موسوعة أعلام الجزائر

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة






موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الرابعة و العشرون


الامام الجليل
الشّيخ عبدُ القادر المجاوي



1848 مـ -- 1914 مـ

ترجمة الشّيخ عبدُ القادر المجاوي

تمهيد :

بعد هجرة أكثر العلماء والمُجاهدين والأعيان , خلت الدّيار من أهلها وصارت الدّولة للفرنسيس . . . فاستبدّ بنفوس الناس جُمود وخُمول خيّم عليه اليأس والقنوط , وصار أكثرُ حالهم كما يروي المُستشرق الفرنسيّ ( جوزيف ديبارمي ) عنهم : << . . . المُسلم ( الجزائريّ ) لا يخرج من داره إلاّ ذليلا ومُحجّبا كالمرأة لأنّ الشارع فيه حضارة أخرى , وهي حضارة الرّوميّ ( الفرنسيّ ) . . . المُسلمون أهينوا على يد الكفار . . . >>([2]) .


وفي هذا الظرف البائس كان هُناك . . . في خبايا الزوايا بعض البقايا , وهُم صنفٌ من العُلماء والطلبة الذين كانوا يستكملون مُهمّتهم التعليميّة رغم الظروف مُؤثرين البقاء مع النّاس على الهجرة .


قال الشّيخ محمّد بيرم التونسيّ في ( رحلته ) : << ومن الأخيار الذين اجتمعتُ بهم ومنحوني فضائل أخلاقهم النّحرير العالم الشّيخ عليّ بن الحفاف المالكيّ بقاعدة الجزائر , وهو من تلامذة علاّمة القطر الإفريقيّ الشّيخ إبراهيم الرّياحيّ , كما أخبرني بذلك عن نفسه , وله فضائل كاملة وتقوى وسكينة واطلاع وسعة في الفقه والحديث , وذاكرني في الهجرة فذكرته بأنّ مثله قليل الوُجود في ذلك القطر , وأنّ بقاءه فيه لتعليم النّاس دينهم أنفعُ للعامّة وله عند الله تعالى من خروجه برأسه , وأنّ بقاء تلك الأمّة المُسلمة خالية عن مثله بل ربّما حمل خروجه غيره ممّن هو على شاكلته على الخروج فتبقى العامّة بلا تعلم لديانتهم , وتضمحلّ منهم الدّيانة شيئا فشيئا والعياذ بالله , بخلاف ما إذا بقي هو وأمثاله فإنّه تنتشر تعاليم الإسلام والفقه , وتبقى الدّيانة إن شاء الله تعالى محفوظة في الأهالي , وذلك منصُوص عليه في كتب فقهنا حتـّى إنّ الأسارى إذا لم يمكن فداؤهم جملة فيؤخر منهم العُلماء([3]) . . . >>([4]) .


وعلى هذا الرّأي لم يُهاجر جماعة من العُلماء . . . وكان من بينهم شيخُ الجماعة عبدُ القادر المجاوي .

فمن هُو عبدُ القادر المجاوي ؟


قالت مجلـّة الشّهاب ( 3 \ 8 ) عند تقريظها لكتاب الجزائر للأستاذ توفيق المدنيّ : << إنّ الكتاب وُضع على الاختصار فما كنّا لنطالب مُؤلفه باستقصاء جميع الرّجال , ولكنّه سكت عن أفراد لا تكمل الصّورة التّاريخيّة إلاّ بهم , منهم العلاّمة الأستاذ عبد القادر المجاوي ــ رحمه الله ــ هذا الرّجل هو أبو النّهضة العلميّة بقسنطينة , وهو شيخ النّاس بجميع عمالتها , عليع تخرّج القضاة ورجالُ المحاكم والتدريس والفتوى فلا تجد وااحدا من هؤلاء إلاّ وهو من تلامذته , ولو كان هذا الرّجل من أمّة عالمة لأحيت ذكراه في كلّ مُناسبة . . . >> .


مولده ونشأته وطلبه للعلم :

هو عبدُ القادر بن عبد الله بن محمّد الحسني الجليليّ المجاوي نسبة إلى قبيلة بشمال المغرب الأقصى , وُلد بتلمسان سنة 1264 هـ \ 1848 مـ في أسرة اشتهرت بالعلم والدين , كان والده فقيها وقاضيا تقلـّد خطة القضاء بتلمسان خمسا وعشرين سنة ثمّ في طنجة المغربيّة , وهُناك وفي تطوان أتمّ الابن عبد القادر حفظ القرآن الكريم ودراسته الابتدائيّة .


وفي فاس : التحق عبدُ القادر بجامع القرويين الذي كان يشهدُ فترة النّهضة والدّعوة إلى تجديد طـُرق التعليم , وهي الإصلاحات التـّي طرأت على المغرب وتـُونس بعد احتلال الجزائر واحتكاك المُسلمين بالحضارة الغربيّة .

ومن شُيوخه الذين تخرّج عليهم وتأثر بهم :

الفقيه الشّهير محمّد العلوي الفاسيّ , والشّيخ العلاّمة محمّد قنون ــ محشي الرهوني على خليل ــ , والعلاّمة محمّد بن سودة , والعلاّمة المُحدّث محمّد بن جعفر الكتانيّ , وأحمد بن الحاج ــ محشي المكوديّ ــ .


ميدان التربيّة والتعليم :

في سنّ 22 عاد إلى الجزائر وحلّ بقسنطينة سنة 1869 مـ مُدرّسا بزواياها ومساجدها , ثمّ تصدّر للتدريس بجامع الكتانيّ فأقبل على دُروسه الطلاب من جميع النواحي واتسعت شُهرته وظهرت كفاءته ومهارته , وتميّزت دُروسه ومواعظه بالحيويّة وغزارة العلم وقوّة التأثير وكان يحرص فيها على الدّعوة إلى النّهوض بالعلم .


يقول الأستاذ القماريّ : << روى ( شارل فيرو ) أنّ الأوساط العلميّة بقسنطينة كانت تقول : أنّ العلم قد انطفأ عند المُسلمين بموت سي مُصطفى بن جلـّول وسي المكيّ بوطالبي . . . وبسبب الإدارة الفرنسيّة التـّي حرمت عامّة النّاس من نُور العلم جفت ينابيع العلم الحرّ وغاضت بحور الفكر , وكاد هذا الليل الطويل ألاّ ينجلي لولا نفحة هبّت من الغرب , ونعني بذلك حلول عبد القادر المجاوي للتدريس في أحد المساجد بقسنطينة . . . >>([5]) .


وفي سنة 1877 مـ تولـّى التدريس بمدرسة قسنطينة وبعد سنة عيّنته الحكومة بمدرسة الجزائر العُليا .

يقول الأستاذ محمّد الصّالح الصّدّيق : << لا شكّ أنّ الحُكومة إنّما عيّنته في هذه المدارس لتقلل من نشاطه الدّينيّ والإصلاحيّ الذي أخذ يُوقظ العُقول ويفتحُ الأبصار ويُوجّه نحو الطريق القويم , لأنّ هذا النّوع من النشاط أشدّ ما يُهدّد الاستعمار . . . >> . لكن كما قال الأستاذ القماريّ : << حقيقة أنّ السّلطات الفرنسيّة كانت تـُراقب هذا التعليم ولا تـُريده أن يتجاوز مبادئ الفقه والتوحيد الموجّهة للعامّة , ولكن المدرّس الماهر ذا الضّمير الحرّ يستطيعُ أن يُوصل رسالته إلى التلاميذ النبهاء والحاضرين المُتطلعين >>([6] ) .


ويقول أيضا ( 3 \ 20 ) : << كان مسؤولوا هذا التعليم يُقاومون سرا وعلانيّة مُستخدمين كلّ الوسائل لتمرير رسالتهم التربويّة , ذلك أنّ التعليم ليس بالقلم والقرطاس فقط , ولكن بالمثل الأعلى والكلمات المعبّرة والتوجيه القويم والنّصائح الخالصة , وإذا كان الفرنسيون قادرين على مُراقبة التعليم العربيّ الإسلاميّ في المساجد والزوايا والمكاتب , فإنّهم غير قادرين على مُراقبة التربيّة والتوجيه الصالح اللـّذين يبثهما المعلمون في تلاميذهم , ومن هؤلاء ستكون البذرة الخيّرة للنهضة والحركة الإصلاحيّة >> .


ولذلك لم يقتصر الشيخ المجاوي ــ رحمه الله ــ على الدّروس النظاميّة فكان من عادته أن يختلط بطلابه خارج الدّرس لينفخ فيهم من روحه , وكانت علاقته بهم علاقة أبويّة تقوم على أساس المحبّة الخالصة والجهاد العلميّ النافع , فكان بذلك المثال للمعلـّم والقدوة والمُربي . . .

يقول الأستاذ محمّد الصّالح الصّدّيق : << كانت طريقه معهم بهذا الاعتبار يملؤه نور وأمل , نور يكتسحُ الظلام , وأملٌ يُحفز إلى الأمام رغم فظاعة العهد الاستعماريّ الذي يعيشونه >> .


ومن تلامذته :

الشيخ حمدان الونيسيّ , وهو من شيوخ ابن باديس الذين كان لهم أكبر الأثر في توجيهه , وتوجيه الحركة العلميّة والإصلاحيّة بقسنطينة , هاجر إلى المدينة النّبويّة في أواخر عمره بعدما أدّى ما عليه قبل الحرب الأولى وبها توفي ودُفن رحمه الله , ومنهم الشّيخ المولود بن الموهوب مُفتي قسنطينة , والشيخ عبد الكريم باش تارزيّ مُفتي الحنفيّة بقسنطينة , والشيخ حمود الدراجي قاضي الحنفيّة بالجزائر . . . وغيرهم .


نشاطه ودعوته :

وكان الشيخ المجاوي إضافة إلى مهنة التدريس كثير النشاط في النوادي والجمعيّات المُعاصرة التي نشطت في أوائل القرن , وكانت جريدة ( كوكب إفريقيا ) للشيخ محمود كحول تنقل مُحاضراته وكتاباته إلى قرائها وكذلك جريدة ( المغرب )([7]) .


وفي سنة 1908 عُيّن إماما وخطيبا بجامع سيدي رمضان بالعاصمة , وكان في دُروسه للعامّة التـّي انتشرت واستشرت فيها الجهل والخرافة مثالا للعالم النّاصح المُشفق , يقول الأستاذ محمّد الصّالح الصّديق : << كان يُوجّه الأنظار دأبا إلى أنّ الله تعالى قادر على أن يُعطي كلّ أحد ما يحتاجه من متع الحياة بلا عمل وكدح , ولكن حكمة الحياة أن نُكافح ونعمل لتكون للحياة لذة وحلاوة , فالحياة بلا جهاد وكفاح حياةٌ بلا معنى , والجهاد بكلّ معانيه المادّية والمعنويّة هو أساس الحياة , ومناط العزّ في هذه الأرض . . . >> . كما دعا إلى مُحاربة البدع والعمل بالسّنّة والانقياد إلى الحقّ .


يقول محمّد الصالح الصّدّيق : << إنّه في هذه السعة العلميّة يُمثل النّزعة السّلفيّة ويرى أنّ الاقتداء بالسّلف الصّالح صيانة الدّين والعربيّة في الجزائر >> . وقال أيضا عن دعوته إلى تعليم المرأة : << خرق كلّ ما كان يجمع عليه أهل عصره من الفقهاء , فلم يكتف بالدّعوة إلى تعليمها بل دعا إلى تعليمها تعليما كاملا >> .


وفاته :

بعد حياة طويلة من الصّبر والتضحية توفي الشيخ المجاوي يوم السبت 6 أكتوبر 1914 مـ بقسنطينة ودُفن بها , وكان يوم دفنه مشهودا حضره العلماء والطلاب والأعيان وحشد عظيم من طبقات النّاس , وألقيت خطب وقصائد شعريّة قيلت في حقه من بينها مرثيّة بليغة للشيخ ابن باديس . . . رحم الله الشيخ المجاوي وجزاه عن عمله خير الجزاء وأجزله .


مُؤلـّفاته :

كثيرة , وكلها تعليميّة , والمطبوع منها : ــ إرشاد المتعلمين , ــ الإفادة لمن يطلب الاستفادة : طبعة الجزائر 1901 , ــ الاقتصاد السّياسي . ــ تـُحفة الأخيار في الجبر والاختيار . ــ الدرر النحويّة شرح الشبراويّة : طبعة فونتانا , الجزائر 1907 . ــ شرح الجُمل النحويّة : طبعة فونتانا . ــ شرح شواهد القطر : طبعة قسنطينة . ــ شرح لاميّة المجراديّة في المسائل النّحويّة : المطبعة البونيّة 1894 , والمجراديّة لأبي عبد الله محمّد بن مجراد . ــ شرح منظومة ابن غازي في الوقت . ــ الفريدة السنية في الأعمال الجيبيّة : في الفلك , طبعة فونتانا 1903 . ــ القواعد الكلاميّة . ــ اللمع في نظم البدع : وهو شرح لمنظومة تلميذه المولود بن الموهوب في البدع . ــ نزهة الطرف في المعاني والصرف . ــ نصيحة المريدين .

هذا ما تسنّى جمعه من ترجمة الشّيخ عبد القادر المجاوي رحمه الله , وبه تنتهي المُقدّمة .


( 1 ) : مُلخصا بتصرّف وإضافة من كتاب << أعلام المغرب العربيّ >> لمحمّد الصّالح الصّدّيق ( 1 \ 30 ــ وما بعدها ) , وانظر لترجمته أيضا كتاب << تعريف الخلف >> للحفناويّ , وَ << نهضة الجزائر الحديثة >> لمًحمّد عليّ دبوز .


( 2 ) : التـّاريخ الثقافيّ ( 8 \ 132 ) .


( 3 ) : يعني : بقاءهم مع بقيّة المأسُورين وفي ذلك تثبيت لهم .


( 4 ) : أعلامُ المغرب العربيّ ( 1 \ 30 , 31 ) والقصّة ذكرها باختصار الحفناويّ في ترجمة عليّ بن الحفاف من كتابه تعريف الخلف , وساق رأي الشيخ الهامليّ في مسألة الهجرة .


( 5 ) : التاريخ الثقافيّ ( 3 \ 127 , 128 ) بتصرّف .


( 6 ) : المصدر نفسه ( 3 \ 128 ) .[6]


( 7 ) : وقفتُ له على عناوين المقالات التالية : مشاهير العرب الذين تـُضرب بهم الأمثال , المعاش , العلم , العادة , الطيب العربي قبل الإسلام , الحلم , التربيّة , شهر المولد النبويّ , الكبر والعجب , سماحة النفس , عيد الأضحى أو موسم الحج, تعليم الأطفال , الأربعيات , سلامة الإنسان في حفظ اللسان . . .

بقلم/ عادل بن الحاج همال الجزائريّ

الجزائر : صبيحة 22 رمضان 1427 هـ








ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الخامسة والعشرون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







أتمنى لكم كل متعة وفائدة
 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة









موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الخامسة و العشرون



العلامة المصلح
الشيخ الرزقي الشرفاوي الأزهري


1880 م -- 1942 م


ترجمة العلامة المصلح الشيخ الرزقي الشرفاوي الأزهري



نترجم اليوم لعالم من علماء الجزائر كانت حياته كلها كفاحا متواصلا و جهادا مضنيا ، مما جعله مثار إعجاب الأقارب و الأباعد ، و الأصدقاء و الأعداء على حد سواء ، كفاح و صمود في سبيل طلب العلم و المعرفة و جهاد للدفاع عن دين الله الإسلام الصحيح و نشر الإصلاح و محاربة الطرقية و عباد القبور ، و ناشري الخرافات و الخزعبلات ، لقد انتقل و هو صغير بمجهوده الخاص على متن باخرة لنقل الحيوانات من الجزائر إلى مصر ، ليلتحق بالجامع الأزهر الشريف و ينقطع عن أهله و بلده في غربة دامت سبع و عشرين سنة حتى أصبح من شيوخ الأزهر و مدرسيه ، و بعد عودته إلى ارض الوطن وجد دعاة الطرقية و أصحاب بعض الزوايا أدعياء الدين له بالمرصاد فأعلنوها حربا لا هوادة فيها ضد هذا الأزهري – المارق في نظرهم – لكنه صبر و احتسب و بقي صامدا بعزيمة فولاذية إلى آخر يوم في حياته رحمه الله.

إسمه و مولده و أسرته:

محمد الرزقي بن محمد وعلي الشرفاوي ، ينحدر من عائلة ابن القاضي التي كانت تحكم إمارة كوكو بجبال جرجرة الأمازيغية ، و لد سنة 1302 هـ / 1880 م بشرفة بهلول ، و هي قرية لا تبعد كثيرا عن مدينة اعزازقة ( تيزي وزو ) بلاد القبائل شرق الجزائر.
ولد لأسرة تمتهن الفلاحة كغيرها من أسر بلاد زواوة الأمازيغية الساكنة على سفوح جبال جرجرة الأشم.

نشأته و طلبه العلم:

نشأ وسط أسرة كبيرة العدد تمتهن الفلاحة كما قلنا ، أدخله والده زاوية قريتهم شرفة بهلول لحفظ القرآن الكريم ، انتقل بعدها الى زاوية احمد الإدريسي البجائي [ العالم الفقيه الأصولي أستاذ العلامة ابن خلدون ت 760هـ ] فانتظم في سلك طلبتها حيث تعلم العربية وعلومها ، و حفظ بعض المتون في الفقه و التوحيد ، و أتقن القرآن الكريم حفظا و رسما و تجويدا.

انتقل بعدها الى الجزائر العاصمة ليدرس بالمدرسة الثعالبية و هي من المدارس الرسمية لكنها محافظة على منهج التعليم الديني الإسلامي العربي ، الذي لم يتأثر بسياسة الاستعمار الثقافية، وفي هذه المدرسة حضر دروس العلامة الشيخ عبد القادر المجاوي الذي تأثر به و بدروسه و افكاره، و هو الذي شجعه على الكتابة في مجلة التلميذ التي كانت تصدرها المدرسة الثعالبية ، كما واظب على حضور دروسه الخارجية.

رحلته إلى مصر:

كان التلميذ الشرفاوي يسمع ثناء أساتذته عن علماء الأزهر الشريف و ينوهون و يستشهدون بأقوالهم و بأفكارهم ، فتأثر أيما تأثر و تمنى ان يلتحق بهذا الجامع الشريف ليتخرج منه عالما يشار له بالبنان ، و رسخت هذه الفكرة في رأسه فجمع مبلغا من المال ، و يذكر لمن عرفه أنه سافر على ظهر باخرة من ميناء الجزائر العاصمة في رحلة – انتحارية - شاقة و مضنية كاد يهلك فيها ، لأنه كان راكبا في الجزء المخصص للحيوانات ، و لم يصل إلى الإسكندرية إلا بعد أن تقيأ مرات و كرات و لاقى من المصاعب التي أنهكت قواه و ألزمته الفراش أياما ، انتقل بعدها إلى القاهرة ليلتحق بمساعدة بعض الطلبة المغاربة بدروس الأزهر الشريف، " ... وقد التزم بعهد قطعه على نفسه [ مع بداية الدراسة في الأزهر]، وهو أن لا يكاتب أهله و لا يقرأ رسالة ترد عليه منهم حتى ينتهي من دراسته ، فعل ذلك خشية أن يكون في تلك الرسائل ما يثير حنينه إليهم ، و يشغله عن مواصلة الدراسة ، و المثير في كل هذا انه وفى بهذا العهد الذي ابرمه على نفسه ، و قضى قرابة أربعة عشر سنة دون أن يقرأ رسالة واحدة من الرسائل التي وردت عليه من الجزائر.

و كم كانت الفاجعة أليمة عندما أنهى دراسته بإحرازه على شهادة العالمية ، و فتح رزمة الرسائل التي اجتمعت لديه طيلة كل هذه السنوات ، فوجد واحدة تنعي إليه والدته ، وأخرى تنعي إليه والده و ثالثة تنعى أخته ، و رابعة تنعى إليه الأخ الأكبر ، و خامسة تنعى إليه اخوين آخرين ، و لا يمكننا تخيل وقع هذه الفواجع في نفسه.

وقد ذكر في أوراقه انه تردد طويلا في قراءاتها أو إحراقها خوفا من الصدمة النفسية و ظل ينظر إليها بقلب خافق ، و نفس مضطربة و أخيرا تكلف من التجلد و الشجاعة ما لا بد منه ، فما كاد ينتهي من قراءتها حتى اغبر لون الوجود في عينيه ، ... و لا عجب فان أقاربه هؤلاء، و إن ماتوا في فترات متباعدة، و لكنهم بالنسبة إليه ماتوا في وقت واحد".

وقد التقى لما كان بالأزهر الشريف رفقة مجموعة من الطلبة الجزائريين الإمام عبد الحميد بن باديس عندما رجع الإمام من أداء فريضة الحج و عرج على الأزهر عام 1332 هـ/ 1914م.

إشتغاله بالتدريس في الأزهر:

بعد كد سنوات التحصيل ، و متابعة و إتقان لكل ما يدرس في الأزهر من مختلف الفنون و العلوم ينال الشيخ الشرفاوي شهادة العالمية و تجيزه هيئتة إجازة عامة في التدريس و التعليم و ذلك سنة 1339 هـ / 1921 م [ يذكر الشيخ لطلبته احتفاء الطلبة المغاربة بنجاحه و فرحهم به ، و يذكر كيف أن بعضهم بكى من شدة فرحه بهذا النجاح ]، ثم يرشح للتدريس بالأزهر فقدم دروسا انتفع بها طلبة العلم لمدة أحد عشر سنة ، كما كان يتردد على المكتبات العامة بالقاهرة يعكف على المطالعة و دراسة التراث الإسلامي و العربي، و يشارك بين الفينة و الأخرى في كتابة مقالات في مجلة الأزهر و غيرها.

عودته إلى الجزائر:

عاد سنة 1351 هـ / 1933م بعد أن أدى فريضة الحج حيث التقى ببعض أقاربه فأهاجوا أشواقه إلى الجزائر و حن إليها حنين الإلف فارقه القرين ، فأثاروا فيه الذكريات، فأرسل رسالة الى أهله يعلمهم باعتزامه العودة إلى الجزائر بصفه نهائية ، و ما ان بلغهم الخبر حتى اهتزوا فرحا ، و رأوا أن عودة العالم الذي قضى في الشرق أمدا طويلا يدرس العلم حتى صار قمة شامخة سوف تفتح لهم بهذا العالم صفحة مشرقة في حياة المنطقة ، و سوف يكون لهم به عز و أي عز و مكانة و أي مكانة، لا شك انه وسام شرفهم و عنوان مجدهم ، فما كان إلا أن اجتمع أعيان قرية شرفة بهلول ، و قرروا أن يجمعوا له مبلغا من المال و هو ما كان و أرسلوه إليه عن طريق حوالة بريدية على عنوانه بمصر ، كما قرروا بناء منزل يليق بمقامه بجوار زاوية الشرفة ، و قد سرى خبر عودته الى الجزائر حتى بلغ مسامع القرى و المدن المجاورة ووصل إلى علماء الجزائر ، و لذلك ما إن وصلت الباخرة التي كانت تقله إلى ميناء العاصمة حتى وجد في استقباله جمعا غفيرا من العلماء و طلبة العلم و الأعيان و الأقارب في مقدمتهم احمد بن زكري مدير المدرسة الثعالبية و الشيخ الطيب واعمر شيخ زاوية احمد الإدريسي البجائي.

و زاره بعدها بأيام كل من العالمين الجليلين الأستاذ عبد الحميد بن باديس و الشيخ الطيب العقبي و عرضا عليه الانضمام الإقامة في العاصمة للعمل معهم في صف جمعية العلماء المسلمين و يقوم بواجبه في الإصلاح و التعليم ، لكنه اعتذر منهما، واعلمهما بأنه وعد الشيخ الطيب واعمارة شيخ زاوية احمد الإدريسي البجائي بأنه سيقوم بمهمة التدريس في المعهد اليلولي ، و اخبرهما بأنه سيكون إلى جانب رجال الجمعية في عملهم الإصلاحي ، و هذا ما كان حيث أنه لم ينقطع عن جمعية العلماء المسلمين فكان يمد صحفها بالمقالات و الدراسات ، و لقاء زملائه العلماء من حين لأخر للتشاور و تبادل الرأي بالعاصمة.

تدريسه بالمعهد اليلولي:
بدأ الشيخ التدريس في المعهد اليلولي بعد راحة قصيرة ، وقد فرح به الطلبة فرحا شديدا ، و تسامع الناس به، فأقبلوا يسجلون أبنائهم مهللين فرحين ، بل بلغ الأمر ببعض الطلبة القدامى الذين انهوا دراستهم و اخذوا يباشرون أعمالا مختلفة في مناطقهم بعد أن سمعوا به أن عادوا إلى مقاعد الدراسة ، و هناك من التحق بدروسه و قد جاوز الخمسين من العمر.

وكانت الدروس التي برمجها في تلك السنة و ظل على اغلبها طوال إقامته بالمعهد لمدة عشر سنين هي:

- التفسير و كان يعتمد على تفسير ( روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ) لمؤلِّفه محمود الآلوسي البغدادي، أبو الثناء شهاب الدين، لأنه يرى أنه تفسيراً جامعاً، لآراء السلف رواية ودراية، ومشتملاً على أقوال الخلف بكل أمانة وعناية.

- الفقه بمتن خليل و شرح الخرشي.

- الحديث الشريف و كان يدرسه من ((سبل السلام، شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام )) لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ، (ت 1182هـ).

- علوم اللغة العربية من بلاغة و نحو و صرف.

- الرياضيات و الحساب و المنطق و التاريخ.

" ... و مثار العجب أو الدهشة، أن الشيخ يقوم بهذه الدروس كلها وحده بحيث يبدأ بالحديث إثر صلاة الصبح ، و ينتهي بعد صلاة العشاء بدرس الفقه، و ليس له في اليوم إلا راحتان بعد الغذاء و قبيل المغرب ، وحتى هذه الأخيرة لا يرتاح فيها إلا قليلا جدا لأنه يستقبل فيها السائلين و المفتين من الطلبة و المواطنين فلا يكاد ينتهي من إجاباتهم إلا مع قرب آذان المغرب .

كان الشيخ منضبطا كل الانضباط حريصا جد الحرص على وقت الدرس و كثيرا ما يزوره شخص ذو قيمة علمية أو مكانة اجتماعية فيظن الطلبة أنها فرصة للراحة و يستبشرون خيرا ، و لكن ما يروعهم إلا أن يروا الشيخ يستعد للدرس أو يدخل إلى القاعة و قد خلف للزائر من يؤنسه.
و قد ذكر الشيخ المهدي بوعبدلى – رحمه الله – أنه جاءه زائرا مع قاضي بجاية و كان وقت الدرس قد آن ، فظن انه لن يتركهما و يلتحق بدرسه ، و لكن بعد أن رحب بهما إعتذر منهما و أقبل على درسه تاركا معهما أحد الطلبة الكبار.

حاول الاستعمار الفرنسي أن يضيق عليه الخناق لأنه كان يندد به و يهاجمه و يهاجم أذنابه من الخونة و المرتدين الذين باعوا دينهم ووطنهم بأبخس الأثمان ، و تنكرهم لأصالتهم و أمجاد وطنهم.

لكن الله سبحانه و تعالى قيض له رجل هو صديقه الأستاذ أحمد بن زكري – رحمه الله – مدير المدرسة الثعالبية الرسمية الذي كان يدافع عنه ، فما ان يبلغ مسامعه أن هناك من يريد به شرا أو يحوم حوله حتى يحول بينه و بين الشيخ الشرفاوي و ذلك لما له من مكانة عند السلطات الفرنسية نظرا للمنصب المرموق و المنزلة العلمية اللتان يتمتع بهما.

أعلنت الزوايا و الطرقية حربا شعواء ضده ، فقد لاقى منهم مقاومة و مغالطة و جحود، فراحوا يشيعون عنه الأكاذيب و انه يفتي بما لم يفتي احد من العالمين و يتهمونه بالجهل بقضايا الدين و بأنه يسب الأولياء و الصالحين و غيرها من الأباطيل.

و هكذا عانى و يعاني رجال العلم و الإصلاح في كل زمان و مكان.

شيوخه و أساتذته:

من الشيوخ الذين اثروا كثيرا في حياة مترجمنا نذكر:

1 - الشيخ عبد القادر المجاوي ( ت سنة1332هـ/ 1914م) : " كان عالما مفكرا عاملا بعلمه، يقوم بتطبيق ما يراه من مناهج الإصلاح وأساليب التربية والتعليم، ابتدأ التدريس في مدينة قسنطينة سنة 1286مدرسا متطوعا، ثم عين مدرسا بجامع الكتاني سنة1290. وتولى التدريس بالمدرسة الكتانية سنة 1295، ثم أبعدته الحكومة الفرنسية من قسنطينة إلى مدينة إلى الجزائر سنة 1316 فدرس في المدرسة الثعالبية ، ونالت دروسه إقبال الناس، وأحبوا فيه صدق اللهجة وصفاء السريرة، وظل يخاطب القلوب ويربي النفوس إلى إن أدركته الوفاة،وله مؤلفات كثيرة منها:

- إرشاد المتعلمين
- المرصاد في مسائل الاقتصاد
- شرح منظومة في إنكار البدع والمفاسد الاجتماعية.
- رسالة في التربية و التعليم
- رسالة في علم الكلام سماها القواعد الكلامية.

2 - الإمام الفقيه الموسوعة ، الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي الذي كان يلقب بالأستاذ الأكبر ( ت 1354 هـ/ 1935 م ) مفتي الديار المصرية، ومن كبار فقهائها، لم ينقطع عن التدريس ، و يذكر الأستاذ الشرفاوي ان شيخه لم ينقطع أبدا عن التدريس و إفادة الطلبة بالإرشاد و التوجيه و إجابة المستفتين من مختلف أرجاء العالم الإسلامي نيفا و ستين سنة.
من مؤلفاته:

- إرشاد الامة إلى أحكام أهل الذمة
- أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدع من الاحكام
- حسن البيان في دفع ما ورد من الشبه على القرآن
- الكلمات الحسان في الاحرف السبعة وجمع القرآن
- القول المفيد في علم التوحيد
و غيرها.

