م)، سأهبك غزالة (رواية 1959م) التلميذ والدرس (رواية 1960م)، رصيف الأزهار لم يعد يجيب (رواية 1961)، اسمع وسأناديك (شعر 1961م)، الأصفار تدور في الفراغ (دراسة 1961م).

ترجمت أغلب الأعمال إلى اللغة العربية

شهيد اللغة العربية ..!
ابن الجزائر التي عانت من الاستعمار الفرنسي قرنا و يزيد من الزمان ، حاول الفرنسيون خلال تلك الفترة طمس الهوية العربية و جعل الثقافة الفرنسية هي المصدر في كل شيء . . فكان نتيجة ذلك أن تخرج جيل و هو لا يعرف من لغته العربية سوى أقل القليل منهم كان مالك حدّاد الذي قال ذات يوم أثناء محاضرة له بالفرنسية في دمشق عن الثورة الجزائرية التي كانت في عنفوانها " إن مأساتي تتجلى الآن بشكل أعمق . . إني أقف أمامكم؟ لا أعرف كيف نتفاهم! " . .
كان يحلم بغد أفضل ، بجزائر حرة ، لم يقوقعه حزنه على الوطن المستباح بل انطلق مخاطبا الفرنسيين بلغتهم عبر شعره و ثقافتهم التي استمدها منهم فكانت معوله لهدم القهر و العبودية .. هو من جيل الأبطال الذين لم يرضوا الهوان و لم يتقاعسوا عن خدمة وطنهم و لو بحرف . . !
بعد استقلال الجزائر قرّر ان يتوقف عن الكتابة مصرّحاً بجملته الشهيرة " اللغة الفرنسية منفاي، ولذا قررت أن أصمت" . وهكذا مات مالك حداد بسرطان صمته، ليكون أول شهيد يموت عشقاً للغة العربية.

قالو عن مالك حداد
"إنه كاتب كبير و رجل عظيم و كان وطنيا بوجدانه و روحه لكن لسانه كان يخونه و لا يستطيع التعبير عن هذا الوجدان إلا بالفرنسية ما جعله يردد دوما الفرنسية هي منفاي.."
زهور ونيسي

"كان أكبر حزناً من أن يكون في متناول فرحتي به، وكنتُ أنا أكثر خجلاً، وأقلّ خبرة من أرد على طلبه المتواضع بترجمة بعض قصائده للعربية ، التي كان يتمنّى أن يسمعها بصوتي في ذلك البرنامج الليلي الذي كنت أُقدّمه ، والذي كان يستمع له بشغف مَن يحبُّ موسيقى اللغة العربية التي حُرم من تعلُّمها. كنت بالنسبة إليه رمزاً للجزائر الفتية ، التي صمت ليستمع لصوتها العربي. وكان بالنسبة إليًّ اسماً كبيرا لم أقرأ له شيئاً، ولكن أدري أن فيه الكثير من فجيعة أبي وحرقة حرمانه من تعلُّم اللغة العربية . "
أحلام مستغانمي

"
هو ساجن الحب الأشقر والقواميس الألمانية – الفرنسية بفنادق باريس، ومغرق الصحراء والحي اللاتيني في كؤوس "الروزي"، ومبيد الغزلان في أعين عشاق العرق الشرقي الأكبر... إلى الصديق الذي لا أعرفه إلا من خلال صدفة افريقيتنا الشمالية، وفصاحته الفرنسية، وكأس قد شربنا بعقر حانوت لبيع الكتب العتيقة بنهج "الاوديون"بباريس ذات عشية "
صالح القرمادي

مالك حداد المبدع الذي عاش في صمت.. ومات فيه؟!

الشاعر الكاتب الروائي: مالك حداد (1927-1978) من كتاب (الفرنسية) في (الجزائر) لكنه ليس كسائر الكتاب الفرنسيين في (الجزائر) أو المنتمين إلى (الجزائر) (ببطاقة هوية) وحدها، فهو الثائر حتى على نفسه، معتبراً اللغة الفرنسية منفاه محروماً من القدرة على التعبير بلغته الوطنية (العربية) كسائر أولئك الذين "لم يسمح لهم بتعلم لغة بلادهم" كما قال في الصفحة العاشرة من روايته "رصيف الأزهار لا يجيب" فبقى حسب تعبيره "يتيم القراء" في عمق وطنه، وقد تاق إلى التعويض ثأراً لذلك بأن يجعل ولده (حجة في العربية) ربّما! لعلّ! من يدري؟ لست أدري؟‏

