المفتاح

إلياس

:: عميد الأعضاء :: ✍️top5👑
أوفياء اللمة
من شدة الفرح والابتهاج، لم يتمالك نفسه وهو يستلم الرسالة؛ فاندفع يعانق موزع البريد بحرارة، ولسانه يلهج بأصدق عبارات الشكر والثناء. وقف الموزع مذهولاً من هذه ردة الفعل غير المتوقعة، لكنه سرعان ما انصرف والابتسامة تزين ثغره، شاعراً بوعثاء العمل تتبدد، فقد نجح اليوم في إدخال السرور على قلب إنسان. ففي كثير من الأحيان، كان يرى الوجوه العابسة والوجل ممن يستلمون رسائله، كونها غالباً ما تحمل بين طياتها أنباءً محزنة أو فواتيرا مثقلة.
دخل العم محمود بيته وصوته يتردد في أرجاء المكان منادياً: "زغردي يا أم ربيع! زغردي فقد فرجت!" وأردف والأنفاس تتسارع في صدره: "وأخيراً جاء رد الشركة بالموافقة على طلبي لشراء السيارة بالتقسيط. كم انتظرت هذه اللحظة، وها هو الحلم يفتح لي ذراعيه. لقد هدّني التعب ونهش جسدي العمل المضني في الورشات والمصانع، أما الآن، فسأعمل سائقاً حرّاً على سيارتي الخاصة، أبني قاعدة من الزبائن، وأستريح من عناء الشقاء.. الحمد لله والشكر لله كثيراً".
في تلك الليلة، جافى النوم جفون العم محمود. بات يتقلب في فراشه وصور الغد الواعد تتراءى أمامه كشريط سينمائي مبهج، يرى نفسه سائقاً معروفاً ومحبوباً، يتسابق الجميع للركوب معه، ويحلم بالثروة والرخاء الذي سيجنيه من نقل المسافرين بين المدن القريبة والبعيدة.
مع تباشير الفجر الأولى، استيقظ بهمة ونشاط، وقصد المسجد القريب ليؤدي الصلاة، ثم جلس في سكينة يتلو آيات من القرآن الكريم حتى شرقت الشمس ناشرة ضياءها. خرج والأمل يملأ قلبه، واتجه بخطى حثيثة نحو مقر الشركة لإتمام الإجراءات القانونية، ودفع القسط الأول ليتسلم مفتاح خطوته الجديدة نحو الثراء. كانت الساعات تمر كأنها دهور، تتقاذف فيها نفسه مشاعر متباينة بين الأمل العريض في غدٍ أفضل، والقلق الخفي من أي عائق مفاجئ، او الفرح الطاغي بقرب اللقاء. لكنها، رغم ثقلها، كانت الساعات الأجمل والأكثر مصيرية في حياته. مفتاح الهناء مضى الوقت وئيداً، وأخيراً بعد ان استوفى الاجراءات القانونية.. ها هو بطلنا يجلس خلف مقود سيارته الجديدة، ينساب بها في شوارع المدينة باتجاه منزله. كان في حالة من الذهول الذهني، يتساءل بينه وبين نفسه غير مصدق: "أأنا في يقظة أم أن حلما جميلا يداعب مخيلتي؟" وكي يطرد الشك باليقين، أخذ يقرص خده برفق ليقنع نفسه بأن هذا الواقع الجميل حقيقة لا خيال. وصل إلى محيط عمارته، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يضغط على مزمار السيارة معلناً قدومه. ما إن سمعت زوجته الصوت حتى أطلت من الشرفة، وأطلقت زغرودة مدوية شقت عنان السماء، معلنة ابتهاجها بهذا النصر الصغير. أوقف السيارة في مكانها، ودخل البناية يطوي درجات السلم طيّاً، يقفز فوقها قفزاً غير آبه بعددها ولا بتعبه.
عندما وصل إلى شقته، وجد زوجته بانتظاره عند عتبة الباب، وعيناها تلمعان بالفرحة والسعادة. تطلع إليها، وفي حركة مسرحية مليئة بالانتصار، أخرج من جيبه المفتاح الفضي وأخذ يلوح به في الهواء قائلاً بنبرة واثقة: "انظري يا أم ربيع.. هذا هو مفتاح الهناء، الذي سيخرجنا -بإذن الله- من ضيق الشقاء إلى سعة الرخاء
 
العودة
Top Bottom