3 - الأستاذ يوسف الدجوي ( ت سنة 1365 هـ/ 1946 م ) من هيئة كبار علماء الأزهر ، و المحرر في مجلة نور الاسلام ، كف بصره في غرة طفولته و رغم هذه العاهة فقد جد في طلب العلوم و المعارف حتى صار قمة شامخة في الفتوى رغم بعض المآخذ التي كان سجلها عليه معاصروه، من مؤلفاته:

- رسائل السلام ووسائل الاسلام.
- الجواب المنيف في الرد على مدعي التحريف في الكتاب الشريف.
- تنبيه المؤمنين لمحاسن الدين.
- الرد على كتاب الإسلام و أصول الحكم لمصطفى عبد الرزاق.


و مما يروي عنه الشيخ الشرفاوي حرصه الشديد على التحدث بالعربية الفصحى حيث يرى أن للأمة العربية شخصيتها التاريخية العظيمة و لا سبيل إلى التعرف عليها إلا بواسطة هذه اللغة.

تلامذته:

كان عدد الطلبة الذين تخرجوا على يديه بالمعهد اليلولي خلال عشرة أعوام – و هي المدة التي قضاها فيه – لا يعد و لا يحصى ، إذ وصل عددهم في بعض السنوات الى 300 طالب من مختلف أرجاء الوطن ، استفادوا من علمه و طريقته في التربية و التعليم ، يذكر تلميذه محمد الصالح الصديق منهم:

- الأستاذ الأديب نعماني المكي

- الأستاذ الشيخ احمد حسين الطالب بجامع الزيتونة
الذي كان يلتحق بالمعهد اليلولي في العطل الصيفية لان عطلة الزيتونة طويلة ، و قد تولى التدريس بمعهد الامام ابن باديس ، ثمة مديرا للشؤون الدينية ، ثم عضوا بالمجلس الإسلامي ، و كان رحمه الله يقول عن أستاذه الشرفاوي: " عرفت الشرفاوي بمعرفة أساتذة الزيتونة المشاهير فهو لا يقل عنهم و يفوق بعضهم.

- الأديب الأستاذ العربي بن عيسى الذي لقبه ابن باديس بالقمقوم لتضلعه في اللغة العربية ، و قد التحق بالمعهد بعد الدراسة على عبد الحميد بن باديس في أوائل الأربعينات ، و كان يعينه بإلقاء الدروس في اللغة و الأدب و القواعد.

- الأستاذ العربي سعدوني – رحمه الله – الذي تولى وزارة الاوقاف خلال الستينات ، و كان الشيخ يحبه و يرأف عليه.

- صديقي الطيب المجاهد الكبير الذي ترقى أثناء الثورة التحريرية حتى وصل الى رتبة رائد ، و هو الآن عضو الأمانة الوطنية للمجاهدين.

و غيرهم ممن أفادوا قومه و رفعوا لواء الإسلام و العربية في ربوع الجزائر الطاهرة.

وفاته:

توفي رحمه الله زوال يوم الاربعاء 11 محرم 1364 هـ ، بعد مرض اصابه اثر نزلة برد ، و شيعت جنازته في مشهد رهيب حضره العلماء و الاعيان و الطلبة و جمهور كبير ، و صلى عليه و ابنه تلميذه الأستاذ العربي بن عيسى الملقب بقمقوم في زاوية شرفة بهلول.

مؤلفاته:

أترك المجال لتلميذه الشيخ محمد الصالح الصديق ليحدثنا عن مؤلفات الشيخ :

" ... ألف كتبا كثيرة قيمة في مختلف الفنون، و لكنها مع الاسف الشديد ضاعت معظمها خلال الثورة التحريرية، و منها ما نهبه الناهبون الذين طمس الله على قلوبهم فعليها غباوة و على أعينهم غشاوة و على ضمائرهم كدرة ، منها:

1- كتاب (( الخلاصة المختارة في فضلاء زواوة))
و قصارى ما يمكن قوله عن هذا الكتاب استنادا الى صفحات عثرنا عليها بعد ضياعه انه [ ضم تراجم ] عن علماء زواوة و مشاهيرها ، رتب المؤلف التراجم على حروف الهجاء و اورد فيها اخبارا اخبارا و نوادر و مواقف ، و يبدو من هذه الصفحات أن [ المكتبة الإسلامية على العموم ] و الجزائرية على الخصوص قد خسرت بضياعه كتابا قيما لا غنى عنه لكل من يهتم بتاريخ العلماء و الفضلاء في المنطقة.

2- كتاب (( إرشاد الطلاب إلى ما في الآيات من الإعراب))
و الكتاب كما ترشدنا أوراق منه اطلعنا عليها عند طلبة الشيخ ...انه يعنى بالقرآن [ الكريم ] من حيث اللغة و الإعراب ، فهو يشرح الكلمة الغامضة ثم يعربها أو يعرب كامل الجملة مع ايراد ما يوافق ذلك من كلام العرب الفصيح ، و قد يدير حول الآية سؤالا و يثيرا استشكالا ثم يعالج تاويلها و توجيهها بطريقة الباحث البصير و الناقد الخبير ... و الكتاب – حسب هذه الاوراق – ينطق بقوة النظر ، و عمق التفكير ، و دقة الاستنتاج و حسن التصرف و طول الباع.

3- كتاب (( الدروس الانشائية لطلبة زوايا الزواوية )):
اطلعنا على هذا الكتاب عند احد ائمة المساجد بالعاصمة و هو الحاج محمد السعيد الشرفاوي – رحمه الله – و ما يزال الكتاب عند ولده ، اطلعنا على هذا الكتاب فوجدناه يسلك منهج القدامى في التبويب و عرض المادة ...و هو الكتاب الوحيد بين كتب الشيخ الذي نعرف مصيره و مكانه و لعل من المفيد ان ندع الشيخ يحدثنا عن كتابه هذا و عن الدوافع التي دفعته لتأليفه حيث يقول:
" اما بعد فقد كنت مدرسا بمعهد سيدي عبد الرحمن اليلولي فطلب مني الطلبة ان ادرس لهم الانشاء فاجبت طلبهم بعد الالحاح ثم فكرت في اختيار المادة التي تعود عليهم بالنجاح ، فلم اجد من بين الكتب المتداولة بغيتهم ، و ما يناسب احوالهم ، و خصوصا ان هذا العلم احدث في هذا المعهد وليدا جديدا ينبغي ان اسلك بهم لاجل ذلك طريقا مفيدا ، لذلك لم ار بدا من رجوعي الى ما كتبته من الدروس حين تلقيت هذا العلم عن مشايخي بالازهر الشريف ، و ضممت الى تلك الدروس ما رايته صالحا لافادة الطلبة فالقيت ذلك عليهم دروسا مفرقة ثم جمعتها ...فجاءت بحمد الله تزهو بمحاسنها بين الرسائل ، و الله هو المسؤول ان يجعلها في هذا لافن من خير الوسائل".

ثم يعرف الانشاء فيقول عنه: " فن جليل المقدار ، جميل الاثار ، روضته وريقة الأفنان ، أنيقة الاغصان ذكبة الروح و الريحان، فيها من كل فاكهة زوجان ، به ارتفعت الاقلام الى مناصب الوزارة ، و مراتب الصدارة و الامارة ، فكانوا اهل الحل و العقد ، بيدهم زمام الصرف و العقد ، و لهم هيمنة على الاعمال ، و السيطرة على العمال...الخ"

4- كتاب : (( بغية الطلاب في علم الآداب ))
هذا الكتاب صغير الحجم – فيما يبدو – كبير الفائدة ، رأيته عند الشيخ في صغري ثم رأيت اوراقا منه عند بعض الطلبة ، و هو يعرف الأدب بانه ثمرة من ثمار قريحة الانسان و عقله و نفسه.

5- (( الرسالة الفتحية في الاعمال الجيبية ))
و لم نعثر من هذا الكتاب الا على ورقة عند شيخ يناهز عمره المائة سنة ، و كان بالورقة ضنينا لانه يتبرك بها – حسب قوله – و لم يسمح بتصويرها الا بعد محاضرة طويلة القيناها عليه فيما ينتظره من الاجر العظيم عند الله تبارك و تعالى اذا سمح بها و ضممناها الى الكتاب".أ.هـ.

مقالاته :

يتعذر استقصاء ما نشره في الصحف المصرية او الجزائرية لقلة المراجع ( منها النجاح ، الصديق، مجلة الاسلام الازهرية ، الثبات ، الامة لابي اليقضان).

اما أكثر المقالات فقد نشرها في البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين ففي سنة 1936 م نشر سلسلة من المقالات حول اثبات هلال ومضان بالطريقتين الشرعية و الفلكية.

وفي سنة 1938 م نشر سلسلة مقالات اختار لها عنوانا هذه الآية الكريمة من قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }النحل125 .

بين فيها شروط الدعوة إلى الإصلاح ، و أن للإصلاح فروعا كثيرة و مسالك متشعبة – و هي مقالات رائعة ماتعة سأنقل لكم مقتطفات منها إن شاء الله -

شخصيته و صفاته:

عرفنا من خلال سردنا لترجمة الشيخ الشرفاوي - رحمه الله - قوة العزيمة و الصمود و الكفاح من اجل طلب العلم و المعرفة منذ صغره ، و أفسح المجال مرة ثانية لتلميذه محمد الصالح الصديق – حفظه الله – يحدثنا عن شخصية شيخه فيقول: (( ... كان رحمه الله ثابت العقيدة لا يتذبذب، صادق الإيمان لا يشك، رزين الطبع لا يستخفه طرب، و لا يستفزه غضب ، عفيف لا يفتح فمه لهجر ، و لا أذنه للغو... وكانت حياته منذ الطفولة سلسلة متصلة الحلقات من متاعب و مشاق و حرمان.

و حتى بعد عودته من مصر إلى الجزائر و استقراره بمسقط رأسه بين أهله و خلانه لم يذق طعم الحياة أو طعم الراحة النفسية ، اذ كان أعداء العلم و الإصلاح يكدرون عليه صفو حياته ، فعوض ان يقابلوه بالتكريم و التقدير و الاعتزاز و يحاولون أن ينتفعوا بعلمه قابلوه بالجحود و التنكر و بالإعراض و الهجران ، و بالمكائد و الدسائس و ما كل ذلك لم يهن عزمه ، و لم تلن قناته ، و لم يضعف يوما او يتخل عن نضاله الفكري و الإصلاحي و دعوته إلى الكتاب و السنة و لسان خاله يقول :

مناي من الدنيا علوم أبثها *** و انشرها في كل باد و حاضر
دعاء إلى الكتاب و السنة التي *** تناسى رجال ذكرها في المحاضر


يراه من لا يعرفه فيهابه لأول وهلة و يحسبه خشن الطبع مما يوحي به مظهره من المهابة و الجلال ، و ينطق به وجهه من التحدي ، و لكنه لا يلبث أن يغير رأيه فيه عندما يفاتحه بالحديث فيجده طيب النفس ، رقيق المزاح ، مرهف الحس ، متدفق الشعور ، يعجب بالخبر الطريف ، و يرتاح للفكاهة المسلية ، و يميل إلى النوادر الحلوة ، كما يهتز للبطولة ، و يطرب للمنظر الجميل ، و يرتاع للمشهد البائس.

و كان درسه لا يمل بالرغم من مستوى الطلبة العلمي لأنه كلما أحس بفتور يغزو أو يهدد حلقة الدرس استأنس بنادرة من نوادر الظرفاء ، أو طرفة من طرف النبلاء ، فتنشط العقول و تنتعش النفوس ، فتعود إلى مواكبة الدرس بعزيمة و عناية ، و قد لاحظ فيه هذا الطبع حتى حساده و الذين عجزوا عن ملاحقته فذكروه و سجلوه، يضاف إلى ذلك كله ذوقه في ميدان التقى و الورع ، فهو يواظب على تلاوة القرآن الكريم بقلب خاشع و نفس متهدلة ، و عقل بصير ، و تدمع عيناه إذا مرت به آية في عظمة الله تعالى او في رحمته و عذابه حتى تخضل الدموع ثوبه و كان في شهر رمضان يعني بالقرآن الكريم عناية خاصة و يتوافر توافرا جديا على تدبر معانيه ، و استنتاج أسراره و الغوص على جواهره...و تذكر زوجته أنها إذا طهت طعاما خاصا في مناسبة او في موسم أوصاها أن تكثر منه و تذيق الجيران الفقراء و كان يقول لها ما معناه ومؤداه : " للمسلم عيد يوم الجمعة و للنصراني يوم الأحد و لليهودي يوم السبت ، أما عيد الفقير فهو يوم يسرُ فيه."
و إذا أرسلت إليه هدية مما يؤكل أوصى زوجته بأن لا تنس الجيران)).

المصادر و المراجع :

- " الشيخ الرزقي الشرفاوي حياة و آثار ، شهادات و مواقف " لمحمد الصالح الصديق - دار الأمة ، الطبعة الأولى 1998م [ و من هذا الكتاب كانت معظم مادة هذه الترجمة].

- " اعلام من منطقة القبائل " لمحمد الصالح الصديق - ديوان المطبوعات الجامعية طبعة 2007م.

- " الأعلام " خير الدين الزركلي - دار العلم للملايين - بيروت لبنان- الطبعة الخامسة أيار (مايو) 1980 م.

- " الجزائر أرض عقيدة و ثقافة" ( باللغة الفرنسية ) تأليف الوزير السابق كمال بوشامة – طبع دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع – الجزائر 2007 م.

- مجلة الثقافة الجزائرية - العدد 22 – شهر سبتمبر 1996م.

بقلم/ أبي مريم الجزائري
الجزائر العاصمة










ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة السادسة والعشرون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







أتمنى لكم كل متعة وفائدة


</B></I>





 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة السادسة و العشرون


الشاعر الجزائري
الشهيدعبد الكريم العقون



1918 م -- 1959 م






حياته وشخصيته :

هو عبد الكريـم ابن المسعود بن محمد بن عبد الرحمان بن علي بن محمد بن عبد الرحمان بن المسعود بن أحمد بن منصور الجوزي بن عياد بن أحمد بن منصور ( كما جـاء في سلسلة النسب المحررة في الشجرة التي وجدت نسخة لها عنـد والده المسعود بتاريخ 12 محرم 1395 هجرية ) ، لقبـه العقون ، وأمـه فاطمـة الزهراء بنت عمار بن الزيـوش ، ولد بقرية ( لعقاقنـة ) من قرى بلديـة برج الغدير سابـقا سنـة 1918م، وفيها قضى صباه وطفولته .
كان والـده الشيخ المسعود ممن تعلموا بدشـرة أولاد لعياضي عن الشيخ السعيد ابن الأطرش فحفظ عنه القرآن وتعلم الفقه واللغـة ، كما درس بالدشـرة أيـضا جده الشيخ عمار ابن الزيوش وتعلم فن التجويد ، وقد كانت والدتـه فاطمة الزهراء - التي توفيت عنه وهو صغير _ تحسن القراءة والكتابة وتحفظ ثلاثة أرباع القرآن الكريم ، وقد لقبها الشيخ السعيد ابن الأطرش (بالسيــدة) .

أول ما قرأ عبد الكريـم العقون القرآن كان في كتاب الشيخ العربي ابن العـدوي وواصل حفظه على والـده ، ثم راجعه وضبطه على الشيخ علي بن عبد الرحمان بعدها أخذ يتردد على قرية أولاد سيدي منصور لدراسة مبادئ اللغة والفقه على الشيخ موسى الأحمدي نويوات في زاوية ابنالسعدي مدة سنـتين تقريبا ومنها انتقل إلى زاوية بن بوداود بنواحي مدينة أقـبو.

وفي هذه الزاوية أضاف لتحصيله المعرفي في الفقه واللغة مبادئ علم التجويد ، ثم انتقل الشاب عبد الكريم إلى مدينة قسنطينة بين سنتي 1933 و 1934 فتتلمذ على الشيخ عبد الحميد بن باديس ، وفي سنة 1936 ارتحل إلى تونس فدرس بجامع الزيتونة على الطريقة الحرة وعـاد منه سنة 1939 م بشهادة التحصيل

.جـامع الزيتـونة الذي درس فيه الشهيد﴿ تـونس

رجع عبد الكريم العقون إلى قريته ( لعقاقنـة ) فاحتفلت أسرته بتحصيله العلمي على عادة الناحية في إقـامة الولائم وإعداد مآدب الضيافـة للزوار والمهنئين في هذه المناسبات الدالة على حب الناس للعلم و تقديرهم لرجاله .

وفي هذه السنة عقد الوالد لابنه عبد الكريم الزواج الثاني _ بعد الأول الذي كان قبل العشرين من عمره مع إحدى بنات عمومته وفشل _ كان هذا الزواج الثاني من السيدة خديجة بنت الشيخ السعيد ابن المكي بولعواد الحسناوي وقد كان كما شهدت أرملته زواجا سعيدا عاش فيه الزوجان في كنف المودة و الإحترام المتبادل ، وقد و هبهما الله بـه أربعـة أبناء ذكور هما : محمد رضا والوليد وعبد المالك وفيصل .

وفي هذه السنة نفسها جمع عبد الكريم أبناء القرية إليـه فعلمهم في الكتاب بضعة شهور ، ثم انتقل بعدها إلى مدينة برج بوعريريج فعلم بمدرسة التهذيب ومع سنة 1941 م ارتحل إلى العاصمة عند خاله محمد الحسن بن عمار بن الزيوش وسعى للحصول على رخصة من السلطات الفرنسية تخول له التعليم فـتم له ذلك بمدرسة الفلاح عند شارع صالح بوعكوير واستمر مدة 15 سنة ، ثم بالمدرسة التابعة لمسجد المدنية حتى تاريخ اعتقاله واستشهاده سنة 1959 م.

شغل الشيخ عبد الكريم العقون في الجزائر العاصمة وظيفتين متلازمتين هـما التعليم و الإمامة ، فقد أم المصلين بمسجد سانتوجين وبمسجد المدنيــة .

قال الشيخ محمد الأخضر السائحي : ﴿عرف الشيخ عبد الكريم العقون عند سكان بيلكور كرجل ديـن أكثر منه شاعـرا ، وقد منحته وظيفة الإمامة من محبة الناس وتقديرهم مالم يمـنح غيره من الأدباء ،كنت أرافقه أحيانا لقضاء الأمسيات عبر شوارع العاصمة فيميل إليه الصغار والكبار يلاقونه بالتحية والتسليم ، وقد كان هو شديد الحياء ،كثير التواضع ، يرد عن تحية الكبار وينحني لتقبيل الصغار ، حتى أنني قلت له ذات مرة :﴿إن السائر معك ليحتاج إلى صبر ‍‌‌‍، قال : ولـم ؟ قلت : لثـقلك ، فتبسم رحمه الله ﴾ ﴾ .

وقال فيه الشيخ أحمد شقار ﴿ عرفت الشيخ عبد الكريم العقون ورافقته في مناسبات ثقافية واجتماعية كثيرة ، كما جمعني به الحديث عن الشعر والشعراء عدة مرات ، فوجدته رجلا يؤلف من أول لقاء لتواضعه ولين رفقته ، رجلا حيويا نشيطا ، حسن الهندام أنيقا ، مغرما بصور الفن​

ومشاهد الجمال ، يلتقط الصور الفوتوغرافية أثناء النزهات ويكثر القراءة للصحف والمجلات ، ويولع بأخبار الشعر والشعراء خصوصا ذوي الاتجاه الرومانسي ﴾.

حين اندلعت ثورة التحرير الوطني انظم الشيخ عبد الكريم إلى صفوف المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني ، فعمل على بث الوعي وحشد الرأي الوطني لدعم الثورة ، وشغل وظيفة أمين صندوق المال لمنطقة المرادية ، ولما حاطت به شكوك قوات الأمن الاستعماري أخذت تعتقله من حين لحين لا ستنطاقه والتحقيق معه ، حتى اقتحمت عليه بيـته ليلة 15 جانفي سنة 1959 م واعتقلته بسجن الكورنيش عند باب الوادي مدة تقـارب الثلاثــة شهـور ثم نقلتـه إلى سجن الدويـرة وأعدمتـه بقريـة ﴿ لخرايسية ﴾ليلة 13 ماي 1959 م


ثقافـته وشـعره

كانت ثقافة العقون ثقافة عربيـة محضة ، هيأها له محيطه العائلي ومساره التعليمي وغذته بها دراسته لأمهات المراجع الدينية واللغوية والأدبية التي كانت معتمدة للدراسة في قسنطينة والزيتونة ، وكذا قراءته للجرائد والصحف والمجلات التي كانت تتابع الحركة الإصلاحية والأدبية في الشرق العربي ، ثقافة صقلـتها تجارب الرحلات والأسفار وتحديات المرحلة التي عاشتها الحركة الإصلاحية داخل الوطن وخارجه .


فمن ناحية المحيط العائلي ولد العقون في بيت متدين محافظ يتمتع بمكانة ثقافية فوالده المسعود بن محمد كان أحدالقراء والفقهاء، وجده لأمه عماربن الزيوش فقيه يجود القرآن ، وكلاهما كانا من تلاميذ الحاج السعيد ابنالأطرش وممـن تنتهي عندهما المشورة و تحسم بهما الخصومة ويقام بهما الصلح في المنازعات التي كانت تقع بين الناس في منطقة برج الغدير وخارجها .

كما كان والده يبرم بين الناس عقود البيوع والهبات والوصايا ويجري الفرائض لقسمة التركات ، وإلى ما بعد سنة 1946م نقل الوالد محمد المسعود سكناه إلى الجزائر العاصمة وأقام بها، فأم المصلين بمسجد (الأكحـل) في العقيبـة بحي بيلكور إلى أن تقدمت به السن فلزم بيته ، ووافـاه أجله سنة 1972 م، ونـقل جـثمانه ـ بوصية منه - إلى مدينة برج الغدير حيث دفن بقرية الدشرة إلى ضريح شيخه الحاج السعيد بن لطرش .

وعليه فقد كان من الطبيعي جـدا أن ينشأ عبد الكريم في هـذا الجو العائلي شابا متطلعا إلى العلـم طموحا إلى مستقبل أفضل ، مؤملا في خدمة وطـنه .

أما من ناحية الدراسة والتعليم فقدكان شيوخه وأساتذته خيرة رجال الإصلاح والتعليم في كل من قسنطينة والزيتونة ، إذ تعلم عن الإمام ابن باديس رحمه الله وأخذ من أدب الشيخ البشير الإبراهيمي وفكره ، كما تعلـم على كـبار علماء الزيتونة واستفاد منهم ، ثم أنه صاحب أثناء هذه الدراسة جيلا من الطلبة الشباب الذين تنتفع بهم الصحبة مثل الشيخ أحمد سحنون والشيخ أحمد بن ذياب ، والشيخ محمد الأخضر السائحي ، والشيخ أحمد شقار ، والشيخ عبد الرحمان شيبان ، والشهيد الربيع بوشامة ، فلقد كان لهؤلاء وغيرهم بلا ريب أثر حسن في حفز موهبة العقون الشعريـة وتعزيـز جهـوده الأدبيـة ، فهم تلاميذ المدرسة الباديسيـة ، وهم الجيـل الـذي دخـل الساحة الأدبية بالعمل الكتابي شعـرا ونثـرا وهـو يتـقد حماسا ومنافسة من أجـل أن تشـق الحركـة الثقافيـة في الجزائـر طريقـها إلى النجاح المأمول .

أما من ناحيـة عامـل السفر والرحلات التي كان يميـل إليها العقون ويقـوم بها سواء داخـل الوطن لأداء المهمات أو إلى الخارج للنزهـة عبر بعض دول أوربا والمغـرب الأقصى ، فقد كان لهـذه الأسـفار تأثيـر إيجابي في بلـورة أفـكاره ، وتحديـد قناعا تـه الخاصة اتجاه بعض القضـايا السياسيـة والاجتماعيـة في الوطـن ، وفي منحه من الدرايـة ما وسع أفقـه الفكـري وأتاح له استلهام مواضيع شعرية وجيـهة .

أما بخصوص شعـر الشيخ عبد الكريم العقون في اتجاهاته الرئيسية فإن من يقـرأ إنتاجـه يجده شعـرا مثل طبيعة المرحلة التي عاشها في جوانبها الاجتماعيـة والثقافيـة والسياسيـة ، و يلفـه صورة صادقة وصـدى واضحا لطبيعة الحـياة التي عاشـها ناشئا متعلما ، والتي قضـاها كهلا معلما أديـبا ، شعـرا له بصـورة عامة خصوصيات الشعـر.

والخلاصة : إن الشهيد عبد الكريم العقون شاعر مثل مرحلة وطنية كانت لها تداعياتها السياسية وظروفها الاجتماعية والثقافية والأدبية الخاصة ، وقد عكس شعره بوضوح تلك الظروف بواقعيتها وإرهاصاتها في جـزائر الحركة السياسية والإصلاحية ، وجزائر الثورة التحريرية الطامحة إلى الحرية والكرامة .



من شعــر الشهيـد عبد الكريـم العقـون .


﴿الكـون ضـاق بكـل حكـم جائر

ذ كـرى عـلى مـرّ الأيا م تـكـرّ ر= لـمـجا هـد ين جها د هم لا يـنكـر

ضـحّوا بأ نفـسهم لشـعب مـسلـم= والـنفــس أنـجـع للفـداء وأجـد ر

وسـعـوا لشـعب طا مـح مـتطـلـّع =را م الـحـيا ة طـلـيـقـة تـتـنــوّ ر

الـمـخـلصون لـد ينهم ولـشعـبهم= والـثا بتون على الـعواصف تجأ ر
كـتبـوا صحا ئفـهم بحـبر مـن دم= نـعم الـدما ء بها الـشعـوب تطهّـر

سكـنوا الـقلوب بصدقهم ونضالهم =وطمـوحهـم للـمـجد صبـح مـسفـر
ركـب تـقـدّ م للـســبا ق يـحـثـّه =إ يـما نه وإلـى الـحقــو ق مـشمـّر

لايـنـثـني عـن عـزمه فـي سـيـره =كـي مـا يـنا ل مـراد ه أ و يـعـذ ر

ما ضرّهـم سـجـن و لا نـفـي =و لا مــو ت كـذ ا ك الـحـرّ لا يتـغـيّـر

ألفـوا الـمـعارك والـبطـولة والفـداء =خا ضوا غـما رالـموت كي يتحرّروا

نـشء تـجهـّز للكـفا ح تخا لـــه= أشـبال غـا ب فـي الكـريهة تـزأر
أسـد حمـت آجامــــها بشـجا عة =والأسـد تحـمي غـيلها و تـزمـجـر




* ـ نظـمـها الـشا عـر في ذ كـرى مـذا بـح الـثـا مـن ما ي 1945م و نـشـرت فـي الـبـصائر عـدد 155 فـي 14 ما ي 1951 م

رحم الله الشهيـد : عبد الكريم العقون


المجـد والخلـود لشهدائنا الأبـرار.


بقلم الأسـتـاذ : محمد الشريف شـايب
أولاد لعياضي برج الغدير


الجزائر








ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة السابعة والعشرون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







أتمنى لكم كل متعة وفائدة








 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة





موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة السابعة و العشرون


الشاعر الشهيد الربيع بوشامة

1916م -- 1959م


الشهيد الربيع بوشامة
شاعـر وزبانية
شخصية منيرة ذات إيقاع منفرد.. يمكن أن نسميها المعزوفة الحمراء، قد تكون أكثر من سيرة بطل خدم الوطن بكل ما يملك من عنف المقاومة، استوطن الجبال، تعرف على قمم الشهداء ثم عاد ليواصل سيره الملحمي، استضعفوا جسمه المستعصي على سياطهم فأوجعهم أسلوب صبره مؤكّدا أنه المنحوت من الصخور، رجل جابههم بمفرده مجردا من السلاح، حمّلوه كل أعباء الجرائم، لفقوا له الزور كلّه، ألبسوه مبتكرات التهم، ابتسم منهم ساخرا، كان يعذبهم، يجلدهم، سافر إلى حيث تهاجر أسراب الشهداء ليغني هناك أشعاره الجميلة، إنه الشهيد الربيع بوشامة، الشاعر الذي أنهك زبانيته.

الشهداء يولدون كما الأنبياء في مواسم الظلم والظلمة ليشعلوا ما أنطفأ من نور، ويرشوا الحياة بدمائهم لتثمر الحرية.

إن ترجمة سير الشهداء تلزم أن نقرّ بعلو قامتهم وارتفاع هامتهم، ومحاولة تسلّق جبالهم لا يمكن أن تتحقق لأن ارتفاعهم ليس له حدود، والبداية قد تكون مع هذه الأرض التي ما تزال تلد الرجال والشعراء والشهداء.

ولد الشهيد الأديب والمعلم الخطيب والمصلح الربيع بوشامة في شهر ديسمبر من سنة 1916 ببلدية قنزات ببني يعلى، وككل أطفال الجزائر عندما يولدون وينشأون يذهبون إلى النهر للارتواء والامتلاء إلى القرآن الكريم حيث ارتوى منه حتى الامتلاء وعمره 12 سنة، حفظه على يد الشيخ الصديق بن عبد السلام.

بعد الارتواء من المنبع الصافي درس في المدرسة الفرنسية وأكمل فيها دراسته الابتدائية، ثم عاد إلى منبعه الأصلي ليتوسع فيه وليزيد من ريّه وسقيه، فتتلمذ على يد شيوخ بني يعلى ومنهم الشيخ سعيد صالحي، أما النحو والتجويد والقراءات فقد أخذها عن الشيخ العياشي مرغيش وقرأ الفقه المالكي على يد الشيخ الهاشمي بلمولود، كما تتلمذ عن الشيخين علي الزموري والسعيد بن عمر.

إتصاله بالحركة الإصلاحية
إن سرد حياة رجل مثل الربيع بوشامة يتطلب كتابا كاملا خصوصا في جهاده الإصلاحي، ونشاطه التعليمي إلى أن المساحة المخصصة لا تتجاوز مساحة نافذة نطلّ والقارئ من خلالها على بعض مميزات وخصائص هذا الشهيد الشاعر الفذ.

ومن هذه المميزات اتصاله بالحركة الإصلاحية التي بدأت عن طريق مشايخه، وهم شيوخ الإصلاح والإرشاد أمثال الشيخ السعيد صالحي والسعيد بن عمر والمصلح المجدّد الشيخ الفضيل الورتلاني الذي كان كثير التردّد على قنزات.