من هنا أعلنوا الحصار عليه في حياته وطيّ صفحته بعد وفاته. كيف لا يحدث هذا لرجل أراد أن يكون جزائرياً عربياً: فكراً وشعوراً وهو يعاني بألم عجزاً عن ذلك -لغة- بفعل إرث استعماري؛ فلعن الاستعمار الذي جعله سجيناً في لغته الفرنسية، فكان جزاؤه عن اللعنة والإدانة زجا به في ركام (المهملات).‏

هو (مالك حدّاد) الشاعر، صاحب المجموعة الشعرية الأولى له "الشقاء في خطر" سنة 1956، والروائي الذي أنجز أوّل رواية له سنة 1958 بعنوان: "الانطباع الأخير" تحية للثورة الجزائرية (1954-1962) المتأججة، في عامها الرابع، وقد احتضنها الرجل، فوجد فيها ذاته، بعد ميلاده الفكري السياسي الجديد يوم (8 ماي 1945) الذي دشن فيه الاستعمار مجازره الجماعية، فأدرك (مالك) حقد الاستعمار، وضرورة القضاء على وجوده:‏

"لقد ولدت في 8 ماي 1945 أيحتاج هذا التاريخ إلى تعريف؟" ثم لا يرى في حياته قبل هذا اليوم شيئاً، لقد التزم مالك أيضاً منذ 8 ماي يوم الدمع والدم في الجزائر، طريق الثورة، وصعّد فيه جنباً إلى جنب مع رفاقه حملة السلاح "يحققون وجودهم العزيز ويعطون للحرية وللكرامة الإنسانية معناهما الأصيل" كما تقول (ملك أبيض) في تقديمها لديوان زوجها (سليمان العيسى): "صلاة لأرض الثورة" بعدما ذكرت معاناة (حداد) مع (الفرنسية) وصعوبة التبليغ لأبناء وطنه العربي (الإسلامي) ومنهم أبناء (دمشق) حين حلّ بها محاضراً بالفرنسية والثورة الجزائرية في عنفوانها "كانوا يقرأون كلماته في عبارات وجهه، ويقاطعونه بالتصفيق والهتاف، فلا يملك إلا أن تخضل عيناه بالدموع، ويعلق: إن مأساتي تتجلى الآن بشكل أعمق... إني أقف أمامكم؟ لا أعرف كيف نتفاهم!".‏

بعد رواية "الانطباع الأخير" جاءت رواياته الأخرى "سأهبك غزالة" سنة 1959 و "التلميذ والدرس" سنة 1960، و "رصيف الأزهار لا يجيب" سنة 1961، وهذه من آخر ما كتب، لكنها حبلى بأريج الذكريات، وأوجاع الانكسارات، انطلاقاً من مربع الذكريات (قسنطينة) مسقط الرأس، وهواه، ومدفن آلامه وآماله معاً، وقد مارست ضغطها على الشارع "الرصيف الباريسي" الذي لم يعد يجيب! فيها يرتسم جو (قسنطينة) الخريفي منذ البدء، فتضطرم مشاعر الطالب البطل (خالد بن طبال) بمختلف الأحاسيس، منها أحداث الربيع الدامي برصاص الاستعمار الفرنسي في (8 ماي 1945) "في ذلك الصباح من شهر أكتوبر كانت ثانوية قسنطينة القديمة متأثرة إلى أقصى حدود التأثر... وكانت البلاد تداوي بمشقة جروحها مما أصابها فصل الربيع الدامي، وكانت طيور اللقلاق، تنظّم رحيلها وكانت الأراضي في الجبال المحيطة بالمدينة صفراء اللون"(1).‏

في ثانوية المدينة تلك بدأ الحس الوطني ينمو متفجراً، والطالب (خالد) يلتحق بقسم الفلسفة، حيث جمعته الصدفة على مقعد المدرسة بالطالب الأوروبي (سيمون كاج) "من أجل دراسة آثار برجسون، وديكارت، وإهمال ابن باديس، والشعراء الجزائريين الذين لا يذكر لهم اسم"(2).‏

