كاميليا الثلج
:: عضو منتسِب ::
Reaction
88
الجوائز
2
- تاريخ التسجيل
- 30 جويلية 2025
- المشاركات
- 11
- آخر نشاط
- الجنس
- أنثى
وككلّ الصباحات المتّقدة بك، ينتهي آخر الليل مع أوّل خيطٍ لفجر الألم، وتنتهي معه المعارك الليلية بين الخوف والضياع،
وبين الصمت والضجيج، وبين الحقيقة والخيال.
ولا يعود من تلك المعارك منتشيًا بالنصر سوى الأشباح التي كنتَ فريستها.
تعود كما في كلّ صباح، تستيقظ لتجد نفسك ما زلتَ على قيد أوجاعك، منتظرًا سفكَ أحلامك.
وأنتَ أنت… فمن أنا؟
ككلّ خريفٍ يتعرّى أمامك من أوراقه، فيظنّك ورقَ شجرته فيقطفك، ويتعرّى بك، لا يعلم أنّ جذور الحنين ما زالت تمتدّ إلى أعماق أرض الواقع، لتنبت من جديد شجرةً، كما في كلّ مرّة، ثمّ يأتي ليعرّيها ويقصفها.
وأنتَ أنت… فمن أنا؟
وحيدٌ أنت كما خُلِقت، عشتَ وحيدًا كما ستعيش، وكما متَّ ألف مرّة ستبقى وحيدًا.
أمّا الذين من حولك فليسوا سوى مسافرين، نزلوا واحةَ قومٍ، عاشوا فيها أيّامًا، ثمّ قفلوا راحلين.
وحيدٌ أنت؛ كأنّ أرقَّ السنابل ما خُلقت إلّا لأجلك، وما تلاطمت أمواج السماء إلّا لأجلك.
وحيدٌ أنت، شئتَ أم أبيت: كمصحف ببيت منافق سهوًا، كمسجدٍ مهجورٍ فجرًا، كصومعةٍ قُصفت غدرًا، كشوارع القدس تتجوّل فيها الضباع جرأة وعمدًا.
وحيدٌ أنت كخيام غزّة المهترئة، كمعابرها المغلقة، كشواطئها الفارغة.. الممتلئة برائحة الموت.
لكن لا تنسَ أنّك كنتَ ولا زلتَ وستبقى وحيدًا؛ بلا كتف، بلا ظهر، بلا قلب، وبلا شعور… لا تنسَ ذلك.
وهذا هو أنت كما كنت… فمن أنا؟
تمشي على مهلٍ مرتجفًا برياح بلدك؛ في شوارع باريس، في محطّات لندن، وفي حدائق كيوتو، وعلى مقربةٍ من أسوار بؤسك.
لكنّ ظلك عنيدٌ عاق، ما زال ينتظرك هناك؛ في وادي مكّة، وباحات الأقصى، وساحات الأموي.
وأنتَ أنت، ما زلتَ غبيًّا حذرًا؛ كحبّة جوز هند، كليمونة صفراء، كبرتقالة غير ناضجة، كزيتونة سوداء، كشاطئ النيل، وكنهر السين.
وأنتَ أنت… فمن أنا؟
وعلى رائحة بنّ الذكريات، تشرئبّ أعناق الحنين طامحةً لعناق السنابل بالمناجل. وعلى غفلةٍ من الزمان تدور فناجين القهوة على الغائبين، فتحرق يديك عبثًا في محاولةٍ يائسة لملء المكان بأشباح خيالك.
فقُم خائبًا؛ فقَهوتك لم تُشرب، والسامرون ملّوا الطرب، ويد القدس لم تطلب.
فعلى حافة الشوق تنبت أزهار الشوك، وعلى الحافة الأخرى سنابل القمح تراها من بعيد تتمايل يمينًا وشمالًا على أنغام الهواء، تنتظر موسم الحصاد… وأنت تنظر.
تنظر من النافذة المطلة على ماضيك.
يا إلهي، إنّها تمطر! كيف ذلك؟ قبل دقائق فقط كان الجوّ خريفيًّا، فمتى شاخت بي الذاكرة، وكبرت معها آلاف السنين إلى الوراء؟ قلتَ لنفسك…
وتبقى أنت… أنت. فمن أنا؟
وككلّ مائدةٍ تحتفي بك، تشرئبّ إليها طمعًا، فتزدرِيك كلقمةٍ غير سائغة فتشرق بك.
ترفع رأسك عاليًا، ثمّ ترجعه إلى الوراء بسنوات؛ لعلّ الأشواك التي ابتلعتها على غرّة تتكسّر وتنحدر إلى مجراها، أو لعلّ وقت تقيّؤها تخرج معها أشباح روحك.
لكن لا هذا ولا ذاك؛ ستبقى تشرق بها وتغصّ بك كلّما وبّختَ نفسك ولُمتها لذهابها إلى حفلة التأبين تلك.
لم تنسَها؛ فأنت مسجّى أمام عينيك كقصيدةٍ منظومة في كفن.
أنت المرثيّ والراثي، والميت والمُعزّي، ولا عزاء لمن فقد ربيعه.
وهذا كلّه كنتَ أنت… لكن من أنا؟
فتبًّا لك من بين الفصول؛ لا مطرًا عرفتَ أن تكون، ولا ثلجًا.
وكما قال درويش: «على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة».
انتهى على الساعة: 11:19:04 ص، يوم السبت 28 رجب 1447ه
الموافق لــ: 17 كانون الثاني (يناير) 2026 ن.
-بقلم: الكاميليا البيضاء