السادية والمازوشية

نجيب القناص

:: عضو مُتميز ::
السادية والمازوشية دراسة نفسية تاريخية د.بوفولة بوخميس



الكتابات التاريخية والأدبية بمختلف أنواعها، حافلة بقصص أناس عرفوا بشخصيات غريبة وغير مألوفة، حيث امتلأت حياتهم بالعدوانية والعنف والإجرام، وكانوا ساديين أو مازوشيين. ولقد احتفظ لنا التاريخ بأسماء كبيرة كالمجرم جـاك البـاقـر (Jack l’éventreur) الذي كان يقترف جرائمه في لندن على بائعات الهوى والمجرم بيتر سوطشاف (Peter Sutchiffe) الذي كان يمارس أيضا ساديته على بائعات الهوى.
كان طبيب العقل الألمـاني وعالم الجنس ريشارد فـون كرافـت-إيبنـج(Richard Von Krafft-Ebing) أول من ذكر مصطلحي "سادية" و"مازوشية". كان كرافث إيبنج المولود سنة 1840 بمانهايم (Mannheim ) و المتوفي سنة 1902 بغـراز(Graz )، أستاذا للطب العقلي في مدينة ستراسبورغ (فرنسا) سنة 1872، ثم في "قراز" بين سنتي 1873 و 1889 وأخيرا في فيينا حيث خلف ث. مينار (Th.Meynert) سنة 1892. في سنة1879 نشرمؤلفا سماه "كتاب في الطب العقلي"(Manuel de psychiatrie)، وفي سنة 1886 كتاب "علم النفس المرضي للجنس" (Psychopathia ***ualis ).
استوحى كرافت إيبنج إسم "المازوشية " من إسم الكاتب "ساشار مازوش" كاتب الروايات التي اشتهر أبطالها بالسقوط تحت سلطة إمرأة، وقبل هذه التسمية كانت المازوشية تسمى "الشبقية المؤلمة" الساكنة (Algolagnie Passive)، والسادية تسمى شبقية مؤلمة نشيطة (Algolagnie Active) وأخد كرافت إيبنج إسم ""السادية" نسبة إلى الروائي الفرنسي "دي ساد" الذي اشتهر أبطال رواياته بالتلذذ بايلام وتعذيب شريكاتهم جنسيا."
ذكر كرافت إيبنج أول مرة هذين المصطلحين لما نشر كتابه "علم نفس الجنس المرضي" (Psychopathia ***ualis ) سنة 1886 ، وابتداء من هذا التاريخ بدأ مصطلحا "المازوشية" و"السادية "يلقيان الإهتمام من الناس والباحثين وأصبحا يعرفان كشذوذين جنسيين ، وتحولا من موضوع عام إلى موضوع جنسي خاص.

