المرض والتداوي
أولا: المرض:
المرض هو اعتلال الصحة بتغير المزاج لسبب طارئ أفسد اعتداله فمرض صاحبه، والمرض في الجسم ليس مكروهًا دائمًا بل منه ما يكون مُرضيًا لمن أصابه من أهل الإيمان والصبر والرضا يدل على ذلك قول الرسول r: «لا تسبوا الحمى فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد»([1]). وقوله r: «من يرد الله به خيرًا يصب منه»([2]). وقوله r: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ويُبتلى الرجل على حسب دينه»([3]). وقوله r: «ما من مرض أو وجع يصيب المؤمن إلا كان كفارة لذنبه حتى الشوكة يُشاكها أو النكبة يُنكبها»([4]).
عيادة المريض:
إن عيادة المريض مُرغَّب فيها مَدعُوٌّ المؤمن إليها لما فيها من الأجر العظيم وهي من حق المؤمن على أخيه المؤمن، فقد قال r: «للمسلم على المسلم أربع خلال: يشمِّته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويشهده إذا مات، ويعوده إذا مرض»([5]) وقال r: «من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة([6]) الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي فإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح»([7]). وقال r: «من عاد مريضًا نادى مُناد من السماء طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً»([8]).
مبدأ العيادة:
لا بأس أن تتأخر عيادة المريض حتى يمضي عليه ثلاثة أيام، إذ من الجائز أن يشفى المريض بعد يوم من مرضه أو يومين، فلذا كان النبي r يعود المريض بعد مضي ثلاثة أيام من مرضه، فقد روى ابن ماجة عن أنس قوله: كان النبي r لا يعود مريضًا إلا بعد الثلاث.
ما يقوله العائد:
إن العائد للمريض إذا انتهى إليه، وضع يده عليه وسأله قائلاً: كيف أصبحت أو أمسيت؟ ثم يقول: لا بأس طهورًا إن شاء الله. وَلِيَدُعُ بما يلي: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك، لقوله r: «من عاد مريضًا، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيك إلا عافاه».
وكان r إذا أتى مريضًا أو أُتي به إليه قال: «اذهب البأس رب الناس واشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادره سقمًا»([9]).
ثانيا: التداوي:
إنَّ طلب الدواء والمداواة مأذون فيهما شرعًا بل مأمور بهما في بعض الأحوال وليس أدل على ذلك من قول الرسول r: «ما أنزل الله داء إلا قد أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله»([10]). وقوله r: «يا عباد الله تداووا»([11]). وفي الصحيح: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء»، ومن هنا ما زال الناس يطلبون الأدوية ويترقون فيها إلى اليوم نظرًا إلى قوله r: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء».
بعض ما يتداوى به:
1- الحبة السوداء:
ويقال لها حبة البركة صح فيها قول الرسول r: «في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام»([12]). أي الموت.
2- العسل والحجامة:
العسل: قال تعالى فيه: }يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ{.
الحجامة: لقول الرسول r: «الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية بنار، وأنهى أمتي عن الكي». رواه البخاري ومسلم وأحمد.
وقد احتجم r وأعطى الحجام أجرة، وقال: «إن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة»([13]) وقال: «من أراد الحجامة فليتحر سبعة وتسعة عشر وإحدى وعشرين ولا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله»([14]).
وقال رسول الله r: «الحجامة على الريق أمثل فيه شفاء وبركة تزيد في العقل وفي الحفظ»([15]).
3- الماء البارد:
إن الحمى وخاصة الناتجة عن ضربة الشمس تعالج بالماء البارد فقد قال r: «إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء»([16]).
4- الكحل:
إن الاكتحال مشروع للنساء، إذ هو من زينتهن، وهو للرجال دواء العينين فيكتحل المسلم لأجل الحفاظ على قوة بصره ولا سيما بالإثمد فإنه نافع جدا، لقول الرسول r: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»([17]). أي شعر الأجفان التي هي وقاية للعينين.