إنه الوعي المبكر الذي شرع يشحن هذه التجربة الروائية بطاقة وطنية، تدين الاحتلال الفرنسي، وتعلن الوفاء لأرض الأجداد، على عكس الكتاب الفرنسيين الآخرين (في الجزائر) من أمثال (مولود معمري) و (كاتب ياسين) الذين كان ولاؤهم للغة (الفرنسية) لا لهذه الأرض العربية التي ألقت بظلالها على "رصيف الأزهار" نفسه في باريس، ولم يعد هذا الرصيف يجيب!‏

حتى (سيمون كاج) الزميل القديم في (قسنطينة) الذي بات في (باريس) مع أطفاله الثلاثة وزوجه (مونيك) المستهترة، لم يعد يولي اهتماماً لشيء، حتى لشرفه، قال (سيمون) لمرافقه (خالد): "لقد اخترت -كما تراني- أن أكون كسائر الناس... لم يبق مني سوى الهيكل العظمي، وبلغ الرجلان مفترق الطرق الذي يدعى (الأوديون) وحاولا أن يغيّرا موضوع الحديث إلى أسلوب المزاح:‏

-كم كان برجسون مسكيناً! وكم كنا نحب علماء النفس!‏

-أنا متأكد أن برجسون كان رجلاً طيباً، هل تفهم ما أقول يا سيمون؟ كان أسلوبه شاعرياً إلى حد بعيد. وربما كان في حياته الخاصة جديراً بالرثاء ولكنه لم يكن بليداً.‏

إن باريس تموج بالناس وتتسع كل يوم لكنك يا باريس لم تفهمي شيئاً مما يجري في العالم"(3).‏

ورغم الأشواق والآمال وجمال (باريس) نفسها، فالصورة تبقى بشعة، تبقى صورة الموت والدمار الذي عرفته (الجزائر) على أيدي المحتلين، وحتى خيانة (وريدة) في (قسنطينة) نفسها، فبماذا كان يعتمل فكر (خالد) وماذا كان يشغله، إنهم ناس بلده "أولئك الذين أخرجوا من ديارهم، لن يعرفوا الابتسامات في المنفى. سيخيل إليهم أن كل يوم أطول من سابقه، وأكثر حزناً، سيخيل إليهم أن كل يوم يحمل مأساة جديدة. فهذا قد مات وذاك عذب، وذاك لم يسمع عنه خبر وذاك ألقي عليه القبض.‏

وريدة لا تبعث الرسائل أو بالأحرى أنها لم تعد تبعث الرسائل. ماذا حدث لها؟ وأنتظر يوم الاثنين والثلاثاء: لا شيء. وذهب إلى مركز البريد وإلى منزل سيمون كاج، ولكن لا شيء. ومع هذا كله فينبغي أن لا تفارق الابتسامة شفتيه، وأن يحلق اللحية كل صباح، وأن يتظاهر بقراءة الجريدة في المطعم. وهو يقوم بهذا "يقتل الوقت" ويقتل نفسه. وحينئذ يلاحظ بأن الزمن بطئ في عزف سيمفونية الأيام الرتيبة المتشابهة التي لا طعم لها ولا لون. والطيار الشديد الانتباه يلمح الأرض ويراها تزداد اتساعاً. ومن يدري، فلعله أخطأ في ضبط الأجهزة، أو لعله نسي شيئاً هاماً؟ وخالد يقول فيما بينه وبين نفسه:‏

"إنها زوجتي وأنا أعرفها جيداً إنها تشاركني في المصير وتكن في قلبها نفس الآمال التي أكنّها وتجعلني أفكّر فيها بين الحين والآخر. ومن يدري، فلعل تخلف رسائلها ناتج عن التغيرات التي طرأت في البريد.. وأنا شخصياً لا أراسل أحداً. ولكن هل لي الحق في المراسلة؟ وما وضعيتي بالضبط؟ لقد بلغني أنهم جاءوا لإلقاء القبض علي. لا يهم! الأهم من ذلك أن هذا الحب باق، ما دام هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإيمان والمحبة.‏

