هكذا نطير إلى السماء

كاميليا الثلج

:: عضو منتسِب ::
هَكَذَا نَطِيرُ إِلَى السَّمَاءِ...

[الجزء الأول]



أتيتني بملامحَ محمّلةٍ بالرجاء كي أُجيبك.

أتيتني وأنا غارقةٌ بين أوراقي في مكتبي، أُجاهد نفسي لأكمل مقالتي في أسرع وقت، لكنك جئتَ - كعادتك- وأفسدتَ عليّ الأفكار التي بدأتُ في كتابتها، وقلتَ لي بصوتٍ خافت:

  • كاميليا… هل تستطيعين أن تمنحيني بضع دقائق من وقتك لنتحدث؟
رفعتُ إليك عينَيّ الباردتين كفصلي، ببطءٍ أحدّق فيك باستياء، وكأنني أقول: تبًّا لك يا «ثلج»، أهذا وقته؟

أجبتُكَ بحدّة: ألا ترى أنّ الوقت غير مناسب للحديث البتّة؟ ألا ترى أنّني مشغولة بكتابة مقالة اليوم؟

  • أرجوكِ… بضع دقائق فقط. الموضوع بات يُؤرّقني منذ مدة، ولم أجد له حلًّا… أرجوكِ.
تنهدتُ بقلة حيلة؛ فأنا لا أملك أمامك خيار الرفض: بضع دقائق فقط... حسنًا.

  • نعم يا «كاميليا»، أعدك.
قلتُ: اجلس على المنضدة أمامي يا «ثلج»، وهاتِ ما عندك.

ما الأمر الذي أرّقك وأتعبك في إيجاد حلٍّ له؟

ما هذا الشيء الذي جاء بك في الوقت الخطأ، فاضطررتُ لتأجيل كتابتي من أجلك؟

أخبرني، لعلّي أستطيع مساعدتك.

ضحكتَ بارتباك، ثم حدّقتَ في اللاشيء، وقلتَ فجأة بلا مقدمات:

  • كيف أصل إلى السماء؟ كيف تكون رحلتي إليها؟ كيف هو الوصول؟
حوّلتَ نظرك إليّ ببطء، وأردفت:

  • تعبتُ من التفكير في هذا الأمر، ولم أعرف الطريق الصحيح الذي أسلكه. صدقيني، لم آتِ إليك إلا لأنني أعلم جيدًا لمن أتيت.
راق لي سؤالك هذه المرة. اعتدلتُ على الكرسي، ووضعتُ قلمي جانبًا، وأمعنتُ النظر إليك، أتفرّس من ملامحك ما الذي يقف وراء سؤالك، وما دافعه، وما حقيقته.

ابتسمتُ بغموض؛ فنظرةٌ واحدة فقط كانت كافية لأعرف أجوبة الأسئلة التي أثارها سؤالك. تنهدتُ بخفوت، ثم قلت:

سؤالك يا صديقي «ثلج» بقدر ما فيه من الجمال، بقدر ما فيه من الوعي؛ وبقدر ما فيه من التروّي، بقدر ما فيه من التسرّع؛ وهنا أثبتَّ لي أنك ناضج، تُدرك ما تقول وما تفعل؛ فقد أصبحتَ تفرّق بين الأحلام التي على شفا جرفٍ هار، وبين الأحلام التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.

أعلم أنك تعجّبتَ من كلامي، وربما قال جزءٌ منك: هل هي على علمٍ بأمري؟ ولأنني أريد راحتك، سأجيبك:

نعم، علمتُ بأمرك، ولم يأخذ ذلك مني جهدًا.

دعنا من هذا الآن، ولنعد إلى صلب الموضوع… سؤالك.

اعلم -قبل كل شيء- أن الأحلام، أو الأمنيات يا «ثلج»، لا تأتي أبدًا لمن تخلّى عنها، أو توانى في وصلها والوصول إليها.

وربما أتتك في لحظة فراغٍ فجأة -وأعني فراغ البال من همّها- وأنت لا تُلقي لها بالًا؛ فانتبه، وخذ هذا بالحسبان: لم تأتِ إلا لتفلت منك بغتة، كما جاءت، وتذيقك مرارة فقدها.

لمعت عيناي فجأة بشغف الربيع -وربما لاحظتَ ذلك- فقلتُ: تريد أن تعلم كيف تصل إلى السماء أليس كذلك؟

  • نعم...
جميل. تعالَ لأخبرك بهذه الرحلة الجميلة؛ رحلة بدايتها شدّة، ونهايتها رخاء.

