حوار مع الكاتب والشاعر والاديب اللامع والصحفي الكبير أنور الخطيب على ارضية اللمة معنا اليوم

أويس مصطفى

:: عضو مُتميز ::
إنضم
5 جويلية 2008
المشاركات
709
النقاط
23


كما عودناكم دائماً وسنظل كذلك لعمل حوارات مع اكبر الشخصيات على أرضية اللمة .... وضيفنا اليوم هو أنور الخطيب الصحفي الكبير والاديب اللامع








http://www.youtube.com/watch?v=OdriI6yXoNc




سلام الله عليكم ورحمته وبركاته :
... لكل واحد منا يعيش اثر أحلامٍ وَردِيَة فبمرافقة الموهبة وعنفوان الطموح ، قد يصل الإبداع ويتعدى حدود الواقع . لينسج ما وراء الآفاق والأحلام كل ما هو جميل ...
متناسين أدهى وأمر العقبات التي تعترض طريق ها الحلم الوردي ، وتغلق ذاك الرواق الذي يفوح شذى عطر . فهناكَ من انقادوا نحو المجد والعلا بخطئ متئدة بأبهى وأحلى الكلمات التي ترسم وتدارك الواقع بخيال وريشة فنانٍ ...
على كل هذا وذاك يسعدنا وبشرفنا هنا اليوم أن نستضيف نجماً وكوكبا دائم الضياء في سماء الكتابة والإبداع ، ويأبى أن تطفئ شمعته ليجعلها مشتعلة بحرقة بلدهِ ليصر على المضي قدماً واعتلاء على الهفوات والأخطاء التي قد يقع فيها أي كاتب .. فلم تكن سوى خزعبلات قتلها بالصمت ولم يجعلها سبيلاً لتحطيمه أو لكبتِه و تغليلهِ منعاً للإصرار ..
من أجل ذلك الحبّ وتلك الترانيم التي لا تُنسى وأقواس البنفسج وزهر اللافندر وأغنيات المطر وعصافير قلوبكم , نتشرف باستضافة الكاتب الأديب والصحفي الكبير أنور الخطيب و نشكره جزيل الشكر على قبول الدعوة .. التي نسال الله أن تكون طيبة مباركة ..
فيا أهلا وسهلاً بكِ أستاذنا الكريم وشاعرنا اللبيب من فلسطين القلب .
الحوار :

1-قدم لنا شخصيتك ومن يكون الأديب أنور الخطيب ؟
·شكرا على هذه المقدمة الرائعة أخي العزيز، أنور الخطيب لا يزال يحمل قلب طفل لم يؤثث فيه الخراب ملامحه، لا يزال يندهش ويتألم ويعشق ويتذوق الجمال، رغم مساحات القبح التي تسللت جحافلها إلى الحياة، ورغم النفي والغربة والهجرة والتهجير والهزائم، وروح هذا الطفل هي التي تكتب الشعر والرواية والقصة، معلنة استغرابها وجفولها وهتافها ضد هذه الحياة، وحين يكتب أنور الخطيب، فإنه يحاول أن يخلق ملامح أخرى للحياة، ليست بديلة، وإنما موازية، أصدرت أربع مجموعات شعرية، بينما لدي قصائد تكفي لعشر مجموعات، وأصدرت 11 رواية، بينما لدي من القصص ما يشكل ملحمة لا تنتهي من الحب والوجع، وأصدرت ثلاث مجموعات قصصية، وفي كل يوم تظهر قصة جديدة تستحق أن تسطر.