ومع ظهور التصنيفات الطبية للأمراض في القرن 19 أخذت المازوشية والسادية مكانهما ضمن الإنحرافات الجنسية .
وفي نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين ذاعت الكتب والمقالات عن السادية والمازوشية، وكانت في الأول تدخل ضمن علم نفس الجنسي الطبي، ففي سنة 1887 نشر ألفرد بينيه بحوثه في الموضوع، وفي سنة 1892 نشرت أعمال شرنك-نوتزنغ (Schrenk-Notzing)، وفي سنة 1902 نشر إلنبرغ (Eulenburg) كتاب "السادية والمازوشية"، وفي سنة 1897 نشر هافلوك إليس (Havelock Ellis) كتابه المشهور "دراسات في علم نفس الجنس" (Studies in the psychology of ***
و في سنة 1905 نشر س. فرويد كتابه "ثلاث مقالات حول نظرية الجنسية". وهنا تحول الإهتمام بالسادية و المازوشية فأصبحا يقاربان بواسطة التحليل النفسي، وكان التحليل النفسي في الاول يعتبر المازوشية مرضا و السادية مكونا من مكونات الليبيدو.
رأى س. فرويد أن الحياة الجنسية عند أغلب الرجال تتضمن أو تحتوي على العدوان
و الرغبة في إخضاع الآخر، وتنحصر دلالة هذه الرغبة في ضرورة التغلب على الفعل الجنسي بإتيان أفعال مغايرة للمغازلة.
أما المازوشية فقد اعتبرها س. فرويد امتدادا للسادية المرتدة على الشخص ذاته. يّدل التحليل الإكلينيكي للحالات المازوشية القصوى على وجود عدد من العوامل (كعقدة الإخصاء والإحساس بالذنب) تجمعت لتعزيز الموقف الجنسي السلبي الأصيل.
وصرح س. فرويد بأن تاريخ الحضارة الإنسانية يدل على أن ثمة علاقة وثيقة تربط القسوة بالغريزة الجنسية.
وأشار بعض المؤلفين أن العدوان الممتزج بالغريزة الجنسية من رغبات افتراس البشر.
حاول س.فرويد التوغل في تاريخ الحضارات البشرية لإيجاد تفسيرا للسادية والمازوشية، وذكر في هذا الخصوص آراء بعض الكتّاب الذين يرون في العدوانية بقايا من الشهية الكانيبالية (Un reste d’appétits cannibaliques ).
ويرى "كرافت إيبنج" أن مصدر المازوشية فرط نمو مرضي لعناصر نفسية أنثوية وهي ايضا تعزيز مرضي لبعض سمات روح المرأة(L’âme de la femme) .
ومن جهته يعتقد لومبروزو بوجود ارتباط في زمن الحروب بين الإعتداءات من كل نوع والجنسية.
ويرى "ريكان ابراهيم" أن السادية عند الرجل هي نتيجة الإحباط الذي يعانيه بسبب المرأة.
تمارس السادية على شخص رافض وفي هذه الحالة تصاب الضحية برعب يسبق الفعل السادي الوشيك.
وقد تمارس على شخص موافق (قد يكون يعاني من مازوشية) يتحمل بطريقة إرادية الألم والإهانة.
وتتخذ "السادية" مظاهر عديدة ومنها:
- بروز نشاطات تدل على تغلب وتسلط الشخص السادي على ضحيته كإجبارها على المشي على أربعة أطراف أو حبسها في صندوق.
- تصفيد الضحية.
- تعصيب عيونها.
- ضربها على ردفيها (وركيها).
- ضربها بقضيب.
- وخزها وضربها وحرقها.
- ضربها بسوط أومايعرف بـ:"هوس الجلد"(Manie de la flagellation ) .
- اغتصابها.
- صدمها كهربائيا.
- تعذيبها .
- تقطيع جلدها بسكين أو آلة حادة (شفرة...).
- خنقها.
- بترها (Mutiler ).
- قتلها نتيجة الثمالة الجنسية (Ivresse ***uelle ) .
- توسيخ الثياب أو ما يعرف بهوس التوسيخ (La manie de salir) يحاول السادي توسيخ ثياب أو جسم ضحيته، وكثيرا ما تكون للسادي قضايا مع العدالة لما يوسّخ في مكان عام أو في الطريق ثياب إمرأة لا يعرفها بالحبر أو الطين أو الدهن، وقد يقوم بحلق شعر النساء.
لقد عددت سلسلة "أنكارتا" حوالي 20 كلمة مرادفة لكلمة "سادية" وهي: حب الإيذاء، الفظاظة، القسوة، الخبث، الصلابة، سوء النية، السوداوية، الغدر، الحيوانية، البربرية، التوحش، الوندالية، الفظاعة، الخشونة، الإفتراسية، اللاإنسانية، التحرش، الإستفزاز، النزوع للشر، الإنحراف والشذوذ...ألخ.
ينفذ المازوشيون اندفاعاتهم (نزواتهم) المازوشية على أنفسهم بمفردهم أو عن طريق الآخرين. وتبدو المظاهر الفردية للمازوشيين فيما يلي:
- يربطون أنفسهم.
- يوخزون جلدهم.
- يصدمون أنفسهم بالكهرباء.
- يحرقون ويبترون ذواتهم.
أما المظاهر الجماعية فتتمثل فيما يلي:
- تعصّب عيونهم.
- يصفدون.
- يضربون بقضيب.