اتصالاته بالإصلاح والمصلحين وبالعلماء العاملين المعلمين كانت بدايتها عن طريق مشاركته في مجلة »الشهاب« التي كانت تصله بانتظام.
ونظرا لمواظبته على هذه المجلة ونشاطه المتميّز أصبح سنة 1937 عضوا عاملا في حركة جمعية العلماء.

لقد نال الشيخ الربيع بوشامة إعجاب العلماء والمصلحين أمثال الفضيل الورتلاني والشيخ محمد البشير الإبراهيمي وغيرهم من العلماء لما لمسوا فيه من علم وقدرة على التجديد والإبداع، وهذا ما جعلهم يوفدونه رفقة الشيخ سعيد صالحي سنة 1938 من قبل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى باريس لمساعدة الشيخ الفضيل الورتلاني في نشاطه الإصلاحي بفرنسا.

الظروف التي كانت سائدة حينها وبشائر الحرب العالمية الثانية والحراك السياسي سواء في داخل فرنسا أو في الجزائر، كانت تسبب للعلماء ورجال الإصلاح الكثير من المضايقات بل تحوم حولهم الكثير من الشكوك نظرا للأثر الذي كانوا يتركونه في أوساط الجالية الجزائرية ولفكرهم وحسّهم الثوري الإصلاحي، وهذا ما سبب في عودة الشيخ الربيع بوشامة إلى الجزائر ولم تمض عليه سنة بفرنسا، وعاد إلى الجزائر بحجة احتجت بها السلطات الاستعمارية وهي الخدمة العسكرية والفحوصات الطبية التي تجرى للشباب، إلاّ أنه أعفي من هذه الخدمة بعد الفحص بسبب ضعف بصره.

عودة الشيخ الربيع بوشامة إلى الوطن لم تقعده عن طلب العلم، بل حفزته للذهاب إلى قسنطينة حيث مكث بها عشرة أشهر ليأخذ العلم فيها عن العلامة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي ترك في تفكيره أثرا عميقا وتغيّرا كبيرا إلى آخر لحظة من حياته، ومن قسنطينة عاد الشيخ الشهيد إلى بلدته وأقام بها سنتين وبضعة أشهر معلما ومصلحا، حيث أقبل عليه الناس وطلبة العلم مما أثار حوله شكوك الإدارة الاستعمارية.

وفي سنة ,1942 انتقل الشيخ الربيع بوشامة إلى مدينة خرّاطة وعلّم بمدرستها وكان متواجدا بها إبان المجازر الإجرامية التي قامت بها جيوش الإحتلال ضد الشعب الجزائري في 08 ماي ,1945 وقد أخبر الشهيد الربيع من قبل السيد محمد أعراب بأن الوضع غير مطمئن وأن هناك تدبيرا لارتكاب مذبحة في المدينة وطلب منه اللجوء إلى قرية ''آيت مرعي''، فذهب إلى هناك مع أسرته ثم عاد إلى مدينة خراطة بعد أن طمأنه أحد المستوطنين، إلاّ أنه في طريق عودته ألقي عليه القبض هو وأسرته ونقلوا في شاحنة تابعة للجيش إلى مبنى الدرك، ثم أفرج عن أفراد الأسرة وبقي الشاعر رهن الاعتقال.

وبقيت أسرة الشاعر بدون معيل تعاني الجوع والضياع إلاّ من بعض مساعدات المواطنين الجزائريين، وعاد شقيق الشاعر من الحرب إلى قنزات وصادفت عودته موت والده وبعد دفن والده راح يبحث عن أسرة أخيه في خراطة وبعد مشقة وعناء عاد بها الى قنزات ليتفرغ بعدها للبحث عن أخيه في السجون والمعتقلات من خراطة الى مدينة سطيف، ثم عيّن له محاميا بعد أن علم مكان اعتقاله إلاّ أن المحكمة حكمت على الشاعر الربيع بوشامة بالإعدام بسبب شهادة زور ملفقة، ويستأنف الشقيق الشاعر الحكم لدى محكمة الاستئناف بقسنطينة لتصدر هذه الأخيرة حكمها بالبراءة بعد أن تبيّن لها تناقض الشاهد في شهادته والإضافات التي أضافها.

أطلق سراح الشاعر وتمّ الإفراج عنه في شهر أفريل من سنة 1946 في حالة مرض وعياء شديدين، وأقام خلال الإفراج عنه عدة شهور في بلدته قنزات عمل بها كمعلم، اتصلت به جمعية الهداية بحي العناصر من مدينة الجزائر ليلتحق بمدرستها كمعلم.

التحق الشهيد الربيع بوشامة بالمدرسة وباشر التعليم بها وكانت المدرسة تسمى بمدرسة »الهداية« وقد كانت هذه المدرسة باهتة في نشاطها فحين التحق بها الربيع ازداد عدد التلاميذ بها وعرفت انتعاشا كبيرا مما جعل الجمعية تعيّنه في العام الدراسي (1947-1948) مديرا ممتازا من الدرجة الأولى في سلكها التعليمي، إلاّ أنه لم يمكث بها طويلا حيث ترك هذه المدرسة لأسباب ظرفية لتعيّنه جمعية العلماء معلما ومديرا لمدرسة الشباب بالحراش في بداية العام الدراسي (1948-1949)، فتألقت المدرسة وأصبحت ترسل طلبتها لجامع الزيتونة أو لمعهد ابن باديس لإتمام دراستهم العليا.

وفي سنة ,1952 انتدب الشيخ الربيع بوشامة مرة ثانية من قبل جمعية العلماء كمعتمد لها بفرنسا ورئيسا لشعبتها المركزية بباريس، ويعود الشاعر من هذه المهمة التي لم تدم إلاّ بضعة أشهر ليباشر مهامه مجدّدا بمدرسة ''الثبات'' بالحراش.

أعماله في جبهة التحرير الوطني
اندلعت ثورة التحرير المباركة في نوفمبر 1954 ليلتحق الشيخ الربيع بوشامة بالثورة في شهورها الأولى وقد كانت للشهيد علاقة صداقة سابقة ووطيدة بالعقيد الشهيد عميروش، وخلال سنة 1955 التقى الربيع بعميروش ليتجدّد اللقاء مرة أخرى في ربيع ,1955 وتبقى الإتصالات قائمة ليتوجّه الشهيد الربيع بوشامة في 13 ماي 1956 إلى مدينة برج بوعريريج ومنها إلى قنزات ثم قلعة بني عباس ويجتمع بالعقيد عميروش.

وتكرّرت زياراته إلى المنطقة ثم يتصل به جيش التحرير من جديد ليلتحق به وتطول زيارته هذه المرة ليمكث شهرا كاملا ولكن سلطات الإحتلال كانت غير غافلة نظرا لما تملكه من أرمادة مخبرين وعملاء زيادة على ما يقع بين أيديها من أسرى من مجاهدين وفدائيين، إلاّ أن معظم المستنطقين كانوا لا يذكرونه، ونشرت بعض الصحف الاستعمارية إسمه، إلاّ أن الإسم الوارد في هذه الصحف كان غير صحيح ورغم ذلك ساورته الشكوك وأخذ جانبا كبيرا من الحيطة والحذر.

الشكوك كانت تحوم حول الشهيد المعلم الربيع بوشامة والمكائد تدبر له في الخفاء من قبل السلطات الاستعمارية بجميع أنواعها المدنية والعسكرية ليتم في صباح 16 جانفي 1959 إلقاء القبض عليه بعد أن توجهت مجموعة من الجندرمة إلى مدرسة ''الثبات'' بالحراش لتعتقله بتهمة تمزيق العلم الفرنسي.

اقتيد الشيخ الربيع إلى قيادة الدرك الجهوية الواقعة بحي ''بلفور'' بالحراش ليتم استجوابه حول الموضوع ثم يتم الإفراج عنه في نفس اليوم.

وفي منتصف ليلة 17 جانفي، يطرق باب بيته بعنف وقوة وكانت الكلمات التي انفلتت من فم الشهيد عند هذه الطرقات »آه.. إن الذي كنت أتوقعه قد حصل«، فتش البيت وقلب عاليه على سافله وأقتيد الشهيد من طرف أربعة من الفرنسيين يصحبهم عميل وبعد ستة أيام عادوا به إلى المنزل ولكن بصورة غير صورته، عادوا به هيكلا عظميا وشبحا بشريا يجر نفسه جرا، ليتم تفتيش داره والاستيلاء على أوراقه ووثائقه ليعودوا به إلى معتقله الرهيب الذي لم تعرف أسرته أين مكانه من بين السجون والمعتقلات الكثيرة ومحافظات الشرطة.

وفي منتصف أفريل من عام ,1959 بعث محامي الأسرة برسالة إلى أخ الشهيد أخبره فيها بأنه سيقدّم إلى المحكمة، ثم وقع تطور في القضية فحوّل الشهيد من يد الشرطة إلى السلطة العسكرية، عذب الشهيد العذاب الشديد بسبب العلاقة التي كانت تربطه والشهيد عميروش، وفي 14 ماي 1959 أعلن فيه أحد الجندرمة عن مقتل الشهيد وزميله الشيخ أحمد إمام بلدية بودواو.

وادعت صحافة الاستعمار حينها بأن وفاة الشيخ الربيع بوشامة كانت إثر اشتباك وقع بين جيش التحرير وقوات العدو، إلاّ أن أحدا لم يصدق هذه المسرحية الملفقة.

يا فتى الأوطان قم
فارفع اليوم العلم
وتقدّم للفداء
باسلا راسي القدم
وألق أبطال العدا
ضاحكا عالي الشمم
واسقهم كأس الردى
من يد تزجي العدم
وارتشف من مثلها
لا تهب وقع الألم
إنما أنت فتى
للمعالي والهمم
وللكفاح الوطن
الأعز المحترم

ولما استنكر الشاعر ربيع بوشامة تقسيم فلسطين, فخاطب العرب متسائلا : " ماذا يرجون بعد الذي جرى ؟ ووضعهم أمام أمرين لا ثالث لهما إما أن يقاتلوا من أجل الشرف والعزة و إمَّا أن يتقبلوا العيش الحقير, ويصرخ الشاعر في وجه العرب الذين يرضون بطمأنينة العيش, بينما فلسطين صارت قطعة من جحيم, ويدعوهم إلى نصرتِها " (48), يقول:

أيُّهَا العربُ أمّة الْمَجدِ والْعَلْـياءِ مَاذَا تَرْجُونَ غَيْر التَّفَـانِي
إنَّهُ الْمَوْتُ فِي الْكَرامَةِ والْعِـزِّ, أو الْعَيْشُ في الشَّقا والْهَوانِ
كَيْفَ تَرْضَوْنَ عَيْشَ أَمْنٍ وَخَيْرٍ وَفَلَسْطينُ في الْجَحِيم تُعَـاني
فانْهَضُوا لِلْفِدَا وَلَبُّوا سِرَاعًـا دَاعِي الله مِنْ سَمَا الأكْوَانِ(48)

وفي قصيدة أخرى بعنوان " صوت الجهاد " يدعو فيها الشباب العربي إلى الجهاد والكفاح لاسترجاع فلسطين المغتصبة, حيث يقول:

فَتَى الْعُربِ هيّا فَلَبِّ النِّدَا وَلاقِ الْمنَايَا بِسـاحِ الْفِـدَا
فَلسْطِينُ في النّار نَهْبَ الْعِدَا تُنَادِي الْجِهادَ الجهَادَ الْجِهَادَ(49)

يستشهد الربيع بوشامة لكن يبقى خالدا في الذاكرة الوطنية حيا لم يمت.

إن هذه السيرة العطرة لو كانت لرجل من أهل المشرق الذين يشكّكون في أبطالنا وشهدائنا لنحتوا لها التماثيل وصوّروا لها المسلسلات وقلّدوها الأوسمة، ولكن شهداءنا هم الأوسمة وحياتهم هي التاريخ.

المعلومات مأخوذة عن ديوان الشهيد الربيع بوشامة للدكتور: جمال قنان
- ((منشورات المتحف الوطني للمجاهد))
( بوزريعة الجزائر العاصمة).













ونلتقي لنرتقي


مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء


في الحلقة الثامنة والعشرون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا









أتمنى لكم كل متعة وفائدة
 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة







موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الثامنة و العشرون


الشاعر الشهيد
الأمين العمودي

( 1308 - 1377 هـ)
( 1890 - 1957 م)






1- المولد والنشأة



ولد محمد الأمين العمودي بمدينة وادي سوف سنة 1891م، نشأ وسط عائلة فقيرة تلقى تعليمه الأول بمسقط رأسه بالمدرسة القرآنية، ثم بالمدرسة الأهلية و بعد نجاحه انتقل إلى بسكرة لمواصلة دراسته الثانوية لكنه سرعان ما طرد من الثانوية كما طرد مرّة أخرى من المدرسة الرسمية بقسنطينة، لكن هذا لم يمنعه من الحصول على مستوى ثقافي جيد باللغتين العربية و الفرنسية
أهّله ليستغل وظيفة وكيل شرعي بمدينة بسكرة، أين ربط علاقات متشعبة مع مثقفي المنطقة من أدباء وشعراء

2-نشاطه

كانت بداية نشاطه في مجال الدعوة الى إصلاح أوضاع المجتمع الجزائري من خلال الصحافة، حيث كان ينشر مقالاته في جريدة الإقدام التي كان يصدرهاالأمير خالد، ثم بجريدة المنتقد التي كان يصدرها ابن باديس وجريدة الإصلاح التي كان يصدرها الطيب العقبي، كما اظهر نشاطا سياسيا بمساندته للأمير خالد في حملته الانتخابية ثم مع الدكتور سعدان حين ترشح ببسكرة.



ومع تأسيسجمعية العلماء المسلمين سنة 1931 اتضح دوره الإصلاحي، إذ كان من المؤسسين للجمعية و عين أمينا عاما لها واستطاع بناء علاقهمع ابن باديس و الأمير خالد من بل أن يوجه
مطالب جمعية العلماء بعيدا عن تعنت الإدارة الاستعمارية وتحرشاتها ،و حتى تمكن من تبليغ أهداف الجمعية أصدر جريدة "الدفاع "LA DEFENSE باللغة الفرنسية حتى تصل إلى المتعلمين بلغة الاستعمار .

برز دور العمودي السياسي في الجهود التي بذلها لتنظيم المؤتمر الإسلامي ، وكان أحد الموفدين إلى باريس لتقديم مطالب المؤتمر الإسلامي إلى الحكومة الفرنسية كما قام بحملة شرح و توعية لنتائج المؤتمر بعد عودته من باريس ، أنشأ عام 1937 جمعية شباب المؤتمر الإسلامي.



3- وفاته

وظل العمودي على نشاطه إلى غاية الحرب العالمية الثانية أين فضل اعتزال السياسة إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية و رغم أنه لم يظهر أي نشاط ثوري مباشر إلا أن السلطات الاستعمارية لم تغفله بل اختطفته يوم 10أكتوبر 1957، وبعد عدة أيام وجدت جثته بنواحي العجيبة شرق مدينة البويرة. (عن موقع وزارة المجاهدين بتصرف)

الإنتاج الشعري:

  1. [*]
    له قصائد في كتاب «شعراء الجزائر في العصر الحاضر»
    [*]
    له قصائد في مجلد «آمال» - الجزائر (د.ث)،
    [*]
    له قصائد نشرتها صحف ومجلات عصره، منها: قصيدة «وخيرهم وأنت بهم خبير» -
    جريدة العصر الجديد - تونس - 13 من ديسمبر 1920،
    [*]
    قصيدة «الأمير خالد» - جريدة الإقدام - ع103 - 26 من نوفمبر 1922،
    [*]
    أرجوزة -نشرتها مجلة الثقافة - ع85 - الجزائر.

    الأعمال الأخرى:


    [*]
    له خطب ومقالات باللغتين العربية والفرنسية، نشرت بعضها صحف عصره مثل
    خطبته في المؤتمر الإسلامي.
    [*]
    شعر مطبوع، يتناول شعره القضايا الوطنية والاجتماعية والإصلاحية في الجزائر في الفترة بين الحربين العالميتين. في شعره مسحة حزن وتشاؤم، جعلت معاصريه يطلقون عليه لقب «شاعر البؤس» لتعبيره عن موضوعات ذاتية ونفسية وتصوير آلام المجتمع. له قصائد تنحو نحو الدرامية والملحمية البطولية والحكايات الهزلية، ولكن السمة الغالبة على شعره الشكوى من الحياة ومن أخلاق الناس، ووصف نفسه بسوء الحظ على فضله وما يتصف به من مواهب.

    المصادر :


    [*]
    أحمد بن ذياب: جوانب نضالية من حياة الشهيد محمد الأمين العمودي - مجلة
    الثقافة ( ع 86) الجزائر - مارس/ أبريل 1985.


    [*]
    حمرة بوكوشة: الأمين العمودي - مجلة الثقافة (ع 6) - الجزائر - يناير
    1972.


    [*]
    أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي - دار الغرب الإسلامي -
    بيروت 1999. 2 –


    [*]
    عبدالله ركيبي: الشعر الديني الجزائري الحديث - الشركة الوطنية للنشر
    والتوزيع - الجزائر 1981. 3


    [*]
    عبدالقادر السائحي: روحي لكم، تراجم ومختارات من الشعر الجزائري الحديث
    - المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر 1986. 4


    [*]
    صالح خرفي: الشعر الجزائري الحديث - المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر
    1984. 5


    [*]
    محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث، اتجاهاته وخصائصه الفنية (1925 -
    1975) - دار الغرب الإسلامي - بيروت 1985. 6 –


    [*]
    محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس -
    الشركة العربية للكتاب - تونس 1983. 7


    [*]
    محمد الهادي السنوسي الزاهري: شعراء الجزائر في العصر الحاضر (جـ2) -
    مطبعة النهضة - تونس 1927. 8 -

    بعض قصائده :

    القصيدة الأولى :

    لي أسوة



    • خيرُ خصال الفتى حزمٌ وإقدامُ وشرّها عن قضاء الوطر إحجامُ
    • نفسي تريد العلا والدهر يعكسها بالقهر والزجر إن الدهر ظلاّم
    • إن الزمان سطا عني بسطوته كما سطا عن ضعيف الوحش ضرغام
    • أبكي إذا اشتدّ إرزام الحوادث بيوللحوادث مثل الرعد إرزام
    • إن حلّ عامٌ جديدٌ قمت أسأله قل لي بماذا أتيتَ أيها
      العام؟
    • هذا القضاءُ على من خصمه ملكٌ لا يعتري فاه وقت الحكم تِبسام
    • قل للذين تمادوا في غوايتهم هل في قلوبكمُ يا قومُ إسلام؟
    • إني وإن حطّ سوء الحظ منزلتي وقد علا شرفي بالظلم أقوام
    • في خلقتي رجلٌ بَرٌّ وفي أدبي فحلٌ لأثمن دُرّ الشعر
      نظّام
    • لو اتّخذت خليج البحر مِحبرةً وصِيغ لي من يراع العلم أقلام
    • وكان لي الجو قرطاسًا أمهّده ضاقت على ذكر ما قاسيت أعوام
    • لي أسوةٌ بالأُلى غارت كواكبهم ولم تَهَبْ لهمُ الأقدار ما
      راموا

    القصيدة الثانية :

    الشكر للنعمى



    • حالي استحال وفاقني الأقرانُ مذ غاب عني الأصفرُ الرنّانُ

    • أخفى بنو غبراءَ نور حقيقتي وأحبّتي نقضوا العهود وخانوا

    • جار الزمان عليّ في شرخ الشبّاب ِ وفاتني ما يفعل الشبان

    • أنا كوكبٌ يمشي الهوينى حينماأمُّ الكواكبِ عاقها الدوران

    • أو روضةٌ: أدبي وعلمي وُرْقُها وزهورها، وشمائلي الأفنان

    • الواكف الهتّان ندّى أرضها فاشتُقَّ منه الورد والريحان

    • لما زهت بين الحدائق وازدهت أخنى عليها الخادع الخوّان

    • وتداولت عنها الرياح عواصفً أفتمزّقت وذوت بها الأغصان

    • فضّلتني يا ربُّ إذ علّمتني وكسوتني حُللاً بها أزدان

    • الشكر للنعمَى يوفّرها ومِن أسبابِ سلب النّعمة الكُفران

    • لا أبتغي لبسَ الثياب وإنما خيرُ اللباس فصاحةٌ وبيان

    • فإذا كتبت يقال أمطرتِ السما أو فهتُ قيل تفجّرَ البركان

    • و إذا نظمتُ أتيت قُرّائي بمالم يأتهم قبلي به حَسّان

    • إن عاب قولي أو تفوّه ناطقًا بالقدح فيما أدّعيه لسان

    • فرسائلي الغرّاء ضاع أريجها لي حجّةٌ وقصائدي برهان

    • إني أرى الدنيا تفاقمَ بأسها واشتدَّ فيها الزور والبهتان


    القصيدة الثالثة :

    الطبيعة الساحرة



    • أشياءُ حلَّ حلالهنَّ حلالي نَقْر الكؤوس ورنّة الخلخالِ

    • وصدى نشيد العندليب عشيّة ًوعزيف موسيقا بفجٍّ خالِ

    • وصفيرُ شرشورٍ وهتف حمامةٍ حنّت وغنّت فوق تلٍّ عال

    • وصياح حادي العيس يُغري عيسه ويسير في بلد الفلا والآل

    • وتَنزُّهي بين الرياض مصافحًا ريحَ الصَّبا ونسائم الآصال

    • والشمسُ عند بزوغها وغروبها تبدو برونق بهجةٍ وجمال

    • وتَرنُّم العيدان حرّك ساكنًامنها بنانُ خريدةٍ مِكسال

    • شبه الغزالة والثريا ربما أجرمتُ إن شبّهتها بغزال

    • سرُّ السرور وكل سرٍّ كامنٌ في سرّ نور جبينها المتلالي

    • يا عاذلي كن عاذري مهلاً فلي في العشق أيامٌ مضت وليال

    • لا تُكثرِ التعنيف وارفقْ بي فقد يُنبيك عن حالي لسانُ الحال

    • دعني أعاني في الهوى ما نابني إني بغير الحب غيرُ مبال

    • الحب فرضٌ أستحبّ آداءه وأعدّه من صالح الأعمال

    • لا أشتكي من حكمه وفما ولا أعصيه في حالٍ من الأحوال

    • فإذا تملَّكَ بالفؤاد ولم يجرْ فهو السعادة أنعمتْ بوصال

    • ووإذا تولّى بالصبابة والبك الجور والإعساف والبلبال ا

    • وهو العذاب العذب والألم الذي طوبى لذائقه وحسن نوال


    - Jean Dejeux, La Litterature Algerienne Conternporaine, Presse universitaires de France, 1975.
    - Memmi Albert, la puesie alqerienne, paris, 1863.
    - Ben Chencb, La Litterature Arabe contaporaine ALgerienne, ALges, 1944.
    - El amine El amoudi, La detense (algenie, 1934 - 1939).
رحم الله شهداءنا الأبرار













ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة التاسعة والعشرون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







أتمنى لكم كل متعة وفائدة




 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة









موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة التاسعة و العشرون


الأديب الشهيد
الحبيب بناسي

1928 م --- 1956 م


الشهيد الكاتب الحبيب بناسي الذي أبهر الأدباء و النقاد




كاتب موهوب صقلته تجارب الحياة، رغم صغر سنه، ولولا أن الموت أدركه مبكراً لكان له شأن كبير في الأدب الجزائري المعاصر، إذ أن كتاباته التي تركها تتصف بالثراء والجد في البحث عن أشكال أدبية جديدة.




‏إحتوى كتابه "صرخة القلب"(22)" على عدة فنون كالخاطرة والمقال الأدبي والمقال السياسي، والصحافي، والمحاولة القصصية، وكان على دراية واسعة بمسار الأدب الجزائري، واتجاهاته الفنية والفكرية.‏عالج في خواطره موضوع الحب الذي كان شبه محظور في عهده وقد كتبه برؤية وأسلوب(رومانتيكيين) حادين، يفيضان بأفكار الكاتب العربي المبدع جبران خليل جبران، فهذه الألفاظ المشهورة في كتاباته: الهيكل والناموس والغيب، والمحراب، والخمر، والمواكب تكاد لاتخلو منها أية خاطرة من خواطر الحبيب بناسي، قال في إحدى خواطره: "إنك بعد حين ستلتقي بالحبيب في عالم ما وراء الغيب، وسترفرف بجناحك إزاءه، وهناك تدخل محراب الحب، وتنحني لذاته المقدسة، وتشرب من خمره وتسمع أناشيد ترتلها مواكب المحبين.."(23)‏حاول الحبيب بناسي تغيير مفهوم الأدب السائد في الحياة الأدبية. وخصوصاً في منابر العلماء. حيث كان الأدب إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية مقصوراً على الشعر ودراسته.(24) ووصف الأدب بأنه "أفكار وخواطر تولدت من عوامل كثيرة، وتجمعت في فرد واحد أو في أفراد متعددين."(25)‏كتب بضعة قصص تعد فتحاً في القصة الجزائرية المعاصرة على صعيد الموضوع والفن، واكب بها أحداث الجزائر الاجتماعية والسياسية، منها قصة بعنوان: "يتيم الأصنام"(26). وأخرى بعنوان "الحب والشرف"(27).




تصور الأولى طفلاً فقد والده أولاً، ثم والدته التي هوت عليها جدران العمارات في أثناء طوافها بشوارع المدينة بحثاً عن طعام له، بينما تصور الثانية، وبرؤية رومانسية عاطفية الحبّ في الريف الجزائري. ففيها وصف ملامح الشخصية المحورية، ويقوم هذا الوصف بوظيفة هامة، من حيث الكشف عن صفات البطل النفسية والجسمية.

ونلاحظ في هذه القصة ضعفاً فنياً ربما سببه حديثه الطويل عن حب القائد الرئيسي "نابليون" لزوجته "جوزفين"، وثأر نابليون من زوجته عندما علم بخيانتها فقد اتخذه بطل القصة عبرة، ومثلاً احتذاه عندما اكتشف أن خطيبته تخونه مع شاب آخر، فسارع إلى طلاقها.




وجاء ضعف القصة في خاتمتها الوعظية التي جاءت على لسان صديق البطل، وهي بذلك لا تختلف عن نهايات القصص الاصلاحية في المرحلة الأولى.




وكتب في السياسة ثلاث قصص قصيرة وهذه مقالات صور فيها بعض جوانب الوضع السياسي في الجزائر بعد اندلاع ثورة نوفمبر العظيمة في 1/11/1954م.




أما قصته "شهيد بلا قبر(28) فإنها تصور شاباً مثقفاً تخرج في جامعة القاهرة من كلية الآداب، وفي أثناء وجوده بالقاهرة كان يراسل الصحف الوطنية في الجزائر، ولكنه ما إن سمع بقيام الثورة حتى عاد إلى بلاده، إلا أن سلطات الاستعمار سارعت فألقت القبض عليه بتهمة أنه همزة وصل بين القاهرة، والثورة في الجزائر، ثم أدخلته إلى غياهب السجن، ولما رفض البوح بأسرار الثورة قتل، ثم رموا جثته في البحر.‏




وصور في قصة "مأساة أسرة"- وهي قصة وطنية- نهاية أسرة جزائرية ثرية تملك أراضي واسعة، وضيعة جميلة، وبضعة سيارات فاخرة، ألقت السلطات الاستعمارية القبض على معيلها، بعد أن أخطرها حساده بأنه يؤوي في بيته مجموعة من المجاهدين نهاراً، ويقدم إليهم كل ما يحتاجونه.وفي هذه القصة تتجلى طريقة بناسي في الحديث عن انتشار أخبار الثورة، وتغلغلها في البيئات الجزائرية، حيث يمهد لذلك بتغير طباع شخصياته ويصنع جواً متوتراً بينهم وبين المحيط. فملامح الشخصية المحورية (الطبيب) مثلاً تتغير طباعها، فيحس عماله بجفائه وابتعاده عنهم، ويفقدون بذلك الجلسات الممتعة التي كان ينظمها لهم في بيته، وفي معظم الأحيان يكون هذا التغيير دافعاً قوياً للناس إلى معرفة الأمور الجديدة، كما أن للكاتب أسلوباً جديداً في تقديم شخصية (المجاهد)، فهو لا يكشف أمره للناس منذ الوهلة الأولى، وإنما يقدمه في صورة شخص "غريب" عن الديار أو الحي، لا يعرف المواطنون عنه شيئاً.‏فالمجاهدون يأتون إلى بيت (الطبيب) في ساعة متأخرة من الليل، ولا يبرحونه طوال النهار، فإذا أقبل الليل وأسدل ستائره السود، خرجوا حيث لا يعلم أحد مقصدهم "مقنعون ولا يتحدثون إلا هامسين ويرتدون ملابس خاصة ويحملون أنواعاً من الأسلحة والذخائر الحربية"(29).




ولقد حقق هذا الأسلوب هدفين هامين:‏الأول أنه خلق "تشويقاً" حاداً في نفوس الأهالي لمعرفة هؤلاء "الغرباء" المقنعين أو الذين لا يتحدثون إلا همساً، ولا يخرجون إلا حين يشتد ظلام الليل من جهة، والثاني أنه أشار إلى السرية والحذر اللذين اتسمت بهما الثورة التحريرية وعلى كل، فإن هذا العمل يعد من أساليب العمل الفدائي.




وتتصف الشخصية الوطنية في قصص الحبيب بناسي بالثقافة العالية، وحسن الأخلاق، فبطل قصته "شهيد بلا قبر" يحمل شهادة الليسانس من جامعة القاهرة، ويعمل مراسلاً صحافياً للجرائد الوطنية الجزائرية، أما قصة (الدكتور الشهيد) فهي في سيرة المجاهد الجزائري الحكيم: "بن عودة بن زجرب" وطريقة استشهاده، ونلاحظ أن صفة عامة تشترك فيها الشخصيات الثورية في قصص بناسي، وهي انتماؤهم إلى أسر ذات جاه كبير، ومال كثير، وعلم غزير، ويكاد بناسي ينفرد بهذا الوصف في تاريخ القصة الجزائرية، لأن معظم القاصين الجزائريين صوروا شخصية الثري إلى جانب شخصية الخائن الذي يحافظ على مصالحه، وتنمية ثروته بشتى السبل والوسائل حتى وإن كانت ضد قيم بلاده، أو ضارة بشعبه، أو حتى بأهله، وأن القضاء عليه أمر لا يقل شأناً عن القضاء على المستعمر، أو حليفه الطبيعي المعمر.‏كما يمكن اعتماد الملامح التي رسمها الحبيب بناسي للجندي الفرنسي في قصصه قاعدة أساسية لصورة الفرنسي في النتاج القصصي الجزائري، فالفرنسي سييء الخلق عديم الإنسانية قلبه خال من الرقة لا يسمع غير صوت الباطل ونداء الظلم.‏




وهكذا حاول الحبيب بناسي تطوير مفهوم الكتابة الأدبية، وتجاوز التعريف السائد آنذاك للأدب مستعيناً بذوق فني رفيع، وقد قادته رؤيته الجديدة للفن لأن يواكب تطور الحياة الاجتماعية والسياسية في الجزائر.