5- الحناء:
الحناء كالإثمد معروفان لعامة الناس، والتداوي بالحناء يكون بوضعها بعد تنعيمها حتى تكون كالدقيق، ثم تبل بالماء وتوضع على مكان الألم، فقد رُوي وصح عن سلمى أم رافع مولاة رسول الله r أنها قالت: «كان لا يصيب النبي r قرحة ولا شوكة إلا وضع عليه الحناء». والحديث حسن([18]).
6- الحمية للمريض:
إن الحمية وهي الامتناع عن بعض الأطعمة من أقوى أسباب حفظ الحصة فهناك كثير من الأطعمة والأشربة وإن لم تكن خبيثة محرمة فإن تركها أنفع للإنسان في حفظ صحته، إلا أن الحمية للمريض نافعة ومرغب فيها، فقد رُوي وصح عنه r أنه قال لعلي t وهو ناقِه من مرض أصابه وقد تناول تمرًا ليأكله قال له: «مه يا علي إنك ناقه». فقد حدثت أم المنذر الأنصارية، فقالت دخل علينا رسول الله r ومعه علي بن أبي طالب وعلي ناقه من مرض، ولنا دوالي معلقة، وكان النبي r يأكل منها، فتناول علي ليأكل فقال النبي r: «مه يا علي إنك ناقه»([19]) قالت: فصنعت للنبي r سلقًا وشعيرًا، فقال النبي r: «يا علي من هذا فأصب فإنه أنفع لك»([20]). من هذا تبين أن المريض يحمى عن بعض الأطعمة الثقيلة ويؤذن له في الطعام الخفيف.
7- عرق النسا:
إن عرق النسا مرض مؤلم قديم عرفته البشرية من قرون عديدة، وهو عبارة عن عرق في الورك يستبطن الفخذ إلى نهاية الرجل، وقد أعجز الأطباء علاجه، وقد ذكر الرسول r طبًا في غاية اليسر والسهولة فقال: «شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابيةتُذاب ثم تجزِّأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء». [رواه ابن ماجة وهو صحيح].
التداوي المحرم:
لا يحل للمسلم أن يتداوى بمحرم: كالخمر، ولا بالقاتل: كالسم، ولا بالخبيث: كالبول، وسائر النجاسات من دم وعذرة، ونحوها لقوله r: «من شرب سمًا فقتل نفسه فهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا»، وقوله r: «إن الله لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم»([21]). وعلى المنع بالتداوي بما ذكرنا أكثر أهل العلم.
من لم يحسن الطب ضامن:
إذا تطبب المرء بدون علم له بالطب فأتلف بذلك عضوًا أو نفسًا فإنه يضمن ذلك، أما إذا كان عالمًا بالطب ولم يفرط وأتلف أو قتل فلا شيء عليه. وذلك لقول الرسول r في سنن ابن ماجة والحديث صحيح: «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن».
الرقى:
الرقى جمع رقية وهي العوذة مما يُتعوَّذ به من القرآن والكلم الطيب، وحكمها الإباحة إذا كانت من عين أو حمة أي سم أو حمى أو مس جنون.
رقية العين:
المراد بالعين إصابة المرء بسبب عين حاسدة إذ في عين الحاسد قوة مؤثرة بإذن الله تعالى كسم العقرب، فإذا نظر الحاسد إلى شيء فأعجبه ولم يدع لصاحبه بالبركة أثَّر فيه، فمرض على الفور، ولذا أمر الله تعالى رسوله أن يتعوذ به من شر حاسد إذا حسد في سورة الفلق، وقال الرسول r: «العين حق»([22]). وقال: «استعيذوا بالله فإن العين حق»([23]) وقال: «عَلَامَ يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة»([24]). وأمر r عامر بن ربيعة لما عين سهل بن حنيف أن يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره أي طرف إزاره المتدلي الذي يلي حِقوه الأيمن في إناء ثم يكفئ الإناء من خلف المريض على رأسه.