وإلا فالويل للإنسان من هذا الزمان!.."(4)‏

وهكذا تصبح "باريس أمام عينيه وكأنها صحراء لا أنيس بها، وخيل إليه أنه يسير وحيداً في درب الحياة، وأنه سيلتقي في نهاية هذا الدرب بوريدة، ولا شك أن هناك كثيراً من الناس حرموا من التمتع بنعمة الوطن واجتماع الشمل مع الزوجة، وكان خالد لا يفتأ يمني نفسه باللقاء مع وريدة ذات يوم وهذا الأمل في اللقاء لا يعود في الواقع إلى أنانية في طبعه بقدر ما يعود إلى حاجة في نفسه تدفعه إلى أن ينظر إلى الأشياء من زاوية الإنسانية وأن يحكم على الأشياء مستنداً على القيم الإنسانية وحدها ومع ذلك فإن هذا الإنسان أو بالأحرى، هذا الكاتب الذي يفكر تفكيراً سياسياً، ليس في الواقع سياسياً"(5).‏

لكن السياسية تقتحم علينا عالمنا من دون استئذان، ولا اختيار، أليس التفكير في (الوطن) ومصيره: سياسة؟ أليس التفكير في (الجهاد) و (الاستشهاد) سياسة: "سيأتي ذلك الحين الذي يتحتم فيه أن تمجد بطولات أولئك المجاهدين الذين شاركوا في الكفاح من غير أن يرتدوا اللباس العسكري. كان خالد يتمنى أن تقوم الحرب، وفي نفس الوقت كان متخوفاً منها مثلما يتخوف الطبيب الجراح من نتائج العمليات الخطيرة. ومع ذلك، لم يكن هناك حل آخر لأن القوّة لا تعرف سوى القوّة"(6).‏

لكن حي "رصيف الأزهار" الذي كان يقصده (خالد) شرع يفقد طعمه وبهاءه "كان الثلج يتساقط فوق رصيف الأزهار"(7) حتى باتت تحلق "فوق حي رصيف الأزهار سحب الكآبة والحزن"(8).‏

وهو ما يجد الاستجابة التامة له في نفس (خالد) المطبوع على (التجهّم) الذي كانت تضيق به (مونيك) نفسها زوج (سيمون).‏

في "رصيف الأزهار لا يجيب" يلتحم الهمّ الشخصي بالهموم الوطنية والإنسانية، بمشاعر الحنين، والخيانة والوفاء في بوتقة واحدة، صدى لمعاناة وطني على جبهات اختلفت، لكنها جميعاً التهبت نيرانها في روح (خالد بن طبال) الذي ليس سوى (مالك حداد) نفسه، في انكساراته، وأشواقه، هي الواقعية الشفافة، في تجربة روائية، ذات مضمون وطني إنساني.‏

وهذه الرواية مثل معظم روايات (مالك حداد) ترجمت إلى العربية، وأغلبها ترجم ونشر في (لبنان) و(تونس) و (دمشق) و (الجزائر) تحت وهج الثورة الجزائرية، لكن بعد النصر انقلبت الموازين، بفعل جهود (الطلقاء) الجدد في تاريخنا الجزائري المعاصر، وبفعل النشاط الحثيث لقوى الاستعمار العاملة لضرب (الجزائر) العربية المسلمة في العمق، فكيف يسهو الاستعمار وبيادقه عن (مالك) الساخط على (زنزانته) في (الفرنسية) أداة تفكير وتعبير؟ وكله توق في أن ينتقم له ابنه، فيجيد العربية لغة آبائه وأجداده، فيعرف ضميره بعض الراحة والطمأنينة.‏

لقد ولد الرجل في مدينة الوطنية الجزائرية المعاصرة (قسنطينة) مدينة المفكر الجزائري المصلح (عبد الحميد بن باديس) لكنه سرعان ما انتهى كاتباً بالفرنسية، ولم يشعر بمأساته إلا في عمق الثورة، ولم يتمكن من تجاوزها عقبة تؤرّق ضميره، لكنّ أعداءه استغلوها بعدما استحال عليهم ترويضه، فكان الحصار والصمت جزاء تمردّه على أوامر (باريس) وعملائها: فكراً، ولغة، و (أيديولوجية). وقد وجدت في (رجالها) بوطنه (الجزائر) عوناً لها، رجالها في السياسة وفي الثقافة وفي الإعلام، وقد مضى نشاطهم يتّسع ويطرد منذ الساعات الأولى للاستقلال، منذ الساعات الأولى حقيقة لا مجازاً.‏