وكان بذلك سباقاً إلى موضوعات حرب التحرير الجزائرية الكبرى، ولكن محاولاته القصصية قليلة وينقصها الصقل.‏






............الحبيب بناسي في سطور .......



مولده ومواهبه


الأديب الجزائري الشهيد الحبيب بناسي من مواليد 13 ديسمبر من مواليد 13 ديسمبر 1928 بمدينة المشرية بولاية سعيدة. لما بلغ الثانية عشر من عمره انخرط في صفوف حزب الشعب الجزائري والكشافة الإسلامية التي كوّنت لها فرعاً بمدينة المشرية.


ظهرت مواهبه الأدبية أثناء نضاله في حزب الشعب مبكراً ، وكذا نشاطه النضالي ، وخاصة عندما وقعت أحداث الثامن من ماي 1945.

وكان لنشاطه هذا الفضل في أن يتعرف على شخصيات بارزة كانت في المعتقل بمدينة المشرية مثل الشيخ العربي التبسي والشيخ سعيد الصالحي . وأيضاً ، لما سافر للجزائر العاصمة التقى بالكثير من زعامات حزب الشعب وشارك بإلقاء خطب حماسية.

لما احتد النزاع بين جناحين في حزب الشعب حول طريقة مواصلة الكفاح كان الأديب الحبيب بناسي يميل مع الذين يطالبون بالإسراع في الكفاح المسلح لأن ما أُخِذَ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة .

ومن أهم ما ميَّز نشاط الأديب الشهيد من العام 1954 هو كتابته سلسلة مقالات على شكل مراسلات نشرها بصحف تونسية ، وكان موضوع مقالاته يدور حول الثورة واحتضان الشعب الجزائري لها . وقد اتصلت به جبهة التحرير الوطني بعد أن لفت نشاطه الصحفي انتباهها له فكلَّفته بالإشراف على تأسيس خلية فدائية ، وأصبح مرشداً ومنظماً للحركة الفدائية بمدينة سيدي بلعباس ، كما شارك في أكبر هجوم شنه الفدائيون على المدينة في نوفمبرسنة 1956. والتحق بعد هذه العملية بصفوف جيش التحريرفي الجبال.

استشهد عليه رحمة الله في 15 ديسمبر 1956 . وتفيد بعض الشهادات أنه قد استشهد حرقاً ، وذلك بعد معركة بين جيش التحرير وقوات الاحتلال الفرنسي.

أما عن آثاره الأدبية فيقول الأستاذ شريبط في كتابه « مباحث في الأدب الجزائري المعاصر» أن الأديب الشهيد قد ترك عملاً واحداً طبع جزأه الأكبر بتلمسان عام 1956 وهو « صرخة القلب » وهو كتاب يحتوي على لوحات قصصية يغلب عليها الأسلوب الرومانسي كما بدا أسلوبه في هذا الكتاب قريباً من أسلوب الكاتب اللبناني جبران خليل جبران و خصوصاً في نزعته الثورية ، فقد تحدث عن الرسم بقوله : « من أنت أيها الرسم أحياتي أم روحي ؟ أم ملك مقدس بعثت به أرواح الجمال من تلك السماوات الروحانية ليخاطب روحي ويعانقها فتمتزجان وتسموان معاً إلى برزخ الأرواح . أم أنت روح فنيس آلهة الحب والجمال » . لكن هذا الأسلوب تغير وصار واقعياً وتجلى ذلك خصوصاً في مقالاته ومراسلاته التي كتبها في مرحلته الأخيرة.

ومن كتاباته « يتيم الأصنام » و« شهداء الأدب والسياسة » و«دماء ودموع» و«شهيد بلا قبر» و«لبيك يا جمال» و«الحنين إلى الوطن» و«الإمام عبد الحميد ابن باديس» و«الثورة الجزائرية .. كيف نشأت».

يوصف قلم الأديب الشهيد بأنه كان خصباً فأحسن استخدامه في الدفاع عن قضية بلاده والتعريف بمآسيها لدى الخاص والعام ، وأثرى الحياة الإبداعية والنقدية التي تعدّ اليوم شاهداً على الثورة التحريرية.


بمدينة المشرية بولاية سعيدة. لما بلغ الثانية عشر من عمره انخرط في صفوف حزب الشعب الجزائري والكشافة الإسلامية التي كوّنت لها فرعاً بمدينة المشرية.

ظهرت مواهبه الأدبية أثناء نضاله في حزب الشعب مبكراً، وكذا نشاطه النضالي ، وخاصة عندما وقعت أحداث الثامن من ماي 1945.

نشاطه
وكان لنشاطه هذا الفضل في أن يتعرف على شخصيات بارزة كانت في المعتقل بمدينة المشرية مثل الشيخ العربي التبسي والشيخ سعيد الصالحي .

وأيضاً ، لما سافر إلى الجزائر العاصمة إلتقى بالكثير من زعامات حزب الشعب وشارك بإلقاء خطب حماسية.

لما إحتد النزاع بين جناحين في حزب الشعب حول طريقة مواصلة الكفاح كان الأديب الحبيب بناسي يميل مع الذين يطالبون بالإسراع في الكفاح المسلح لأن ما أُخِذَ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة .

ومن أهم ما ميَّز نشاط الأديب الشهيد من العام 1954 هو كتابته سلسلة مقالات على شكل مراسلات نشرها بصحف تونسية ، وكان موضوع مقالاته يدور حول الثورة واحتضان الشعب الجزائري لها .

جهاده
وقد اتصلت به جبهة التحرير الوطني بعد أن لفت نشاطه الصحفي انتباهها له فكلَّفته بالإشراف على تأسيس خلية فدائية ، وأصبح مرشداً ومنظماً للحركة الفدائية بمدينة سيدي بلعباس ، كما شارك في أكبر هجوم شنه الفدائيون على المدينة في نوفمبرسنة 1956. والتحق بعد هذه العملية بصفوف جيش التحريرفي الجبال.

وفاته
إستشهد عليه رحمة الله في 15 ديسمبر 1956 . وتفيد بعض الشهادات أنه قد استشهد حرقاً ، وذلك بعد معركة بين جيش التحرير وقوات الاحتلال الفرنسي.

أعماله
أما عن آثاره الأدبية فيقول الأستاذ شريبط في كتابه « مباحث في الأدب الجزائري المعاصر» أن الأديب الشهيد قد ترك عملاً واحداً طبع جزأه الأكبر بتلمسان عام 1956 وهو « صرخة القلب » وهو كتاب يحتوي على لوحات قصصية يغلب عليها الأسلوب الرومانسي كما بدا أسلوبه في هذا الكتاب قريباً من أسلوب الكاتب اللبناني جبران خليل جبران و خصوصاً في نزعته الثورية ، فقد تحدث عن الرسم بقوله : « من أنت أيها الرسم أحياتي أم روحي ؟ أم ملك مقدس بعثت به أرواح الجمال من تلك السماوات الروحانية ليخاطب روحي ويعانقها فتمتزجان وتسموان معاً إلى برزخ الأرواح . أم أنت روح فنيس آلهة الحب والجمال » . لكن هذا الأسلوب تغير وصار واقعياً وتجلى ذلك خصوصاً في مقالاته ومراسلاته التي كتبها في مرحلته الأخيرة.

ومن كتاباته « يتيم الأصنام » و« شهداء الأدب والسياسة » و«دماء ودموع» و«شهيد بلا قبر» و«لبيك يا جمال» و«الحنين إلى الوطن» و«الإمام عبد الحميد ابن باديس» و«الثورة الجزائرية .. كيف نشأت».

يوصف قلم الأديب الشهيد بأنه كان خصباً فأحسن استخدامه في الدفاع عن قضية بلاده والتعريف بمآسيها لدى الخاص والعام ، وأثرى الحياة الإبداعية والنقدية التي تعدّ اليوم شاهداً على الثورة التحريرية.










ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







أتمنى لكم كل متعة وفائدة




 
آخر تعديل:

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة








موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الثلاثون


العلامة الشيخ الفضيل إسكندر
رحمه الله تعالى


1901 م --- 1982 م




العلامة الشيخ الفضيل إسكندر رحمه الله تعالى


من هو هذا العالم الجليل الذي كرس حياته في نشر العلم ومحاربة البدع والخرافات والطرقية شأنه شأن عبدالحميد ابن باديس رائد النهضة الجزائرية.
ولد الشيخ الفضيل اسكندر بمدينة المدية سنة1901 وتوفي بها يوم 14 أفريل 1982م.
تعلم العلوم الإسلامية والعربية على يد جده أحمد وبعض المشايخ من أمثال الشيخ بلحصيني بمدينة المدية ثم انكب على المطالعة والدراسة حتى حصل على معارف واسعة ومن ثم برزت شخصيته.
ومن دروسه التي ألقاها بمسجد الحنفي شرح الترغيب والترهيب في الحديث للشيخ المنذري إلى آخره وعلوم الفقه.
بدأ تفسير القرآن عام 1935م بعدما زاره في المسجد الشيخ عبدالحميد ابن باديس وأجاز له في ذلك إثر مناظرة بينهم دامت بعد الزوال حتى طلوع الفجر، وكان آخر كلام قاله الشيخ عبدالحميد ابن باديس للشيخ الفضيل اسكندر ماذا تنتظر لكي تبدأ في تفسير القرآن؟ ومن ثم واصل تفسير القرآن سورة بعد أخرى وآية بعد أخرى دون انقطاع حتى ختمه سنة 1969م من دون حفل وقد صادف ختمه يوم الجمعة والوقوف بعرفات، وزيادة عن تفسير القرآن برع في عدة فنون منها الحديث الشريف الذي تبحر فيه حتى لقب بصيار الحديث، والواحد والثمانين حديث الذي أخرجهم من الكتب الستة المرتبة على حروف المعجم والمتفق عليها لفظا ومعنا لدليل على ذلك، وإن تحدث عن التاريخ تجده عارفا ملما بكل صغيرة وكبيرة من العصور القديمة إلى العصر الحديث. وإذا ترك هذا كله ومال بك إلى اللغة والأدب فيتخيل له الصاغي أنه لا يتقن سواهما، وله ثلاثة قصائد الأولى في فضل العلم كتبها بمناسبة أول نادي ثقافي فتح أبوابه بمدينة المدية سنة1962م والثانية بمناسبة تدشين مسجد النور سنة 1969م والثالثة في البد و الخرافات كتبها سنة 1934م.
كانت له ميزة قلما تجدها عند غيره وهي قوة الذاكرة، كان لا يقرأ كتابا إلا وحفظه وكان يعد من حفاظ الحديث الشريف مما عرف عليه كان حافظا للكتب الستة أي ما يقارب 350.000 حديث ومما عرف عليه كذلك كان إذا تعسر عليه أمرا عند مسألة أو استغناء مسح على جبهته فيجد الحل وسرعان ما يتقلب السائل أو المستفتي مسرورا بالحل.
سئل مرة عن هذا السر فبكى شديدا وقال:" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام مسح بيده الكريمة على جبهتي " كذلك كان لا يتعصب لمذهب ما رغم تقيده بالمذهب الحنفي أينما صح الحديث فهنالك مخرجه ومذهبه، كما اشتهر على العلماء ولا سيما أصحاب المذاهب، كان عضوا في جمعية العلماء ورئيسا نشيطا في فرع مدينة المدية، المنصب الذي منحه إياه الشيخ عبدا لحميد ابن باديس عام 1935م وعضوا أيضا في مجلس الفتوى، كما درس في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر سنة 1948م كان معروفا لدى العلماء الجزائريين كالشيخ العربي التبسي والشيخ الإبراهيمي والشيخ الميلي وغيرهم بإطلاعه وفكره الواسع، كانت له مناظرات معهم مما جعلهم يعترفون بعلمه وفكره الواسع إلى درجة الاجتهاد.
أما عن المستوى العربي كان يراسل مشايخ الأزهر آنذاك يستفيد ويفيد وفي سنة 1968م زاره الدكتور الفحام عميد جامعة الأزهر واعترف له بالعلم الوافر وهو الذي أطلق عليه اسم صيار الحديث وقبل رأسه، وكذلك ناظر الشيخ الشعراوي في حفل أقيم على شرفيهما ودامت المناظرة من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر،خرج فيها الشيخ الشعراوي مبهوتا من سعة فكره وإطلاعه العميق.
أما مناظرته مع علماء الزيتونة أثناء سفره إلى تونس في نهاية الأربعينيات، كانت أروع المناظرات أطنب وأفاد وأجاد فحاولوا تعجزه فكان سؤالهم ماذا نقول في قوله تعالى فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.
فأسهب وأطنب في فضل الكلب وضرب في ذلك الأمثلة من نثر ونظم وحكم وتعداده لمزايا الكلب الكثيرة فقال إلا أنه فيه خصلة واحدة ذميمة وهي نكرانه للضيف فسكتوا وقالوا لم نكن نقصد ذلك.
أثناء أدائه فريضة الحج سنة 1966م كانت له لقاءات مع علماء المدينة ومكة كما أنه زار الطائف وحصل على رخصة الدخول إلى الكعبة الشريفة ولكن لم يتم له ذلك بسبب تصادف يوم دخوله الكعبة مع يوم عودته للجزائر.
وخلال زيارته للطائف سجل اسمه في السجل الذهبي المخصص للوفود الزائرة من رجال العلم والأدب والسياسة.
نختم هذه الكلمة بلمحات عن أحواله الشخصية لقد ظهرت في صغره استعدادات ونجبات فكرية تفطن إليها بعض الشيوخ نذكر من بينهم ابن عمه محمد بن رمضان الذي تعلم عليه القرآن، لاحظ فيه سرعة الحفظ بحيث أنه كان يمحي اللوحة مرتين في اليوم بينما زملاؤه يمحون مرة واحدة في اليوم، وحفظ القرآن وله 9 سنوات.
ذات مرة كان رديف جده أحمد فقص عليه رؤيا رآها في المنام وهو طفل صغير لا يتجاوز الإحدى عشرة سنة وهي رأى نفسه في مسجد جده وهو يعطر أماكنة فبكى جده وقال ستكون خلفتي وكان الأمر كما أول الرؤيا ويحكى أن والي مليانة سيد أحمد بن يوسف تفرس فيه علو شأنه وهو صغير فقال لجده أحمد سيكون لهذا الطفل شأن كبير.
ومن علامة نبوغه في الفقه وتفطنه له وهو طالب له من عمر تسعة


وهذه صور من مدينة المدية عاصمة التيطري الجزائري ومسقط العلامة فضيلة الشيخ الفضيل إسكندر رحمه الله تعالى.
























ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الواحدة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا







أتمنى لكم كل متعة وفائدة




 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة








موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الواحدة والثلاثون


الأديب الجزائري محمد ديب..

مبدع عربي بلغة موليير


1920 م --- 2003 م

الأديب الجزائري محمد ديب.. مبدع عربي بلغة موليير

محمد ديب بعد أن كتب الرواية والقصة والشعر والمسرحية وعاش أزيد من 80 سنة توفي الأديب الجزائري محمد ديب يوم 2 مايو/ أيار 2003 بسان كلو إحدى ضواحي باريس.

المولد
ولد محمد ديب يوم 21 يوليو/ تموز 1920 بمدينة تلمسان، وقد ذاق الأمرين اليتم والفقر وهو صغير إذ توفي أبوه وهو في العاشرة من عمره، ولم يثنه ذلك عن متابعة دراسته بجد وكد في مسقط رأسه تلمسان.

رحلات عديدة و وظائف متقلبة
إنتقل محمد ديب إلى مدينة وجدة بالمغرب لمدة قصيرة، ثم ذهب إلى الجزائر ليمتهن التعليم في الغرب الجزائري عام 1939، وانتقل عام 1942 للعمل في السكك الحديدية.

عمل محمد ديب محاسبا ثم مترجما في جيش الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية خاصة وأنه كان يتقن الفرنسية والإنجليزية. ومن الترجمة تحول إلى تصميم الديكورات عند بعض معارفه من حرفيي النسيج بمدينة تلمسان خاصة موتيفات الزرابي من 1945 إلى 1947.

وفي سنة 1948 حل بالجزائر العاصمة فلقي الأديب الفرنسي الجنسية الجزائري المولد والنشأة ألبير كامو وغيره من الأدباء الجزائريين كالكاتب الكبير مولود فرعون.

وفي عام 1950 التحق بالصحافة فعمل في جريدة "الجزائرالجمهورية" إلى جانب الأديب الكبير كاتب ياسين. لم تكن كتابات محمد ديب الصحفية مهادنة للاستعمار الفرنسي، وقد استعدت عليه تلك المقالات الشرطة الفرنسية فاتهمته بالوطنية المتهورة والمغالاة في الدفاع عن الجزائر، فقررت نفيه لأنه تجاوز الخطوط الحمراء المسموح بها في النقد.

بعد ذلك جاب محمد ديب بلدانا كثيرة ومدنا عديدة فمن باريس إلى روما، ومن هلسنكي إلى عواصم أوروبا الشرقية، وطاب له مقام بالمملكة المغربية عام 1960، ومع استقلال الجزائر عام 1962 عاد محمد ديب إلى أهله وذويه.
http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=52813#TOP
الكتابة
كان مولد محمد ديب الأدبي عام 1952 حين صدرت له أول رواية هي "البيت الكبير"، وقد نشرتها "لوسوي" الفرنسية، ونفدت طبعتها الأولى بعد شهر واحد. كما أصدر رواية "من يذكر البحر؟"، ثم رواية "الحريق" التي تعلن إرهاصات الثورة الجزائرية. ومن الغريب أنه بعد ثلاثة أشهر من نشرها انطلقت ثورة الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 التي تواصلت حتى انعتاق الجزائر من الاستعمار الفرنسي.
وفي عام 1957 نشر رواية "النول".

ثم توالت كتاباته السردية ما بين 1970 و1977 فنشر ثلاث روايات هي "إله وسط الوحشية" عام 1970، و"سيد القنص" عام 1973، و"هابيل" عام 1977.

ويذكر النقاد أن محمد ديب كان في البداية يكتب الرواية الواقعية لكنه انعطف عن ذلك الأسلوب حين تبين له عجز هذا النهج عن "إنارة عتمات عصرنا بأضواء كاشفة". يقول محمد ديب "لا يمكن التعبير عن جبروت الشر عن طريق وصف المظاهر المألوفة، لأن مجاله هو الإنسان بأحلامه وهذيانه التي يغذيها بغير هدى، والتي سعيت أن أضفي عليها شكلا محددا".

ترك محمد ديب أكثر من 30 مؤلفا منها 18 رواية آخرها "إذا رغب الشيطان" و"الشجرة ذات القيل" عام 1998، وخمسة دواوين شعرية آخرها "آه لتكن الحياة" عام 1987، وأربع مجموعات قصصية آخرها "الليلة المتوحشة" عام 1997، وثلاث مسرحيات آخرها "ألف مرحى لمومس" عام 1980، إلى جانب عدد من الترجمات الأدبية إلى الفرنسية خاصة من اللغة الفنلندية التي استقر نهائيا بين أهليها اعتبارا من عام 1989.

كان يقول عن نفسه متحدثا عن هويته وعلاقتها باللغة "إن أخيلتي وتصوراتي نابعة من اللغة العربية، فهي لغتي الأم، إلا أنها مع ذلك تعتبر موروثا ينتمي إلى العمق المشترك. أما اللغة الفرنسية فتعتبر لغة أجنبية مع أني تعلمت القراءة بواسطتها، وقد خلقت منها لغتي الكتابية".

الجوائز والأنشطة
في 1963 نال في الجزائر جائزة الدولة التقديرية للآداب برفقة الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة. وكان أول كاتب مغاربي يحصل على جائزة الفرنكفونية، وذلك عام 1994 حيث تسلمها من الأكاديمية الفرنسية تنويها بأعماله السردية والشعرية.

كما يعد محمد ديب عضوا نشطا في عدة ورشات وحلقات علمية في الجامعات الأوروبية والأميركية التي تهتم بالأدب بصفة عامة والرواية المغاربية بصفة خاصة.
بقلم// الأستاذ الاستاذ أحمد بن سالم




المسار الروائي لمحمد ديب (*)

بقلم // الأستاذة كريمة الإبراهيمي - الجزائر

(*) روائي جزائري. كتب بالفرنسية.
ولد في تلمسان عام 1920، وتوفي في فرنسا عام 2003.

يُعتبر الروائي محمد ديب من أهم الروائيين الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية. فقد عاش هذا الروائي الفترة الاستعمارية للجزائر، وعبر عن معاناة الشعب الجزائري بلغة المستعمر. هذه اللغة التي أكد على أنه كان مدفوعا للتعبير بها. وكان أن كتب مجموعة من الأعمال الروائية لم تخرج عن هذا الإطار.

ولعله من الصعب تحديد رؤية فكرية خاصة بالكاتب نظرا لأسباب كثيرة، أهمها أن الكاتب يظل يتغير ويتطور ولا يستقر على رؤية محددة. ومن هنا فإن الكاتب يتأثر بكل ما يحيط به خاصة تلك الظروف التي يجد نفسه مرتبطا بها، كالظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

و محمد ديب من الكتاب الذين ارتبط تاريخهم بظروف الجزائر وعلى كل المستويات السابقة الذكر، إذ ولدت أولى أعماله الأدبية في خضم نضال الجزائر.

يتتبع هذا المقال المسيرة الروائية لمحمد ديب لرصد رؤيته الفكرية، انطلاقا مما طرحه في رواياته الكثيرة. وسوف يتناول المقال الروايات التالية:

=1= الدار الكبيرة (La grande maison)
=2= الحريق (L’incendie)
=3= النول (Le métier a tisser)
=4= صيف إفريقي (Un été Africain)
=5= من يتذكر البحر (Qui se souvient de la me)
=6= مسيرة على الضفة المتوحشة (Cours sur la rive sauvage)
=7= رقصة الملك (La danse du roi)
=8= اله في الهمجية (Dieu en barbarie )
=9= سيد القنص (Le maitre de chasse)

كتب محمد ديب في فنون أدبية متنوعة كالرواية والقصة والمسرحية والشعر والمقالة. وكان أن صار من أهم الكتاب العالميين بفضل هذه الأعمال وخاصة منها الروائية.

حين شرع محمد ديب في كتابة الرواية كانت الجزائر تمر بأقسى مراحلها التاريخية وهي مرحلة الاستعمار الفرنسي.

وفي خضم هذه الظروف كان لا بد من الكتابة لأجل إيصال صوت الجزائر إلى المستعمر ولو كان ذلك بلغته. وهكذا كانت مرحلة الخمسينات تصويرا لآلام الشعب الجزائري وقسوة الاستعمار، فقد رسم محمد ديب هذه الفترة في رواياته الأولى التي جاءت تحت اسم الثلاثية وهي: الدار الكبيرة والحريق والنول.

الدار الكبيرة (La grande maison)



تُعتبر الرواية الأولى للكاتب، صدرت عن دار لو ساي (Le seuil) عام 1952. وقد أشار الكاتب إلى صعوبة النشر في تلك الفترة الحرجة إذ يقول:" لم يكن ممكنا آنذاك للشباب الجزائري هواة الأدب أن ينشروا كتبا فكان ذلك عالما محرما. وهذا لا يرجع لكوني كاتبا ناشئا بل لكوني جزائريا"(1).

والدار الكبيرة هي الجزء الأول من ثلاثية الجزائر وتتناول مجموعة أحداث تدور في دار سبيطار وهي دار كبيرة بمدينة تلمسان تسكنها مجموعة من العائلات الفقيرة، وهذه الدار قد استعملت كمستشفى خلال الحرب العالمية الأولى.

وفي هذه الدار تسكن عيني الأرملة التي تتكفل بعائلتها المكونة من عمر الصبي وأختيه عويشة و مريم ووالدتها المقعدة. و عمر هو بطل الثلاثية التي تتناول البؤس الذي تعانيه فئات الشعب الجزائري إبان هذه الفترة. ونلتقي بالبطل الثوري حميد سراج الذي يمثل البدايات الأولى للتفكير الثوري. وتدور أحداثها بين 1933- 1939.

الحريق (L’incendie)

هي الجزء الثاني من الثلاثية. وقد صدرت عن نفس الدار عام 1954 أي سنة انطلاق الثورة التحريرية المجيدة . إذ تنتقل الأحداث إلى خارج تلمسان بإحدى القرى حيث تدخل عالم الفلاحين الذين سلبهم المستعمر أرضهم وصاروا أجراء فيها. وفل ظل هذه الظروف يقررون شن إضراب وقد أحرقت الأكواخ ويكون الصبي عمر شاهدا على هذه الأحداث ، ويظهر هنا الوعي الذي بدأ يسري تمهيدا للثورة الكبرى. وقد جرت أحداثها بين 1939-1940.

النول (Le métier a tisser)

هي الجزء الثالث من الثلاثية وقد ظهرت عن نفس الدار عام 1957. وهنا يصبح عمر شابا ويلتحق بمصنع النسيج إذ تجري الأحداث في عالم العمال في هذا المصنع ويزداد كرههم لظلم رؤسائهم المعمرين ومدى الظلم الذي يعانون منه. وقد تناولت هذه الرواية الفترة بين 1941-1942.

صيف إفريقي (Un été Africain )

هي الرواية الرابعة للكاتب، صدرت عام 1959 عن نفس الدار. في هذه الرواية واصل محمد ديب الحديث عن الثورة الجزائرية، إذ قدم لوحة شاملة للجزائر بمختلف فئاتها: مثقفين، فلاحين، موظفين، عمال وموقفها من أحداث الجزائر المتمثلة في العمليات الحربية عبر الوطن دون إهمال الحديث عن واقعها اليومي. إنها الثورة التحريرية المجيدة التي مست كل شيء فيقول الكاتب:"لا أحد منا يستطيع أن يغير وحده ما هو كائن"(2).

ومنه فإن هذه الرواية قد روت قصة الشعب الجزائري في مرحلة الثورة بأسلوب واقعي يصف الأحداث. وما يُلاحظ على هذه الرواية أن الكاتب قلل من وصف الأحداث بدقة كما فعل في الثلاثية.


مـن يـتــذكر الـبـحــر
(Qui se souvient de la mer)

صدرت هذه الرواية عن نفس الدار عام 1962. ولم تبتعد عن نفس الخط الذي بدأه الكاتب وهو القضية الجزائرية. ولعل المختلف فيها عن الروايات السابقة هو طريقة طرح الموضوع. تقوم الرواية على صراع قوتين:السكان الأصليون المقيمون تحت الأرض والمستعمرون الذين يسكنون بناءات جديدة. بطلة الرواية هي نفيسة زوجة الراوي التي تحمل بداية جديدة لجزائر جديدة.

مسيرة على الضفة المتوحشة (Cours sur la rive sauvage )

كان صدورها عام 1962 عن نفس الدار. فبعد الرواية التي سبقتها حاول محمد ديب أن يقترب من القضايا الإنسانية عموما ليطرح قضايا الخير والحب وغيرها دون أن يبتعد عن الجزائر.

تتناول الرواية قصة حب بين ايفان زهار و راضية إذ يحول بينهما أمر فلا يرتبطان. وتبدأ رحلة بحثه عن هذه المرأة. انه بحث ينقذه من العدم، وكلما التقى بهذه المرأة تضيع منه من جديد إلى أن يلتقي بامرأة تشبهها تدعى Héllé وهي امرأة أجنبية وتختلط صورة المرأتين بذهنه، وحين يعرف أن هالة ليست هي راضية يكون قد تعلق بهالة وفات أوان العودة إلى راضية . وتختلط الأشياء في مخيلته: راضية وهالة. الأم / الجزائر، والزوجة / الأجنبية.

إنه عالم محمد ديب الروائي الذي يقوم على الجزائر بكل ما فيها، انه البحث عن الوطن: تراه المكان الذي نولد فيه أم هو المكان الذي نرتبط به إذ نقيم فيه ونواصل الرحلة.

رقصة الملك (La danse du roi)

عن نفس الدار صدرت الرواية عام 1968. وفي هذه الرواية يعود محمد ديب للحديث عن الوطن مما يؤكد التزامه بالخط الذي سارت عليه أعماله الروائية السابقة. وهنا ينتقل الكاتب إلى الحديث عن الجزائر بعد الاستقلال. فأبطال الرواية عايشوا الثورة واكتشفوا سهولة الحياة أثناء الثورة وتغيرها بعد الاستقلال. وإذا كان العدو بالأمس واضح فإنه اليوم ليس كذلك وصار من الصعب الحصول على السعادة.

تطرح الرواية مشكلة المرأة / المجاهدة التي صعدت إلى الجبال ولكنها تكتشف صعوبة الحياة بعد الاستقلال. فشخصية عرفية المجاهدة التي تلتقي برضوان المجاهد أيضا في رواية أحداث تدور حول الذكريات والأحلام، وأثناء رواية هذه الأحداث تتدخل شخصيات أخرى كسليم الذي كان موته نتيجة البرد، وشخصية باسل الذي استشهد أيضا أثناء الثورة بحضور المجاهدة عرفية . ويستحضر رضوان ذكريات طفولته وموت والده وحبه لكريمة ومغامراته البطولية.

ويلتقي رضوان و عرفية بالرجل القزم الذي يقودهما لحضور عرض عرائسي ويروي لهما أنه دعي إلى حفل ساهر بالقصر ولم يفتح له الباب فتنكر في زي جميل وفخم ليتمكن من الدخول. وأثناء لقائها بهذا القزم تضربه بقوة في لحظة غضب وهي تصرخ: "الشعب آه الشعب. انه يصلح فقط لأن يموت في الجبال ويشد الحزام. لكن أن يستفيد من الحياة. لا يصلح أبدا . لنستطيع العيش. هل تفهمون؟ القضية بسيطة: السعادة"(3). وأثناء ذلك تقتله فيحكم عليها بالسجن ثم تتهم بالجنون وتقاد إلى مستشفى المجانين.

