reaction
472
الجوائز
73
- تاريخ التسجيل
- 28 مارس 2014
- المشاركات
- 787
- آخر نشاط
- تاريخ الميلاد
- 6 أكتوبر
(1) :
هيباشيا : الإسكندرية... المتحف والمكتبة :
الأرجح أن بطليموس الأول ( حكم مصر منذ أن توفّي الإسكندر 323 حتى 282قبل الميلاد ) ، وهو أعظم خلفاء الإسكندر الأكبر والملقّب بـ " سوتر " ، أي المنقذ ، هو الذي بنى مدينة الإسكندرية تحقيقاً لرغبة قائده العظيم ؛ فقد رأى الإسكندر في نومه حلماً غريباً ( من الطريف أن معبد السرابيون serapeion بُني بسبب حلم آخر رآه بطليموس الثالث ؛ فقد رأى من يقول له : لا بد من دين جديد " فأمر أن يحضر من معبد المشترى في سينوب تمثالاً لبلوتوpluto ليكون رمزاً للنحلة الجديدة ، وتعاون الكاهن المصري مانيثو والكاهن الإغريقي ثيموثياس على وضع صفات الإله الجديد ، واتفقا أن يطلق عليه اسم سيرابيبس sarpapis كما عن بنيامين فارنتين في " العلم الإغريقي ". ولا نجد اتفاقاً في الذي بين أيدينا من مصادر قديمة حول الذي أسس هذا المعبد ؛ فالبعض يقول إنه بطليموس الأول ، أو الثاني) ؛ إذ رأى شيخاً أبيض الشعر مهيب الطلعة ، يقترب منه وينشده أبياتاً لهوميروس تقول " هناك وسط البحر الصاخب الذي تسبح فيه مصر ، قامت جزيرة ذائعة الصيت يطلق عليها الناس اسم فاروس pharos ( أقيم جسر يصل الجزيرة باليابسة ، كما عهد إلى سوستراتس sostrates ببناء منارة في هذه الجزيرة الصغيرة ، وهي أول منارة في العالم القديم ، كان لها برج يبلغ ارتفاعه 400قدم ، وتسهل رؤيتها عبر الأماكن المنخفضة ، ومن البحر ، ومن مسافات بعيدة. ذاع صيتها حتى أصبحت من عجائب الدنيا السبع . وأصبح اسم الجزيرة pharos يعني منارة في جميع اللغات ، فهي كذلك بالإنجليزية ، وهي باللاتينية farus ، وبالفرنسية pharos) هناك في الداخل ميناء ذو مرسى بديع " .
فقام من نومه ، وجرى لرؤية الجزيرة التي قامت في البحر على هيئة لسان طوله أكبر من عرضه ، فأمر بعمل رسم هندسي للمدينة الجديدة ، ثم رحل مع أتباعه إلى الصحراء لزيارة معبد آمون في سيوة ، واتجه ، بعد عودته من هذه الزيارة ، إلى فلسطين وسوريا ماضياً في فتوحاته .
فإذا كان الإسكندر قد اتفق مع مهندسيه على موقع المدينة وتخطيطها بوجه عام ، فإنه لم يبدأ بناؤها أثناء حياته لانشغاله بأمور أخرى ( هناك من يرى أن الإسكندر قد وضع أساس مدينة الإسكندرية قبل أن يذهب إلى واحة سيوة. وهناك من يرى أنه تم بناؤها في عهده ) والقول الأرجح إن بطليموس الأول هو الذي شرع / بدأ فعلاً في بنائها ، ولهذا اضطر أن يتخذ منفيس ، لوقت ، مقرّاً لحكومته إلى أن يتم بناء المدينة ، أو الجناح الملكي على الأقل. وكان ديمتري الفاليريdemetrius phalerius ( ديمتري فاليري هذا مفكّر وسياسي آثيني ، حكم آثينا مدة عشر سنوات من317حتى 307 قبل الميلاد ، ثم هرب إلى الإسكندرية فعاش في بلاط صديقه بطليموس الأول ، ولعب ديمتري دوراً مهماً في إنشاء المتحف والمكتبة ) ، صديق بطليموس الأول ، واحداً من الفلاسفة المشّائين الذي أخذوا عن أرسطو نفسه . وقد اقترح ديمتري على بطليموس إنشاء مجمع علمي تلحق به مكتبة تُجمع فيها الكتب من جميع أقطار الأرض ، وسمّى هذا المعهد الموسيون mouseum وهذه كلمة يونانية معناها " معهد ربّات الفنون والعلوم " ، هؤلاء اللائي يوحين للشاعر والكاتب والمفكّر ، ومنها جاء اشتقاق كلمة museum بمعنى المُتحف في اللغات الأوروبية .
