كاميليا الثلج
:: عضو منتسِب ::
Reaction
209
الجوائز
8
- تاريخ التسجيل
- 30 جويلية 2025
- المشاركات
- 41
- آخر نشاط
- الجنس
- أنثى
هَكَذَا نَطِيرُ إِلَى السَّمَاءِ...
[الجزء الأول]
[الجزء الأول]
أتيتني بملامحَ محمّلةٍ بالرجاء كي أُجيبك.
أتيتني وأنا غارقةٌ بين أوراقي في مكتبي، أُجاهد نفسي لأكمل مقالتي في أسرع وقت، لكنك جئتَ - كعادتك- وأفسدتَ عليّ الأفكار التي بدأتُ في كتابتها، وقلتَ لي بصوتٍ خافت:
- كاميليا… هل تستطيعين أن تمنحيني بضع دقائق من وقتك لنتحدث؟
أجبتُكَ بحدّة: ألا ترى أنّ الوقت غير مناسب للحديث البتّة؟ ألا ترى أنّني مشغولة بكتابة مقالة اليوم؟
- أرجوكِ… بضع دقائق فقط. الموضوع بات يُؤرّقني منذ مدة، ولم أجد له حلًّا… أرجوكِ.
- نعم يا «كاميليا»، أعدك.
ما الأمر الذي أرّقك وأتعبك في إيجاد حلٍّ له؟
ما هذا الشيء الذي جاء بك في الوقت الخطأ، فاضطررتُ لتأجيل كتابتي من أجلك؟
أخبرني، لعلّي أستطيع مساعدتك.
ضحكتَ بارتباك، ثم حدّقتَ في اللاشيء، وقلتَ فجأة بلا مقدمات:
- كيف أصل إلى السماء؟ كيف تكون رحلتي إليها؟ كيف هو الوصول؟
- تعبتُ من التفكير في هذا الأمر، ولم أعرف الطريق الصحيح الذي أسلكه. صدقيني، لم آتِ إليك إلا لأنني أعلم جيدًا لمن أتيت.
ابتسمتُ بغموض؛ فنظرةٌ واحدة فقط كانت كافية لأعرف أجوبة الأسئلة التي أثارها سؤالك. تنهدتُ بخفوت، ثم قلت:
سؤالك يا صديقي «ثلج» بقدر ما فيه من الجمال، بقدر ما فيه من الوعي؛ وبقدر ما فيه من التروّي، بقدر ما فيه من التسرّع؛ وهنا أثبتَّ لي أنك ناضج، تُدرك ما تقول وما تفعل؛ فقد أصبحتَ تفرّق بين الأحلام التي على شفا جرفٍ هار، وبين الأحلام التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
أعلم أنك تعجّبتَ من كلامي، وربما قال جزءٌ منك: هل هي على علمٍ بأمري؟ ولأنني أريد راحتك، سأجيبك:
نعم، علمتُ بأمرك، ولم يأخذ ذلك مني جهدًا.
دعنا من هذا الآن، ولنعد إلى صلب الموضوع… سؤالك.
اعلم -قبل كل شيء- أن الأحلام، أو الأمنيات يا «ثلج»، لا تأتي أبدًا لمن تخلّى عنها، أو توانى في وصلها والوصول إليها.
وربما أتتك في لحظة فراغٍ فجأة -وأعني فراغ البال من همّها- وأنت لا تُلقي لها بالًا؛ فانتبه، وخذ هذا بالحسبان: لم تأتِ إلا لتفلت منك بغتة، كما جاءت، وتذيقك مرارة فقدها.
لمعت عيناي فجأة بشغف الربيع -وربما لاحظتَ ذلك- فقلتُ: تريد أن تعلم كيف تصل إلى السماء أليس كذلك؟
- نعم...
سأُحبّر لك جوابي بخفّة ريشة، وقوّة عاطفة، ونضج عقل.
سأضرب لك مثالًا بقصّة «الطائر الجريح»؛ ذلك الذي لم يستطع الطيران بسبب جراحه، ومع ذلك حاول، وحاول، وأصرّ. مرّةً يقوم، ومرّةً يقع؛ مرّةً يمشي، وأخرى يزحف، لكنه لم يتوقّف أبدًا، إلى أن ارتفع عاليًا، وطار في السماء.