إله في الهمجية (Dieu en barbarie)

عن نفس الدار أيضا صدرت هذه الرواية عام 1970. وقد أشار كاتبها إلى أنها الجزء الأول من ثلاثية جديدة تناول الجزائر بعد الاستقلال. تقوم الرواية على شخصيات خمس هي برشيق الطبيب المشتاق لرؤية تطور في أذهان الناس، و كمال المحب للنظام والساعي إلى تطبيقه والمتعاون الفرنسي جون ماري ايمار الذي يرى للجزائر مستقبلا زاهرا، و سي عز الله المرتبط بالماضي ارتباطا وثيقا، و حكيم الذي يعتبر شخصية هامة في العمل. تجسد هذه الشخصيات واقع الجزائر بمختلف فئاته بعد الاستقلال. يقول الطبيب برشيق: "ليس للجزائر الاختيار لأن تكون أو لا تكون تحت حماية القوى العظمى، إنها ملزمة بأن تطلب المساعدة فيما لا تستطيع صنعه"(4).

فهو يؤمن بالتعاون مع الأجنبي. أما كمال، نائب الوالي، فيواجه بربرية الفلاحين ويريد إدخال الطرق الحضارية. أما حكيم الذي سمى نفسه شحاذ الإله فيرى أن الدين الإسلامي يمكنه من الحصول على ثروة، والمقصود هو الدين الإسلامي الذي يعتمد على القداسة وليس السياسة وهو القادر على إخراج الفلاحين من همجيتهم.
إن حكيم يسعى إلى جعل الإنسان يواجه الواقع ليجد مخرجا لنفسه من هذه الوحشية. وهذه الرواية تمثل رؤية الكاتب تجاه التعاون الجزائري / الأجنبي ليؤكد العلاقة بين الطرفين في ليونة.

سيد القنص (Le maitre de chasse)

صدرت الرواية عام 1978 عن دار لوساي وهي الجزء الثاني من الثلاثية الثانية. وفي هذه الرواية نجد شخصيات الرواية السابقة وقد تطورت، فيزداد كمال كبرياءا وتجبرا ويزداد حكيم اهتماما بالفلاحين ومساعدتهم.

تطرح هذه الرواية إشكالية مجتمع واحد تتصارع فيه قوتان، وتختلف القوتان كليا من حيث طرح مشاريعها الإصلاحية. فواقع الفلاحين لا يخدمه النظام القائم على البيروقراطية وإصدار القرارات. ويتحدث كمال عن حكيم الذي كانت ضحية هذا الصراع فيقول: " لقد قتل نفسه وهو ذاهب لمواجهة الحقيقة. لقد انكسر لأنه لا يوجد هنا مكان لحقيقتين، ولا في أي مكان آخر"(5).

وهكذا تتصدى السلطة للنظام الذي يتزعمه حكيم والذي يخدم الفلاحين ومشاكلهم، ويموت حكيم ولم تتمكن السلطة من الحصول على جثته. لقد قام الفلاحون بإخفاء جثته واعتبروه شهيدا وراحوا يتضرعون إليه بعد أن بنوا له قبة وتحول إلى ولي يحميهم. إن رواية سيد القنص تطرح مصير الجزائر بعد الاستقلال.



لقد طرح محمد ديب في هذه الروايات رؤيته لأوضاع الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية وبعد الاستقلال. وهذه الأعمال تؤكد ارتباط الكاتب بما يجري ببلده ومواصلة مسيرته الأدبية. وبهذا فإن محمد ديب يعتبر من الروائيين الجزائريين الذين كتبوا هذا الكم من الروايات والتي شكلت رؤية واحدة.

ورغم اللغة الفرنسية التي كتب بها فإن ذلك لم يمنع من طرحها للواقع الجزائري ومحاولة ولوج أعماق الشخصية الجزائرية.
وهكذا فإن الروائي محمد ديب ومن خلال هذه الأعمال التي نقلته إلى العالمية سيظل ممثلا للرواية الواقعية الجزائرية ، وستظل رواياته أيضا شاهدا على مرحلة هامة من تاريخ الجزائر.












ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الثانية والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا












 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
-32-العلامة الجزائري الامام أبو عبد الله المقري التلمساني










موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الثانية والثلاثون


العلامة الجزائري الامام أبو عبد الله المقري التلمساني



محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، القرشي المقري التلمساني، أبو عبد الله: باحث أديب، قاض، من أكابر المذهب المالكي في وقته، وشيخ لسان الدين ابن الخطيب وعبد الرحمن بن خلدون.

ولد ونشأ بتلمسان، وتعلم بها وبتونس والمغرب ورحل إلى المشرق، وحج، فأخذ عن علماء مصر ومكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس وعاد إلى بلده، ثم دخل المغرب وعبر إلى الأندلس، وانتهت به الرحلة إلى غرناطة وعاد، فانقطع للإقراء وخدمة العلم.

ولمّا وليَّ أبو عنان المريني سنة 749هـ، استتب أمره بعد وفاة أبيه (سنة 752هـ) ولاّه قضاء الجماعة في فاس (( فاستقل بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحق، وألان الكلمة، وآثر التسديد، وحمَل الكَلّ، وخفض الجناح، فحسنت عنه القالة، وأحبته الخاصة والعامة)) وبنى له أبو عنان (( المدرسة المتوكلية)) الشهيرة بالطالعة الكبرى.

ثم اعتزل القضاء، ورحل إلى الأندلس في مهمة كُلّف بها (جمادي الثانية 756هـ) ولما أنهى مهمته (( أراد التخلي إلى ربه)) فوشي به إلى أبو عنان، فنقم عليه، وسعى العلماء إليه، فزالت نقمته وعفا عنه، فعاد إلى فاس، فتوفي في السنة نفسها، ثم نقلت رفاته - بعد سنة- إلى تلمسان مقر أسلافة...

ولإبن مرزوق الحفيد كتاب في سيرته سماه (( النور البدري في التعريف بالمقري))، وللونشريسي كتاب في سيرته أيضا.


من آثاره ((القواعد)) اشتمل على 1200 قاعدة، قال الونشريسي في حقه (( إنه كتاب غزير العلم، كثير الفوائد، لم يسبق إلى مثله، بيد أنه يفتقر على عالم فتاح)) و(( الطرف والتحف)) و((عمل من طب لمن حب)) و(( المحاضرات)) و(( شرح لغة قصائد المغربي الخطيب)) و((إقامة المريد)) و((رحلة المتبتل)) و(( الحقائق والرقائق)) و(( شرح التسهيل)) و((النظائر)) و(( المحرك لدعاوى الشر من أبي عنان)) و(( اختصار المحصل)) لم يكمله، و(( شرح جمل الخونجي)) لم يكمله أيضا وله نظم جيّد أورد ابن الخطيب نماذج منه في كتاب الإحاطة.

مصدرالترجمة:

معجم أعلام الجزائر لعادل نويهض / الطبعة الثانية - 1980م/ ص:(312-313).















ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الثالثة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا












 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
-33- العلامة ابراهيم بن محمد الساسي العوامر السوفي







موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الثالثة والثلاثون



العلامة ابراهيم بن محمد الساسي العوامر السوفي








نسبه و مولده و نشأته :

هو إبراهيم بن محمد الساسي بن عامر الملقب بالعوامر ، من مواليد وادي سوف سنة 1881م ، و هي السنة التي احتلت فيها تونس ، و كانت الجزائر يومئذ تحت حكم الحاكم لويس تيرمان Louis Termain الذي زار وادي سوف ، و كانت رئاسة المكتب العربي في المدينة للضابط كوفييه .

و أما نسبه فقد ذكره هو بنفسه في كتابه '' الصروف في تاريخ الصحراء و سوف '' في القسم الثاني الخاص بأنساب وادي سوف الذي قسمهم الى قبائل و فصائل و عمائر و بطون و أفخاذ . و من بين تلك القبائل قبيلة الشبابطة العربية التي قسمها الى اثني عشرة عميرة ، و تسمى الثانية منها أولاد بوجديد و تنقسم الى ست فصائل، اثنتان اصليتان ، و اربع ملحقات ، و تعرف الرابعة منها بالعوامر و هي التي ينتمي اليها صاحب الترجمة ، و العوامر حسب رأيه هم أصحاب سيدي عامر بن صالح بن محمد بن أحمد ....بن إدريس الأكبر مؤسس الدولة الادريسية ، و ينحصر نسل بني عامر الواديين في احد أبنائه و هو محمد بن عامر الذي قدم من ناحية سوسة التونسية و تناسلت منه ذرية كثيرة مات بعضها من غير عقب ، و البعض عقب و هم أولاد عامر و إبراهيم و احمد و علي ، و الثاني هو جد إبراهيم العوامر ، و قد أنظمت فصيلة العوامر إلى أولاد بوجديد بالمصاهرة.

لقد نشأ العوامر في مدينة وادي سوف حيث قرا و درس على شيوخها و منهم عبد الرحمن العمودي و محمد العربي بن موسى ، و في شبابه كان الفرنسيون قد سمحوا بالدروس المسجدية ، ثم رحل الى تونس و دخل الى الزيتونة لاستكمال دراسته ، و هناك درس على الشيخين المتنورين وكلاهما كان من شيوخ ابن باديس أيضا ، يتعلق الأمر بالشيخ محمد النخلي و محمد الخضر حسين ، و كان الأول نقادا خبيرا، و أستاذا كبيرا ، ميالا لتحقيق المباحث ، نابغة و شعلة في الذكاء و المحاضرة ، ذا همة عصامية و نفس أبية ، تصدر للتدريس و تخرج عليه الكثير من الفحول و قضى جل عمره قراءة و اقراءا و ختم الكتب العالية في فنون شتى فشاع ذكره و ارتفع قدره ، توفي سنة 1342 هـ.

بعد أن أتم العوامر دراسته بتونس خرج إلى دنيا العمل حيث توظف في القضاء بمحكمة الوادي التي كان يشرف عليها المكتب العربي العسكري ، و قد طال عهده في القضاء ، و لم يمارسه في سوف فقط ، بل عين في أولاد جلال أيضا و في توقرت أيضا، و كان عمله في المحكمة نضالا و جهادا ، اذ البس المحكمة لباسها الحقيقي ، فنظم الأحكام و طبقها حسب الفقه الاسلامي المالكي كما يقول أحد تلامذته ، و في حادثة الأرامل اللواتي قتل أزواجهن و أغير على ابلهن في حدود صحراء طرابلس ( ليبيا )، و تآمر الحكام الفرنسيين على الاستئثار بجزء كبير من الدية المالية التي أرسلتها الحكومة الايطالية لهؤلاء الأرامل ، وقف الشيخ القاضي في وجه المتآمرين و كشف ألاعيبهم ، بكل صرامة ، حيث أعاد لهن حقوقهن مما يدل على نصرته للحق و العدالة و دفاعه عن مصالح الضعفاء و عدم مبالاته بالحكام الفرنسيين عندما تمس المصالح الدينية للأمة.

و لم تشغل وظيفة القضاء و مشاكلها و تبعاتها الشيخ العوامر عن التدريس متطوعا في مساجد الوادي حيث كان يدرس العلوم الدينية و اللغوية ، و كان يلقي درسا صباحيا لطلبة العلم ، و بعد صلاة المغرب يلقي درسا في مختصر خليل يحضره الطلبة و غيرهم ثلاث ليالي في الاسبوع ، و يلقي أيضا درسا في التفسير ، و لم تتعطل الدروس سوى ليلة الجمعة و صباحها حسب احد تلامذته و هو حمزة بوكوشة ، وقد قرأ عليه مقدمة ابن آجروم في النحو ، و مختصر خليل في الفقه المالكي ، و كان يذكر بعد قراءة المتن أقوال الشيوخ و يقارن بينها و يوجهها ثم يرجح بينها و ينقد بعضها ، و قد يخالف صاحب المتن أحيانا ، و يخرج عن المذهب المالكي إلى غيره ، و كان سهل العبارة في درسه ، و يفهمه الجميع على مختلف مستوياتهم و درجاتهم ، كثير الاطلاع ، جماعة للكتب مغرما بها.

و مثل الكثير من علماء عصره ، ارتبط العوامر بالطرق الصوفية التي كانت متنفذة في وادي سوف و اهتم بها و انظم إليها و هي التيجانية القادرية الرحمانية ، و كانت التيجانية هي طريقة والده محمد الساسي ، و القادرية هي طريقة والدته.

آثاره رضي الله عنه :

و الى جانب العمل في سلك القضاء والتدريس و الفتوى و الاهتمام بالطرق الصوفية و خدمتها ، شارك العوامر في النشاط الثقافي بتأليفه في العروض و المواريث و التاريخ و التصوف ، و فيما يلي قائمة الكتب و الرسائل التي وضعها :

1 – '' الصروف في تاريخ الصحراء و سوف '' و هو من كتب التاريخ المحلي الخاصة بالجنوب الجزائري ، و قد ألفه سنة 1331 هـ / 1931 م ، بطلب من أحد الفرنسيين الذي لم يذكر اسمه و عبر عنه بولاة الامور ، و ينقسم الكتاب الذي هو عبارة عن مسائل و حوادث متفرقة و ليس تاريخا مترابطا الى قسمين متميزين ، الاول في المسائل النبذ التاريخية ، و الثاني في الأنساب و هو اقل حجما ، و من موضوعات القسم الاول مسائل عامة في الجغرافية و صفة المنطقة و نباتها و عمرانها ، و الشعوب القديمة السابقة للفتح الإسلامي ثم الفتح نفسه ، و الهجرة الهلالية خصوصا قبيلة طرود و عدوان و ما جرى في عهدهم من وقائع ، و كذلك مسائل و احداث جرت في القرن التاسع عشر بما فيه العلاقات مع الفرنسيين.

أما قسم الأنساب فان كل قبائل سوف عربية حسب العوامر ، و قد ذكر القبائل بالتفصيل في مناطق الوادي و هي كوينين و قمار و تاغزوت و الدبيلة و سيدي عون و الزقم و البهيمة و غيرها ، و من مصادره ابن خلدون و ابن أبي دينار ، و الزركشي و العدواني ، و مخدرة الشيخ العروسي ، كما اعتمد على الرواية الشفوية و أقوال العلماء ، قام بنشر الكتاب ابنه الجيلالي و طبع بالدار التونسية للنشر سنة 1977م .

2 – البحر الطافح في بعض فضائل شيخ الطريق سيدي محمد الصالح ، و هي رسالة ألفها العوامر في هذا الشيخ إعجابا به و بطريقته الرحمانية في وادي سوف ، و كذلك وفاءا لوصية جده الذي أوصاهم بخدمة أولاد شيخه حسبما ورد في الرسالة.

3 – منظومة العوامر في العقائد ، و هي رجز قصير نظمه سنة 1322 هـ

4 – مواهب الكافي على التبر الصافي '' و هو شرح للكتاب الذي وضعه الشيخ المولود بن الموهوب مفتى قسنطينة بعنوان : '' التبر الصافي في نظم الكتاب المسمى بالكافي في الشعر و القوافي '' ، أي ان ابن الموهوب قد نظم كتاب الكافي في العروض و القوافي ، و قد طبع شرح العوامر هذا بتونس سنة 1323هـ .

و يبدو من خلال الوثائق و تلامذة ابن العوامر انه قد ربط علاقة وطيدة بالشيخ ابن الموهوب ، و مال اليه و أعجب بأفكاره فتخلى عن الكثير من معتقداته الصوفية ، و قام بالإضافة إلى النظم المذكور بتشطير القصيدة المعروفة لابن الموهوب المعروفة بالمنصفة و سماه '' مطالع السعود في تشطير أدبية الشيخ المولود '' و نشر التشطير في جريدة الفاروق العدد 56 السنة الثالثة 1914 م ، و هذه القصيدة في ذم البدع و الطرق الصوفية التي تدعو الى الشعوذة و التخاذل ، و هي صيحة إصلاح اجتماعي و أخلاقي في ذلك العصر ، و قد قام بشرحها أيضا شيخ ابن الموهوب الشيخ عبد القادر المجاوي و سمي شرحه : '' اللمع في نظم البدع ''.

5 – المسائل العامرية على مختصر الرحبية '' و الرحبية نسبة الى محمد بن علي الرحبي و هو عالم فقيه ، و هي من المتون الأساسية التي كان يحفظها التلاميذ في علم الفرائض ، و قد شرحها العوامر و تناول فيها آيات الميراث ، و عدد أسباب الميراث ، و باب الوارثين من الذكور و الوارثات من الإناث و غير ذلك ، و الكتاب مطبوع بتونس سنة 1325 هـ و عليه تقريظ لأحد تلامذة اسمه الهاشمي بن الحاج أحمد.

6 – '' النفحات الربانية على القصيدة المدنية ''

7 – '' النونية على الآجرومية '' و هو نظم وضعه على الآجرومية في النحو.

وفاته رضي الله عنه:

و على العموم فقد اثرى العوامر المكتبة الإسلامية و العربية بمؤلفات علمية لها قيمتها منها ما طيع و منها ما يزال مخطوطا ، و قد أصيب في اواخر حياته بمرض اعقده في الفراش حتى وفاته سنة 1934 م بمدينة تقرت .( ص 22 حتى 28 )

ومن أروع مؤلفاته هذه القصيدة المباركة المسماة بـ "المبشر" وهي تقريبا على وزن المنفرجة لحجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه


يا من يبشِّرُ بعد اليأس بالفرجِ *** عجِّلْ بطرد جميع الضّيق والحرجِ
يا نجلَ غوثِ الورى السَّامي برتبتهِ *** المولديِّ السَّريِّ واضح النَّهَج
يا صاحبَ الوقت يا «بُوبَكرِ» يا سندي *** أرجو انتعاشًا بكم يا ساطعَ الأَرَج
إنِّي بُليتُ بقومٍ لا خلاقَ لهمُ *** يسعَونَ خلفي بإدخالي إلى اللُّجَج
تعصَّبـوا واستعــانوا بالذي لهمُ *** ولفَّقُوا زورهمْ من باطل الحُجج
وقصدُهم أن أُرى بالأرض منطرحًا *** يدوسني ذو الخنا منهم وذو الرهج
ونترك الملكَ معْ إخوان مَجمعنا *** ويذهب الجمعُ أشتاتًا من الدرج
ولا يُرى ذاكرٌ لسرِّ طلعتكم *** و يصبح القومُ بعد الحزم في الهَرَج
ويذهب الذكرُ أدراجَ الرّياح كما *** قد يَدْلَهِمُّ الفضا من بعد ذا البَلَج
ويضمحلُّ الرجا من صدق وعدِكمُ *** ووعد والدكم في مجمع السُّرُج
لكنني لا أرى هذا يكون لنا *** لأنَّ شيخي يزيح الوغْدَ بالبهَج
يا صاحبَ الفضل يا «بُوبَكْر» يا أملي *** قل لي: عليك برفع الصّوت بالهرج
واضربْ بأرضك لا تخشَ العدا أبدًا *** واقطعْ بصارمك الماضي شَوى السلج
واظهرْ وفاخرْ بآباءٍ ذوي هممٍ *** لا يرتضون مسيرَ النَّجْل في الدُّلَج




المصادر و المراجع :

- أعلام الجزائر منشورات وزارة المجاهدين 2007 م. .(ص 22 - 28 )
- ابراهيم العوامر '' الصروف في تاريخ الصحراء و سوف '' تونس ، الدار التونسية للنشر ، 1977.

- تعريف الخلف برجال السلف ، الحفناوي ج2.
- جريدة صدى الصحراء العدد 13 و 29 ، مارس 1926 م .

- ابو القاسم سعد الله ، تاريخ الجزائري الثقافي ج4.

- اعلام الجزائر ,عادل نويهض ، بيروت . ط 1980م.










ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الرابعة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا
















 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
-34- الأديب الأريب الشهيد مولود فرعون صوت الأنين و الألم و الأمل








موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الرابعة والثلاثون


الأديب الأريب
الشهيد مولود فرعون
صوت الأنين و الألم و الأمل



مولود فرعون ... شخصية متميزة
من أقواله: ( أكتب بالفرنسية, وأتكلم بالفرنسية, لأقول للفرنسيين, أني لست فرنسياً )


ولد الكاتب الجزائري المبدع مولود فرعون في 8 مارس 1913 في قرية تيزي هيبل بولاية تيزي وزو ب[الجزائر] من عائلة فقيرة اضطر فقرها أباه إلى الهجرة مرات عديدة بحثاً عن العمل, لكن هذا الفقر لم يصرف الطفل و لا أسرته عن تعليمه, فالتحق بالمدرسة الابتدائية في قرية تاوريرت موسى المجاورة, فكان يقطع مسافة طويلة يومياً بين منزله مدرسته سعياً على قدميه في ظروف صعبة, فتحدى '"مولود فرعون'" ظروفه القاسية و المصاعب المختلفة بمثابرته واجتهاده و صراعه مع واقعه القاتم الرازح تحت نير الاستعمار الفرنسي , و بهذا الصراع استطاع التغلب على كل المثبطات و الحواجز مما أهله للظفر بمنحة دراسية للثانوي بمدينة بتيزي وزو أولا ً وفي مدرسة المعلمين بمدينة بوزريعة بالجزائر العاصمة بعد ذلك, ورغم وضعه البائس تمكن من التخرج من مدرسة المعلمين’ و اندفع للعمل بعد تخرجه, فاشتغل بالتعليم حيث عاد إلى قريته تيزي هيبل التي عين فيها مدرساً سنة 1935 ميلادي في الوقت الذي بدأ يتسع فيه عالمه الفكري و أخذت القضايا الوطنية تشغل اهتمامه.

وكما أعطى من علمه لأطفال قريته أعطى مثيلا له في القرية التي احتضنته تلميذا ًقرب قرب مسقط رأسه بأقل من ثلاثة كيلومترات, وهي قرية تاوريرت موسى التي التحق بها معلما سنة 1946 في المدرسة نفسها التي استقبلته تلميذاً, و عين بعد ذلك سنة 1952 ميلادي في إطار العمل الإداري التربوي بمدينة الأربعاء ناث ايراثن أما في سنة 1957 ميلادي فقد التحق بالجزائر العاصمة مديراً لمدرسة (نادور) ( في المدنية حالياً) كما عين في 1960 ميلادية مفتشاً لمراكز اجتماعية كان قد أسسها أحد الفرنسيين في 1955 ميلادية وهي الوظيفة الأخيرة التي اشتغل فيها قبل أن يسقط برصاص الغدر والحقد الاستعماري في 15 مارس 1962 ميلادي, حيث كان في مقر عمله, مهموماً بقضاياً العمل و بواقع وطنه خاصة في المدن الكبرى في تلك الفترة الانتقالية حين أصبحت عصابة منظمة الجيش السري الفرنسية المعروفة ب(أويس) تمارس جرائم الاختطاف و القتل ليلا و نهاراً, حيث اقتحمت مجموعة منها على "'مولود فرعون"' و بعض زملائه في مقر عملهم, فيسقط برصاص العصابة و يكون واحداً من ضحاياها يوم 1962.03.15 الذين يعدون بمئات الآلاف, فتفقد الجزائر بذلك مناضلاً بفكره و قلمه.


مؤلفاته
لقد اختلفت أعمال "'مولود فرعون"' بين الرواية و التأليف

* كتابين:

- أحدهما بعنوان ( أيام قبائلية) ويتكلم فيه عن عادات وتقاليد المنطقة,
- والآخر بعنوان (أشعار سي محند)

*أربع روايات:
- (ابن الفقير) كتبها في شهر أفريل سنة1939م

- (الذكرى)
- (الدروب الوعرة)
-(الأرض و الدم) و كلها تتكلم عن المعاناة الجزائرية تحت ظلام الاستعمار, و المحاولات العديدة لطمس هويته من تجهيل و نشر للمسيحية ومحاربة الاسلام و اللغة.

* مجموعة رسائل و مقالات ذات الطابع الشخصي
http://l.********/qn/majdah_images/smilies/032.gifمن أقواله : " أكتب بالفرنسية, وأتكلم بالفرنسية, لأقول للفرنسيين, أني لست فرنسياً " http://l.********/qn/majdah_images/smilies/032.gif

http://l.********/qn/majdah_images/smilies/032.gifhttp://l.********/qn/majdah_images/smilies/032.gif http://l.********/qn/majdah_images/smilies/032.gifhttp://l.********/qn/majdah_images/smilies/032.gif

مولود فرعون الحقيقة التي تؤذي الكاذبين وتمزق قلوب الخانعين وتقتل النفوس المريضة وتبذر الحقد والجنون .
بقلم : رياض حاوي

في 15 مارس 1962 أياما قلائل قبل إعلان وقف إطلاق النار بين الجزائر وفرنسا أقدم مجموعة من الإرهابيين من عصابة الاواس الإجرامية (OAS) على اغتيال الاديب الكبير مولود فرعون صاحب الروائع الأدبية التي أرخت لمرحلة هامة من تاريخ معاناة الشعب الجزائري في ظل الهيمنة الاستعمارية الفرنسية.

تمت عملية الاغتيال في وضح النهار وسقط إلى جانبه خمسة شهداء من العاملين في قطاع التعليم بعد أن تم اقتيادهم جميعا من غرفة الاجتماعات وأمرهم بوضع أيديهم اتجاه الحائط وبعدها انطلقت آلة الموت تحصد الأرواح البريئة.



قبل ذلك بسنوات كتب مولود فرعون وهو يصف قيمة الإنسان المسلم في نظر الهمجية الإستعمارية:" فكم تساوي حياة المسلم ؟ إنها في هذه الحالة لا تساوي أكثر من طلقة مدفع رشاش بل ربما تساوي أقل من ذلك"(1).

نعم لم تكن قيمة الإنسان الذي يطلب الحرية في نظر المغتصبين اكثر من طلقة رشاش ورصاصة غادرة تستجلب الغربان والنواح. لكن ذلك كله لن يثني التاريخ عن السير في مجراه الطبيعي عندما تستفيق الضمائر وتصحو وتتحرك العزائم و تبادر من جديد ألم يكتب مولود فرعون:" لماذا ينكرون على هذا الشعب أن يكون كما يريد، نعم كما يريد، هذا الشعب لن يتغير.. إننا نشعر… باستعادة هذا الشعب لروح أجداده البدائية الخام ".

وهؤلاء الذين سقطوا من أجل أن تحيا الجزائر حرة مستقلة لهم المجد والذكر الحسن لأنهم ضحوا بأنفسهم لتعبيد الطريق كما كتب مولود فرعون قائلا " لكي يستطيع الآخرون رفع هاماتهم من أجل خلاصهم إزاء الإنسانية المخجلة المتآمرة ".




لقد كان الأديب مولود فرعون أحد الأركان الأساسية المؤسسة لفن الرواية الجزائرية المعاصرة مع كتاب آخرين منهم الراحل الكاتب الكبير محمد ديب و الكاتب الكبير عبد الحميد بن هدوقة و الأديب الشهيد رضا حوحو و الكاتب الكبير مالك حداد.

ولد مولود فرعون في 8/3/1913 بقرية تيزي هيبل بولاية تيزي وزو، وتخرج من دار المعلمين الابتدائية بمدينة بوزريعة سنة 1935م، ومارس التعليم لفترة طويلة في مناطق القبائل أي بلاد الأمازيغ وقام بإدارة بعض المدارس (1957م)، كما أصبح مفتش المراكز الاجتماعية بالأبيار (1960م).


له عدة روايات كتبها بالفرنسية منها رائعته الذائعة الصيت رواية إبن الفقير التي بدا كتابتها أثناء الحرب العالمية الثانية (1939م) وكذلك رواية الأرض والدم (رواية 1953م)، رواية اليوميات، رواية الأيام في بلاد القبائل (1954م)، رواية الدروب الوعرة (1957م)، قصائد الشاعر سي محند (1960م)، رواية عيد الميلاد (نشر بعد وفاته 1972م)، وقد ترجمت أعماله إلى عدة لغات منها العربية والألمانية والإنجليزية والروسية.



كتب مولود فرعون يصف قيمة الإنسان المسلم في نظر الهمجية الاستعمارية يقول: "كم تساوي حياة المسلم؟ إنها في هذه الحالة لا تساوي أكثر من طلقة مدفع رشاش بل ربما تساوي أقل من ذلك".

إن الأديب مولود فرعون يمثل قمة العطاء لأدباء ما قبل الاستقلال في الجزائر و الوطن العربي و العالم وقد سمحت له مهنة التعليم الاختلاط بعمق المجتمع ومعايشة هموم الناس والفقراء وأصبح يعتبر نفسه ناطقا باسم هؤلاء الصامتين المقموعين.

كان الأديب الكبير مولود فرعون يمتلك روحا شفافة سرت في أدبه وروائعه التي خلفها وقد اشتهر برائعته "ابن الفقير" (Le fils du pauvre) التي تنبض بأحاسيسها المستفيضة وخيالها المبدع وهو يصف حياة البسطاء في كفاحهم اليومي وتطلعاتهم المستقبلية رغم عالمهم الصغير الذي ازداد صغرا بتضييق الاستعمار الذي يطارد حتى الأحلام في النفوس البريئة.




لقد صرح مولود فرعون في لقاء مع إحدى الجرائد عام 1953 قائلا: "كتبت رواية ابن الفقير ابان الحرب على ضوء شمعة ووضعت فيها قطعة من ذاتي" ثم أردف:"أنا متعلق بشكل كبير بهذا الكتاب، أولا لأنني لم أكن آكل كل يوم رغم الجوع في حين كان الكتاب يولد من قلمي وثانيا لأنني بدأت أتعرف على قدراتي".


كانت الرواية تتجاوز السرد الذاتي لقصة الطفل الصغير مولود التي حولها على الصعيد الأدبي إلى قطعة تستوحي من المثال الخاص النموذج العام الذي يحياه أبناء الوطن وهم يكابدون مشاق يومهم لنيل لقمة العيش.


وليس ذلك غريبا فعندما سأله موريس مونوي ما هو موقفك من الشخصيات التي تكتب عنها قال بكل عفوية:"أضع نفسي بكل صدق مكان تلك الشخصيات، وحينئذ تبدأ هذه الشخصيات تحدثني عما يجب علي كتابته". ليس هناك مجال لتقمص شخصيات والكتابة عنها دون ان يكون جزء من تلك الشخصية رابض هناك بعيدا في أغوار النفس.