ولما كان بطليموس الأول على حظ عظيم من العبقرية ، يقول جورج سارتون ، حيث كان نصيراً للعلوم والفنون ، فقد رحّب الملك المثقف بهذه الفكرة وشرع في تنفيذها ، وقام بتعيين ديمتري الفاليري مشرفاً ورئيساً للموسيون ، ووضع تحت إمرته من المال ما شاء لأجل شراء الكتب وجذب العلماء إلى الإسكندرية ، خاصة وأن بطليموس أراد أن تنافس الإسكندرية آثينا كمركز للثقافة والعلم في العالم القديم .
وتم بناء المُتحف في منطقة القصور الملكية ، وجاء بناءً بالغ الجمال / الروعة . وأول من وصف لنا متحف الإسكندرية هو الجغرافي سترابون strapon حيث زار الإسكندرية في نهاية القرن الأول قبل الميلاد ، وأقام بها زهاء خمس سنين ، عكف فيها على تأليف كتاب له في الحغرافيا . وكتب يقول عن الموسيون " إنه جزء من الحي الملكي ، يحتوي مبناه على رواق وممشى مسقوف ومبنى كبير يتناول فيه علماء المعهد الطعام ، وهؤلاء يعيشون حياة مشتركة . وكانت هناك أموال عامة موقوفة على هذا المجمع العلمي ، كما كان يشرف على أمور المتحف رئيس يلقّب بالكاهن . وكان يعيّن وقتها من قبل الملوك البطالمة ، ثم صار يعينه القيصر " .
ويعد هذا المعهد أول مؤسسة علمية حكومية في العالم القديم ، ولذلك صحّت مقارنته بجامعاتنا لولا أنه لم يكن يضم فصولاً دراسية ، ولا يمنح شهادات علمية . وإن كانت المحاضرات فيه عامة . أما داخل المتحف ، فقد كان العلماء يعيشون كالرهبان ، يقيمون ويأكلون ويشربون داخل المبنى ، وتنحصر دائرة نشاطاتهم داخله ، ويبدو أنهم كانوا يتقاضون راتباً من الدولة ما دام المتحف توقف عليه الأموال العامة كالمعبد تماماً . فقد كان بالمعهد – يرى سارتون – حوالي مائة أستاذ يدفع الملك مرتباتهم ، وقد خصصت به حجرات للأبحاث والمحاضرة والدرس .
وهناك شخصية أخرى مهمة كان لها أثر كبير في النشاط الثقافي للمعهد ، وهو الفيلسوف والعالم الطبيعي ستراتونstraton تلميذ ثاوفراسطسtheophrastos وخليفته في رئاسة اللقيون ، فبناء على اقتراح ديمتري الفاليري استدعى بطليموس الأول هذا الفيلسوف إلى مصر لكي يكون معلماً لأبنائه . وجاء ستراتون إلى الإسكندرية عام 300قبل الميلاد.