سأُحبّر لك جوابي بخفّة ريشة، وقوّة عاطفة، ونضج عقل.

سأضرب لك مثالًا بقصّة «الطائر الجريح»؛ ذلك الذي لم يستطع الطيران بسبب جراحه، ومع ذلك حاول، وحاول، وأصرّ. مرّةً يقوم، ومرّةً يقع؛ مرّةً يمشي، وأخرى يزحف، لكنه لم يتوقّف أبدًا، إلى أن ارتفع عاليًا، وطار في السماء.

فقد كان يعلم أن الوقوف يعني الموت؛ لا مفارقة الحياة بالضرورة، بل موت الحلم. وكان حلمه أن يطير… ليصل.

الإنسان، يا صديقي، هو ذلك الطائر؛ رغم جراحه، يتوق إلى رحاب السماء حيث السكينة والطمأنينة والراحة.

فمهما تظاهر بالقوّة واللامبالاة، سيبقى يحنّ إلى العلياء.

ومهما كبّلته الهموم وأوثقته الذنوب، لا يفارقه حلم الطيران.

لا تقل لي إن الجميع سعداء، وخصوصًا أولئك الذين يُظهرون ترف السعادة المزيّفة بجنون.

هم لا يريدونك أن ترى سعادتهم، بل تعاستهم.

انظر وتأمّل، ستجد كلامي صحيحًا.

أتدري لماذا؟ لأنهم سمحوا لأجنحتهم أن تُقصّ، وأن تُخيّط مكانها بخيطٍ غير قابل للإنبات مرة أخرى، ومع ذلك يملكون وحدهم حقّ نزع ذلك الخيط إن أرادوا الطيران حقًّا.

أما شعرتَ يومًا بلهفة قلبك لزيارة البيت الحرام؟

أما اشتاقت عيناك يومًا لرؤية الكعبة المشرّفة؟

أما تاقت روحك لرحاب الروضة الشريفة؟

سمعتُ تنهدك المتلهّف… لا تحاول المراوغة.

أرأيت؟ هذا هو نفسه حلم الطيران الذي حدّثتك عنه.

واعلم أن كل إنجاز يبدأ بحلم، وكل حلم يبدأ بخاطرةٍ تطرق القلب، وكل توبة تبدأ بندم.

ذلك الذي يحلم بالطيران حين يشتاق إلى البيت الحرام، يطرق الحلم قلبه، ثم يحلم، ثم يتوكّل، ثم يدعو ويستعين بالله سبحانه، ثم يخطّط ويُجهّز لوازم سفره، ثم يصل بمشيئة الله. ولكن بشرطٍ واحد: أن يكون الإصرار وقود الحلم من لحظة طرقه الباب إلى حين بلوغه مبتغاه.

لا تتعجّب من غموضي يا «ثلج»؛ فقد كان سؤالك غامضًا منذ البداية، ولم تُفصح عن مكنون حقيقته، فلم أجد أمامي إلّا أن أُدلّس عليك ببعض الأمثلة التي ستفهمها بلا شك، احترامًا لرغبتك في عدم الإفصاح، وحرصًا على أن تكون إجابتي عامّةً بقدر عمومية سؤالك.

سألتني، وقد راق لك نمط الجواب:

  • كيف تكون أجواء الرحلة؟
سكتُّ قليلًا، أنتظر أن تُكمل، لكنك -كما عهدتك- تكتفي بالاقتضاب. لا بأس؛ فطريقتك تروق لي أحيانًا، وتدفعني إلى الغوص في عمق كلامك، لاستخراج ما تخفيه أكثر مما تُعلنه.

قلتُ: إن أردتُ أن أصف لك أجواء الرحلة فلن أُكثر الكلام. فقط تأمّل رحلتك من بيتك إلى المطار، ثم إلى محطة الوصول، وصولًا إلى البيت العتيق. هنا، لا أستطيع أن أضيف أكثر من ذلك.

زفرتَ بضيق؛ ربما كنتَ تتوقّع كلامًا أطول، كما اعتدتَ من ثرثرتي، لكنني هذه المرّة أردتُ أن أُجاريك في أسلوبك.