في روايته الشهيرة "ابن الفقير" يقدم لنا الأديب الكبير صورة كاملة عن المجتمع القبائلي الأمازيغي في الثلاثينات من القرن الماضي، وبذلك نكتشف المجتمع الجزائري العميق من خلال شخصيات عائلية يتوزع فيها العم والاخ والجدة والاخوات أدوارا إجتماعية ومواقف فكرية وتصورية عن الحياة والوجود العائلة والشرف وكل ما يرمز للقيمة الفطرية للإنسان العامر بالفضائل والخير.

حتى أن هؤلاء الفقراء لا أحد منهم يقول أنه فقير أو يستشعر الفقر في ذاته لأنه مملوء بكل ما ترمز له الشهامة والفخر والإحساس بالرضى حتى وإن كانت الاوضاع مزرية حقيقة ويدل كل ركن فيها على أنواع من الفقر المركب بعضه على بعض.


لقد كان الأديب مولود فرعون أحد الأركان الأساسية المؤسسة لفن الرواية الجزائرية المعاصرة مع كتاب آخرين منهم الراحل محمد ديب وعبد الحميد بن هدوقة ورضا حوحو ومالك حداد.. ومع انطلاق الثورة التحريرية الكبرى أصبح مولود فرعون موثق لأحداث هامة جدا سجلها بقلمه بالغ الوصف لما يحدث في وطنه، وسجل في يومياته كل ما كان يدور حوله طيلة سنوات بين 1955 وحتى وفاته في 1962.

وكان يعبر باستمرار عن المفارقة بين القوى الظالمة الاستعمارية والشعوب الباحثة عن "الدروب الوعرة" في التاريخ كي تفك قيد الذل المسلط عليها. كتب يصف الطبيعة الاستعمارية يقول:" إن مظاهر طبيعتهم نحونا ليست سوى مظاهر كراهيتهم لنا... لكن كراهيتهم هذه كانت ذكية لدرجة أننا لم نفهم لقد أخذناها على أنّها طيبة فأصبحوا هم الطيبين ونحن السيئين هم المتحضرون ونحن البرابرة هم المؤمنون ونحن الكفرة، هم السادة ونحن السفلة، هذا ما نجحوا في إدخاله في اعتقادنا".

ولذلك لا يتوانى المستعمر في استعمال أي وسيلة لفرض هيمنته " إذ كل الناس عندنا مشكوك في نواياهم، ومن أجل هذا لا بدّ أن يحنوا ظهورهم كي يتلقوا لسعات السياط الملهبة..." وعلق بكل سخرية موجها كلماته للرئيس الفرنسي آنذاك "ربّّما يكون في استطاعتنا أن نذكر جي. موليه بأن الجزائريين الذين لا يزالون جهلة لدرجة اتهامهم بالتعصب قد ظلوا يحتفظون بذكرى القيم...".

ان هناك عقدا يربطنا بشعبنا الأبي المكافح المناضل. ونحن لسانه الناطق. نلتفت إليه أولا لنتلمس بنياته وتكوينه الخاص، ثم نلتفت إلى العالم لنشهد على هذه الخصائص.


رحم الله الشهيد مولود فرعون وكل شهداء الجزائر الأبرار













ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة الخامسة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا
















 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
-35- الكاتب الكبير عبد الحميد بن هدوقة










موسوعة أعلام الجزائر

الحلقة الخامسة والثلاثون


الكاتب الكبير عبد الحميد بن هدوقة


عبد الحميد بن هدوقة

عبد الحميد بن هدوقة أديب جزائري ولد سنة 1925 و توفي سنة 1996 .

إسمه عبد الحميد بن هدوقة أديب جزائري من مواليد 09 جانفي 1925 بقرية المنصورة بولاية برج بوعريريج, بعد التعليم الابتدائي انتسب إلى معهد الكتانية بمدينة قسنطينة، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس ثم عاد على الجزائر ودرس بمعهد الكتانية بمدينة قسنطينة إلى جانب نضاله ضد المستعمر الفرنسي الذي كان له بالمرصاد مما دفعه إلى مغادرة التراب الوطني نحو فرنسا ليغادرها عام 1958م باتجاه تونس، ثم رجع إلى الوطن مع فجر الاستقلال.

تقلد عدة مناصب منها: مدير المؤسسة الوطنية للكتاب، رئيس المجلس الأعلى للثقافة، عضو المجلس الاستشاري الوطني ونائب رئيسه.

توفي في أكتوبر 1996م.

له مؤلفات شعرية ومسرحية وروائية عديدة منها: الجزائر بين الأمس واليوم (دراسة 1958م)، ظلال جزائرية (قصص 1960م)، الأشعة السبعة (شعر 1962م)، الأرواح الشاغرة (شعر 1967م)، ريح الجنوب (رواية 1971م)، الكاتب وقصص أخرى (قصص 1972م)، نهاية ألمس (رواية 1974م)، بان الصبح (رواية 1981م)، الجازية والدراويش (رواية 1983م)، غدا يوم جديد (رواية 1991م)، أمثال جزائرية (الجزائر 1990م)، من روائع الأدب العالمي (الجزائر 1983م).

اكسبته نشأته في الأوساط الريفية معرفة واسعة بنفسية الفلاحين و حياتهم . انتج روايات عديدة تناولتها الإذاعات العربية .


== ولد عبد الحميد في قرية المنصورة بولاية سطيف في الشرق الجزائري سنة 1925، وتعلم اللغة العربية على يد والده، اما الفرنسية فقد اخذ منها حظاً في التعليم الابتدائي في قريته، وبعدها واصل دراسته في المدرسة الكتانية في قسنطينة، وفي العام 1949 سافر إلى مرسيليا وحصل على شهادة الإخراج الإذاعي بالفرنسية، وشهادة تقنية في تحويل المواد البلاستيكية، ورجع إلى المدرسة الكتانية ودرّس بها لمدة سنة، ثم شد الرحال بعد ذلك إلى تونس حيث مكث اربع سنوات، ونال خلالها شهادة العالمية في الأدب من جامعة الزيتونة، وشهادة التمثيل العربي من معهد فنون الدراما في تونس.

السياسة والأدب
بدأ الكتابة في الخمسينيات، وصدر له أول عمل سنة 1952، وهو نص شعري بعنوان: «حامل الازهار» ثم دخل المعترك السياسي وأصبح عضواً في حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ثم اميناً عاماً بها، ورئيس جمعية الطلبة الجزائريين في تونس. قبض عليه في 18 كانون الاول - ديسمبر- 1952 في تونس بعد قيامه بمهمة صحافية وذلك بتغطية تظاهرات نسائية في احدى احوار تونس، وسجن في زغوان في تونس ثم فر من السجن مع مجموعة من رفاقه.

وفي سنة 1954 (سنة اندلاع ثورة التحرير الجزائرية) عاد إلى الجزائر. وعندما حصل الانقسام بين حركة انتصار الحريات الديمقراطية وجبهة التحرير الوطني، استقال من كل مناصبه وكرس جهده لتدريس الادب في المدرسة الكتانية، ونتيجة ملاحقته المستمرة، اتخذ بطاقة تعريف جديدة باسم عبد الحفيظ مصطفى، وجواز سفر وغادر ثانية إلى فرنسا العام 1955، ونتيجة الجهد والتعب الكثير دخل المستشفى وطلب منه الاطباء تغيير عمله، وربما كان هذا هو السبب الاساسي الذي جعله يهتم بالكتابة والإبداع أكثر من اي شيء آخر، كالتمثيل في السينما او المسرح.

كان عبد الحميد على اتصال دائم بالثورة والثوار وكتب عنهم في الصحف والمجلات التي كانت تصدر آنذاك في تونس، كما عمل فيما بعد في الإذاعة التونسية وكتب أكثر من مئتي تمثيلية كما عمل قبل ذلك في فرنسا كمخرج متربص في الاذاعة الفرنسية ( 1956- 1958) وكانت له برامج مختلفة، كالبرنامج الادبي «ألوان» وبرنامج «اختبر ذكاءك». وبعد استقلال الجزائر عمل مديراً للبرامج في هيئة الاذاعة والتلفزيون الجزائرية ثم مدير الإذاعتين العربية والقبائلية أي الأمازيغية.

تزوج فرنسية بعد ان دخلت الاسلام وانجب منها بنتاً. هذا الرجل الذي له قدم في الثقافة الفرنسية واقدام في الثقافة الجزائرية والعربية أكمل حياته مع جزائرية وانجب منها ثلاثة اولاد.

مؤسس الرواية
يجمع أغلب النقاد على انه كان من بين المؤسسين للرواية العربية في الجزائر وبهذا احتل مكانة مهمة بين روائيي الجزائر العرب، وكان الصدق في الكتابة بالنسبة إليه هو هدفه الأسمى ويقول عن كتاباته: «حاولت في ما كتبته على تواضعه، أن أعالج نقاط التأزم الرئيسية في الوضع الجزائري بصفة تدخل أكبر قدر من المستقبل في الحاضر، وتبتعد عن المضامين الجاهزة والاشكال النابعة من مراكز خارجية، اعتقاداً مني بأن الانطلاق من المعطيات التاريخية المحلية لكل قطر عربي، لو روعيت في اعمالنا الادبية لأرجعت لنا شيئاً من الكرامة، وجنبتنا كثيرا من مزالق الاستلاب، فالثقافة العربية التي عاش العالم على كرمها الروحي ما يقرب من الألف سنة لا تستحق هذا الواقع الذي وضعها فيه تخلفنا المادي والسياسي، ان هذه الاهتمامات هي التي جعلتني في كل أعمالي الادبية اعمل على معالجة الواقع المتأزم والجوانب المظلمة في حياتنا الاجتماعية مبتعداً بقدر الامكان عن الاغتباط بما حققناه من ايجابيات...».

المرأة في كتاباته
لم يكن يكتب ليرضى او ليستجيب لرغبات سياسية متفاوته في التفاؤل، بقدر ما كتب عن الاوضاع الجزائرية من اعمق الاعماق، فبالإضافة إلى كونه أحد المؤسسين للرواية العربية في الجزائر، نراه يعالج موضوع المرأة دون لف أو دوران، فكتب عنها وعن جسدها وآهاتها في روايته «ريح الجنوب» التي ادخل فيها المرأة كإنسان له دوره الكامل ودخلت كجسد. تقول الكاتبة الجزائرية احلام مستغانمي في ذلك: «هي أول عمل ابداعي ادخل فيه المرأة- لها جسد وشهوات انسانية، وانها عضو فاعل في المجتمع الجزائري» اما جان بول ايفري الناقد الفرنسي فيقول عن ابن هدوقة «انه جزائري حتى النخاع، لانه عكس هموم الطبقات والشرائح الاجتماعية وطموحاتها عبر اعماله الادبية، شعراً ورواية، ووضع المرأة في المقام الاول، ذلك انها أهم مدرسة. فالمرأة احتلت المكانة التي يجب ان تحتلها لا غير في أعمال بن هدوقة».

المرأة والارض والمستقبل، وكل قضايا الحياة هي مركز اهتمام بن هدوقة، ولكن بأي لغة؟ حيث لاحياة دون لغة، يقول عنه الناقد الفرنسي جلبير غراند غيوم: «اكد في اعماله على تعلم اللغة العربية بحذر وبطريقة جد حكيمة».

بين التعريب والتغريب

الاستعمار ورواسبه أرغم، في نظر ابن هدوقة، المواطن الجزائري على ان يعيد النظر في لغته بكل حيثياتها الثقافية والسياسية وهو يدرك ان معركة جديدة تفرض نفسها عليه. معركة تبتغي إبراز لغة عربية حديثة تلامس الحياة اليومية وتعرف ان تتحدث عن الغد، ولا تكون حاجزاً دون الآخر ولا أمامه، لهذا لا يرى بن هدوقة ان مشروع التعريب في الجزائر قد اخذ سبيله الثقافي الفعلي بل يعطيه طابعاً سلبياً ذلك انه في نظره لم يكن سوى تعريب سياسي، فليس من السهل ان يخرج المواطن من أدغال الاستعمار ومخلفاته ليدخل في معركة عربية دون الإلمام بكل جوانبها السياسية والثقافية، ويجب ان تكون لغة عربية حديثة، تأخذ بعين الاعتبار حياة اليوم والغد وأن لا تكون حاجزاً آخر او أمام الآخر مهماً كان.

أما التعريب فكان يرى انه تعريب سياسي أكثر منه ثقافي أريد له ان يكون دون مراعاة للمعطيات الثقافية الحقيقية ودون تهيئة الجو المناسب له فعلاً، ودون ان يكون قضية في أيدي أناس مدركين لمشكلته وقادرين على تهيئة الاجواء المناسبة للدخول في عملية التعريب «بتؤدة». وهكذا قد أسيء إلى العربية والكاتبين بها وخلق شرخاً واعطى سلاحاً لأعدائها لكي يصفوها بالتخلف وعدم استيعاب التقدم التكنولوجي والصناعي، وكانت آراء بن هدوقة في هذا الموضوع جلية، ولكنه لم يكن متعصباً مثل بعض اقرانه فهو «يعتبر لغة الكاتب هي وطنه»، الا أن الظروف التي تعرضت لها الجزائر غيّرت مجرى هذا المفهوم، والأدب عنده لا يتميز باللغة - في هذه الحالة - بل يتميز بالهموم التي يعالجها، «ولذلك فالجزائر بحاجة إلى كتابها باللغتين العربية والفرنسية، لأن هاتين اللغتين هما اللغتان اللتان صنعتا الأدب والثقافة الجزائريين. ففي أيام الاستعمار لم نكن نعتبر اللغة حاجزاً، والهدف كله كان التخلص من الاستعمار «فللكتابة قيم انسانية يحملها الأدب الذي هو عمل خاص وبناء لحياة الأمة».. ولابن هدوقة موقف واضح من المثقف الجزائري الذي كان دائماً يفكر من داخل السلطة الجزائرية، «وهي لم تكن تقيم اي وزن له لأنها ليست مثقفة، ولأنها لاتقرأ. والقاعدة القارئة لم تكن تشكل لها في جزائر السبعينيات (قضية التعريب)، اي وزن «فهم الحكام كان ولازال السلطة والمسؤولية، والسلطة كانت دائماً أجنبية عن الثقافة».

فالمثقفون، حسب بن هدوقة، لم يلموا شملهم، واتحاد الكتاب الجزائريين كان جزءاً من السلطة وكان يضم شلة صغيرة تخدم الحكم بشكل او بآخر، والسلطة الجزائرية خلقت مجموعات ثقافية غير متجانسة وليس من السهل انطلاقاً من هذا الواقع الأليم توحيد الكتاب الجزائريين، نظراً لهذه السلطة والتشتت الذي عاشوه وعايشوه.

اما اللغتان الموجودتان في البلد، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على الاستقلال، فيرى بأنهما «كانتا لغتي تناحر وتباعد، ولم تكونا لغتي تقارب وتبادل وتحاور». وهذه إحدى الإشكاليات العويصة التي زادت واقع الجزائر بؤساً وهمّاً «أنا اشجع اللغتين ولا اعني بذلك تفضيل الكاتب باللغة الفرنسية على الكاتب باللغة العربية، لكن ما اشجعه هو التبادل والتفاهم والتحاور العقلاني المنطلق من الواقع الجزائري ومن قراءة متأنية لتاريخه وحاضره ومستقبله».

المهم بالنسبة إلى عبد الحميد ان تخدم اللغة الجزائر وشعبه وأن تجعل منه بلد الصدارة الثقافية كما كان بلداً للتحرر حيث اعطى بذلك أمثلة كثيرة وبطريقة او بأخرى يريد بن هدوقة من المثقفين ان يكونوا وطنيين يخدمون مصلحة شعبهم لكنه يعرف بأن هذا النداء ما هو إلا أمنية، لأن الواقع الجزائري متشابك وذو سلطة امنية وهي التي تقف في وجه الثقافة، بل ربما يساعد بعضهم هذا الوضع لأنه لو لم يوجد لما وجدوا هم انفسهم على رأس بلد المليون ونصف المليون شهيد.

رجل حوار
كان عبد الحميد متتبعاً ومحللاً، له وجهات نظر حرة تؤمن في النقاش والإيمان والقيم الحضارية للشعوب وبخاصة ان الجزائر عرفت تجربة كبيرة وناضلت من اجل التحرير وجاءت بالاستقلال «تم حصولنا على هويتنا: جواز سفرنا، وطننا، لقد أصبحنا رجالاً ونساء، وفكرنا أننا سننسى بلدنا ونساعد الآخرين في تحرير بلدانهم- لكننا لم نفكر ان التخلف الثقافي سيفرض نفسه ويصبح عائقاً كبيراً».

بعد الاستقلال قبل بعضنا بالانقلاب السياسي، ومن هنا قبلنا أن نكون مسيّرين...؟!

اي ان الحلم الذي كان ينتظره الجزائريون تبدد ولم يدم طويلاً، وإذا بالأبوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية توجه الشعب الجزائري وتفكر مكانه(!) وبهذا يكون المواطن الجزائري قد ضيع حريته وأمله وربما حتى مستقبله، لأن الجزائر في نظر بن هدوقة أصبحت بلد الماضي، وليست بلد حلم «بلد الكوابيس وليست بلد الهدوء، انها بلد التمزيق...» وبما ان الكاتب هو قبل كل شيء: مواطن يعيش أوضاعه وأوضاع الآخرين، وما يميزه عن الآخرين هو انه «ملاحظ ومحلل ومتنبىء» وبالتالي يكتب ما يعايشه ويراه بشكل او بآخر حتى يعكس الواقع، وهكذا تطورت الاوضاع حتى «اصبح الجزائري يعايش ويتعايش مع الموت، واصبح اللانظام يطلق عنانه في المكان والمدينة وفي ارجاء الوطن، فاصبح الانسان يخاف من اخيه ومن صديقه ومن جاره واصبح الشيء الذي يخاف منه المثقف، وغيره، هو الموت أو انتظار الموت» انه موت قبل الأوان وقبل الوقت، لكن لماذا وصلت الجزائر إلى هذا اللانظام؟ يقول بن هدوقة: «ومن جاء بهذا الاسلام المحنط الذي قتل فكرياً وجسدياً الآخر لكونه لا يفكر مثله وليس من مدرسته الدينية» فأي دين هذا الذي يتكلم به القاتل؟ فهل امر الدين بالقتل؟ كلا، ان لهذا الواقع السياسي دوراً اساسياً لأنه هو الذي اوصلنا إلى هذه النتيجة، السياسي بكل أنواعه، المعارض والحاكم، فقبرك هذا الجحيم الذي تعيشه الجزائر، «ولسنا بشراً ان كنا غير احرار» وعلينا ان «ندافع عن حرية الانسان اين وجدنا، حتى في المنفى الذي لا يجب ان يتركنا ننسى اوضاع بلداننا» والمثقف يجب ان يكون نزيهاً في تحليله لهذا الواقع وأن «يتحلى بالأخلاق والصدق» وان لا يكون مجرّد مكبر صوت يعكس ما تمليه عليه السلطة خصوصاً في الظروف الراهنة.

الجميع مسؤولون
لا غلوّ في موقف بن هدوقة من الواقع في تحليله للإشكالية الجزائرية، فهو يلقي المسؤولية على كل الناس، وبالأخص على السلطة! وعلى المثقف والمعارضة.

لماذا وصلنا إلى هذا الدمار الثقافي والاجتماعي، ولِمَ وصلنا إلى هذه النتيجة السيئة؟ «لا يوجد اي شعب يستحق العذاب والنكبات، والجزائر لا تستحق هذا الجبروت الديني او اولئك الطغاة» انها لمأساة عايشها بن هدوقة وحللها بصدق، وكانت صيحاته من قلب انسان يتألم من وضعه الشخصي كإنسان حلم بغد افضل، وكمواطن أصيب بمرض عضال، اسكته عن الحياة يوم 12 تشرين اول- أكتوبر - 1996، واصيب بدنه بسرطان خبيث. كيف المخرج؟ وهل «هذا هو افق الصبا والشباب؟ لا، انه قدر محتم ومظلم ومملوء بالأحزان والاتعاب» يختلط العنف بالامل، لكن الواقع الاليم يفرض نفسه «والمجزرة مستمرة ولا أحد يعرف من يقتل الآخر؟ سوى ان المتهم اسلامي(!) جاء بدين محنط مستورد يفتي بالموت والتهديد..»

حضور التراث
استوحى بن هدوقة أموراً كثيرة من التراث وضمها بشكل حديث في اعماله الادبية وتصدى بكل شجاعة للظروف التي مرت بها الجزائر، واعماله الروائية سلسلة من الصيحات ضد العادات والتقاليد من أجل حداثة راقية لا تتجاهل الماضي الذي هو جزء من فكرنا وحياتنا، لكن لا يجب ان يكون هذا الماضي هو المطرقة التي نحكم بها مستقبلنا، كما لا يحق للكاتب ان يأتي بصور للجزائر من شوارع باريس او لندن، بل من الواقع الجزائري اليومي، ادان التطرف والتعصب والارهاب بكل انواعه، وسجل في عمله الروائي «غداً يوم جديد» شهادة تكلم فيها عن الثورة الأطفال «الذين ولدوا على الرغم من آبائهم، وليس بالإمكان ان يسكتوا إلى الابد على الأكواخ القصديرية التي بنتها لهم قصور الاستقلال» وهي رواية يخاطب فيها الذاكرة التي غيبت في الجزائر. والبطلة العجوزة مسعودة «ارادت ان تتكلم بعد صمت طويل وذلك منذ بداية انتفاضة الخامس من تشرين اول- اكتوبر- 1988، لتقوم بنقد ذاتي مقارنة أحداث ماضي البلد بمستقبلها المجهول السائر نحو الغموض وذلك بالحديث عن تجربتها الخاصة كجزائرية عايشت مسيرة البلاد.


يقول الروائي في حوار بين السارد والبطلة مايلي:


«لو سألتني من تحب؟

أقول لها: حلماً

أضاع أحلامه!

لو سألتني: ما الزمن؟

أقول لها: شريط فارغ، قبل قصتك؟

لو سألتني: كيف كانت اليقظة؟

أقول لها: مّرة!

لو سألتني: كيف كانت قصتي؟

اقول لها: الطريق الذي أوصلني من الدشرة (القرية) إلى المدينة صار أدغالاً

يعمرها قطاع الاحلام.

لو سألتني: أين تحيا؟

أقول لها: في المدينة والرأس مازال قروياً. والقرية اندثرت!

لوسألتني: وما جنت به عليك المدينة؟

أقول لها: اعتدت على شرف طفولتي كما اعتدت على شرف شبابك القروي!

أصبحت شيباً- واعذريني- أروقة لممارسة الفاحشة عن براءة وطهر روحي

واصبحت أنا سوقا سوداء

ابيع الكلمات...

من يشتري الكلمات! من يشتري الكلمات»
(ص 561-661 من الرواية)

آمال وخيبات
ان مسيرة عبد الحميد مليئة بالآمال والخيبات وهي تعكس مسيرة الجزائري الذي عايش الحلم والتغيير ثم رأى كل شيء يتبدد رويداً رويداً، وعبر عن ذلك في اعماله المتنوعه حتى قال عنها النقاد: «انها اجتماعية، وواقعية صافية، وفيها شيء من الرومانسية والوجودية، وانها لا تخلو من الشاعرية والرمزية وهناك من جعل الروائي واقعياً نقدياً يتسم بوضوح الرؤية تارة، وقصورها تارة أخرى».

صدرت لعبد الحميد بن هدوقة الأعمال الآتية:

1 - الجزائر بين الأمس واليوم، دراسة نشرت تحمل اسم وزارة الاخبار للحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1959.

2 - ظلال جزائرية (مجموعة قصص) نشرت في بيروت عن دار الحياة سنة 1960.

3 - الأشعة السبعة (مجموعة قصص) صدرت في تونس عن الشركة القومية للتوزيع والنشر سنة 1962.

4 - الأرواح الشاغرة (ديوان شعر) صدر في الجزائر عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1967.

5 - ريح الجنوب (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1971.

6 - الكاتب وقصص اخرى (مجموعة قصص) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1974.

7 - نهاية الأمس (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1975.

8 - بان الصبح (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1980.

9 - الجارية والدراوبيش (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1983.

10- قصص من الادب العالمي (مجموعة قصص ترجمها الكاتب واختارها من الادب العالمي، صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1983.

11 - النسر والعقاب (قصة للاطفال بالالوان) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1985.

12 - قصة في ايركوتسك (مسرحية سوفياتية مترجمة) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1986.

13 - دفاع عن الفدائيين (دراسة مترجمة عن عمل قام به المحامي قيرجيس) نشرت في بيروت سنة 1975، وسلمت هذه الدراسة إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

14 - غداً يوم جديد (رواية) صدرت في الجزائر سنة 1992 في بيروت عن دار الادب سنة 1997.

15 - أمثال جزائرية، صدر في الجزائر، عن الجمعية الجزائرية للطفولة سنة 1993. يخاطب فيها الجيل الجديد الذي يبحث عن تاريخه وهويته الثقافية الشعبية الحية والغنية في تراثه. «اود ان اعترف من خلال عملي هذا بالتقاطع والتشابك والتداخل الثقافي بين مختلف الجهات الجزائرية وبين الادب الشعبي والادب العربي».

شارك بن هدوقة في الندوات الثقافية والفكرية وهدفه كان التعريف بالادب الجزائري بكل اشكاله، كما ترجمت اعماله إلى لغات عدة مثل روايته «ريح الجنوب» ترجمت إلى الفرنسية، الالمانية، الهولندية، الاسبانية، البولونية، السلوفاكية، الروسية، الصينية، الصربية، والتشيكية، اما روايته «نهاية الأمس» فترجمت إلى الفرنسية والهولندية والصربية- كما ترجمت روايته «بان الصبح» إلى الفرنسية والالمانية والروسية والاسبانية... الخ.

وترك الكاتب مئتي تمثيلية ومسرحية اذاعية لم تنشر، كما ان له مجموعة من الدراسات الثقافية ومجموعة من القصص والقصائد الحرة الجديدة التي لم تنشر بعد.. وهل سينشر منها شيء ذات يوم!؟.

هكذا كتب عبد الحميد بن هدوقة في الشعر والقصة والرواية والدراسات الادبية وترجم اعمالاً مختلفة إلى اللغة العربية، وكل هذا الجهد مساهمات ذات دلالة كبرى تعبر عن اهتمامات الكاتب المتنوعة، ويجمع النقاد على ان الرواية «ريح الجنوب» «كانت بمثابة الميلاد الحقيقي لفن الرواية في الادب الجزائري المكتوب باللغة العربية، بعد محاولات سبقته كانت بدأت في نهاية الاربعينيات مع الشهيد أحمد رضا حوحو، وهو صاحب المكانة المرموقة في فن القصة القصيرة والمسرحية مع محاولة محتشمة في الرواية، وعلى الرغم من محاولات رضا حوحو وغيره الا ان الرواية بمقاييسها ومواصفاتها الحديثة لم تظهر الا مع صدور اعمال بن هدوقة والطاهر وطار في نهاية الستينيات» ولا أحد يستطيع ان يتكلم عن الرواية العربية الجزائرية ويتجاهل هذين الاسمين، والذاكرة الجماعية والهموم التي عايشتها كانت موضوعات الاعمال الادبية والروائية الجزائرية وكانت همومها الاستثنائية التي عالجتها، وانتقلت غنائيات هذه الاعمال إلى تمجيد الانسان الشعبي، بطل العصر الجديد، وكانت تريد تخليد البطولة الشعبية التي هي «تخليد لانسانية الانسان..»، ويظل بن هدوقة وجها من وجوه الرواية الجزائرية المميزة والذي دفع إلى الوجود كفن له مقوماتة وفنونة، وعالج من خلاله مأساة وآمال شعبه.















ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة السادسة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا



















 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة
-36- الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان









موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة السادسة والثلاثون

الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان



( 1888 – 1973م )





[FONT=MCS Jeddah E_U 3d.]( أبو اليقظان )

من أعلام الفكر القومي.. المغمورين


الجزء الأول

بين كوكبة من أعلام الفكر القومي (العربي الإسلامي) يحتل المفكر الجزائري الشاعر الصحفي (أبو اليقظان) مكانة معتبرة، لنضاله بالكلمة الشجاعة على الجبهة الإعلامية، مقارعا قوى البغي الاستعماري الفرنسي، بمقالاته وبشعره، في صحفه العربية المتلاحقة في صدورها وانتشارها، فلا تكاد تسقط واحدة شهيدة حتى تخلفها أخت لها حاملة الراية نفسها، بالعزم والإصرار الذي لا يلين أمام قمع القوات الاحتلالية، وهي تصادر هذه الصحيفة، وتمنع ثانية، وتخنق ثالثة، وتلاحق ناشرها ذا الصوت القومي والقلم العربي، والموقف النضالي، الذي لا يساوم ولا يهادن، فيثبت في الخندق حتى آخر ما في (الجعبة) من طاقة، وإمكانيات.
[/FONT]

ولد (إبراهيم أبو اليقظان بن الحاج عيسى) بمدينة (القرارة) في الجنوب الجزائري سنة (1888م) حيث تلقى مبادئه الأولى في التعليم، سافر بعدها إلى (تونس) حيث التحق بجامع (الزيتونة) سنة (1912م) فتولّى رئاسة البعثة الدراسية فيها حتى سنة (1925م) ممارسا الكتابة والنشاط الطالبي، وبعد التاريخ المذكور منذ حين عاد إلى (الجزائر) لممارسة العمل والنضال بقلمه ولسانه في الصحافة، فأصدر في هذا المضمار (ثماني جرائد) عربية، خلال ثلاث عشرة سنة (1926-1939م) أي منذ عودته حتى إعلان (الحرب العالمية الثانية) وتلك الجرائد هي: (وادي ميزاب)، (ميزاب)، (المغرب)، (النور)، (البستان)، (النبراس)، (الأمة)، (الفرقان) فكان كلما أوقف له الاستعمار واحدة أصدر هو أخرى، نضالاً وتحدياً، وقد توفّر على حسّ صحفي، ربّما بدأ يتكون لديه "منذ صباه، فقد آنس من نفسه ميلالا يقاوم لقراءة الجرائد والمجلات العربية.. ويتابع بنهم.. أخبار الوطن العربي، والتطورات السريعة التي كان يمرّ بها العالم آنئذ" وقد ترك مؤلفات مختلفة، في الفقه والتاريخ والأدب، من أهمها: ديوان شعري في جزأين اثنين.
وفي هذا الديوان نفسه تطل على القارئ هموم (الجزائر) والوطن العربي، والعالم الإسلامي عبر مختلف أقسام الديوان، هموم معاناة (الجزائر) الاحتلال أولاً، والمؤامرات ثانياً: مثل هموم العالم الإسلامي، كما يطل نضال (الجزائر) وجهادها في ثورة نوفمبر (1954م) وانتصارها في (1962م) فرأى في ذلك نصرا عربياً عاماً، في (المغرب) مثلما هو انتصار لإرادة الانتماء لحضارة عنوانها (العربية) وروحها (الإسلام) حين كانت ممارسة العقيدة تعاني العنف ويعاني تدريس العربية الملاحقة والتضييق من الاحتلال، كما عانت القيود عليها، دورانا على الألسنة، ومقالات وقصائد في كتب ودوريات، فكانت (لغة العرب) و(القرآن) أولى بتهنئة الشاعر (لأبي اليقظان) في اليوم الرابع من إعلان وقف القتال بين المجاهدين الجزائريين (أي جيش التحرير الوطني) و(الجيش الفرنسي المحتل) حين قال في الثالث والعشرين من شهر (مارس 1962م).