2-لكل إنسَان حلم يراودهُ منذ الصِبَا ، فهل كانتْ الكتابة ضمن قوافلِ أحلامِكَ ؟ ومَا سبب تعلقك وحرصكَ الكبير على كتابَة شِعرِ الحُزن والوجع ؟
·لم تكن الكتابة حلما يا صديقي، كنت أحلم أن اصبح طيارا عسكريا، لغرض في نفسي، أما بالنسبة للكتابة فهي قدر وليست حلما، بدأت أكتب لأجيب على أسئلة أشعلت النار في جمجمتي وأنا طفل، ولا زلت أكتب للسبب ذاته، ونحن لا نختار في كثير من الكتابات موضوع كتابتنا، أنا بالفعل أكتب نفسي، وبتلقائية كبيرة، وأحيانا لا أعير لمبنى القصيدة أو الرواية اهتماما كبيرا، وأطلق روحي كما ينطلق عصفور سجين خارج قفصه، أو كما يصهل حصان بري في المدى، يخونني المدى أحيانا، فأصدم بالحواجز من كل نوع، فيظهر الوجع والحزن والنقمة ربما، وماساتي تكمن في أن القصيدة تكتبني، وحين أحاول أن أتعمد كتابة ما جول فكرة ما، تتمرد القصيدة علي لتوجه روحي من جديدة إلى اتجاهاتها الحقيقية..

3-حين بدأت الكتابة ماضياً في مَساعِيهَا ، لا شك ان هناكَ عقبات كبلتْ مسيركَ الأدبي وحتى تقبل وجهات نظر القراء والنقاد على وجه الخصوص ؟ كيفَ كان اثر ذلكَ في حياتك الأدبية .
·إن عقبة الكتابة الريسية تكمن في عجز اللغة عن قولنا، ولهذا أحتضن القصيدة واضمها بعيني لفترة قبل نشرها، ونشرها يكون إما لأنني مللت من التحديق فيها، وثانيا لأنني أريد أن استمر في الحياة بلا توتر، أتقبل آراء القراء والنقاد برحابة صدر، وعليهم أن يتقبلوا ما ينز من رئتي أيضا، والقارئ الحقيقي يرفض أن يكون وصيا على الكاتب، وكذلك الناقد الحقيقي يجب أن يسير بموازاة الكاتب، ليس خلفه ولا أمامه، وهذا السير الموازي يخلق الحوار مع النص، مهمة الناقد ليست تطبيق مدارسه النقدية الجاهزة، فهناك نصوص عصية على ذلك، ولهذا، لا يشكل لي القارئ أزمة أثناء الكتابة، وكذلك الناقد، أتناساه في معظم الأوقات، وأقيم هياكلي وحدي بعيدا عن أي مؤثرات خارجية. أما الأمر الآخر، فيكمن في الرقيب العربي الذي يحاكم النص الإبداعي بأدوات جاهزة وقوانين ثابتة، وهنا ينشأ الصدام بين الثابت والمتحرر.

4-"الكتابة فن وذوق" أو "يبدع في الكتابة من يتألم" كما قيل ، فإذا اجتمعَت الحرارة والمرارة في قالب الحرية وانطلاق الفكر كيف يكون للإبدَاع حُضور؟ ومَا هو الأهم في رأيك ،الكتابة بفَنٍ ثري وإيحاء بسيط يوصل المعلومة أم الكتابَة بزخرفة الكلمات وكثرة المحسنات بغير هدف ؟
· نحن نتألم كلما زادت معارفنا وكلما حققنا كشوفاتنا وكلما تدفقت فيوضاتنا، ولهذا، اسمح لي أن أحور المقولة بالقول (يبدع في الكتابة من يعرف)، وهذا يقودنا إلى الشق الآخر من سؤالك الجميل، الكتابة ليست (عروس المولد) حتى نزخرفها ونشحنها بالمحسنات ومواد التجميل فقط، هذه عناصر تحملها المعرفة الجمالية معها ويجب استخدامها دون تصنع، الكتابة فن توصيل الحالة والمعلومة والحقيقة والصورة بلغة تناسب المقام، والكتابة بلا هدف مثل العيش بلا هدف، ولا أعني هنا شحن الكتابة بالأفكار والمبادئ والقيم فقط، فللكتابة دور جمالي لا يقل عن الدور الفكري والتوعوي، وأعتقد أن هذه هي الحرارة التي تتحدث عنها، لا بد من أن يكون النص حيويا وطربا ومثقفا، أي يجب أن تكون للنص (كاريزما) حتى يفرض حضوره، أي شكل وجوهر وهالة.

