مداد الذاكرة... صفحات منسية

كاميليا الثلج

:: عضو منتسِب ::
  • مرثية "الأنا" الغائبة...



وككلّ الصباحات المتّقدة بك، ينتهي آخر الليل مع أوّل خيطٍ لفجر الألم، وتنتهي معه المعارك الليلية بين الخوف والضياع،
وبين الصمت والضجيج، وبين الحقيقة والخيال.

ولا يعود من تلك المعارك منتشيًا بالنصر سوى الأشباح التي كنتَ فريستها.

تعود كما في كلّ صباح، تستيقظ لتجد نفسك ما زلتَ على قيد أوجاعك، منتظرًا سفكَ أحلامك.

وأنتَ أنت… فمن أنا؟

ككلّ خريفٍ يتعرّى أمامك من أوراقه، فيظنّك ورقَ شجرته فيقطفك، ويتعرّى بك، لا يعلم أنّ جذور الحنين ما زالت تمتدّ إلى أعماق أرض الواقع، لتنبت من جديد شجرةً، كما في كلّ مرّة، ثمّ يأتي ليعرّيها ويقصفها.

وأنتَ أنت… فمن أنا؟

وحيدٌ أنت كما خُلِقت، عشتَ وحيدًا كما ستعيش، وكما متَّ ألف مرّة ستبقى وحيدًا.

أمّا الذين من حولك فليسوا سوى مسافرين، نزلوا واحةَ قومٍ، عاشوا فيها أيّامًا، ثمّ قفلوا راحلين.

وحيدٌ أنت؛ كأنّ أرقَّ السنابل ما خُلقت إلّا لأجلك، وما تلاطمت أمواج السماء إلّا لأجلك.

وحيدٌ أنت، شئتَ أم أبيت: كمصحف ببيت منافق سهوًا، كمسجدٍ مهجورٍ فجرًا، كصومعةٍ قُصفت غدرًا، كشوارع القدس تتجوّل فيها الضباع جرأة وعمدًا.

وحيدٌ أنت كخيام غزّة المهترئة، كمعابرها المغلقة، كشواطئها الفارغة.. الممتلئة برائحة الموت.

لكن لا تنسَ أنّك كنتَ ولا زلتَ وستبقى وحيدًا؛ بلا كتف، بلا ظهر، بلا قلب، وبلا شعور… لا تنسَ ذلك.

وهذا هو أنت كما كنت… فمن أنا؟

تمشي على مهلٍ مرتجفًا برياح بلدك؛ في شوارع باريس، في محطّات لندن، وفي حدائق كيوتو، وعلى مقربةٍ من أسوار بؤسك.

لكنّ ظلك عنيدٌ عاق، ما زال ينتظرك هناك؛ في وادي مكّة، وباحات الأقصى، وساحات الأموي.

وأنتَ أنت، ما زلتَ غبيًّا حذرًا؛ كحبّة جوز هند، كليمونة صفراء، كبرتقالة غير ناضجة، كزيتونة سوداء، كشاطئ النيل، وكنهر السين.

وأنتَ أنت… فمن أنا؟

وعلى رائحة بنّ الذكريات، تشرئبّ أعناق الحنين طامحةً لعناق السنابل بالمناجل. وعلى غفلةٍ من الزمان تدور فناجين القهوة على الغائبين، فتحرق يديك عبثًا في محاولةٍ يائسة لملء المكان بأشباح خيالك.

فقُم خائبًا؛ فقَهوتك لم تُشرب، والسامرون ملّوا الطرب، ويد القدس لم تطلب.

فعلى حافة الشوق تنبت أزهار الشوك، وعلى الحافة الأخرى سنابل القمح تراها من بعيد تتمايل يمينًا وشمالًا على أنغام الهواء، تنتظر موسم الحصاد… وأنت تنظر.

تنظر من النافذة المطلة على ماضيك.

يا إلهي، إنّها تمطر! كيف ذلك؟ قبل دقائق فقط كان الجوّ خريفيًّا، فمتى شاخت بي الذاكرة، وكبرت معها آلاف السنين إلى الوراء؟ قلتَ لنفسك…

وتبقى أنت… أنت. فمن أنا؟

وككلّ مائدةٍ تحتفي بك، تشرئبّ إليها طمعًا، فتزدرِيك كلقمةٍ غير سائغة فتشرق بك.