بشرى لمغربنا فقد دنت
بجهادنا، بقطوفها الأثمار
بشراك يا لغة العروبة لم يكن
من بعد هذا للقيود قرار
فلأنت صاحبة البلاد وإن هم
لحقتك منهم بيننا أضرار
فلينطلق ذلك المقيّد إذا بدا
فجر السلامة، وانتهت أكدار



وبهذا الحسّ الوطني الثوري نفسه طعّم (أبو اليقظان) قصيدته الإخوانية إلى : أمير شعراء المغرب العربي (محمد العيد آل خليفة) معلنا ارتباط الهمّ الوطني بالهمّ الشخصي لدى الأدباء الشرفاء الذين يعيشون أفراح أمتهم الكبرى والصغرى معاً وأتراحها، بوجدانهم، وبكل مشاعرهم، فأضاف في شهر (أفريل) من سنة (1962م) مخاطباً الشاعر (محمد العيد آل خليفة ):

صوت العروبة من ربى الصحراء
هيّا بنا يا عندليب لنسمعن
ولواءها، ورسالة الشعراء
وتعال نرفع للجزائر ذكرها


سجّل الشاعر هذه الإرادة والأشواق بروح الفتوة والشباب وهو الذي بات في الرابعة والسبعين من العمر، كله آمال لا تقف أمامها حدود في عزة (الجزائر) وتقدم الأمة العربية وازدهارها.
غير أن الواقع البشع في حياتنا يطحن الآمال، ويمزّق الأشواق ويدمي القلوب، فتسقط مهيضة، كسيرة نازفة.
هو الواقع الذي ما لبث أن لفّ الشاعر فيه صمت كئيب، وتجاهل مريب، وتعتيم حالك بغيض، فسقط مريضاً، مقعداً، حبيس بيته بمدينة (القرار) حيث لقي ربّه في (30 مارس 1973) بعد نضال فكري طويل، أسهم به في الحياة الأدبية، بنثره، وبشعره الذي لا يفارقه فيه وطنه، وقضايا مجتمعه، حتى وهو يتحدّث في أموره الشخصية، والإخوانية، فيذكر إبان الاحتلال معاناة وطنه، والآفات التي تفتك بمجتمعه: مادية ومعنوية، كما عكست ذلك مادة ديوانه، بموضوعاتها المختلفة.
لقد حمل ديوانه آماله، وهمومه الوطنية والقومية والشخصية، كما صور تجارية وعكس شخصيته بكلّ أبعادها، خصوصاً منها الجانب الإنساني، مثلما عكست مقالاته الصحفية شخصيته الإصلاحية، وجهوده المختلفة، في (الإعلام الوطني) الشعبي أثناء الاحتلال الفرنسي، كما عبّرت عن ميوله القومية والوطنية عناوين جرائده، ومن أهمّها دلالة على ذلك "النبراس" "الأمة" و"الفرقان".
فيقدر ما هي صحف وطنية عروبية بلغتها وفكرها، واتجاهها هي إسلامية بقضاياها، وحتى بعناوينها نفسها ذات التعبير الدقيق عن الهوى الإسلامي كجوهر لهواه العروبي.

من مؤلفاته :

- ديوان أبي اليقظان ج1 سنة 1931م

- وحي الوجدان في ديوان أبي اليقظان (مخطوط)

- سليمان الباروني باشا في أطوار حياته


- إرشاد الحائرين 1923م


- الجزائر بين عهدين الاستغلال و الاستقلال (مخطوط)

- تفسير القرآن الكريم ج1 (مخطوط)

- ملحق سير الشماخي (مخطوط)

- سلم الاستقامة (سلسلة فقهية مدرسية)

- فتح نوافذ القرآن 1973م


الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان ( 1888 – 1973م )

الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان شخصيّة إسلاميّة كبيرة، قدّمت للإسلام والمسلمين، عصارة فكر، وخلاصة تجربة، وسلافة جهد… عالج من خلال كلّ ذلك أوضاع المسلمين، وحلّل واقعهم، وقدّم لهم الحلول المناسبة؛ بحسب ما هداه إليه عقله، وأدّاه إليه عمله. نظم شعرا، وكتب نثرًا، نشر المقال وألّف الكتاب. ترأّس البعثة، وعلّم في المدرسة. نشط في النّادي، ورعى الحاضر والبادي، شارك في الجمعيّة، وانضمّ إلى الهيئة. اشترك في الوعظ، وانفرد بالتّوعية. تحرّك في أكثر من صعيد، ونشط مع القريب والبعيد، جاهد بالكلمة، وناضل بالحكمة… ترك للأمّة الإسلاميّة تراثا عظيما غنيّا ،وفكرا عميقا ثريّا.


عرض هذا الفكر وقراءته في هذا الوقت، وفي هذا الزّمن مناسبة مواتية لترشيد المسيرة للشّباب الذي يبغي معرفة طريقة التّحرّك والعمل الجادّ المنظّم، وفرصة سانحة لتقديم الرّؤى للصّحيحة لطبيعة النّشاط، الذي ينشده المتقدّم للنّهوض بأمّته، ومجال فسيح لمن يرغب في الخروج من دائرة التّيه والتّردّد في القيام بواجبه، وأداء رسالته في هذا الكون، ومع من ينتظرون منه الكثير في ميدان التّوجيه والتّربية…


إنّ قراءة فكر أبي اليقظان يأتي في الوقت الذي ذلّ فيه العرب والمسلمون، وخضعوا للابتزاز، وتعرّضوا للهيمنة الأجنبيّة، واستسلموا لإرادة القطب الواحد؛ حتّى عجزوا عن صدّ العدوان الذي يسلّط عليهم،وردّ الغزو الذي يطالهم في عقر دارهم. والشّيخ ممّن تصدّى لكلّ أنواع التّعدّي على الشّخصيّة الإسلاميّة، ولكلّ أشكال الاستلاب ، مهما يكن لونه ومصدره. وهو القائل : لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع ما أيّ شخصيّة لأيّ رجل، بل اتّخذ الحقّ فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى. ومسلكي في ذلك هو مسلك القرآن تقريبا، الصّراحة والإصداع بالحقّ، قدر الإمكان. سيّما إذا كان أمامي ما أنا أعالجه من إلحاد وخيانة، أو مروق من الدّين أو فسوق، أو تهتّك في الأعراض. ولا اتّخذ الصّراحة والشدّة لنفسي إجابة للهوى. وأمّا ميزتي في ذلك ميزان تلك الشّخصيّة المومأ إليها من الجحود والكنود بدون مبالاة.


هذا التّوجّه, وهذه الإرادة هي التي تنقصنا اليوم، فنلتمسها عند فكر شيخنا، إذا أردنا الخروج من دائرة الخذلان والخنوع والتّبعيّة والشّعور بالمهانة والذّلّ والاستكانة. يضيف الشّيخ قائلا : إنّ الدّواء النّاجع لا يكون ولن يكون بالدّهن على الوبر، وإمراره على ظاهر الجرح، فإنّ هذا لا يزيد للمرض إلاّ خطورة واستفحالا فهلاكا فموتا. وإنّما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهّرات، وإزالة ما فسد منه، ثمّ وضع الدّواء له وتضميده. والصّراحة خير علاج للأمّة.


إنّ الشّيخ يعرض أحد أمراض الأمّة، الذي أضرّ بها وتركها تتخبّط في المشاكل، وتتردّى إلى الحضيض، وتعيش على الأوهام والتّدجيل والخداع والخبث والغفلة والغرور… وهو عدم التّحلّى بالصّراحة في التّعامل ومعالجة القضايا، ومناقشة الأوضاع، وتبصير النّاس بحقيقة ما يحيط بهم ويحدق من أخطار داخليّة وخارجيّة؛ فتسلّط عليهم من لا يربد لهم الخير، ومن يتربّص بهم الدّوائر. فإرشاد شيخنا يأتي في وقته؛ لأنّنا نعيش فعلا هذه الكوارث؛ بسبب انعدام الصّراحة، التي بها كان شيخنا يصول ويجول، ويقارع ويصارع، ويهبّ ويذبّ…

قراءة فكر شيخنا يشحذ عزائمنا، التي بدأت تخور؛ بفعل ضربات العدوّ المتكرّرة المتتالية على رؤوسنا، وعقولنا وقلوبنا، التي ران عليها ما ران. ويعرّفنا بواجباتنا التي بدأنا نتخلّى عنها،تحت ضغط من يريد أن يقنعنا أنّ مصلحتنا في السّير في ركابه، وأن لا فائدة لنا في التّمسّك بما خلّفه الآباء والأجداد. وفيه نقرأ ونعلم كيف يجب أن نكون مع شخصيّتنا ومقوّماتنا وأصالتنا، وفيه نتعلّم ما يوقفنا على مسؤولياتنا الدّينيّة والتّاريخيّة؛ لأنّ كلّّ ما كان يقوم به، وما كان يكتبه، وما كان يدعو إليه ، وما كان قد تحمّله من أذى وضرر، كان من أجل أداء الرّسالة المقدّسة، والوفاء للأمانة العظيمة.وهي القيام بالواجب تحو المجتمع.
يقول الشّيخ أبو اليقظان : رسالتي إنسانيّة لا يقظانيّة، ولا مذهبيّة، إذا كتبت أو وعظت أوجّه نصائحي ووعظي وإرشادي إلى كلّ المسلمين، فإنّه يعلم الله كم يكون فرحي شديدا برجوع المسلمين إلى جادّة الحقّ والإسلام. وكلّ فرد كنت أنا السّبب في إنقاذه من النّار، كم يلحقني من فرح وسرور وبهجة بذلك.
الاطّلاع على فكره يعلّمنا كيف نوظّف إمكاناتنا في خدمة القضايا العامّة، وكيف نكتب لمعالجة المسائل التي تهمّ كلّ النّاس وكلّ البشر.من ذلك تسخير الكتابة لتحقيق الوحدة بين أبناء الأمّة الواحدة؛ من دون المساس بالخصوصيّة التي تميّز جهة من جهة، أو فئة من فئة. يقول الشّيخ وهو يخاطب الشّعب الجزائري في افتتاحيّة العدد الأوّل لأولى جرائده ( وادي ميزاب ) سنة 1926م : أيّها الجزائريّ الماجد، اعلم أنّ القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخيّة، مسوّرة بسور واحد، وهو الإسلام، وسكّان دورها هم سكّانه، فلا يمنع انحياز كلّ في داره، ومحافظته على مميّزات عائلته فيه سائر سكّان المدينة من التّعاون والتّعاضد على جلب المصلحة لها، ودرء المضرّة عنها. فإنّ مصلحة المدينة هي مصلحة ديّارها، ومضرّتها هي مضرّتها. إذا أقبل النّهار فإلى الجميع، وإذا هجم اللّيل فعلى الجميع.


نحن في حاجة إلى فكر كهذا، فكر وَحْدِيٌّ، يدعو إلى التّعاون والتّآلف والتّماسك، والتّآزر والتّكاثف. وفي الوقت نفسه ينبّه إلى وجوب المحافظة على الخصوصيّة والتّميّز في بعض النّواحي والمسائل.بدل التّناحر والتّدابر، أو التّميّع والتّنكّر للخصوصيّة، بل يعلّمنا كيف نوظّف ما نملكه في التّنويع في الثّقافة، وفي الفكر، وأن نفرّق بين الاختلاف والخلاف. فما نمارسه نحن اليوم بعيد عن هذه النّظرة وهذه التّوجّه، وهو ما جرّأ أعداءَنا على سحقنا والهيمنة علينا؛ لأنّنا بتنازعنا ذهبت ريحنا، وتشّتتنا وتبدّدت طاقاتنا، فاستغلّها أعداؤنا فسيطروا علينا.


قراءة فكر شيخنا يطلعنا على حقيقة مسؤوليّة الكاتب الدّينيّة والاجتماعيّة والتّاريخيّة. ويبيّن كيف بتعامل مع الواقع المعيش؛ وعيا له وإدراكا، وتحليله وتقديم حلول ناجعة لمعالجته، ورسم الطّريق أمام الأجيال، باستشراف المستقبل. ويعلّم الكاتب كيف ينشط، ولا يعير للظّروف العصيبة مهما تشتدّ، وللمعوقات المثبّطة مهما تمتدّ، أيّ اهتمام، إلاّ بمقدار ما يحتاط لها؛ لكي يتغلّب عليها.يقول خليل مطران:


هناك أبيح الشّجـــــو نفســـا منيعة *** على الضّيم مهما يفلل الضّيم من باسي


مقاومة كلّ ذلك هو ما نفيده من نشاط أبي اليقظان، وهو ما نقرؤه في فكره. يقول الشّيخ عن الثّابت على المبادئ, المقاوم للخذلان هو : … ثابت كالطّود لا تزعزعه العواصف، ولا تضعفه القواصف، اقتنع بمبدأ أو بعقيدة، أو انحاز إلى حزب أو مذهب، فإنّه يعضّ عليه بالنّواجذ، ويثبت عليه ثبات الرّواسي، ويتفانى فيه بكلّ ما أوتي من قوّة مهما كلّفه ذلك من الضّحايا الغالية، ويتجلّى ثباته في جميع أحواله، فتراه ثابت الجنان، ثابت اللّسان، ثابت القدم، ثابت العمل، غير هلع، ولا متلجلج، ولا مضطرب ولا مرتبك، ولو أحدقت به الأخطار والأهوال.


وقد يبلغ به الثّبات أحيانا إلى الغلوّ والتّطرّف، وأحيانا إلى العشق والوله، والغرام والهيام، ولا يبالي في ذلك بما يلاقيه من قوارص اللّوم والعتاب، ولا تثنيه عنه قوّة المعارضة، ولا تؤثّر فيه سعاية الوشاة وإفك الخرّاصين، بل لا يزداد نحو ذلك إلاّ تعصّبا وتمسّكا. وهذا دليل على كمال الصّدق والإخلاص ومتانة الأخلاق، وهو محمود جدّا، ما لم يخرج به إلى حدّ الجمود والثّقة العمياء، والتّعصّب إلى الباطل.
وهذا الصّنف هو نواة الإصلاح وعمدة المصلحين، والعدّة التي يعوّل عليها المجاهدون، والكهف الذي يفزع إليه العاملون، ولكنّه قليل جدّا في كلّ زمان ومكان، والكرام قليل.


فكر أبي اليقظان يقدّم دليلا على أنّ مسؤوليّة الكلمة كبيرة، وأنّ جهاد الكلمة عظيم، وثمرة الكلمة طيّبة، ومستقبل الكلمة مهمّ… فلينهض الكتّاب للقيام بالواجب، وليعرف أصحاب الأقلام ماذا عليهم للنّهوض بأمّتهم، وليدرك أهل العلم دورهم في تحديد مصير الأجيال، وتوجيه مسير العيال، بعد وعي ما يدور في كلّ مجال.


قراءة فكر أبي اليقظان يوقظ فينا المكامن التي تعيننا على الخروج من دائرة التّخلّف، وينقذنا من الرّداءة والرّدّة والتّردّي ؛ لأنّنا لا نجد في فكره سوى الاعتزاز بالشّخصيّة، والدّفاع عن الثّوابت، والصّبر على الشّدائد، والجرأة في الإصداح بالحقّ، والشّجاعة في اتّخاذ المواقف, والدّعوة إلى الوحدة، والنّظرة الشّاملة في البناء ومعالجة قضايا المجتمع، والإيمان بالرّسالة وتحمّل المسؤوليّة، والحرص على بناء القواعد.
يقول الشّيخ : ويعلم القارئ الكريم أنّ هذه الطّبقات كلّها لا تقدر أن تقوم بوظيفتها كما يجب إلاّ بالعلم الصّحيح والتّربيّة الصّحيحة، وتزكيّة النّفس بالأخلاق الفاضلة.وهل هذا مستحيل على المصلحين وقادة الشّعب؟ كلاّ فإنّ هذا ممكن، وتحت دائرة مقدورهم، ولكن إذا أرادوا فالمستحيل عند قوّة الإرادة ممكن، والممكن عند ضعفها مستحيل….لأجل هذا يجب قبل كلّ شيء على سراة الأمّة وأعيانها أن يصرفوا قواهم وكلّ ما لديهم إلى العلم والتّعليم والتّربيّة والتّهذيب؛ ليجدّدوا شباب الأمّة بعد الهرم، ويشيدوا معالم مجدها وأركان حياتها…


إنّ البناء الصّحيح يتطلّب الاهتمام بالقواعد، والنّظر إلى عمق المجتمع والوقوف على ما يحتاج إليه، والسّير به بخطى ثابتة مدروسة نحو التّخلّص من المعيقات، واقتراح الحلول المناسبة؛ بحسب ما يطلبه الوضع، وينشده العصر، ويرضى به الدّين. هذا ما نفيده من فكر أبي اليقظان، ونستشفّه من عمله.فلنقرأ ولنَعِ ولتعتبر ولنُفِدْ.
في هذا الصّدد يقول : إنّ معالجة أدواء الأمّة لا تكون إلاّ باكتساح تلك الأصول المبيدة : الجهل، الفقر، الافتراق. وغرس بذور الحياة فيها : العلم، الثّراء، الاتّحاد. ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو مجرّد القول وفوار الفم، ولكنّه يحصل بتوجيه العزائم وتحريك الهمم وصدق الطّلب والإخلاص والصّبر والثّبات…


من هنا يرى الشّيخ أنّ البناء والنّهوض لا يكونان إلاّ على سواعد مفتولة، وكواهل قويّة، وعزائم صادقة. فمن أراد أن يعلي بنيانه على أسس صحيحة، وقواعد متينة، فعليه الاعتماد على ذوي النّفوس القويّة، ويبتعد عن ذوي النّفوس الرّخوة : … إذ الأمور تنعقد بالكتل الصّلبة المتماسكة الأجزاء، لا بالذّرّات الرّخوة المتناثرة. والمشاريع الكبرى إنّما تؤسّس على الصّخور العظيمة الثّابتة، لا على الأحجار الهشّة القلقة ( والحجر المتقلّب لا يثبت عليه بنيان )
إنّ أمثال هؤلاء لا يعوّل عليهم في تأسيس النّهضات، ولا يعتمد عليهم في شيء يستوجب الجلد والمثابرة والثّ‍بات، ولا ينبغي للعاقل أن يفرح لإقبالهم، أو يحزن لإدبارهم، أو أن يطرب لهتافهم، أو يتذمّر من صفيرهم، فهم في جميع الأحوال سواء، ما داموا في حال الضّعف القلبي والوهن النّفسي، لا يمكن التّعويل عليهم في شيء معها.


واضح ممّا سردناه أنّ الشّيخ ينقل تجربته في ميدان العمل والإصلاح والتّربيّة والتّكوين، ويضعها بين أيدينا، نفيد منها في مسيرتنا في إعداد النّشء والأجيال، الذين نعوّل عليهم في بناء مستقبلنا ومستقبل أمّتنا. فهو يبيّن العناصر التي تقوم بهذا الواجب الجليل، وتنوء بهذا العبء الثّقيل، ويحدّد لها مواصفات معيّنة، استقاها من تجربته، ونحتها من عقله، وعصرها من فكره.


ثمّ يضيف : … وإنّما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرّجال الصّابرين الثّابتين، أصحاب المبادئ القارة والكلمة الواحدة.فإن انتشر دين فبهؤلاء، وإن انبثّ مذهب فبهؤلاء، وإن اعتزّت أمّة فبهؤلاء، وإن حرّر شعب فبهؤلاء. فمن أراد تكوين أمّة أو إحياء شعب فليبدأ بإعداد العدّة، وهي هؤلاء. أمّا إذا غفل عن هذا، وأسّس عمله على كواهل أولئك الضّعفاء،فقد بناه على أساس من الرّماد، أو كتلة من الزّبد، فبمجرّد ما تهبّ عاصفة، أو ترسل الشّمس أشعّتها المحرقة تتناثر ذرّات الرّماد في الفضاء، وتذوب كتلة الزّبد في الأرض، فينهار بنيانه، ويصير عاليه سالفه.


فمن كان يؤلمه أن يحشر بين هؤلاء الواهنين الضّعفاء، وتؤلمه لذعة الامتهان والازدراء، فما عليه إلاّ أن يتجلّد ويصبر قليلا على لذغات الأهوال والخطوب كغيره، ويتزيّا بزيّ الصّابرين الثّابتين، فلا يلبث قليلا حتّى يطرّز صدره بنيشان الجلد والثّبات، ويصبح في الصّفوف الأماميّة من الرّجال الكاملين.
إنّ هذا عين ما قاله أبو مسلم البهلاني الرّواحي :


صكّ الخطوب بخطب اسمه جلد *** والق الأمور بحلم شخصه جبل


تتردّد كثيرا – في كتابات الشّيخ أبي اليقظان – كلمات ( الصّبر، الثّبات، الجلد، المبادئ، التّماسك، الصّلابة، البناء، الأساس …) إنّ ذلك لا يدلّ إلاّ على حقيقة واحدة، هي أنّ الشّيخ يركّز على ما يؤّسس البنيان، وينشئ الصّرح، ويبعث النّهضة، ويدعو إلى اتّخاذ الأسباب الصّحيحة والسّليمة في هذا التّشييد والنّهوض؛ لأنّه هو نفسه وزملاؤه في الإصلاح عانوا من هذه النّفوس الرّخوة، وهذه القلوب الواجفة الراّجفة المتذبذبة، التي لا تنهض بعبء، ولا تحمل كلاّ، ولا تقوم بواجب. لذا يلحّ على النّاس أن يعرفوا القواعد الضّروريّة للعمل المؤسّس المدروس.


ما أكثر ما تضمّنه فكر الشّيخ أبي اليقظان من نظرات ثاقبة، وآراء سديدة، وومضات مضيئة، وقبسات منيرة… لمن يريد أن يأخذ العبرة والدّروس، ويفيد ما يساعده على معرفة الطّريق الأسلم في التّوجيه والعمل الرّسالِي، وبخاصّة ما كان ينشره في صحافته؛ لأنّه جاء نتيجة معاناة ومكابدة، وصراع ونزال، وإصرار وإلحاح، وطول مراس، وتجربة ومخاض.


وفّقنا الله للإفادة ممّا يعيننا على تفقيه أنفسنا، وتنمية تجاربنا، وقراءة فكر أسلافنا قراءة واعيّة مفيدة، وهو الهادي إلى سواء الصّراط، وإلى أقوم السّبل.


كتبها الدكتور : محمد ناصر بوحجام















ونلتقي لنرتقي

مع هذا العلم من أبناء الجزائر الأجلاء

في الجزء الثاني من هذه الحلقة
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا











 

KimoB

:: عضو شرفي ::
إنضم
22 مارس 2009
المشاركات
9,358
النقاط
351
محل الإقامة
البويرة







موسوعة أعلام الجزائر


الحلقة السادسة والثلاثون


الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان



( 1888 – 1973م )





[FONT=MCS Jeddah E_U 3d.]( أبو اليقظان )

من أعلام الفكر القومي.. المغمورين


الجزء الثاني

[/FONT]
بقلم: الدكتور عبد الرزاق قسوم


مع الشيخ عدون رحمهما الله تعالى

يعد أبي اليقظان رائدا فريدا في مجال الصحافة المقاومة وسرّ عبقريته تكمن في عصاميته في هذا الميدان لم يتخرج من كلية الإعلام، ولا من معهد الدراسات الصحفية، وإنما تخرج من "مدرسة الحياة"، فأثبت قدرة في الميدان لا تضاهى، كما أنه لم يعتمد على حزب أو مؤسسة تسنده ماديا أو سياسيا، وإنما كان اعتماده على الله، ثم على ثلة من الخيرين القليلين المحيطين به، إلى جانب إيمانه بشعبه وعدالة قضيته.

فهو، رجل صامد في ميدان الجهاد الصحفي، لم يضعف له عود، ولم تلن له قناة، فبالرغم من تساقط صحفه الواحدة تلو الأخرى، كأوراق الخريف، ظل مواصلا للجهد، شعاره ((على الظالم أن يستبد وعلينا أن نستعد)).

المصلح الرباني الشيخ بيوض رفيق درب الشيخ أبو اليقظان

وحسب القارئ أن يقرأ تاريخ صحفه وعناوينها وتاريخ الصدور وتاريخ التعليق ليدرك مدى صلابة هذا القلم الجزائري الشهم، وهذه قائمة بعناوين صحفه مع تاريخ صدورها وتاريخ تعليقها من المستعمر.
وادي ميزاب: 1926-1929.
ميزاب: 1930-1930. (صدر منها عدد واحد).
المغرب: 1930-1931.
النور: 1931-1933.
البستان: 1933-1933.
النبراس: 1933-1933.
الأمة: 1933-1938.
الفرقان: 1938-1938.


اللغة العربية -كما لا يخفى- ليست لغة قومية خاصة، ولا لسان فئة ممتازة، بل هي لغة عالمية عامة، لأنها لغة دين عالمي عام ألا وهو الدين الإسلامي فهي لغة القرآن، ولسان السنة القويمة، وترجمان بليغ بين الأسلاف والأخلاف.. وأن مقاومتها، والسعي في إماتتها ليس مقاومة لها، ولا للعنصرية العربية فحسب، بل مقاومة للبشر كافة، وبني الإنسان أجمعين إذ لا سعادة حقيقية للبشرية بغير الإسلام ولا للإسلام حقيقة بغير اللغة العربية تنوعت وسائل التبليغ لدى أبي اليقظان، فاستخدم النثر والشعر، والمقالة، والفكاهة، والتصريح، والتلميح، بل إنه ما ترك حيلة للتمويه بها على الاستعمار إلا استخدمها ناهيك أنه لجأ إلى الطلاسم، والشعوذة، والسخافات وهي من أعجب الابتكارات الإعلامية في تاريخ الصحافة المقاومة. فعندما أصدرت الحكومة الاستعمارية قانونا رسميا "يتعطيل كلّ ما يصدر من قلم أبي اليقظان" يقول أبو اليقظان: ((بعد هذا أصدرت مجلة (عفوا جريدة) "ميزاب" فعطلت في أول عدد منها، ثم أصدرت جريدة أخرى باسم "المغرب" فسارت في 28 عددا وفي العدد 29 سمعت بأن الحكومة تستعد لتعطيل الجريدة فأصدرت العدد مملوءا بالسخافات والشعوذة مثل "حرز مرجانة" مملوءا فملأت به الجريدة وأكملتها بكلمات متقطعة مثل "الحمار الفطوس" "الفار" و"نخلة" والشجرة...الخ. فلما صدر العدد 29 حاولت الحكومة تعطيل النشر، وأرسلت مناشير إلى دوائرها الرسمية بذلك، فلما كان التعطيل صادف عدد "حرز المرجانة" فكانت ضحكة طويلة عريضة في سائر النوادي والمقاهي بالجزائر)).
ما من شك في أن الميدان الصحفي في جهاد أبي اليقظان سيحظى بدراسة مستفيضة من المتخصصين، ولكن حسبنا هنا هذه المعاني المستفادة من هذه المعركة الإعلامية التي خاضها مفكرنا في جهاده من أجل العودة إلى الذات العربية المسلمة.
وما نحب أن نستخلصه كنتيجة كبرى، هي أن العمل الصحفي، لم يكن إلا حلقة في سلسلة حلقات عديدة، وأداة تندرج ضمن الكفاح السياسي لفرسان الكلمة، في عهد الظلام الاستعماري الدامس. لذلك نعتقد أن معركة أبي اليقظان الإعلامية، لا يمكن فهمها بعمق، إلا إذا هي أدرجت ضمن الخريطة السياسية لمعركة الخلاص الوطني... فما هي إذن أبرز المحاور التي تضمنها الصراع كي تكون الصورة أكمل وأوضح؟





4. القضية الوطنية في فكر أبي اليقظان

إن إبراهيم كان أمة... يمكن ببعض التجاوز اعتبار القضية الوطنية هي الهاجس الأكبر الذي كان يستبد بفكر أبي اليقظان سواء في شعره، أو في مجاله الصحفي، أو دعوته الإصلاحية، وأبو اليقظان في هذا يقتدي بكبار المصلحين في المشرق العربي، والمغرب العربي، منذ جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، إلى عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي... فالجميع وإن ركبوا مطية الدعوة الإصلاحية، باسم الدين إلا أن الهدف الأسمى، والأقصى إنما كان تحرير الوطن بتحرير العقل، كي تكون فيه القابلية لخوض غمار المعركة المصيرية، وهو ما تحقق في أكثر من وطن عربي مسلم، بدءا بالجزائر وثورتها النوفمبرية المباركة.
لذلك نجد السياسة في مفهوم المصلحين الجزائريين مؤصلة أكثر، لأنها تقوم على دعائم هي الدين، واللغة، والوحدة الوطنية، في إطار وحدة أشمل تتخذ العروبة ببعديها الثقافي، والحضاري، جسرا موصلا إلى الأمة الإسلامية الممتدة من طنجة إلى جاكرطة، بتنوعها العرقي، وتباينها الجغرافي، واختلافها المذهبي، وكلها تجسد التنوع داخل الوحدة الكبرى.
فإذا عدنا، بهذه النظرة إلى فكر أبي اليقظان، وجدناه لا يشذ عن قاعدة المدرسة الإصلاحية التي هو أحد حوارييها.