5-ما سبب اختيارك لعنوان "مري كالغريبة بي" لديوانك الأخير ؟
·منذ أن بدأت أعي ما يدور حولي، وأنا أرى الحياة على صورة وداع، الموت، السفر، الفراق، الانتقال، الهجرة، التهجير، الغياب، أصبت بالتخمة من هذه المعاني، وشيئا فشيئا، صرت أفضل عدم حضور (مراسيم الوداع)، لا أحب أن يودعني أحد، ولا أحب أن أودع أحدا، الناس يودعون بعضهم كأنهم لن يتقابلوا في يوم ما، الوداع يحمل معنى الخسارة والفقد أكثر من الافتقاد، ولهذا خاطبت حبيبتي بهذه الجملة: مري كالغريبة بي، كي ألتقيك قريبا في صالة العاشقينن وهذا المعنى ينطبق على الأماكن، لا أحب أن أنظر خلفي، واعتقد أن الثر الباقي جراء هذا التصرف أكبر مما لو شيعت الأماكن بنظرة أخيرة، أو شيعت الأحبة والأقارب، (ففي لحظة الوداع، تصاب كفاي بالعمى، لا تصافحيني)..هكذا قلت، وينسحب هذا على بقية أجواء قصائد الديوان، ومن هنا حمل ديوان التالي عنوان (شجر ذاهب للريح).

6-ألقيت تحية وسلام على مفجر الثورة التونسية محمد البوعزيزي والى كل الشهداء الذين سقطوا في سبيل الحرية .. ورمقنا لك أيضا تحية إلى مصر الكنانة وثورة 25 يناير يعني انكَ مع الربيع الذي حلَّ على الأمة الإسلامية .. فهل يخدم هذا الأخير القضية الفلسطينية بالوجه العام ؟
·سؤال سياسي بامتياز، ولكنني سأجيبك يا صديقي، لا يمكن إلا أن أكون ضد الاستبداد والظلم والقهر والقمع ومصادرة الحريات، ولكنني في المقابل ضد تدمير التاريخ والحضارة والمدن وموت الناس بشكل غير مبرر لسبب بسيط هو: إعادة الإعمار، وإيجاد فرص عمل للشركات الغربية للتغلب على الأزمة الاقتصادية التي تلم بأوروبا وأمريكا، وأنا مع التغيير، تغيير النظام برمته ولست مع تغيير شخص بشخص، والتغيير يتطلب انتقالا نوعيا بطريقة تفكير الناس واساليب حياتهم، فلا أؤمن بديمقراطية مبنية على القبلية أو المذهبية أو المحاصصة وغيرها، 90% من السائين في مظاهرات لا يفهمون معنى الديمقراطية والحرية، هذا المبادئ يجب ترجمتها في البيت أولا، في العلاقة بين أفراد الأسرة، في العلاقة بين الرجل والمرأة، الأخ والأخت، وهي مبادئ الاحترام والتشاور وتقدير الرأي الآخر، أنا كتبت للشهيد محمد البوعزيزي، الذي لم يجد ما يحرقه فأحرق نفسه، فأضاء تونس، وكتبت عن (بهية) وهي رمز لمصر، وعنونت القصيدة بـ(حديث صحيح لبهية)، فثورات الشعوب مقدسة، لكنك كما ترى، ذهب الرئيس مبارك، وبقي النظام، وكل ما أخشاه أن يفرز الربيع العربي دكتاتوريات أخرى تحت ذرائع مختلفة، وفي الواقع، من المبكر أن نحكم على هذا (الربيع)، إن كان سيأتي لنا بالأزهار، أو بدمار آخر، ولكنه، وعلى حالته الراهنة، لن تستفيد منه فلسطين في شيء، فالجميع يعلن أنه ملتزم بالاتفاقيات الدولية، يعني بمعاهدات السلام مع الكيان الصهيوني، إذا كيف ستستفيد فلسطين، وإنني أدهش حتى الآن، كيف لم تشهد فلسطين ربيعها، الشعب الفلسطيني يحتاج إلى ربيعين، الأول ربيع داخلي للتخلص من الفساد المستشري في الجسد الفلسطيني ومؤسساته في الداخل والخارج، والثاني ربيع ضد الكيان الصهيوني، الذي أراه المستفيد الأول من هذا الحراك حتى هذه اللحظة، والحديث يطول..