ترفع رأسك عاليًا، ثمّ ترجعه إلى الوراء بسنوات؛ لعلّ الأشواك التي ابتلعتها على غرّة تتكسّر وتنحدر إلى مجراها، أو لعلّ وقت تقيّؤها تخرج معها أشباح روحك.

لكن لا هذا ولا ذاك؛ ستبقى تشرق بها وتغصّ بك كلّما وبّختَ نفسك ولُمتها لذهابها إلى حفلة التأبين تلك.

لم تنسَها؛ فأنت مسجّى أمام عينيك كقصيدةٍ منظومة في كفن.

أنت المرثيّ والراثي، والميت والمُعزّي، ولا عزاء لمن فقد ربيعه.

وهذا كلّه كنتَ أنت… لكن من أنا؟

فتبًّا لك من بين الفصول؛ لا مطرًا عرفتَ أن تكون، ولا ثلجًا.

وكما قال درويش: «على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة».



انتهى على الساعة: 11:19:04 ص، يوم السبت 28 رجب 1447ه

الموافق لــ: 17 كانون الثاني (يناير) 2026 ن.


-بقلم: الكاميليا البيضاء​
 
توقيع كاميليا الثلج
  • ما بَين قَهْوةٍ بَارِدَةٍ وفجر
[نوافذ الربيع]


يوم 05 شباط (فبراير) 2026

الساعة 11:30 مساءً



بما أنّ الوقت ليل، سأكتب لك:

إلى البحر… إلى المرج… إلى السماء

أنا لستُ بخير.



وبما أنّ الوقت ليل، سأقول لك:

إلى دفتري… إلى شمعتي… إلى تلك الشجرة الغائبة أمامي

أنا بخير… لستُ أنا.



وبما أنّ الوقت ليل، بتوقيتٍ برزخيّ،

فلا بأس إذًا بفنجان قهوة بارد

لم يجد وقتًا للكلام.



أقول لك:

ما زال الوقت مساءً،

لذا افتح نوافذ ربيعك،

دع الأزهار تزحف نحو الحقول

لتنمو صباحًا مرجًا مشرقًا.



تسألني: ما هو الصباح؟

الصباح…

هو الصباح المتّقد بركعتي الفجر،

المنطفئ بدونهما.



الصباح…

أن تنفض عنك غبار الليل

لتجيب:

«حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح».



انهض إذًا،

وافتح نوافذ ربيعك:

مصحفك… دعاءك… قلبك… يقينك… وأملك.



دع الأزهار تزحف نحو حقول الربيع،

إلى الأحلام…

إلى الدعوات…

إلى الواقع…

إلى كلّ الأمنيات.



لتنمو صباحًا مرجًا مشرقًا،

تفوح منه رائحة الحياة،

حيث الأمان،

وحيث يعجز الفكر عن الوصف والبيان.



فما أجمل المروج صباحًا

وقد لبست ثوب النور والضياء.



رويدًا… رويدًا،

فزرقة السماء

اصطبغت وجنتاها

بحُمرة الحياء والحياة:

ورديٌّ،

نيليٌّ،

قرنفليٌّ…



ثم لتشرق الشمس على الربيع.



لم يعد الوقت مساءً،

ها قد عاد الصباح.



انتهى: 05:45:34 ص

6 شباط (فبراير) 2026

18 شعبان 1447هـ.

-بقلم: الكاميليا البيضاء
 
آخر تعديل:
توقيع كاميليا الثلج
جميل جدا ما خطه قلمك
واصلي تميزك
....
 
