حين كان الحرف بيتا وكانت اللمة وطنا

ابن المليون

:: عضو مُتميز ::
1777155427634.webp



بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


جيل المنتديات حين كان الحرف بيتا وكانت اللمة وطنا لم تكن بدايتي مع هذا العالم مجرد تسجيل في موقع بل كانت ولادة ثانية
داخل شاشة صغيرة سنة 2003 حين كان الشات الكتابي نافذتنا الوحيدة نحو الآخرين وكانا وحين كان الاسم المستعار أشبه بقلب آخر
نخبئه عن العالم هناك تعلمت كيف يمكن لكلمة أن تصنع صديقا وكيف يمكن لسطر أن يحمل وطنا كاملا ثم جاءت المنتديات وجاء معها
ذلك السحر الذي لا يشبه شيئا آخر مع vBulletin وبالأخص الإصدار 3.6.7 لم نكن نتعامل مع سكربت فقط بل مع كيان حي أقسام تنبض مواضيع تتكاثر
كأحلام صغيرة وردود تشبه المجالس القديمة كل عضو كان حكاية وكل توقيع كان سيرة لكن الحقيقة التي لا تقال كثيرا في تلك السنوات الأولى
كان حضور المنتديات العربية مائلا نحو المشرق والخليج وكانت الجزائر تكاد تكون ظلا خفيفا في هذا المشهد نادرا ما كنت تجد منتدى جزائريا يحمل
هذا الزخم وكأننا كنا نبحث عن أنفسنا في مساحات لا تشبهنا تماما إلى أن بدأت الخيوط تتشكل وهنا لا يمكن أن أنسى بوابة العبور الأولى
معهد تريدنت ذلك الفضاء الذي لم يكن مجرد تجمع تقني بل كان مدرسة كاملة منه تعلمنا ومنه اكتشفنا الطرق ومنه أيضا بدأت أتعرف على ملامح
مجتمع أقرب يشبهنا أكثر ثم جاءت اللحظة التي تغير فيها كل شيء سنة 2007 حين دخلت اللمة الجزائرية ولم أدخل منتدى بل دخلت حياة هناك عشت
عشر سنوات لا تقاس بالزمن بل بعدد الوجوه التي لم أرها يوما ومع ذلك أحببتها كأنها أقرب من الدم كنا نلتقي كل يوم بلا مواعيد بلا إشعارات فقط
لأننا نريد أن نكون هناك لم يكن هناك Instagram ولا TikTok لم تكن السرعة تبتلع المعنى حتى Facebook وTwitter كانا في بدايات خجولة لا يعرفان
بعد كيف يسرقان الوقت من أرواحنا كنا نكتب لنفهم لا لنشاهد ننتظر الردود كأننا ننتظر رسائل بريد قديم فيها شيء من الشوق وشيء من الهيبة
واليوم أعود إلى تلك الصفحات كمن يعود إلى أطلاله أسماء كانت تملأ المكان أين هي الآن بعضهم رحل عن هذا العالم بصمت وكأن حسابه أغلق في السماء
وبعضهم هجر الحرف وترك وراءه مواضيع تشبه رسائل لم يرد عليها أبدا وهناك من ما زال حيا لكنه لم يعد ذلك الذي كان يكتب كأن الحياة سحبته بعيدا عن نفسه
تسعة عشر عاما رقم يبدو عاديا لكنه في داخلي عمر كامل من الحنين حين أتذكر تلك الأيام لا أشتاق للمواقع بل أشتاق لذلك الإنسان الذي كنته هناك بسيطا
صادقا يفرح برد ويحزن لغياب اسم المنتديات لم تكن مجرد مرحلة كانت لمة حقيقية كانت بيتا بلا جدران ودفئا لا يشترى واليوم وسط هذا الزحام الرقمي
أدرك أن أجمل ما عشته لم يكن في سرعة الاتصال بل في بطء الحنين وفي تلك البدايات التي تعلمنا فيها كيف نجد أنفسنا قبل أن نضيع في كل هذا الاتساع


وقبل أن يهدأ هذا الحرف في آخر السطر

لا أملك شكرا يليق بكل هذا العمر الذي سكن الكلمات لكنني أتركه كهمس يتردد بين الصفحات
سلام على الذين مروا كنسمة ثم غابوا على من رحلوا وتركوا أسماءهم معلقة في ذاكرة المكان
كأنهم لم يغادروا بل تغير حضورهم فقط
وسلام على الذين بقوا أولئك الذين ما زالوا يحرسون المعنى من الانطفاء ويبقون في هذا الركن نبضا يشبه البدايات
أما أنتم يا نظار اللمة وحراس الإيقاع وإدارتها فأنتم لستم حراس منتدى بل حراس ذاكرة وسدنة أرشيف لا يقاس بحجمه
بل بما يحمله من أرواح عاش هنا يوما أن تحفظوا هذا المكان حيا كأنكم تحفظون جزءا منا لم يعد له مأوى إلا بين هذه الصفحات
شكرا لكم لا كما يشكر من أدى واجبا بل كما يشكر من أبقى الضوء مشتعلا في بيت كاد أن ينسى ولعلنا
حين نكتب من جديد لا نعود فقط إلى المنتدى
بل نعود إلى أنفسنا حيث بدأ كل شيء


ابن المليون
أخر من يطفئ الحرف وأول من يعود إليه
 
آخر تعديل:
توقيع ابن المليون
مفعمة بالصدق هذه الكلمات... وطاغية في جمالها.
مع كل كلمة كنت أعود إلى الوراء البعيد وأسبح في ذاكرة تلك الأيام وألتقيني كمن يتفرس في ملامح شخص آخر مختلف تماما..

ما أكثر أولئك الذين مروا بنا ومررنا بهم في هذا العالم.. وما أجملهم أولئك الذين مازلنا نذكرهم ونبتسم للحظات التي جمعتنا بهم.

فعلا هناك أسماء لاتنسى ولا يجب أن تنسى لأن الكلمات لا تملأ البياض فحسب ولكنها تملأ الأرواح فكرا وشعورا..

قبل مدة فقط عرفت أنه ثمة موقع يؤرشف المواقع وللحظة ما عدت إلى سنوات ال 2008 لمنتديات اختفت تماما من الوجود وكم كان ذلك مؤثرا... مؤثر أن يقف المرء على النسخة الأولى من نفسه.
**
قبل أيام أيضا كنت أقول في نفسي بأن أجمل مافعلته أنني لم أكن جزء من ذاكرة اللمة فيم مضى رغم تسجيلي الذي فاق العشر السنوات... لم أعرف أشخاصا ولم أكوّن صداقات ... ربما لو فعلت ذلك فيم مضى لما كنت اليوم قادرة على التواجد هنا دون امتدادات للماضي وللغائبين .. امتدادات في الغالب ستنغص علي شعوري الحالي بمقارنته بشعوري القديم ..


ولعلها فرصة لأقول بأنني اليوم سعيدة وممتنة وراضية وأنا أقرأ للأقلية التي ماتزال وفية لهذا الفضاء ..

أحب المكان اليوم كمن يحبه للمرة الأولى.. وأقرأ وأكتب أحيانا كمن يؤسس شعوره لأول مرة أيضا..
فمن القلب شكرا للجميع.

وشكرا لك على هذه الكلمات الرائعة التي لامست شيئا دفينا في داخلي.
 
العودة
Top Bottom