7-العشق الأبدي هو للأرض السليبة فلسطين برأيك هل التضامن العربي سواءً السياسي او الأدبي يرقى إلى مستوى الهم الفلسطيني إزاء القضية القومية ؟.
·لا يوجد أي تضامن عربي بالمعنى الثوري للكلمة، هناك مساهمات عربية تشبه (المورفين) تبقي الحال على ما هو عليه، وهو كذلك منذ عودة الرئيس الراحل أبو عمار إلى قطاع غزة في العام 1996، مع مجموعة من المقاتلين، بل إن الوضع في نظري ازداد سوءا، أما التضامن الأدبي فيمر في إشكالية، لقد باتت القصيدة الوطنية موضع اتهام وشك في جودتها، لقد مر الأدب العربي في فترة سابقة، خلال العصر الذهبي للثورة افلسطينية، بمرحلة تلاحم مهمة مع الهم الفلسطيني، وبعد الخروج من بيروت في العام 1982، تراجع التضامن، وكأن وهج البندقية هو المحفز للتضامن، بينما يقول البعض أن الكلمة هي التي توجه البندقية..الآن لا كلمة ولا بندقية..

8-يأتينا الحديث كثيراً وخاصة في هذه الأيام حول صراع الحضارات أو التغيرات الفكرية أين هي فلسطين من هذه التغيرات والصراعات ؟
·صراع أو صدام الحضارات فكرة أطلقها الكاتب الأمريكي صموئيل هنتنغتون، وأتبعها الكاتب الأمريكي ميشيل فوكوياما بنظرية (نهاية التاريخ) التي تراجع عنها فيما بعد، وبدأ بكتابة مقاصده من ورائها، ومعظم هذه الأفكار لها علاقة بانتهاء الحرب الباردة فين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، واعتقد فوكوياما أن البروستريكا التي فتتت الاتحاد السوفييتي تعني انتصار الليبرالية الغربية إلى الأبد، وهذا ضد منطق تطور المجتمعات والحراك الفكري والسياسي والاقتصادي، ومع تفتت الاتحاد السوفييتي، خسرت القضايا الثورية ومنها القضية الفلسطينية حليفا وداعما قويا، ولم يكن دعم الاتحاد السوفييتي للفلسطينيين لقناعته بأن فلسطين للفلسطينيين، لأنه معترف بالكيان الصهيوني، ولكن كان من أجل توسيع تحالف ضد أمريكا، وهكذا، كانت فلسطين هي الخاسر الأكبر، إضافة إلى دول أخرى في المنطقة،وهذا يعطي درسا قويا لمن يستورد أفكاره ويسلم أمره للآخر، كائنا من كان، الثورات والبناء يجب أن تستند إلى إمكانيات الشعوب الذاتية، فهي الضمانة للاستمرار.

9-تبعاً لهاته الظروف التي نعيشها ، ما هو المطلوب من المثقف العربي أو الفلسطيني ان يفعل ؟ هل ينزل إلى الشارع ليمارس أفكاره وعقائده ؟أم يمضي بأحلامه ليحلق بها إلى سماءِ أخرى ليكتب ويتبع ما يفعله الآخرون ؟ أم يترك هذه وتلك ؟
· المثقف الفلسطيني شأنه شأن اي إنسان آخر، لديه التزامات حياتية ومشروعه الخاص الذي لا ينفصل عن المشروع العام، وهو واقع بين نارين، واقع العيش بكرامة، وواقع إحساسه بدوره كمثقف يجب أن يقود عملية التغيير، وهو مكبل في الحالتين، وهو أمام خيارين أيضا، إما أن يمارس صدقه ويودع السجن، وإما أن يمسك العصا من وسطها كما هو حاصل حاليا، وهو يعلم أن الزمن ليس لصالحه أبدا، ولكن لا بد من خطوة في النهاية تضمن له العيش بكرامة وممارسة دوره، والشارع أحد هذه الخيارات، ونشر التوعية خيار آخر، لكن لنكن صريحين، هناك مثقف فلسطيني خارج فلسطين وآخر في الداخل، وكلاهما يعاني ذات الإشكالية، لكننا نعول كثيرا على مثقف الداخل، يجب أن يقود المرحلة بالطرق التي تناسب جغرافيته وأهدافه، أما الصمت الحاصل حاليا فلن يؤدي إلى أي ضوء في نهاية النفق. وهناك أمر ثالث، ومعروف في الساحة الفلسطينية، وهو الانتماء، على المثقف الفلسطيني أن ينتمي إلى أي جهة، تنظيم، حزب، حركة، حتى يجد له منبرا، وفي هذه الحالة يصبح اسير توجهات الجهة، الأمر في غاية التعقيد، والأمر ذاته ينطبق الآن على المثقف العربي، ولكن حتى تكون حرا يجب أن تكون مستقلا، وهذا لا يعني أن لا تكون منتمياً، ويكفي أن تنتمي للوطن والشعب والإنسان لتمارس دورك، ولكن، هل هذا متاح بنسبة كبيرة؟