تمتمتَ بقلة صبر:

  • لم أفهم جوابك... هل لي بمزيد من التفصيل؟
أجبتُك بهدوء: لا، لا يوجد تفصيل أكثر مما قلت؛ لأنني أريدك أن تعيش مشاعر الرحلة بنفسك. فإن ذقتها، فهمتَ كلامي، وإن لم تفعل، فأسأل الله أن يذيقك حلاوتها، لتكتشف وحدك كيف تكون.

أما عنّي، فأعدّ نفسي من الصنف الثاني، وأسأل الله أن يشملني برحمته.

وبالنسبة لسؤالك الثاني… سألتك: كيف كان؟

قلتَ:

  • قصدتُ: كيف تكون الرحلة إليها؟ أي إلى السماء… وأرجو ألّا يكون جوابكِ هذه المرّة موجزًا.
ضحكتُ قائلة: لا تغضب من طريقتي... أقصد من طريقتك.

نظرتُ إليك بتحدٍّ يشوبه شيء من الاستفزاز، وقلتُ: إذا أراد طائر أن يطير، فما الذي يلزمه؟

  • بسيطة، يلزمه جناحان؛ هذا أمر بديهي.
ابتسمتُ، وسألتُك مجددًا: وما الأجنحة التي يجب أن يتّخذها؟

نظرتَ إليّ بتساؤل، وقلت:

  • لا أعلم... هذه أوّل مرّة أسمع فيها أن الطائر هو من يختار الأجنحة التي سيطير بها.
ضحكتُ في سرّي لسببٍ أعلمه ولا تعلمه، ثم قلتُ: ألا تُذكّرك هذه الأسئلة بشيء؟


-بقلم: الكاميليا البيضاء
 
توقيع كاميليا الثلج
المُعرّفات باللغة العربية:

@الامين محمد @حاتم
@حفياد آدم @ام أمينة
@إيمان~ @غنيمة @ذكريات
@الطيب الجزائري84 @سعد نايلي
@الصقر الأبيض
@الديباج الرقيق
@فريد أبو فيصل @طمطومة مصطفى
@العَنْقَاءُ @امبارك جميلة @ناي . .
@سجينة الصمت @فادي محمد
@المصممة حنان @ريحان @زاد الرحيل
@أحمدوا @أم أُنٌَيسة @شجـ الروح ـون
@زهور الشوق @الرومنسي الجاد
@النجم البعيد @إلياس @أم أنس جنيد
@ت.أحمد @سـارة @عاشق اللمة.
@الروسي @بوعزة عامر 77 @أحلامي
@الصراحة راحة @بسمة القلوب
@سكون الفجر @سعيد2
@زهيرة تلمسان @جيهان جوجو
@باتنية و نص @جمــآنــة
@لمعانُ الأحداق @وۣۗهۣۗہۣۗم
@النورس @جليلوس @وائل المنزلاوي
@بلبالي اسماعيل @يوسےفے
@أفنانوه @{هِشام}
@أشرقت @السلطانة @رياض تت
@تشلسي4 @زاهية بنت البحر
@ديكتاتــــــور @نورالدين19 @لاريمان
@موناليزا @أم عبد الله @عمار اعمر
@طموحة @أم عبد الواحد @اسلام 25
@المعلمة النشطة @ديسق @الحلم الوردي
@أم أنيسة @زيــن @إعصار
@اميرة اميرة 89 @امورة المنتدى
@هواري بومدين. @المقنع @جزائرية توب
@امحمد خوجة @رزان منال @أم الصبيان
@الحازم @هدوء المطر @الورد الأحمر
@عزيز1982 @خديجة ph @ليليا مرام
@مباركي أسامة @اريج عباس
@البشير البشير @فاتن سيلين
@جمال عبدلي @نجـود
@ذات الشيم @أم إسراء
@أبو خديجة @أمير جزائري حر
@صهيب الرومي
@أم السوس @سفير بلد طيب
@مرسال الشوق @ابو مازن
@{مُدَلَّلَتُهُ} @عبدالمصور لعجاج
@أكوتبر @جولينا ناصر
@لخضر dz @ولّادة
@غسق الليل @اليمامة_الزرقاء
@سحائب الشوق @الملك الظليل
@نبيل مسلم @أحلامي

الأسماء الجديدة المُضافة/ بالعربية
@نسرين عزوز @يَقِين؟
@اجمل سمبوسة @الخلوي

المُعرّفات بالحروف اللاتينية:

@rycerz @Fethi.dz @Ēya Ēljana
@Soumia hadj mohammed
@saddek06000 @afnene
@MESSI23000 @abdouker
@barca.moha @lotfi12
@amar hattab @dahman kz
@ALGERIA DZ @Hakan
@Tama Aliche @sami120
@Moha le sage @Oktavio_hinda
@elmaalii @Amoona
@adam 05_27 @lewaw11274
@space-cowboy @Hocine 27
@la lune rose @momoam
@*amani* @maryou1980
@EL Aìd Nh @CreativePs
@secret de coeur @963Mira
@Mehdidaoud @Needforspeede
@ala3eddine @Ma$Ter @angeblue
@smiley daily @Amine7N
@Zili Na @doaausef3li @mbcsat
@Amine ouar @faith8
@hich86 @karim4algeria
@mohalia @YOUSRAyousra
@4LI_4LGERI4 @ADLANE44
@sidalibns @yafod @dridi
@Iamdetector @NOUR.DZ
@Bouchra zarat @mounaim05
@abdellahtlemcen @chayat
@HAMZA USMA @saied
@Martech @ENG.MARWA
@tamadhhor @hassibakhe
@Maria bnr @SINMAR44
@abdoulee20 @rasha holwa
@skynssine @Abdelghani03
@nadjibdz12 @raawan
@bouziddz @Yacine info
@afrah djm @Mohamed elshemy
@ch zaki @hassane1987
@Bilal Manou @Madjid Farid
@Alaa_Eldin @nobledz
@Eradiate @Mohamedzri
@Karim megrous @midou@1
@Qusay Legend @safouan
@Rahal Oualid @w@hab_39
@ali_elmilia @Imed703
@elhadi98 @aljentel @bijou071
@xyzwth @Oussama.GF
@rezamine @MARYTA @ouafi
@kaka44 @missoum31 @rafid2
@nebbati @BAHMD
@wadoud3113 @sofiane55
@Abde jalil20 @Rochdi.dz
@Mokhito @md amine
@Silent Hill @Adam120
@ZICO_40 @MiRInGI ALGeRia
@Ezoemy @rachid-egle
@Clioess @4algeria @okbadz
@MOHA 66 @★Dαяĸ-Sтαя★
@bilal @connecter08000
@Tarek midou @tunisien93
@Yousra sa @maissa gh
@Adem4dz @FAY CAL
@osama305 @bousaid
@taleb2011 @jamal1984
@Kramkamel @MrRobot
@NAASTAREK BBR @latif50
@ABOU RAID @jansenmuller
@taleb2011 @Charaf Mammeri
@BOUTEBEL02DZ @amin2025
@Lamia # @mohd25 @hani05
@bouchra mgh @madodo0909
@Khawla.k @youzo @habib2
@Kaw66 @kh moha @zaamsam
@Banis91 @zimo03
@karbi @Sarah89 @"viola" @Fatimasli @hich @Souhil92

الأسماء الجديدة المُضافة/ بالحروف اللاتينية:

@mohamed-riadh @Achraf17
@sana.brh07 @NoLongerHer
 
توقيع لمعانُ الأحداق
تسجيل متــــــابعة و حجز مكــــان
 
توقيع لمعانُ الأحداق
مبدعة كعادتك أختاه
 
./

تحية طيبة../
الفكرة وروح النص جميلة..
لكن فيه إسهاب.. لا أرى له داعيا.

موفقة..
ومتابعون مترقّبون لمفاجآت قلمكم..
 
توقيع أمير جزائري حر
./

تحية طيبة../
الفكرة وروح النص جميلة..
لكن فيه إسهاب.. لا أرى له داعيا.

موفقة..
ومتابعون مترقّبون لمفاجآت قلمكم.
سآخذ ملاحظتك بعين الإعتبار
شكرا على القراءة والتفاعل
 
توقيع كاميليا الثلج
هكذا نطير إلى السماء...

[الجزء الثاني]


سكتَّ قليلًا وأنت تنظر إليَّ بدهشةٍ وتساؤل…

  • كلا... ما الذي ستُذكّرني به أسئلةٌ غامضةُ المعنى، واضحةُ الفهم كهذه؟ لم تُذكّرني بشيءٍ البتّة.
قلتُ: لا بأس، سيأتي يومٌ تفهم فيه كلامي جيّدًا، وتعلم ما الذي تعنيه أسئلتي هذه. ستحتاج إليها بالتأكيد في وقتٍ ما.

لنعد إلى السؤال مرّةً أخرى...