فماذا تعني السياسة عنده، وهي التي أفرغها الاستعمار من محتواها الصحيح، وشوهتها الحزبية بمفهومها الضيق فجعلت الناس ينفرون منها.
ذلك ما نجده بارزا في فكر أبي اليقظان عندما خرج على الناس بعنوان غريب هو: "أعوذ بالله من السياسة".
ويمنح المصطلح تحديدات شتى، فيها الجد وفيها الهزل. فيخلص في النهاية إلى هذه الحقيقة ((تلك هي ٍ[السياسة] التي أخاف منها... فإنها لاذعة ولاذعة حقا، ويعاقب عليها القانون عقوبة كبرى، وربما بالضرب بالسياط من فوق الثياب أو بمباشرة الجسد، ولو سالت الدماء... وربما بالسجن لمدة أو مدد، وقد يكون ذلك في الحبس (الابتدائي) وقد يكون في (الثانوي) الذي يحصل فيه الإنسان على لقب (الكبران) أو (الكونطرولور)).

ويمضي أبو اليقظان، بهذا الأسلوب الخفيف في إبراز مخاطر الاشتغال بالسياسة في الجزائر، وما تجره على أصحابها من ويلات فيرفع صوته بهذا التحذير: ((لا أنطق بها ناسيا، ولا أتعمده، ولا أظنه، ولا أشك فيه، ولا أتوهمه، ولا أحدث به نفسي... فإن أرغمت وأجبرت، وألجأتني الضرورة *-لا قدر الله- واللهم يا لطيف على النطق به، فإني استبدله (بال...بو.. لي...تيك)، إذ أن لهذا اللفظ معناه الخاص في دائرته الضيقة المحدودة، وحدّة الفاصل بين ما هو من السياسة -أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلة- وما ليس منها...)).
إن بين السياسة والبوليتيك، إذن حداًّ دقيقا ورفيقا، ولكنه بون عميق أيضا لا يدركه إلا ذوو المشاعر المرهفة من أمثال أبي اليقظان، الذين اكتووا بنار السياسة، وعذاب البوليتيك. وقد حاول مفكرنا أن يستنجد بفقهاء العلم من العارفين بعلم السياسة، وقواعد نحوها، وتصريفها، عله يجد "قطرا يبل الصدى" فما خرج حتى بخفي حنين.

يقول باثا شكواه إلى قرائه: ((وقد راجعت معيار العلوم للغزالي، والسلم وحواشيه [في المنطق] فوجدت أن لفظ "البوليتيك" جامع مانع، ومطرد منعكس، يدخل فيه ما هو سياسي أو يخرج به أو عنه ما ليس بسياسي، بخلاف اللفظ الآخر المشؤوم [السياسة] فإنه يمتد ويسترخي ويتمدد مثل الكاوتشو (أي المطاط)، ويتمطط كليل امرئ القيس [من شدة المعاناة] لما تمطي بصلبه..)).

وينتهي الكاتب إلى هذه الحقيقة المفزعة في تعريف السياسة، وفقا لقاموس المستعمرين الفرنسيين من خلال تعاملهم مع "البيكو" (العرب المسلمين الجزائريين) فيقول: ((فقراءة الآجرومية سياسة، لما فيها من الأحكام الاستثنائية، وابن عاشر كذلك بنواقض وضوئه، وحكمه العقلي، وقراءة [الأربعين حديثا النووية]... كذلك سياسة، الحاصل أن [مفهوم السياسة] واسع رحيب، كريم المائدة، موطأ الأكتاف، لا يخيب سائلا، ولا يرد مستجديا...)).

فقراءة الآجرومية سياسة، لما فيها من الأحكام الاستثنائية، وابن عاشر كذلك بنواقض وضوئه، وحكمه العقلي، وقراءة [الأربعين حديثا النووية]... كذلك سياسة، الحاصل أن [مفهوم السياسة] واسع رحيب، كريم المائدة، موطأ الأكتاف، لا يخيب سائلا، ولا يرد مستجديا... ولقد صدق أبو اليقظان في استنباطه، وحدسه فحتى هذه الإشارات والتنبيهات والملح والفكاهات لم تعصمه من التعليق على حبل المشنقة، وهكذا كان جزاء "البستان". فما أن صدر العدد العاشر منه فقط، حتى عطل وهو لم يمتع بشبابه، وجاءه الإعدام بتهمة الاشتغال بالسياسة.

وللدارس أن يدرك ما تضمنه البستان من "أزهار الشوك".. فهو يقدم باقات ورد، ولكنها محشوة بالشوك، وذلك هو ثمن المسؤولية. ولنا أن ندرك هذا الحس النضالي الذي يكتب به أبو اليقظان، والذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا تناولها بقلمه "البوسعادي الماضي" (نوع من السكاكين يصنع في مدينة بوسعادة الجزائرية) من ذلك هذه "الطرفة": "ارتقاء صادف محله". ومما جاء فيها: ((ارتقت جمعية السيارات التي تكفلت بحمل المسجونين من السجن إلى المحكمة، بجعل سيارة عصرية، كما ذكرت الجرائد الفرنسية. ونحن نقول لهؤلاء المساجين، أما آن لهم أن ينزقوا في أفعالهم حتى لا يكون سجنهم عن قتل، ونهب، وسلب، وضرب، إنما يكون من أجل الذود عن وطنهم المقدس)).

إن هذه الطريقة في التوعية، بواسطة الجناس، والتوليد تمثل منهجا أدبيا، أصبح شائع الاستعمال... وعلى سبيل المثال يمكن أن نسوق نفس الأسلوب المستخدم من القاص المصري المعروف إحسان عبد القدوس.. فهو في قصته الرمزية "في بيتنا رجل" نجده يلجأ على لسان أبطال قصته إلى نفس منهج أبي اليقظان فيسوق على ألسنتهم الرسوم التالية ((يمثل المشهد شبابا سياسيا مصريا، داخل السجن، وهم يتبادلون النكت، فيضيق بذلك حارس السجن "الشاويش" الذي ينهرهم مطالبا إياهم بالكف عن التهريج، ولكن أحد المساجين يرد على "سيادة الشاويش" بعبارة واحدة بكرة ياشاويش تترقى، وتصبح سجين مثلنا)).

إن الأمثلة على هيام أبي اليقظان بالقضية الوطنية هي من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، لأنها لا تكاد تخلو منها أية مقالة من مقالاته، وإن الدارس المنقب عن ذلك لا يجد عناء في الوقوف عندها فهي تتخذ الكناية الرمزية أو التلميح أحيانا، ولكنها في معظم الأحيان تلجأ إلى الإبانة والتصريح. وهل أدل على ذلك، من عناوين قصائده، وخاصة في ليل الاستعمار الحالك مثل: "السجن مجمرة تفوح بها قيم الرجال"، "في الجهاد الوطني"، "ألا هل من نهضة"، "الشعب يستغيث"، "ماضاع حق وراءه طالب"، نكبة الجزائر المسلمة في صحافتها الحرة" وغيرها كثير.

ولنأخذ أبياتا من قصيدته "في الجهاد الوطني" واصفا فيها معاناة دمشق، على أثر ضرب الجنرال الفرنسي ساراي لها بالقنابل في عام 1926.. ومما جاء في القصيدة:

ابن صرح المجد عن اس الضحايا
إنما الدنيا جهاد من ينم
ليس حكم النفي والسجن ولا الـ
أيّ شعب نال ما نال إذا
أيّ شعب نال حريته




وأشد عرش العلا رغم البلايا
يومه، داسته أقدام الرزايا
حكم بالشنق له إلا مطايا
لم يقدم سلفا تلك الهدايا
وهو لم يطلع لها تلك الثنايا


إلى أن يختم قصيدته بهذه الحكمة الخالدة:
إن للحق زئيرا إن دوى
إن للحق لسلطانا إذا

فرّ منه الخصم في قعر الزوايا
خفقت رايته أبدى المزايا


على أن للسياسة الجزائرية في مفهوم أبي اليقظان، مقومات وخصوصيات، لا تستقيم إلا بها، وهي ما أصبح يعرف في لغة العصر بالثوابت، وأهمها الدين، واللغة، والوحدة الوطنية... فكيف عالج هذه الثوابت، في ظل الظروف السائدة آنذاك؟


الإسلام

يتخذ الإسلام في مفهوم أبناء المغرب العربي، المعنى الحضاري الشمولي للدين، فهو لا ينحصر في طقوس، أو معاملات خاصة، أو عبادات محصورة في أزمنة معينة، وإنما الإسلام يأخذ هذا البعد الثقافي الذي تنصهر فيه العروبة والإسلام فتغدوان لحمة واحدة. وذلك ما نجده عند علماء الإصلاح في الشمال، وهو ما وجدناه أيضا عند علماء الإصلاح في الجنوب. وهذا أبو اليقظان، يتبنى نفس المنهج، حين يربط بين الإسلام، واللغة، والجزائر مقتديا في ذلك بشعار:

شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب

لذلك نجد أبا اليقظان، يؤكد على مبدإ كون الإسلام هو الاسمنت الذي به تلتحم القومية بالوطنية، وهو العامل الأساسي في صيانة الوحدة الوطنية، وإنقاذها من الشتات، والفرقة. من هذا المفهوم نجده، ينحى باللائمة على أبناء وطنه وعقيدته فيتعجب من فرقتهم في حين يجتمع أعداؤهم أعداء الإسلام ضدهم ((... يا لله العجب، أيتألب أعداء الإسلام، ويتحدون على تقويض معالمه، وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات، والأديان، والمذاهب، والمنازع، والمشارب. ونختلف نحن على صيانته، وحمايته، والذود عن بيضته، ودفع الكيد والأذى عنه، وقد جمعت بيننا روابط الوطن، واللغة والدين، ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟ وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا ونفوس طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية، والأمر في شدة الخطر)).

وعندما يجيل أبو اليقظان بصره في واقع الأمة الإسلامية، لا يضره أن تأتي الزوابع والعواصف ضد الإسلام والمسلمين من أعداء الإسلام الفرنسيين، كصحيفة "ليكو دالجي" (صدى الجزائر) ومن كاتبة فرنسية كـ "مدام سيلاربي"، وإنما هو يشهر سيفه على أقوام من بني جلدتنا ((تحدروا من أصلاب يجري فيها دم الإسلام، ولكنهم ينحازون إلى صف أولئك الخصوم، يتكالبون معهم ضد الإسلام باسم التجديد العصري)).

إنهم "رواد" العلمانية اللائكية الإلحادية في الشرق والغرب الذين يصفهم أبو اليقظان بقوله: ((وقد تولى قيادة الكتائب مصطفى كمال وأشياعه في "الأناضول" فبدأ أولا بإلغاء الخلافة الإسلامية من أصلها، ثم ثنى بإعلان اللاتينية، وتبديل أحكام الإسلام بأحكام سويسرية، ثم هبت هذه الزوبعة في مصر يثيرها علي عبد الرازق، وطه حسين، وسلامة موسى وغيرهم... وأصبح دعاة التجديد يحدثون كل يوم حدثا في الإسلام من مسألة تعدد الزوجات إلى الطلاق، إلى الحجاب، إلى الإرث، إلى التجنيس، إلى الطعن في القرآن واللغة العربية)).
وبالرغم من أن الحادثة التاريخية لا تتكرر كما يقول علماء الاجتماع، وأنك لا تستحم في النهر مرتين على حد قول الفلاسفة، فإن التاريخ قد يعيد نفسه طبقا لمقولة الحكمة العربية.

فالذي يقرأ تاريخ الجزائر المعاصر، وتاريخ الأمة العربية الإسلامية، يدرك، بلا مشقة تشابه الطروحات، وتماثل دعاة العلمانية فهم يمثلون مشكلا قديما متجددا من حيث الكيد للإسلام، والضيق بالمؤمنين به والعاملين في حقل دعوته. غير أن القراءة المتأنية للأحداث، ومحاولة الغوص في مدلولاتها ومعانيها، تكشف ببساطة عن الملقنين المتوارين خلف ستار المسرحية.. الماسكين بخيوط الستائر.. إنهم شرذمة من بقايا الاستعمار، كانوا وما يزالون يراهنون على القضاء على كل المقومات الروحية للإنسان المسلم حتى يسهل عليهم إفراغه من مضمونه الصحيح ولقد تنبه إلى هذا أبو اليقظان في الماضي، فرفع قلمه محذرا ((بأن الاستعمار الفرسي خطر كله.. ولكن أي خطر أشد من ذلك الذي يهدف أساسا إلى [القضاء على] المقومات الروحية دينا وجنسية)).
وعلى غرار ما كان في الماضي من المؤامرات الخارجية على الإسلام، والتي ما تزال خيوطها تنسج إلى اليوم، فإن الصورة القديمة تغدو نفسها في مجتمعنا المعاصر، حيث أن الإسلام لا يعاني من العدو الخارجي فحسب، وإنما يعاني أيضا من العدو الداخلي وهو ما عبر عنه أبو اليقظان بالجمود الفكري. لذلك نجده يجهر بالكتابة، بأنه إذا كان ((مفروضا على الصحفي المصلح أن يلاحق كل أنواع الانحراف، فإن مقاومته تكون أوكد وأشد، لذلك الانحراف الذي يتستر بتعاليم الإسلام، ويتخذ من كتب السلف حجة يقف عندها مشلول التفكير والإبداع.. إن هذا النوع من الانحراف المتمثل عند طائفة من المتعصبين المتزمتين أضحى في بعض وجوهه أشد خطورة على الجزائريين من المبشرين المسيحيين)).

ويمضي أبو اليقظان مفصلا ما غمض في هذا المجال فيذكر بأن ((العامة من طبعها الحذر من غير المسلمين لاعتقادها فيهم أنهم أعداء الإسلام دائما وأبدا، في حين قد لا تتفطن [العامة] -جهلا أو حسن نية- لما يمليه عليها أولئك المتعصبون من أفكار وآراء ولما يروجونه في حلقاتهم من خرافات عصور الانحطاط، والجمود على ما تركه الآباء والأجداد، والرضى بالواقع والركون إليه دون تغيير أو تحوير)).
هكذا تبدو المعركة التي خاضها المصلحون قديما على جبهتين جبهة الكيد الخارجي، وجبهة الكيد الداخلي تبدو هذه المعركة ذات امتداد طويل ما تزال خيوطها تحاك اليوم، وبدهاء أكبر، وبوسائل أحدث وإذا كان الإسلام قد خص بهذه "العناية" من طرف خبث أعدائه، وجهل أبنائه، فإن لغة الإسلام لم تكن أحسن حظا من الإسلام في النيل منها، والكيد للقضاء عليها.. وذلك مجال آخر خاضه أبو اليقظان وباقي المصلحين في إطار جهادهم الوطني المصيري.



اللغة العربية
حظيت اللغة العربية في فكر أبي اليقظان بمكانة متعددة الجوانب.. فقد وقع تناولها كمفتاح للعقيدة الإسلامية، فأضفى عليها نوعا من القداسة، وعولجت بوصفها لغة حاملي الحضارة الإسلامية للعالم، فاكتسبت بذلك طابعا شموليا إنسانيا خلصها من كل نزعة عصبية شعوبية ضيقة.

ووقع الاهتمام بها أيضا كأداة خطاب بلاغي جعل الكاتب يهتم بمحسنات أسلوبها، وتجديد مقومات بنائها، ثم كانت عملية الذب عنها، والعمل على تحصينها من محاولات الانتقاص أو الاختزال، أو الإذابة..

من هذه الجوانب كلها يمكن تناول علاقة فكر أبي اليقظان باللغة العربية، وهي جوانب تبرز مدى سعة الفكر اليقظاني، بيانا وتبيينا، لتكون العربية فيه هي واسطة العقد.

ولا عجب إذن أن تكون جلّ مقالاته حاملة لهذا المعنى، الذي يجعل من العربية أداة وصل بين الإسلام بمفهومه الحضاري، والعروبة بمعناها الثقافي والعقدي، لتصوغ كلها مفهوما أعمق وأدق لمدلول الوطن الجزائري ذي البعد التاريخي الحضاري الخالد...
نقرأ هذه المعاني كلها في مقالاته العديدة، مثل "بشرى لكم يا عشاق اللغة العربية" و"اللغة العربية غريبة في دارها" و"الوحدة العربية وكيف تكون" و"التمدن الممسوخ" ففي مقالة "اللغة العربية غريبة في دارها" يؤكد أبو اليقظان على فكرة أساسية هي أن من أبرز مظاهر الاعتزاز باللغة العربية أنها لغة القرآن الكريم فهي عنصر أصيل في تكوين هذه الشخصية، لا يقوم بنيانها بغيرها، ولا تكتمل ذاتيتها إلا بها، ولكنها غريبة في ديارها. مضيق عليها بين أهلها، حتى أصبحت لغة القوم رطانة غريبة تختلط فيها مفردات من الفرنسية والبربرية، والعربية، والعربية أقل الثلاثة حظا.

ويعزو أبو اليقظان سبب هذا الاهتزاز في الشخصية، إلى عوامل ثلاثة هي:

1. جهل المسلمين بقيمة لغتهم، وعدم اعتزازهم بها أمية وتخاذلا.

2. عدم رغبة الحكومة في وجودها والعمل على قتلها لأسرار تعلمها هي.

3. وهن القومية العربية واندماجها في القومية البربرية وعدم اعتبار هذه اللغة العربية مما يجب للإسلام من اعتبار.
وفي مقال آخر عن اللغة العربية يخرج أبو اليقظان بتبيان حقيقة اللغة العربية في الجزائر فينتهي إلى هذه النتيجة: ((إن اللغة العربية -كما لا يخفى- ليست لغة قومية خاصة، ولا لسان فئة ممتازة، بل هي لغة عالمية عامة، لأنها لغة دين عالمي عام ألا وهو الدين الإسلامي فهي لغة القرآن، ولسان السنة القويمة، وترجمان بليغ بين الأسلاف والأخلاف.. وأن مقاومتها، والسعي في إماتتها ليس مقاومة لها، ولا للعنصرية العربية فحسب، بل مقاومة للبشر كافة، وبني الإنسان أجمعين إذ لا سعادة حقيقية للبشرية بغير الإسلام ولا للإسلام حقيقة بغير اللغة العربية)).

بهذه النظرة الشمولية، عالج أبو اليقظان قضية اللغة العربية في الجزائر، فخلصها بذلك مما يحاول بعض المغرضين حصرها فيه، وهي أنها لغة قوم أو قومية ضيقة، نازعين منها أقدس مقوم ألا وهو المقوم الإسلامي، ومحررا إياها أيضا من الخانة الاستعمارية التي تحاول أن تقدمها للناس على أنها لغة عبادة في المسجد لا تراوح ذلك. في مواجهة هذه الأباطيل كلها جاءت صرخات أبي اليقظان لتخرس ألسنة المفترين، ولتوقظ عزائم النائمين.

ولعل مما نسوقه من شعره هو كثير في هذا المجال أبيات نقتطعها من قصيدته العصماء التي ألقاها في تدشين مدرسة الحياة الجديدة والتي مطلعها:

إذا ما رمت عزا للحياة
فخذلك سلما للعلم وانهض
تعلم ديننا الحنفي سمحا
وعلم لساننا العربي طبعا



وفوزا خالدا بعد الممات
بنجلك نحو مدرسة الحياة
وحفظ كتابنا ذي المعجزات
وهل بسواه ساد بنو الشراة


ولا نغادر مجال اللغة عند أبي اليقظان دون التطرق إلى أسلوبه الأدبي، وتوظيف هذا الأسلوب في حمل المعاني، وبث الوعي بطريقة ذكية جدا في ضمائر بني وطنه وأطرف ما يساق في هذا الصدد، نقتطفه مما جاء على لسان عصفوره وبإمضاء فلاح البستان: ((سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري وكان العصفور ذكيا، شيطانا، فأجابني عنه بما أقنعني وتركني باهتا لإصابة نظرته وهو: لماذا تكره النياشين، إذا رأيتها معلقة على صدور ذوي اللحى والبرانيس بأنواعها...؟ أرأيتم كيف أن مقدمة السؤال توحي بنوع معين من الإجابة، وإنما توضع المقدمة المنطقية التي يتفق عليها الجميع، وهي "كره هذه الشرذمة الممزقة من الأهالي" التي تمثل مسخرة اجتماعية تتجلى في النيشان الفرنسي، واللحية الإسلامية، والبرنوس الجزائري.

ويكون الجواب -على لسان العصفور- من نفس السؤال:

- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصياد وعلى كتفه بندقية ليقتنصني.

- ولماذا؟

- عصفوري: لأن هذه النياشين بلونها الأحمر تذكرني بجريان الدم في رقاب وحواصل إخوتي العصافير المذبوحة بيد الصياد، ولهذا أتشاءم منها كلما رأيتها أو سمعت عنها.

فقلت: صدقت -والله- أيها العصفور الحر، فلتعش حرا طليقا رغما عن الإنسانية المعذبة)).

هذه سبحات في قضاء فكر أبي اليقظان، وقد حقق بنا فيها عبر محطات متعددة الأرصاد لنحط أخيرا في المحطة الوطنية الكبرى ذات الأبراج العديدة: الإسلام، العروبة، الجزائر.

وبعد.. فمهما منح الدارس لفكر أبي اليقظان من طول نفس، ومهما استخدم من منهجية علمية، فستتمرد على قلمه أفكار ومقالات، ومؤلفات شتى من انتاج هذا الرجل.

فقضايا اهتمامه أوسع من أن تحدها دراسة كهذه أو ملف كملف "الموافقات"... ذلك أنه بالرغم من قضايا الدين، واللغة، والوطن التي عبرنا عنها بثوابت القضية الوطنية والتي أبانت لنا الدراسة فيها عن جوانب المقاومة المختلفة وأساليب الخطاب المعرفي البليغ، إلا أن مواضيع أخرى هي أيضا جديرة بالبحث والدرس، لم يسعفنا الفضاء الزمني، ولا المساحة المكانية من إعطائها حظها من التحليل. فقضية فلسطين التي خصص لها كثيرا من إنتاجه، وقضايا المغرب العربي التي لا تكاد تخلو منها صحيفة من صحفه.

إلى جانب الآفات الاجتماعية كقضية التفرقة الجهوية والقبلية التي دبت في أوصال المجتمع الجزائري قديما على غفلة من حماة الثغر، وهاهي تطل اليوم برأسها كالأفعى في غياب الأطباء الحاذقين وكبار السحرة من آل موسى، كل هذه القضايا وغيرها كالاقتصاد الإسلامي، تحتاج إلى دراسة تحليلية مفصلة، لأنها بمثابة المشرحة التي عليها يمكن تشريح فكر أبي اليقظان، وتحليل نبوغ عبقريته. وحسبنا في ما نستخلصه كخاتمة أن نسوق نماذج من فكره في هذه الميادين، لنضيف إلى الصورة التي حاولنا رسمها عنه، جوانب مضيئة ومكملة للصورة الشاملة.

لنأخذ القضية الفلسطينية هذا الجرح الدامي في جسم الأمة العربية والإسلامية... إننا سنكتشف مدى صدق تنبؤات أبي اليقظان التي أوحى بها شيطان شعره منذ أكثر من ثلاثين سنة فما تزال القدس إلى اليوم في أيدي العابثين بمقدساتها:

ألا يا ليت شعري كيف تغدو
أيرهقها هزال الضعف حتى
وإن تعجب فاعجب من عدو
وواطأهم على هذا بغاة



ربوع القدس بين العابثينا؟
تساومها جفاة مفلسونا
يخالف خصمه في المسلمينا
للسلام بمجلس يدعى أمينا


إلى أن يقول:

ويعلن في فلسطين سلاما
فنادى صفوة العرب الكرام
على أن يجلسوا جنبا لجنب
وأين دعاة حفظ الأمن هل هم
أباسم الرفق بالإنسان يقصى
أباسم الحق والإنصاف أنتم





يعيش بجنب قسمتها قرينا
ورهطا من كبار الفاسقينا
لمائدة الصفاء يفاوضونا
بعصر النور، أحيا يرزقونا
عن الأوطان ناس آمنونا
على طمس الحقيقة مجمعونا


إن هذه القصيدة لم تلق في حق اتفاق الحكم الذاتي، ولا في مجزرة الحرم الإبراهيمي، ولا في زمن حصار الفلسطينيين، وإنما ألقيت في عام 1965 أي منذ ثلاثين سنة، ومع ذلك ما تزال وقائعها ماثلة للأعين أمامنا إلى اليوم.

إن الروح اليقظانية الحارة التي كتبت بها قصيدة مأساة فلسطين، هي نفسها التي عالجت قضايا المغرب العربي. ولم يكتف أبو اليقظان بفتح أعمدة صحفه لكتّاب من المغرب العربي، كرمز لوحدة الجهاد، ووحدة المصير، بل راح بقلمه يبث الوعي في ضمائر أبناء هذا الجزء من الوطن العربي الكبير مبينا ضرورة توحيد الجبهة المقاومة للاستعمار الموحد القوى والصفوف.

في هذا المجال نجد الكاتب يوجه خطابه إلى زعيم الحزب الدستوري الشيخ عبد العزيز الثعالبي بعد أربع عشرة سنة قضاها في المنفى يقول له: ((لا يعزب عن مدارككم العالية أيها الأستاذ أن الشمال الإفريقي بعدكم قد تطور أطوارا، وخطا خطوات، وسار أشواطا... وفي وجودكم على رأس قوتيه [قوة الشيوخ وقوة الشباب] كفالة تامة لجمع أشلاء هذا الجسد وصيانته من عوادي التبديد والتمزيق، وجعله صفا متماسكا، متراصا، وقيادته إلى حيث المجد، والعظمة والكمال في دائرة العروبة والإسلام. ولكن نيل مطلب الوحدة، وبلوغ أمل توحيد النضال يبقى طريقا مزروعا بالأشواك وأولها أشواك التفرقة الجهوية والقبلية، والتي لابد من اقتلاعها للوصول إلى الهدف المنشود)).

لذلك يعبر أبو اليقظان عن هذه الأمة بمقال عنيف يحمل عنوان "نحن وأنتم" استهله بقوله: ((كفى..كفى.. أيها السادة من نحن.. ومن أنتم.. فقد جعل من قوتنا ضعفا، من كثرتنا قلة، ومن عزتنا ذلة، ومن غنانا فقرا، ومن علمنا جهلا. كفى كفى من قولكم هذا مالكي، هذا حنفي، هذا إباضي، هذا تيجاني، هذا قادري، هذا عربي، هذا قبائلي، هذا شرقي، هذا غربي... فقد فتح هذا بين صفوفنا المتراصة للغير ثغرات واسعة نفذ منها إلى نفوسنا، فأججَ نارها على بعضها وإلى قلوبنا فأفعمها حقدا على بعضنا، وإلى ألسنتنا فأنطقها ضد بعضنا، وإلى جموعنا فشتت شملها وإلى أموالنا فبددها، وإلى أخلاقنا فأفسدها، وإلى قوميتنا فأهانها، وإلى بلادنا فجاس خلالها وإلى ديننا فهتك حرمته أفبعد كل هذا نبقى في "نحن وأنتم")).

وقد راجعت معيار العلوم للغزالي، والسلم وحواشيه [في المنطق] فوجدت أن لفظ "البوليتيك" جامع مانع، ومطرد منعكس، يدخل فيه ما هو سياسي أو يخرج به أو عنه ما ليس بسياسي، بخلاف اللفظ الآخر المشؤوم [السياسة] فإنه يمتد ويسترخي ويتمدد مثل الكاوتشو (أي المطاط)، ويتمطط كليل امرئ القيس [من شدة المعاناة] لما تمطي بصلبه وما ينتهي إليه أبو اليقظان من كل هذا التشخيص هو الوصول إلى علاج ناجع يمكن به القضاء على كبرياء اليهود، انتقاما للشعب الفلسطيني، وتحقيقا للتضامن الوطني الاجتماعي والسياسي، ويتمثل هذا الدواء في إحداث اقتصاد إسلامي، يعيد للتاجر حريته باسم الإسلام، وللتضامن الوطني لحمته ويقضي على البنوك الربوية الاحتكارية، ويعيد للمسلم ماله، وحقه في المتاجرة والملكية، بعيدا عن الاحتكار اليهودي، والاستغلال الرأسمالي...

ولنتصفح مجرد عناوين المقالات، لندرك عمق الأزمة الاقتصادية التي حلت بالشعب الجزائري آنذاك، من ذلك مثلا: "تأثير الأزمتين السياسية والاقتصادية"، الأنانية وحب الذات وخطرهما على المجتمع"، "الانتحار التجاري"، "النفوس المائعة"...إلخ.

ربما كان أبو اليقظان من المصلحين القلائل الذين تفطنوا إلى أهمية العامل الاقتصادي الإسلامي في حياة مجتمع مسلم، مكبل بسلاسل الاقتصاد الاستعماري، ومن هنا كانت طريقة الطرح جديدة، على المجتمع وعلى العدو أيضا.

إن هذه الطريقة في المعالجة لكبريات القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، هي التي بوأت أبا اليقظان هذه المكانة في تاريخ الجزائر الثقافي والإعلامي، وجعلت منه رائدا من رواد النهضة الإصلاحية في الجزائر، مع ما جلب له كل ذلك من قمع، وقهر، وتعسف، ولعل ذلك هو ما حدا بشاعر آخر هو رمضان حمود إلى مخاطبته بقوله:

فسر ودع قول من خست مقاصده
شر البلاد، بلاد خاف ساكنها

في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
من جمرة الجوّ، أو من فتكة السفل


ورحم الله أبا اليقظان في الأولين والآخرين، وجعله مع النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا















ونلتقي لنرتقي

مع علم من أعلام الجزائر الأجلاء

في الحلقة السابعة والثلاثون
إن شاء الله تعالى.
فانتظــــــــــرونا














 

Djahida66

:: عضو مُشارك ::
إنضم
25 ماي 2012
المشاركات
183
النقاط
7
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أعجبتني جدا سيرة الأديب الجزائري محمد ديب

و المفكر مالك بن نبي
بكل هذا الإثراء الأدبي والفكري لديهما
وروائع مؤلفاتهما وكتبهما

بارك الله فيك أستاذي الفاضل جبران
على هذه الإضافات القيمة لهؤلاء الإعلام وجهودكم المميزة
نفع الله بكم ولا حرمكم الأجر
ننتظر رجوعك بكل فارغ الصبر.
</b></i>
 
Top