10-المعروف عنكَ سيدي أنور الخطيب موازنتكَ بين السياسة والثقافة طوال سنوات العمل في مجال الصحافة أو الكتابة ، ما تفسيركَ لذلكَ ؟
·الإنسان الفلسطيني البسيط كائن سياسي، فما بالك بالمبدع أو المثقف، لا بد أن يكون معجونا بالسياسة، لكن المبدع يمارس السياسة في إطار الأشكال الإبداعية، لكن الواقع الراهن لا يترك لك فرصة لممارسة السياسة أو الإبداع كما يجب أن يمارسا فعلا، ولهذا، يحاول أن يخلق هذا التوازن المؤلم أحيانا، بالنسبة لي شخصيا أنا لا أدعي أنني أمارس السياسة بمفهومها الرسمي أو المؤسساتي أو الحزبي، المبدع يجب ألا ينتمي إلى حزب، بل يجب أن يمارس حريته في تحليل المشهد الذي غالبا ما يكون متغيرا، أنا أمارس السياسة بمفهومها الوطني الإبداعي الإنساني، ولهذا تجد هذا التوازن بين الفعل الثقافي ومحتواه السياسي..

11-يبقى يظل الوطن حالة وجدانية ترافق الشاعر والكاتب والصحفي أو المبدع إذا صح التعبير في حله وترحاله لا سيما من يرحل على بلدهِ . كيف ترى وطنك الأول وهل أتت الغربة بنتائج نصنفها على أنها فعل مقاوم او فعل حياة ؟
·الوطن الأول حلم جميل بالنسبة لي، أنا المولود خارجه، يبقى كقصيدة لم تكتمل، وعلاقة حب مدهشة رغم مرور سنوات طويلة، لكنها تبقى في حاجة إلى الهواء والتربة والمكان والأصدقاء والذكريات، ليس لي ذكريات في وطني، لدي ذكريات أبي وأمي رحمة الله عليهما، وهذا ما زاد من إشكالية العلاقة، أن تعشق وطنا متخيَّلا، هذا يعني أن تبقى في حالة من الوجد التوق والألم، وهنا وجدت الغربة لها مكانا شاسعا لتبني خرابها في المشاعر واللغة والأدب، حتى تعتقد في لحظة ما أنها هزمتك، وأدخلتك في (عاشوراء) دائمة..انتمائي لوطني فلسطين مختلف عن انتماء الفلسطيني داخل فلسطيني، ويختلف عن انتماء أي مواطن آخر، وقد كتبت كثيرا عن هذا الإحساس، وصدقني، لا أعرف ما هو شعور المواطن في وطنه، وهذا يسرب دائما مرارة إلى نفسي، وأزيدك أيضا، لقد سألت كثيرين: ماذا يعني أنك مواطن؟ وكانت الإجابات غير شافية. في النهاية، ليس أمامك سوى مواجهة ومجابهة هذه الغربة التي تتكرر كثيرا، فالهجرة تصبح هجرات، والغربة تصبح منفى يلد منفى يلد منفى..والصمود في هذا المنفى ليس خيارا وإنما هو قدر وحتمية لا مفر منه على الإطلاق، قد تكون اللغة ملجأ وقد تكون المرأة واحة، وقد يكون الصديق استراحة، لكن كل هذا لا يغنيك عن الوطن الحقيقي، حيث اللغة والحبيبة والصديق لهم معان أخرى..