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في بداية كتابه إحياء علوم الدين: «الرجاء والخوف جناحان، بهما يطير المقرّبون إلى كل مقامٍ محمود...».

أدركتَ الآن ما هي الأجنحة اللّازمة للطيران يا صديقي؟ ببساطة، هذا ما نحتاج إليه.

واحذر أن تمتلئ بالرجاء فتقطع جناح الخوف، فتسقط من علوٍّ في جُبّ الخيبة، ولا تُلغِ الرجاء، كي تستطيع رؤية الأمل أمامك وهو يحثّك على التقدّم. وازن بينهما لتصل؛ فبهما تطير إلى كل مقامٍ محمودٍ مقصود.

  • كلامكِ جميل يا «كاميليا»، ولكن كيف يكون الوصول؟ أو بمعنى أدق: ما الذي ينتظرني عند الوصول؟ هل هنا تنتهي الرحلة؟ وهل هذه آخر محطّات الحلم الذي كافحتُ لأجله؟ أجيبيني فضلًا...
قلتُ: زادك الله من فضله يا «ثلج»، وألهمك الصواب فيما تقول وتفعل.

اسمعني جيّدًا...

عندما تصل -إن شاء الله- سيكون القرار حينئذٍ بيدك، بعد أن كانت قراراتك هي التي تتحكّم بك.

وما دمتَ قد وصلت، فدعني أهنّئك أوّلًا على وصولك بالسلامة، من رحلتك المتّجهة إلى السماء، والتي تحمل الرقم (100) على متن طائرة حلمك. ولا تنسَ أن تعذر نفسك على المطبات النفسية التي واجهتك في الطريق...

والآن، دعني أُجيبك عن أسئلتك: أمّا ما الذي ينتظرك عند الوصول؟ فهو -ببساطة- حلمك الذي سافرتَ لأجله.

وأمّا هل هنا تنتهي الرحلة؟ فأقول لك: بل من هنا تبدأ.

من هنا تبدأ بقطف ثمارك، ومن هنا يبدأ ربيعك.

ودعني أُدرج سؤالك الأخير مع هذا، فأقول لك: هذه ليست آخر محطّات الحلم، فالمحطّات التي تليها أجمل بكثير مما تتوقّع.

لكن اعلم أنها لن تكون سهلة؛ بل يشوبها شيء من المشقّة اللذيذة، وليست كأيّ مشقّة...

لذا، لا تخشَ شيئًا.

فما دام حلمك قد صار بين يديك الآن، فأنت في برّ الأمان.

ولكن... الحذرَ. الحذرَ أن يضيع منك بعد أن وصلت إليه جاهدًا.

والآن، هل أستطيع أن أقول إنني قد أجبتك عن أسئلتك وأشبعت فضولك؟

  • نعم يا «كاميليا»، شكرًا لكِ.
لقد اتّضح الطريق أمامي الآن، وزال الضباب والغشاوة عن عينيّ، أصبحتُ أرى جيّدًا كيف أسير، وكيف أضع أولى خطواتي بثقة، بعد أن كنت متردّدًا.

جزاكِ الله عنّي وعن القرّاء خيرًا.

قلتُ مبتسمة: لا تشكرني على واجب يا «ثلج».

لقد أسعدني سؤالك، واستمتعت بالوقت الذي قضيته معك.

ولا تتحرّج مرّة أخرى من طرح أسئلتك؛ فما كان عندي به علم أجبتك، وإلا فسأقول لك ببساطة: لا أعلم.

  • حسنًا، أستأذن منك الآن، لأتركَ لكِ المجال لإكمال مقالتك التي أفسدتها عليكِ بتدخّلي، ههه... وأعتذر مرّة أخرى على مجيئي في وقت غير مناسب.
قلتُ: لا تقلق، أمّا مجيئك في وقت غير مناسب فذلك خطئي أنا، لأنني لم أضع جدولًا لمواعيد الأسئلة والاستفسارات... لعلّ ذلك يكون لاحقًا، إن شاء الله.

وقفتَ متّجهًا نحو الباب، وحين وضعتَ يدك على المقبض توقّفتَ فجأة، كمن نسي شيئًا مهمًّا.

عُدتَ أدراجك إلى مكتبي بخجل، ووضعتَ ظرفًا على الطاولة.