فقد كان يعلم أن الوقوف يعني الموت؛ لا مفارقة الحياة بالضرورة، بل موت الحلم. وكان حلمه أن يطير… ليصل.
الإنسان، يا صديقي، هو ذلك الطائر؛ رغم جراحه، يتوق إلى رحاب السماء حيث السكينة والطمأنينة والراحة.
فمهما تظاهر بالقوّة واللامبالاة، سيبقى يحنّ إلى العلياء.
ومهما كبّلته الهموم وأوثقته الذنوب، لا يفارقه حلم الطيران.
لا تقل لي إن الجميع سعداء، وخصوصًا أولئك الذين يُظهرون ترف السعادة المزيّفة بجنون.
هم لا يريدونك أن ترى سعادتهم، بل تعاستهم.
انظر وتأمّل، ستجد كلامي صحيحًا.
أتدري لماذا؟ لأنهم سمحوا لأجنحتهم أن تُقصّ، وأن تُخيّط مكانها بخيطٍ غير قابل للإنبات مرة أخرى، ومع ذلك يملكون وحدهم حقّ نزع ذلك الخيط إن أرادوا الطيران حقًّا.
أما شعرتَ يومًا بلهفة قلبك لزيارة البيت الحرام؟
أما اشتاقت عيناك يومًا لرؤية الكعبة المشرّفة؟
أما تاقت روحك لرحاب الروضة الشريفة؟
سمعتُ تنهدك المتلهّف… لا تحاول المراوغة.
أرأيت؟ هذا هو نفسه حلم الطيران الذي حدّثتك عنه.
واعلم أن كل إنجاز يبدأ بحلم، وكل حلم يبدأ بخاطرةٍ تطرق القلب، وكل توبة تبدأ بندم.
ذلك الذي يحلم بالطيران حين يشتاق إلى البيت الحرام، يطرق الحلم قلبه، ثم يحلم، ثم يتوكّل، ثم يدعو ويستعين بالله سبحانه، ثم يخطّط ويُجهّز لوازم سفره، ثم يصل بمشيئة الله. ولكن بشرطٍ واحد: أن يكون الإصرار وقود الحلم من لحظة طرقه الباب إلى حين بلوغه مبتغاه.
لا تتعجّب من غموضي يا «ثلج»؛ فقد كان سؤالك غامضًا منذ البداية، ولم تُفصح عن مكنون حقيقته، فلم أجد أمامي إلّا أن أُدلّس عليك ببعض الأمثلة التي ستفهمها بلا شك، احترامًا لرغبتك في عدم الإفصاح، وحرصًا على أن تكون إجابتي عامّةً بقدر عمومية سؤالك.
سألتني، وقد راق لك نمط الجواب:
- كيف تكون أجواء الرحلة؟
قلتُ: إن أردتُ أن أصف لك أجواء الرحلة فلن أُكثر الكلام. فقط تأمّل رحلتك من بيتك إلى المطار، ثم إلى محطة الوصول، وصولًا إلى البيت العتيق. هنا، لا أستطيع أن أضيف أكثر من ذلك.
زفرتَ بضيق؛ ربما كنتَ تتوقّع كلامًا أطول، كما اعتدتَ من ثرثرتي، لكنني هذه المرّة أردتُ أن أُجاريك في أسلوبك.
تمتمتَ بقلة صبر:
- لم أفهم جوابك... هل لي بمزيد من التفصيل؟
أما عنّي، فأعدّ نفسي من الصنف الثاني، وأسأل الله أن يشملني برحمته.
وبالنسبة لسؤالك الثاني… سألتك: كيف كان؟
قلتَ:
- قصدتُ: كيف تكون الرحلة إليها؟ أي إلى السماء… وأرجو ألّا يكون جوابكِ هذه المرّة موجزًا.
نظرتُ إليك بتحدٍّ يشوبه شيء من الاستفزاز، وقلتُ: إذا أراد طائر أن يطير، فما الذي يلزمه؟
- بسيطة، يلزمه جناحان؛ هذا أمر بديهي.
نظرتَ إليّ بتساؤل، وقلت:
- لا أعلم... هذه أوّل مرّة أسمع فيها أن الطائر هو من يختار الأجنحة التي سيطير بها.
-بقلم: الكاميليا البيضاء