12- تساءل احد الكتاب "من يبيع الوهم للفلسطينيين" كونك مواطن فلسطيني عاش القضية لحظة بلحظة بكل تجاوب وجداني ، فكري ... الخ . هل تملك جوابا يشفي حيرتنا؟
·العالم كله يبيع الوهم للفلسطينيين، وأصحاب القرار الفلسطيني يبيعون الوهم للفلسطينيين، فمنذ الحرب العالمية الأولى، وفلسطين تتعرض للنهش والسبي والاغتصاب من الجميع، وبعد الحرب العالمية الثانية، تعرضت فلسطين للخطف، وفي العام 1948، تعرضت للخيانة، ولا يزال العالم يعرض الوهم، ولا يزال الفلسطينيون، رغم كل التجارب والمؤامرات والخيانات، يصدقون العروض ويقبلونها، لا ابالغ إذا قلت أن أوطانا كثيرة ستضيع بعد فلسطين، ففلسطين ليست للفلسطينيين وحدهم كي يُتركوا بين المطرقة والسندان، وهم ليسوا فائضا سكانيا كي يتم السكوت على المذابح التي يتعرضون لها، وعلى العبث اليومي والإجرام المستمر أيضا، وللفلسطينيين دور في انتشار بضاعة الوهم، ولهذا، لا بد من ربيع فلسطيني بامتياز، لا علاقة للناتو ولا التحالفات الغربية به، ولا علاقة للجامعة العربية به أيضا، بل ربيع فلسطيني يحارب الوهم وحالة الركود، ويحرك هذا المستنقع السياسي بكل الوسائل..

13-عاش الوطن العربي مرحلة من التوعوية ونوع من فكِ الظلم والاستبداد ، وهذا ما جعل بعض البلدان تعيش في برك من الدماء ومصانع للمجازر البشرية نأخذ على سبيل المثال: مصر ، سوريا ، ليبيا . .برأيك ما هو الحل الأمثل لتقرر الشعوب مصيرها إلا انَّ الاعتصامات السلمية لم توفِ بالغرض . ولا الاستفتاءات أيضا كفيلة لذلكَ ؟.
·التحرر الذي تنشده الشعوب يمر بمراحل عديدة، وأولها الوعي بقضاياها وحقوقها، وهذا الوعي تخلقه القيادات الشعبية الواعية والمثقفون التقدميون والوطنيون، وللأسف لم تحظ الشعوب العربية حتى اللحظة بقيادات شعبية واعية وطنية تستمد مبادءها من ثقافة أوطانها، وإنما كانت تستورد إيديولوجيات خارجية وتحاول تطبيقها عليها، وحين تلاشت هذه الإيديولوجيات وجدت نفسها عارية وفي وضع لا تحسد عليه، المقاومة لم تنشأ من الداخل الشعبي، بل جاءت من فوق، أي لم تمر بمرحلة تهيئة شعبية تجذر حس الانتماء والوطنية، إضافة إلى العبث الذي كان يمارس من قبل المراهقين الثوريين، ولو أخذنا المقاومة الفلسطينية نموذجا، نجد أن كل ما سلف ينطبق عليها، فبعد خروج المقاومة بين الأردن في العام 1971 مهزومة، وبعد خروجها من لبنان في العام 1982 مهزومة أيضا، وجد الإنسان الفلسطيني نفسه في لبنان والأردن عاطلا عن العمل الوطني ومشرذما، لأنها لم تؤسس لأخلاقيات العمل الوطني، وهذا ينسحب على مختلف الأحزاب العربية، وما يحدث حاليا مربك للغاية، هنالك قرار صريح وحازم بخلق حالة من الفوضى التي أطلق عليها جورج بوش الإبن الفوضى البناءة، وهو يقصد حرفيا، إعادة المجتمع العربي إلى عصر الظلمات، ليبيا لم تشهد ثورة سلمية، وسوريا لا تشهد الآن ثورة سلمية، ومصر حدث فيها انقلاب عسكري لإنقاذ البلد، ومن تابع الأحداث سيرى أن اشتباكات مسلحة حصلت في أماكن كثيرة، الشعوب العربية لا تعرف كي تتظاهر سلمية، والسبب لأنها غير منظمة في الأصل، ولهذا السبب تتحول إلى ثورة عسكرية مدعومة من الخارج، وهذا (الخارج) له مصالحه الاقتصادية والسياسية وأهمها حماية الكيان الصهيوني، ولازلت أذكر قول بطرس غالي حين أجاب عن سؤال يتعلق برأيه في الثورات، فقال للمذيع: (هل رأيت علم فلسطين في أي مظاهرة من المظاهرات)؟..هذا سؤال إستراتيجي، ويوضح أمورا كثيرة..