ويمكن اعتبار ستراتون المؤسس الحقيقي للمتحف ، لأنه نقل إليه الطابع / المنهج العقلي الذي انطبعت به مدرسة اللقيون ، وإليه يرجع الفضل في تحول المتحف إلى معهد للبحوث العلمية بدلاً من تحوله إلى مدرسة للشعر والخطابة . وقد بلغ من اهتمام ستراتون بدراسة الطبيعة أن سمّاه الناس بالفيزيقي أو الطبيعي . وقد ظل ستراتون في مصر مدة طويلة ، يقال إنها بلغت تزيد عن اثنتي عشرة سنة . حيث دعي إلى آثينا عند وفاة ثاوفراسطس سنة 288قبل الميلاد ، وعين رئيساً لمدرسة اللقيون فكان ثالث كبارها . ونلاحظ أنه من تصاريف الأقدار أن يكون المسؤول عن المتحف السكندري تلميذاً متخرجاً من اللقيون ثم يكون رئيساً لها .
وقد ألحقت بالمتحف مكتبة خاصة كبرى ، سماها المؤرخون المكتبة الكبرى أو المكتبة الأم تمييزاً لها عن المكتبة " الابنة " التي أُلحقت بمعبد السرابيون serapeion بعد ذلك ، وهو المعبد الذي أُنشيء في عصر الملك بطليموس الثالث للإله سرابيون الإله الرسمي الجديد للدولة البطلمية ، وكان في الحي الشعبي من المدينة حيث يقيم غالبية السكان . وكان هذا المعبد من الضخامة والروعة بحيث طبقت شهرته الآفاق. وبطبيعة الحال ضم المعبد مكتبةً ، كما جرت العادة. لكن مكتبته في السرابيوم لم تكن مكتبة عادية ، إذ سرعان ما نمت كثيراً ، ووضعت فيها الكتب التي ضاقت بها مكتبة الموسيون .
وقد غلب الطابع العلمي على المتحف ، واتضح ذلك في اهتمام علمائه بالعلوم الرياضية وعلم الفلك الذي كان جزءاً من الرياضة ، وكذلك كان هناك اهتمام بالعلوم الطبيعية وعلم الحيوان وعلم الطب والتشريح والفسيولوجيا . وبذلك كان هذا المتحف ، في بداية العهد به ، مجمعاً علمياً لا شأن له بالدراسات الإنسانية. ولكن مؤسسي المتحف ، والمشرفين عليه ، تنبهوا إلى أهمية الدراسات الأخيرة وعرفوا أنه إذا تعذر القيام بها في المتحف ذاته ، فلا بد أن يتم ذلك في مؤسسة ملحقة به ، فكانت المكتبة هي تلك المؤسسة التي اختصت بالدراسات الإنسانية .
وقد اهتم ملوك البطالمة بتدعيم المكتبة ؛ فيروى أنه أمكن شراء مكتبة أرسطو نفسه بفضل ديمتريوس الفاليري من نيلوسneleus تلميذ ثاوفراسطس ووريثه ، وذلك مقابل مبلغ ضخم . وكانت مكتبة أرسطو تعتبر أكبر مكتبة في عصره ، فكانت من أعظم مقتنيات مكتبة الإسكندرية ، ومن أكثر ما جلب لها من شهرتها العالمية قديماً وجعل الناس يقصدون الإسكندرية ليقرأوا في مكتبة أرسطو بعد أن انتقلت إلى مكتبة الإسكندرية .