- يضربون على أردافهم.
- يضربون بسوط.
- يضربون بالأيدي والأرجل.
- يعرضّون لصدمات كهربائية.
- البول والتبرز على وجوههم.
- يوخزون بإبر.
- تثقب جلودهم.
- يجبرون على المشي على أربعة أطراف.
- يتعرضون للضرب والشتم.
- يذبحون كالكلاب.
- قد يرغبون في أن يعاملوا كأطفال صغار بلا دفاع وتوضع لهم قماطة، وهذا ما يعرف "بالطفولية" .
كما يوجد شكل خطير من أشكال المازوشية وهو ما يعرف باسم: "تشهي نقص الأكسوجين". حيث يحس المازوشي بالإثارة الجنسية بإنقاص الأكسوجين المستنشق في الهواء، وتتم عملية الإنقاص هذه بعدة طرق كـ: الضغط على الصدر- الربط – العقدة المتحركة (Nœud coulant ) – وضع الرأس داخل كيس بلاستيكي – وضع قناع – استنشاق مادة كيميائية كالنترات الطيار (Nitrate volatile ) الذي يحدث نقصا مؤقتا في أكسجنة المخ نتيجة إحداثه لحالة توسع وعائي طرف(Vasodilatation périphérique ).
وقد يعاني المازوشيون من فيتيشية، أو تلبس فيتيشي (Transvertisme fétichiste ) أو سادية.
وتشير ساشا ناخت (S.Nacht ) في مقالها حول "المازوشية" كيف عرض Krafft-Ebing بشمولية كبيرة مظاهر المازوشية كـ:
· الألم الجسدي عن طريق الوخز .
· القرع.
· الضرب بالسوط (الجلد).
· الإهانة النفسية من خلال حالة الخضوع الذي تأخذه المرأة.
· العقاب الجسدي.
تحاول هذه الدراسة تصميم سلّم يقيس السادية والمازوشية لغياب الأدوات في هذا المجال. يعدّ السلّم وسيلة مهمة لقياس الشخصية (ايزينك)،ويمدنا بمعلومات هامة عن توزع السمات لدى الأفراد ( هيلقارد)، وهو أكثر نضجا من الأدوات الأخرى (كرونباخ)، وتزداد قيمة نتائجه عندما يصدق المفحوص في إجاباته على الأسئلة (جيلفورد).
قد يستعمل السلم كمصدر معلومات (فيرنون) أو يستخدم كمقدمة للمقابلة الإكلينيكية وللتعرف على مشكلات الفرد (أناستازي). يختلف " كندل " مع " فريمان " حول حدود استعمال السلالم فيرى الأول أنه بالإمكان استعمالها في الدراسات الإبيديميولوجية بينما يختزل الثاني استعمالها في حالات خاصة وحدود معينة.
ويرى " بوردن " أن السلالم تعكس مفهوم الذات بينما يرى " كاتل " أن السلالم هي مجرد تقدير لسلوكات معينة وليس لها قدرة على تقديرات الذات.
إن اختلاف وجهة نظر العلماء في تحديد أهمية ومزايا السلالم وأدوات القياس بصفة عامة يفسره عدم وجود طريقة محددة ومقبولة من طرف الجميع لتصميم هذه الأدوات والتحقق من صلاحيتها سيكوميتريا.
إن نتائج السلالم وأدوات القياس الأخرى حتى لو تحقق صدقها وثباتها وحساسيتها تبقى نسبية، فهي لا تدرس سوى مظهرا من الشخصية بينما من الأحسن لو أنها تقارب الشخصية في عموميتها.
وهناك معضلة أخرى تواجه مستعملي السلالم وأدوات القياس الأخرى، هي ظاهرة تقادم هذه الأدوات، وهذا ما يعرف بأثر فلين (L’effet de flynn) أو أثر المجموعة (L’effet de cohort) ، أي أن مستوى أداء الأفراد يختلف من جيل لآخر وبالتالي ما صلح للجيل الأول قد لا يصلح للجيل الثاني، ولا بد من معاودة تقنين الأدوات الموجودة باستمرار.
وفي نفس الإتجاه يرى " نوربار سيلامي" أن أدوات القياس ذات قيمة لكن لا واحدة قادرة على استكشاف عموم الشخصية، وعلى الأخصائي النفسي الذي يستعمل أدوات القياس في ممارسته وبحوثه أن يبقى حذرا ومحتاطا من نتائجه فتفسيراته وشروحاته هي مجرد فرضيات عمل.
ولقد احترم الباحث عند تصميمه لهذا السلم شروط بناء وتصميم أداة القياس وأحصى خصائصه السيكوميترية فبين ثباته وصدقه، وحلل حساسيته (قدرته على التمييز)، ونظرا لصعوبة وطول مدة هذا العمل فقد وضع الباحث حدودا لبحثه وهو الإكتفاء بتحقيق صدق السلم المصمم وثباته، وحساسيته أما تقنينه أي وضع معايير له فذلك يتطلب عينة تمثيلية عشوائية وعملا كبيرا لا يقوم إلا على عاتق مجموعة من الباحثين وليس باحث واحد.
 
شكرا على الموضوع
 
شكرا على الاطلاع وانشاء تكون قد استفدت
 
تنبيه: نظرًا لتوقف النقاش في هذا الموضوع منذ 365 يومًا.
قد يكون المحتوى قديمًا أو لم يعد مناسبًا، لذا يُنصح بإشاء موضوع جديد.
العودة
Top Bottom