وها هم اليوم يعلنونها في (الجزائر) صراحة، في زمن الضعف والهوان، وموت الروح الوطنية، والطاقة الجهادية، فيتظاهرون في (1998) في شوارع (تيزي وزو) استنكاراً لتعميم (اللغة العربية) الذي يترتب عنه تقليص هيمنة (الفرنسية) حتى في المواقع البسيطة، هم أحفاد (لاكوست) و (بيجارا) و (غي مولي) و (ديغول) الذين بقوا أكثر ولاء للغة الجد (لاكوست) و (الأخوال) من أمثال (ميتران) و (شيراك) و(ديستان) هو المسخ الثقافي والاستعمار الفكري الذي ناهضه (مالك حداد).‏


وهذا ما يبرر.. إن كان الأمر في حاجة إلى تبرير سرّ إهمال الرجل، والصمت عنه حتى في الدراسات العليا بالجامعات الجزائرية، فلم تعد عن أعماله ولا رسالة واحدة جامعية، ولا رسالة (ماجستير) كما يبرّر في الوقت نفسه من جهة أخرى هذا الصخب الذي لا يكاد يتوقف في تلميع كتاب (فرنسا) في (الجزائر) أي (الجزائريين) ببطاقة الهوية فقط، الفرنسيين: لغة وفكراً وشعوراً وطموحاً وآمالاً، وانتماء حضارياً في النهاية.‏

والخاتمة: (مالك حداد) المبدع بالفرنسية رقم مهمل، أما غيره من كتاب فرنسيين عاديين جداً أو دون العادي، أمثال (مولود معمري) و (كاتب ياسين) في الأولين، و (طاهر جاووت) و (رشيد ميموني) في الآخرين فهم (أعلام) تدقّ لهم الطبول بمناسبة ما... ومن دونها، تعد عنهم الرسائل الجامعية، والمقالات التحليلية في الصحافة الفرنسية (بباريس) و (الجزائر) يحظون بالتكريم المادي والمعنوي؛ فترصد لهم الجوائز في فرنسا الأم، وتسند إليهم "أدوار" في الجزائر وفي (فرنسا) بعضها "سرّي" وبعضها معلن، كما تطلق أسماؤهم على: جمعيات "ثقافية" فرنسية أو (فرنسية- جزائرية) ومؤسسات فرنسية و(جزائرية)... كما هم موضع دعم سياسي ومادي ومعنوي... في كل الظروف. كما أن (فرنسا) ملاذهم عند (الملمات) في (الزّمن الصعب) فيحلّون بها كأبطال وافدين أو فارين... لحضن الأم... المرضعة... الحنون فتبقى (فرنسا) واللغة الفرنسية: الروح والفكر والانتماء إلى مجال حضاري أوروبي، إنه التمسك بالعبودية، فما ألذّ وقع السياط في أيدي الجلاّدين على ظهور العبيد ذوي القابلية للتبعية للمستعمر الغالب!‏

أما (مالك حداد) الجزائري العربي الوطني المضطهد؛ فقد ثار الإنسان الجزائري الأصيل في أعماقه؛ فحاول رفض واقعه أملاً في تجاوزه، كما أعلن عداءه للاستعمار ومجاله الحضاري، فدفع إلى زاوية مظلمة محاصراً بصمت مطبق... أسلوب النذالة الاستعمارية... واليسار الانتهازي، وخطط التطويق... والعزل، في زمن تسوده ثقافة المسخ والنسيان... ونكران الجميل! في زمن (العمالة) و (الخيانة) وسلطة (الطلقاء)!.‏

فرحمك الله أيها الرجل... وغفر لك! وستبقى في ضمائر كلّ الشرفاء كلما حلّت ذكرى ميلادك أو وفاتك أو انسحبت تلك أو هذه في اكتئاب!‏


وكان الله في عون وطنك... وهو ينزّ جراحات العشرية الحمراء (1992-1999م) بعد العشرية السوداء.. ويعاني آلاماً... ومخاضاً... ربّما! لعلّ! وعسى! أليس مع العسر يسراً؟ بلى... هو وعد الله... والله لا يخلف وعده! كما ينجز وعيده... لكل الطغاة، ومنهم "طلقاء" الثورة، في زمن الغدر.. والخيانة! وقد فجروا... وغدروا!.‏





ونلتقي لنرتقي في الحلقة الخمسين من سلسلة أعلام
الجزائر
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







 
آخر تعديل:
Top