وفضلاً عن ذلك ، فقد كانت هناك مصادر شتى للكتب العديدة التي تزخر بها مكتبة الإسكندرية ، إذ كان يتم الحصول عليها من سبل متنوعة : فيروى ، مثلاً ، أن بطليموس الثاني الملقب بـ " فيلادلفوس " أي المحب لأخته ، كان يشتري الكتب من أسواق آثينا وينقلها إلى مكتبة الإسكندرية. في حين أن بطليموس الثالث الملقب بـ " يورجبتس " أي الخير ، كان شغوفاً بالكتب لدرجة أنه حكي أنه كان يلجأ إلى وسائل تعسفية ، منها ما يمكن أن يسمى الحجر على الكتب التي تحملها الكتب الراسية في الميناء !!! . وقد أصدر أمراً بأن تحمل إليه شخصياً الكتب التي يمكن أن توجد في جميع السفن الراسية في ميناء الإسكندرية ، فيأمر بنسخها على ورق جديد ، وبعد ذلك تُعطى النسخ المنقولة إلى أصحاب هذه السفن ، على أن تضم الكتب الأصلية إلى حوزته لكي تودع في المكتبة . وكانت الكتب التي ترد إلى المكتبة عن هذا الطريق تُعطى عنواناً خاصاً هو " من السفن ". وأما الكتب الأخرى المدون عليها تصويبات أو تعليقات ، فتسمى " ذات التصويبات " ، أو تسمى باسم صاحبها . وبعد أن يفرغ الموظفون ، أتباع الملك ، من نسخ الكتب التي تم الحصول عليها من جميع ركاب السفن وعنونتها باسم صاحبها أو حسب مصدرها ، يقومون بتخزينها في المخازن ، حيث إنها لم يكن تُوضع مباشرة في المكتبات فور الحصول عليها .
والدليل على أن بطليموس الثالث كان مهتماً بالحصول على كل صنوف الكتب أن جالينوس ( هو طبيب ماهر ذو شهرة ذائعة الصيت . عاش ما بين 131 ، 201م ) .
روى أن الملك بعث إلى آثينا يطلب المخطوطات الأصلية لمسرحيات سوفوكليس ( أحد أشهر شعراء اليونان ، شدد ، في مؤلفاته ، على الجانب الأخلاق ، فكان كثيراً ما يثير مشكلة الصراع بين القوانين المكتوبة كمدبّر للأخلاق ، وبين القوانين الإلهية ... وبدا ذلك أكثر ما يكون في مسرحيته " أنتيجونا " ، فهو يُظهر أنتيجونا محتجةً على قوانين الملك كريون بقوانين الأجداد وعاداتهم المستمدة من الآلهة . وفي تاريخ الفكر اليوناني قام تيار ، يتزعمه سقراط ، زعم أن لا تعارض بين القوانين المكتوبة / الوضعية ، وبين القوانين غير المكتوبة / الإلهية ، وذلك قبالة تيار آخر ، تزعمه سوفوكليس ، يرى وجود تعارض بين بين هذين النوعين من القوانين ، ويرى أن السبب في ذلك راجع إلى اصطدام التشريعات الإنسانية بقوة العادات والتقاليد القديمة) وأسخيلوس ويوروبيدس ، تلك التي كانت – بصفة رسمية – في حزينة / خزائن المدينة ، ذلك لكي يقوم الناسخون بنسخها في الإسكندرية ثم تُعاد مرة أخرى إلى المدينة . وفي مقابل تلك النسخ المهمة ، كرهن / ضمان مالي ، أودع الملك في آثينا مبلغاً كبيراً من الفضة ( قيل إنه أودع خمسة عشر تالنت . والتالنت talent يساوي 26كيلوجراماً . والبعض يرى أن هذا يساوى ستة آلاف دراخمة يونانية ، وهذا – بكل المقاييس – مبلغ جد ضخم ) ولكن ما يحدث بعد تمام عملية النسخ ، تلك التي تُنقل فيها الأصول على ورق غاية في الفخامة العملية والشكلية لضمان أطول مدة ممكنة للبقاء ، أن أمراً يصدر من الملك بأن تُرسل النسخ المنقولة ، لا الأصلية ، مع طلب موافقة أن يحتفظ الإثينيين بمبلغ الخمسة عشر تالنت . ولم تكن تلك خُدعة من الملك ، بل كان إنفاذاً لأحد شروط الإيثينيين ، وفيه : أنه في حال لم يرسل الملك الأصول / النسخ الأصلية ، وتم الاحتفاظ بها في حوزته ، فعليه أن يرسل النسخ المنسوخة بدلاً عن الأصلية ، ولن يُرد له المبلغ المرصود ضماناً للإعادة.