نظرتُ إليك بتساؤل، فقلتَ:

  • قبل أن أرحل، أرجو أن تقبلي منّي هذه الهديّة الصغيرة، دليلًا على شكري لكِ.
ضحكتُ قائلة: شكرًا لك، لم أكن أنتظر منك شيئًا البتّة...

ثم رحلت.

نظرتُ إلى الأوراق المبعثرة أمامي، وإلى الظرف الساكن عند طرف المكتب.

شيءٌ ما يغريني لمعرفة ما بداخله، وآخر يستحثّني على إكمال المقالة.

تنفّستُ بعمق، وحسمتُ أمري.

التقطتُ القلم بخفّة لأكمل المقالة أوّلًا، وأغري نفسي بالإسراع في الكتابة لأرى ما في الظرف…

وكتبتُ:

لنعلم أنّ الحلم والتمنّي وحدهما لا يكفيان، بل لا بدّ معهما من بذل الأسباب للوصول.

وأوّل هذه الأسباب وأهمّها: التوكّل على الله، لا بمعنى الاتّكال عليه. فالتوكّل هو أوّل مراحل البذل للوصول… إلى السماء.

وثانيها يا صديقي: الدعاء... الدعاء... وهو ليس محطة لحظيّة نمرّ بها ثم نغادرها، بل هو سرّ السعادة الدائمة، ولن تكون هناك سعادة دون طمأنينة، ولا طمأنينة دون رضا.

وبعد أن نأخذ بالأسباب من السماء، ونستمدّ منها العون، تأتي الأسباب التي يجيدها كلّ واحدٍ منّا.

وتذكّر في طريقك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ۝ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، واعلم أنّ الله لا يضيّع عبدًا استعان به وتوكّل عليه.

ووصيّة أخيرة لي قبلك...

قرأتُ قبل قليل اقتباسًا قديمًا، ولم أدوّن مصدره للأسف، جاء فيه:

«لكي تنجح، لا تنظر إلى الخلف؛ فربّما أفقدتك تلك النظرة حماسك، وأخّرتك عن تحقيق هدفك. كن ثابت المبدأ، متّزن الخطى... نحو أهدافك ونجاحاتك».

والآن يا صديقي/ـتي القارئ/ـة، ربّما أكون قد وصلت إلى نهاية هذه القصّة القصيرة، لكنّها حتمًا ليست آخر كلماتي. فما زال في جعبة قلبي وذاكرتي الكثير من الحكايات، وعسى أن نتشاركها يومًا قريبًا يا «ثلج».

ربّما تساءلتَ الآن: من «ثلج» هذا؟

لا تقلق… لم يكن سوى أنت، أيّها الوفيّ/ـة.

وبما أنّك وصلت إلى النهاية، فاعلم أنّه لأجلك… ولأجلي، سال حبر الأمل والنور على واحة دفتري.

فأمّا قبل… فلا بأس عليّ.

وأمّا بعد… فالسلام عليك.

وأمّا بينهما… فالسلام لأرواحنا حتّى تصل.



وأمّا الآن… فإلى اللقاء، ولن أقول: الوداع.

وقبل أن أذهب، نسيتُ أن أخبرك بما وجدتُ في الظرف...

حسنًا، سأُشبع فضولك.

حين أنهيتُ الكتابة، امتدّت يدي مسرعة إلى الظرف، فتحته وقلبي يدقّ طبول التوتّر، فوجدتُ بداخله قصاصة ورقٍ معتّقة، كأنّها عبرت سنوات طويلة.

كان مكتوبًا فيها: «السّلام على قلبك يا أسماء، أما بعد: فلا تحزني... اجعلي قلبك كبيرًا لا صغيرًا، ولا تسمعي لتلك الهمهمات من خلفك. لقد رأيتكِ في منامي تطوفين بالحرم حول الكعبة المشرفة، وتلبسين البياض...فلا تحزني من كلامهم، فسيكون لكِ شأن يومًا ما».

أكملتُ القراءة ودموعي تنساب، فقد كانت هذه الكلمات ذاتها التي كانت تقولها صديقتي لي، حين كنتُ في العاشرة من عمري.

واليوم، بعد عشر سنوات، تعود إليّ على هيئة هدية…

فشكرًا لك يا الله، والشكر موصول إلى صديقتي، التي كانت تُسلّيني دومًا بكلماتها الجميلة.

حفظكِ الله أينما كنتِ.


-بقلم: الكاميليا البيضاء
 
توقيع كاميليا الثلج
العودة
Top Bottom