14- إلى الجزائر :
تخصص لغة انجليزية جامعة قسنطينة سنة 1977 . أي في فترة الراحل هواري بومدين . صاحب المقولة الشهيرة ؟ مع فلسطين ظالمة أو مظلومة ؟
كيف كانت رحلتك في الجزائر وكيف كانت علاقة فلسطين بالجزائر . هل تغيرت ، مع تغير الحكم في الجزائر ؟.
·نعم درت اللغة الإنجليزية في جامعة قسنطينة في الجزائر، وفي تلك الفترة كانت الجزائر في مرحلة بناء ذاتي حقيقي بعد زوال الاستعمار الفرنسي القبيح، كانت هناك ثورات ثقافية وزراعية وصناعية وتعليمية، وقد سمعت الأطفال وهم يلعبون يتحدثون باللغة العربية الفصحى، الرئيس بومدين رحمه الله، رفض الوصاية الأجنبية على مقدرات البلاد وثرواتها، ورفض التحكم الخارجي بسياسة الدولة المستقلة، وكانت الجزائر فعلا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، ولم تكن فلسطين يوما طالمة أبدا، بومدين قائد تاريخي بكل معنى الكلمة، وقد رايته شخصيا وعن قرب، له كاريزما القائد الحقيقي، ولو كتب له عمر لكانت الجزائر غير ما هي عليه الآن، إن ما أعرفه أن الشعب الجزائري شعب وطني ثوري مع القضية الفلسطينية، لكن ما حصل بعد وفاة الهواري أربك المسيرة التي خطها، وأحيانا أعادها إلى الوراء، ولا سيما بعدما شهدت من معارك مسلحة شقت المجتمع الجزائري شقا..ولكنني أعتقد أن الجزائر ستتعافى لأن شعبها شعب حي وحيوي وثوري وصادق.

15-شهدت الجزائر تنظيم الأسبوع الثقافي الفلسطيني ضمن الجزائر عاصمة الثقافة العربية.. فهل تابعت الحدث ؟
·للأسف لم أتابعه كما يجب، وأخطط لزيارة الجزائر في أقرب وقت ممكن، هنالك ترعرعت ثقافيا وإبداعيا، وفي المرحلة الجامعية نشرت أولى قصصي في جريدة النصر، وكان تعامل إدارة التحرير معي راقيا وحضاريا.

16-بتعبير من قلمك الجميل ونثر سردي صف لنا الجزائر ومكانتها في قلبك كبلد ثاني لك.
·أحن إليها كما أحن لفلسطين، لا زلت اشعر خطواتي في أزقة وشوارع قسنطينية، ولا زلت استشعر دفء الجامعة والأصدقاء، ولا زلت اشم رائحة الجبال المحيطة بها، وأعانق جسورها التي تربط بين جهتي القلب، ولا زلت أكحل عيني بجمال سهول بجاية وعنابة وسكيكدة وبحر وهران الجميل، ونقاء هواء تلمسان، ولا زلت اذكر ذلك الطفل الذي أنقذني حين لاحظ ارتباكي في المطار في أول زيارة لي، وأنا لا أفهم اللهجة الجزائرية أو اللغة الفرنسية، تقدم مني وحدثني بالعربية الفصحى في المطار، وارشدني كيف أتصرف وإلى أين أذهب..لا زال قلبي ينبض كلما نبشت ذاكرتي، كأنني أنبش قلبي بحثا عن حبيبة حال الزمن دون لقائنا..

17-كلمتك الأخيرة التي توجهها لموقع اللمة ؟
هذا الموقع (يلمّني) على أحبتي، ويجمع شمل القلوب، هو شريان ينقل الدم من أيسر القلب إلى أيمنه..فشكرا..
الى اللقاء مع اديب وشخصية اخرى ...