توقيع ام أمينة
جميل ما خطت اناملك
 
  • قرأت مرّة بأن الأدب أداة من أدوات التخليد، وها أنا ذا أقف أمام ما مضى لا أجد ما أخلده سوى خطواتي المتعثرة نحوك، أجر ذيول خطيئتي وذنوبي وأقف أمامك مطأطئ لك رأسي أخاف عقابك وأرجو رحمتك، لا أجد ما أخلده سوى دموعي التي تسابق مجرى دمي، دموعي التي ما انسابت إلا عندما تخطيت الصدمة بخمول، لا أجد ما أخلده سوى كلماتي التي أخفيت بينها أدعية صامتة أرسلها إلى السماء محبرة بحبر الرجاء، ها أنا ذا أخلد حرقتي وخيبتي وعذابي، ها أنا ذا أسطر بقلمي بوحي هذا وأختمه بفاصلة لا يأتي بعدها سوى الفراغ لا يعرف ما معنى نقطة،
 
توقيع كاميليا الثلج
وفي ظني أن ما انطفأ لا يشتعل من جديد كأول مرة،

وإذا اشتعل سيكون ضوئه أبهت لا محالة،

فزجاجة العطر حين تنكسر تبقى رائحة العطر تفوح من حطامها

لكنها لا تستطيع أبدا أن تجمع العطر الذي سكب منها مرة أخرى.
 
توقيع كاميليا الثلج
أنادي ثراهم: لماذا رحلتم ولم تنتظوني؟
فيرد عليّ البحر ويقول: لماذا لم ترحلي مثلي؟!
 
توقيع كاميليا الثلج
مدونة جميلة .. جدا
راقتني
في المتابعة كاميليا
 
توقيع لمعانُ الأحداق
أيّها الغريب العائد:

عبثًا تسير وجهلًا تبحث، فلا رفيق لك ولا سندًا ولا احتواء، لا بوصلة تدلّك ولا خريطة ترشدك، كيف غابت شمسك، وكيف أُعدم ضياؤك، وكيف انتحر ضجيجك، وكيف دُفن عزاؤك، ممدّدًا على قارعة طريق زمانك، مكفّنًا بأحلام أيّامك؛ فلا ليلك ليلٌ، ولا نهارك نهارٌ، ولا لبريقك احتفاءٌ، تمشي وتقفز، تجري وتصرخ، لا سهلَ ولا مرجَ ولا تلال، تمشي مذعنًا نحو الضلال… كليلٍ بلا قمر، كربيعٍ بلا مطر.
فيا أيّها الغائب العائد، كيف أجدك؟
غريبٌ نازحٌ موؤود، من وطنه مطرود، من واقعه مجهول مردود، وإلى وكر أحلامه عائد مكسور الوعود، تتلحّف من برد أشواقك، وترتدي رداء حدادك، فلا الليل سينجلي، ولا الظل سيأتي، ولا الشتاء سيبكي…
انظر إلى مرآة حاضرك، إلى ملامح ماضيك الشاحبة، إلى عيني أملك الذابلة… وإلى ورود أحلامك النائمة…
أيّها الغريب، ردّ على الأحلام، إنّها تستغيث، ردّ على الأيام والذكريات والسنين، خطواتك، عثراتك، دمعاتك، وإصرارك… كلّها تفتقد الحنين.
ما لي أراك مطرقًا لا تجيب؟ أتعبتَ من حرّ الهجير؟ أم أنّ الطريق أطول من صبرك كي تستجير؟
فقل لي: أيّها الغريب العائد، كيف أجدك؟

انتهى على الساعة: 12:12:09 ص، يوم الخميس 03 شعبان 1447ه
الموافق لــ: 22 كانون الثاني (يناير) 2026 ن.
 
توقيع كاميليا الثلج
توقيع أم إسراء
توقيع كاميليا الثلج
لم تكن؛ ولكن...


لم تكن قاسيا.. فحياتك الرائعة كشرت لك عن أنياب قسوتها بكل شراهة.

ولم تكن ليليًّا.. فنهارك زاخر بما لا يمكن لليل طويل أن يحتويك.

وأيضا لم تكن مزاجيًّا.. فخيباتك المتكررة جعلتك مترددا بينها،

فأي خيبة هي الأجدر بأن تكون عنوانا لها.. أو لك؟.

ولم تكن سريع غضب.. لكن يداك صفّدت إلى عمود أحلامك الشاهقة،

وقلبك تفطر بشهقاتك الصامتة،

أمام غدر لم تملك أمامه إلا أن تشد على قبضة يدك المكبلة بحظك،

وتبتسم بكل ما أوتيت من غضب،

فقط.. كي لا يجهزوا على ما تبقى من قلبك،

وحتى.. لا تفقد صوابك.
 