وكان r يعوذ الحسن والحسين بقوله: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة([25]) ومن كل عين لامة»([26]). البخاري والترمذي وأبو داود، ويقول: كان إبراهيم يعوذ بهما إسماعيل عليهما السلام.
رقية الحَمَّة:
إذا لدغ المرء بعقرب يقرأ عليه أخوه سورة الفاتحة سبع مرات كُلّما قرأها مرة نفث بشيء من ريقه ودلك موضع اللدغة لحديث صحيح.
ومن خاف لدغة العقرب إن كان بأرض بها عقرب تلدغ قال حين يمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. فإنه لا تضره لدغة عقرب، وذلك لقول الرسول r: لمّا قيل له إن فلانًا قد لدغته عقرب فلم ينم ليلته: «أما إنه لو قال حين يمسي أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح»([27]). ومفهومه أنه لو قالها حين يصبح لم يضره لدغ عقرب حتى يمسي.
رقية الحُمى:
إن مما يرقى به من الحمى قول: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حسد حاسد، ومن كل عين، الله يشفيك. لحديث عبادة بن الصامت في سنن ابن ماجة وفيه أن جبريل أتى النبي r وهو يوعك فقال: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حاسد، ومن كل عين، الله يشفيك».
رقية مس الجنون:
روى مالك في موطئه أن النبي r ليلة أسرى به رأى عفريتًا، ورأى بيده شعلة من نار يريد أن يضربه بها، فذكر ذلك لجبريل فعلّمه كلمات يقولها، فقالها، فطفئت شعلته، وفر لفيه والكلمات هي: «أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، وشر ما يلج في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن».
رقية عامة لكل وجع:
إذا وجد المسلم ألمًا في جسده في أي موضع من جسمه وضع يده على موضع الألم وقال: بسم الله ثلاثًا، وقال سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، لما رَوى مسلم من أن عثمان بن أبي العاص شكا إلى رسول الله r وجعًا بجسده فقال له: «اجعل يدك اليمنى على الذي تألم ثم قل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر». [الحديث صحيح].
(
[1])رواه مسلم.
(
[2])رواه الترمذي.
(
[3])روه البخاري.
(
[4])رواه ابن ماجة في سننه وصححه الألباني جزاه الله خيرًا.
(
[5])رواه ابن ماجة في سننه وصححه الألباني جزاه الله خيرًا.
(
[6])الخرافة: الثمر الذي يجني في الخريف فشبه عليه الصلاة والسلام الماشي في عيادة المريض بالماشي في خرافة الجنة لعظم الأجر الموصل للجنة.
(
[7])رواه ابن ماجة في سننه وصححه الألباني جزاه الله خيرًا.
(
[8])رواه ابن ماجة وصححه الألباني.
(
[9])رواه البخاري.
(
[10])رواه ابن ماجة وهو صحيح.
(
[11])رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي.
(
[12])رواه البخاري ومسلم وابن ماجه.
(
[13])رواه أحمد وله شواهد بالصحيح.
(
[14])رواه ابن ماجة عن أنس، وصححه الألباني.
(
[15])رواه ابن ماجة عن ابن عمر وصححه الألباني.
(
[16])متفق عليه.
(
[17])رواه ابن ماجة وصححه الألباني.
(
[18])رواه ابن ماجه.
(
[19])ناقه من شفى بعد مرض ولم يمض عليه وقت.
(
[20])رواه ابن ماجة وصححه الألباني.
(
[21])رواه الطبراني بإسناد صحيح.
(
[22])رواه البخاري ومسلم.
(
[23])رواه مسلم.
(
[24])رواه ابن ماجه.
(
[25])الهامة: ذات السم من الهوام.
(
[26])لامة: أي ذات لمم وهو الداء يلم بالإنسان.
(
[27])رواه مسلم 8/86.