جميع الحقوق محفوظة ©2005 - 2011,
شبكة فور الجيريا - منتدى اللمة الجزائرية


أويس مصطفى


 
آخر تعديل:

العاشقة لبلدها

:: عضو مُتميز ::
إنضم
20 نوفمبر 2011
المشاركات
1,042
النقاط
43
شكرا لك وجزاك الله خيرا
بانتظار المزيد من التالق والابداع
انشاء الله
 
إنضم
21 أفريل 2010
المشاركات
6,030
النقاط
351
محل الإقامة
المدية
الجنس
أنثى
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
بعد تمتعي بالقراءة لارقى الاقلام العربية
وحال مايصل استاذي مصطفى مصاف الكبار
ويتحفنا باجمل ما يمكن ان تجود به اللغة العربية
ويعلن بداية ثورة القلم والحوار
لا يسعني الا الانحناء
تقديرا واحتراما وفخرا واعتزازا به
.........
اهلا وسهلا بك ضيفنا الكريم بين احضان لمتنا
التي تشرفت بتخليد كلماتك على جدرانها
فلتعذرني اديبنا المبجل
عل فرحتي بتواجدك كبيرة
لكن فرحتي باستاذي مصطفى اكبر واكبر
فقد فرض نفسه بجدارة بين النجوم
:re_gards:


 

براءة مسروقة

:: عضو مُتميز ::
إنضم
8 ماي 2010
المشاركات
987
النقاط
37
شكرا لكم على كل هذه المجهودات من اجل النهوض بالشباب شكراااا لكم على هذا المجهود الجبار
 

sousou sara

:: عضو مُتميز ::
إنضم
17 جانفي 2012
المشاركات
938
النقاط
23
العمر
23
على هذا التالق و الابداع لك من احسن تقييم
 

white heart87

:: عضو مُتميز ::
إنضم
8 أوت 2011
المشاركات
858
النقاط
17
بارك الله فيك


بارك الله فيك أستاذنا الغالي والمميز دائما مصطفى ولك منا جزيل الشكر على هذا الحوار الشيق..مزيدا من التألق والنجاح​

+ تقييم
 

hadda0425

:: عضو شرفي ::
إنضم
12 أفريل 2009
المشاركات
5,657
النقاط
351
شكرا على المجهود وبالتعريف على الاديب و الصحافي اللامع
جزاك الله كل خير
 

محـ أمين مد

:: عضو مُتميز ::
إنضم
10 أكتوبر 2009
المشاركات
1,453
النقاط
39

و الله منبهر في سلاسة اللغة التي يتحدث بها

ماشاء الله تبارك الله

موفقين ان شاء الله .
 

homework

:: عضو شرفي ::
إنضم
30 ماي 2008
المشاركات
1,332
النقاط
39
مشكور على المجهود لايصال هذا الحوار الرائع بارك الله فيك
 

*sara*

:: عضو مُشارك ::
إنضم
30 نوفمبر 2011
المشاركات
231
النقاط
7
العمر
28
لـــــــــــــي عودة ان شاء الله
 

adelskikda

:: عضو مُتميز ::
إنضم
9 أفريل 2008
المشاركات
1,486
النقاط
37
العمر
37
شكرا جزيلا دائما متالق كعادتك ..............................ننتطر من المزيد ............تحياتي
 

miss-imane

:: عضو فعّال ::
إنضم
8 أوت 2010
المشاركات
1,587
النقاط
37
العمر
25
مشكوووورييين على هذا التميز والابداع الدائم


بارك الله فييكم

تحياتي
 

zahira92

:: عضو فعّال ::
إنضم
10 أفريل 2010
المشاركات
1,601
النقاط
37
العمر
28
محجوووووووووووووووووووووووووووز لي عودة للموضوع والتعليق عليه تحياتي العطرة لكم
 

احلام dz

:: عضو منتسِب ::
إنضم
26 جانفي 2012
المشاركات
44
النقاط
3
العمر
26
شكرا لك وجزاك الله خيرا
بانتظار المزيد من التالق والابداع
انشاء الله
 
Top