وعليه ... فإن الملك يأخذ النسخ / الأصول الأساس ، ويرد للإيثينيين النسخ المنسوخة راضياً ألا يسترد الضمان المالي الذي سبق أن أودعه بالمدينة .
وهذه من الملك تضحية بالمال قبالة الحصول على الكتب ، قلّ أن يشيع مثلها في ذلك الوقت .
ونعلم أن البطالمة قد كانوا أصحاب ميول حقيقية للثقافة بمفهومها الأوسع ؛ فقد نقلوا الكثير من المعتقدات المختلفة إلى اليونانية ؛ فقام ماثينون ، الكاهن المصري المعروف ، بتأليف كتاب باليونانية عن تاريخ مصر القديمة . كذلك ضمت مكتبات البطالمة كتباً / مؤلفاتٍ عن البوذية بأقلام بعض الهنود البوذيين أنفسهم. وأرسل بطليموس الثاني ( 285 : 246 قبل الميلاد ) إلى حاخام بيت المقدس يطلب إرسال الكتب الدينية اليهودية ، ومعها عدد من علماء اليهود المتقنين للغة العبرية واليونانية كي يقوموا بترجمة هذه الكتب من لغتها الأم إلى اللغة اليونانية لتكون بمكتبة الإسكندرية .
وبهذا تمت أهم ترجمة للتوراة ، وهي تلك المعروفة بـ " الترجمة السبعينية " لأن من قام على ترجمتها اثنان وسبعون حَبراً من علماء الدين اليهود . وما تزال موجودةً حتى وقتنا الراهن .
وبدراسة تاريخ الديانة المسيحية ، نجد أنه إذا كانت تلك الديانة السماوية قد لاقت الاضطهاد غير المبرر ، ولا المقبول ، في كل الإمبراطورية الرومانية ، إلا أنها بدأت تأخذ لها مكاناً منذ أن أصدر الإمبراطور جالينوس في شهر إبريل العام 311م مرسوماً بالكف عن اضطهاد المسيحية والمسيحيين ، طالباً منهم الصلاةَ والدعاء له ، إذ كان يعاني مرضاً آيس الجميع من شفائه ، وتشاء الأقدار أن يموت الإمبراطور بمرضه بُعيد أيام من سريان المرسوم الإمبراطوري القاضي الكفَّ عن عمليات الاضطهاد التي كان يتعرض لها كل معتنقي المسيحية . وبعد ذلك بعامين تحديداً ، صدر إعلان ميلان في 313م معلناً بداية ما عُرفَ بمبدأ التسامح الديني . ثم ، وبعد إعلان الإمبراطور قسطنطين اعتناقه الديانة المسيحية ، أصبح سهلاً الاعتراف بالمسيحية ديانةً أولى ، ورسمية ووحيدة ، لكل الإمبراطورية الرومانية.
فكان أن بدأ أتباعها يمكّنون لأنفسهم وأخذوا يردّون ما وقع لهم أضعافاً لمن فعلوا بهم ذلك !!! ؛ فبدأ عصر آخر /جديد من الاضطهاد ؛ فراحت الديانة الجديدة تضطهد الديانات الأخرى ، وما سلم من هذا الاضطهاد حتى من أعلن مسالمته للمسيحية الوليدة . بل حدث أن اضطُهد بعض المسيحيين على يد إخوان لهم مسيحيين كهم !!!. إذ كان المضطهَدين لا يؤمنون بأفكار / توجهات / قناعات بعض رجال الدين ، كما حال القديس أثناسيوس Athanasius ، أحد أبناء الإسكندرية والأسقف العام لها مدةً طويلة ، مع زميله القس آريوس Arius الذي كان – هو الآخر – أحد قسسة كنيسة الإسكندرية .