توقيع كاميليا الثلج

ونَمْ… إذا نِمتَ على الطريق​


من بين رُفاتِ الأيام نطلُّ على ساحة مقابر شهدائنا في الذاكرة،
نصلّي عليهم صلاةَ الغائب،
ونقرأ الفاتحة على أرواحنا،
ثم نمضي… بلا جوابٍ ولا سلام.


نُطلُّ من منفانا إلى حيث تنام أحلامنا المؤجَّلة،
بعد سهرٍ طويل؛
ها هي الآن تنعم بسباتٍ عميق…
وربّما إلى الأبد.


ها هي الشمس تغرب الآن، موعودةً بشروقٍ جديد؛
ولكن هيهات… ستشرق، نعم،
لكنّها ما تلبث أن تغرب مجدّدًا.


نعاهد أنفسنا أن نمضي معًا، يدًا بيد،
وفي أولى خطواتنا تتخلّى عنّا أنفسنا.
لأنّ الموت على قيد أُنملةٍ منها،
وهي تريد أن تقضي في وطنها.


"لم يعد هناك مجالٌ لمجازفةِ خطواتٍ عَثِرة"
هكذا تهمس لنفسها.


لكن… رغم ذلك سنمضي،
سنمشي ولو بظلّ جناحٍ مكسور،
ولو بخطوةٍ متعثّرة،
ولو كان الطريق شاغرًا إلّا منّا… سنمضي.


سنتقدّم… وسنصل — بإذن الله —
إلى الله،
إلى الجنّة،
إلى الفردوس،
إلى الأحلام.


سنخطو ونمشي: هونًا، ورملًا، وزحفًا، وعلى عجل…
إلى أن نصل.




وقد أعجبني اقتباسٌ من حروف
ابن القيم في كتابه "الفوائد" إذ قال:


"كواكبُ هممِ العارفين في بروج عزائمهم سيّارة، ليس فيها زُحَل.
يا من انحرف عن جادّتهم، كُنْ في أواخر الرَّكب،
[ونَمْ إذا نِمتَ على الطريق]؛ فإنّ الأمير يراعي السّاقة."

وقيلَ لـ
الحسن البصري:
"سبقنا القومُ على خيلٍ دُهم، ونحن على حُمرٍ مُعقَّرة."
فقال:
"إن كنتَ على طريقهم، فما أسرع اللَّحاق بهم."
 
توقيع كاميليا الثلج
وككلّ الصباحات المتّقدة بك، ينتهي آخر الليل مع أوّل خيطٍ لفجر الألم، وتنتهي معه المعارك الليلية بين الخوف والضياع،
وبين الصمت والضجيج، وبين الحقيقة والخيال.
ولا يعود من تلك المعارك منتشيًا بالنصر سوى الأشباح التي كنتَ فريستها.
تعود كما في كلّ صباح، تستيقظ لتجد نفسك ما زلتَ على قيد أوجاعك، منتظرًا سفكَ أحلامك.
-بقلم: الكاميليا البيضاء​
اكتفيت بهذا المقطع فقط..
ففيه قدر كبير جدا من الألم.. لم أستطع قراءة بقية النص..
..
تمتلكين قدرة على التصوير والترميز..👍
أرجو أن نقرأ لك شيئا مختلفا.. تسبق فيه الميم لامها بعد الألف..
..
 
آخر تعديل:
توقيع أمير جزائري حر
اكتفيت بهذا المقطع فقط..
ففيه قدر كبير جدا من الألم.. لم أستطع قراءة بقية النص..
..
تمتلكين قدرة على التصوير والترميز..👍
أرحو أن نقرأ لك شيئا مختلفا.. تسبق فيه الميم لامها بعد الألف..
..
شكرًا لقراءتك المتأنية..
الألم أحيانًا يكتب نفسه قبل أن نختار نحن الحبر.
لكنني أؤمن أن الأمل يسكنه وإن تأخر ظهوره.
لعلّ القادم يكون مما تسبق فيه الميم لامها بعد الألف🌿
 
توقيع كاميليا الثلج
مبدعة حقا في سماء المنتدى
 
العودة
Top Bottom