وبحلول العام 385م تولى توفيلوس Theophillus منصب الرئاسة العامة لأساقفة الإسكندرية ، وكان معروفاً عنه ضيق الأفق وشدة التعصب ، فعمل على تحويل المعابد المصرية واليونانية القديمة إلى كنائس جبراً وقسراً ، فضيّع معبد الإله ديونسيوس ، ما أوجد تبرماً عمّ لا الوثنيين وحدهم ، بل المسيحيين أيضاً . واستمر هذا الأسقف يمارس تعصبه ، خاصة – وهذه عادة بعض رجال الدين ذوي الأفق الضيق – بين العامة ، فكان ، في عام 391م ، أن جمع جمهوراً من البسطاء / الغوغاء وذهب بهم في مظاهرة حاشدة غاضبة في آن ، إلى معبد السرابيون وضرب الإله سرابيس ، فتبعه الجمهور بالتدمير والتخريب والنهب والسلب ، في سلوك همجي ، ثم أصدر توفيلوس أمره بتحويل المعبد ، أو ما تبقى من المعبد ، إلى كنيسة .
وبذا تحطم / تدمّر معبد السرابيون Serapeion العام 391م ، وأمّحت مكتبته التي كانت عامرةً ، وذاع صيتها ، خاصة في العصر الروماني . على يد أحد رجال الدين الجديد ، بزعم مناهضته للوثنية ، حيث كانت نظرة رجال المسيحية الأُوَل إلى العلم والثقافة على أنهما يتماهيان ، في هوية واحدة ، مع الوثنية ؛ فكان أن صيغ القول " لا علم ولا ثقافة إلا ما جاء في الكتاب المقدّس " . وسنعلم ، بعد ، كيف " مسّح " البعض أرسطو !!! ، فتم قتل برونو ، وغيره ، بالخاذوق ، وتم ما سنراه في السطور القادمة لشخصية هذه الدراسة .
وهكذا ... ، وبحلول النصف الأخير / الثاني من القرن الرابع الميلادي ، سنشهد فترة حاسمة تاريخياً ، شنّ فيها رجال الدين المسيحيون حرباً اتسمت بالاضطهاد ، لا على الوثنية فقط ، بل طال الاضطهاد طوائف أخرى ، فلم تسلم اليهودية مما لم تسلم الوثنية منه ، وطالها ما طال الوثنية من حرب / اضطهاد كانت السمة الأساس فيها الحدة والعنف في درجاته العليا .
ولم تقف عمليات الحرب / الاضطهاد بحد الأشخاص والمعابد ، بل تعدت هؤلاء جميعاً إلى الكتب ، كل الكتب ، التي حوت ثقافة غير مسيحية ، ما جعلنا نسمّي هذا كله بـ " التصفية المعنوية " ، وهي – برأينا – أشد من التصفية المادية .
وشهد المؤرخون المعابد في الإسكندرية وقد خلت أرفف مكتباتها من الكتب. بل إن مكتبة السرابيون ختمت تاريخها في نهاية القرن الرابع الميلادي ، وكذا فإن الموسيون " المتحف " نفسه أغلق رسمياً أيضاً متزامناً مع تدمير السرابيون أو بعده يقليل .
هذا يجعلنا نعيد النظر في الرواية التاريخية التي تنسب نهاية مكتبة الإسكندرية إلى عمرو بن العاص وقت أن جاء فاتحاً مصر العام 642م (من اللافت للنظر أن العرب ، أنفسهم ، هم من روّج لهذه القصة التي نراها غير حقيقية ) لكن باحثين منصفين ، كسارتون ، يرون أن قصة إبادة المسلمين لمكتبة الإسكندرية لما جاءوا المدينة في العام 646م لا أساس لها من الصحة ، لأن الكلام في أن المكتبة كانت موجودة وقتها أمر محاط بشك كثير .
يٌتبع ...