التفاعل
33.6K
الجوائز
4.9K
- تاريخ التسجيل
- 19 ماي 2011
- المشاركات
- 16,006
- الحلول المقدمة
- 2
- آخر نشاط
- الحالة الإجتماعية
- متزوجة
- الجنس
- أنثى
1
- الأوسمة
- 60
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
حين تتحول التربية الواعية إلى جلدٍ للذات … من ينقذ الأم من فخّ المثالية ؟ ... حصريا بقلمي |
أحيانًا لا تتعب الأم لأنها لا تعرف كيف تربي أبناءها بل لأنها أصبحت تعرف الكثير و تقرأ كثيرًا و تستمع إلى نصائح لا تنتهي
حتى باتت تشعر بأن كل تصرف يصدر عنها يجب أن يكون مدروسًا
و كل كلمة يجب أن تكون في مكانها الصحيح و كل رد فعل يجب أن يتوافق مع ما قرأته عن التربية السليمة
تتعلم عن الإحتواء و التربية الإيجابية و تنظيم المشاعر و التعلق الآمن و تأثير الصراخ و الكلمات في نفسية الطفل
و هي في الأصل تريد أن تكون أمًّا أفضل و أن تحمي أبناءها من الأخطاء التي قد تترك أثرًا في نفوسهم
لكن مع مرور الوقت تتحول هذه المعلومات من وسائل تساعدها على التربية إلى معايير تحاكم بها نفسها في كل لحظة
تغضب من أحد أبنائها و بعد أن يهدأ الموقف تبدأ في إستعادة تفاصيله في ذهنها ...
لماذا تحدثت معه بهذه الطريقة ؟ لماذا لم أحتوه ؟ هل جرحت مشاعره ؟ هل سيتأثر نفسيًّا بسبب تصرفي ؟ هل أكرر الأخطاء التي عشتها في طفولتي ؟
و تظل تلف في حلقة من التفكير و الندم و تأنيب الضمير حتى تبدأ في الشك في قدرتها على التربية رغم أنها تتعلم و تحاول و تبذل جهدًا كبيرًا
و هنا يبرز السؤال ...
إذا كان الوعي يهدف إلى مساعدتنا على العيش بصورة أفضل فلماذا يتحول أحيانًا إلى مصدر إضافي للضغط و المعاناة ؟
تبدأ المشكلة عندما يتحول الوعي إلى مراقبة مفرطة للنفس فبدلًا من أن تكون الأم حاضرة مع طفلها تستمع إليه و تحاول فهم إحتياجاته تصبح منشغلة بمراقبة نفسها و تحليل كل كلمة و كل رد فعل يصدر عنها
يبكي طفلها فتحتار بين إحتوائه و وضع الحدود له
و إذا رفضت طلبه تخشى أن تكون قد تجاهلت مشاعره و إذا إستجابت له تخشى أن تكون قد عوّدته على عدم تقبل الرفض
و مع كثرة النصائح التي قد تتعارض أحيانًا في ظاهرها تجد نفسها حائرة بين الحزم و اللين و بين إحترام المشاعر و تصحيح السلوك و كأن كل موقف تربوي إمتحان يجب أن تنجح فيه
لكن الحقيقة أن التربية ليست مجموعة من القواعد الجامدة التي نطبقها بالطريقة نفسها في جميع الظروف فالطفل يختلف بإختلاف عمره و طبيعته و إحتياجاته و الأم نفسها تختلف قدرتها على التحمل من يوم إلى آخر
و ما قد يكون مناسبًا في موقف قد يحتاج إلى تعديل في موقف آخر
فالتربية ليست وصفة جاهزة و لا توجد طريقة واحدة تصلح لكل الأطفال و في كل الأوقات
و الأخطر من ذلك أن تتحول الرغبة في أن نكون أمهات أفضل إلى سعي دائم نحو الكمال خاصة لدى الأم التي عاشت طفولة صعبة ولا تريد تكرار أخطاء والديها مع أبنائها
قد تجد هذه الأم نفسها تحاول التحكم في كل شيء حتى في مشاعر أطفالها و تعتقد أنها مسؤولة عن كل دمعة أو نوبة غضب أو لحظة إحباط يعيشونها
لكن مسؤوليتنا ليست أن نحمي أبناءنا من جميع مشاعر الحزن و الغضب و الإحباط فهذا أمر لا يمكن تحقيقه ولا يمثل بالضرورة هدفًا تربويًّا صحيًّا
مسؤوليتنا أن نساعدهم على فهم مشاعرهم و التعامل معها و أن نوفر لهم الأمان و الحنان و الحدود المناسبة التي تساعدهم على النمو و التوازن
ليس مطلوبًا من الأم أن تمنع كل ألم عن طفلها بل أن تساعده على تجاوز الألم و أن تكون إلى جانبه حين يحتاج إليها دون أن تشعر بأنها فشلت في دورها لمجرد أنه حزن أو غضب أو خاب أمله في موقف ما
و بين تحمّل المسؤولية وجلد الذات هنا لا بد من التمييز بين تحمّل المسؤولية و جلد الذات
عندما تغضب الأم ثم تراجع الموقف و تكتشف أنها أخطأت فتحاول فهم أسباب إنفعالها و البحث عن طريقة أفضل للتعامل في المرات القادمة فإنها تمارس الوعي و التعلم
أما عندما تحكم على نفسها بالفشل و تظل تردد أنها أم سيئة و أنها لا تصلح للتربية فإنها تدخل في دائرة من اللوم تستنزف طاقتها بدلًا من أن تساعدها على التغيير
يمكننا أن نعترف بأخطائنا و نعتذر لأبنائنا و نعمل على إصلاح ما أفسدناه دون أن نختصر أنفسنا كلها في خطأ واحد
فالطفل لا يحتاج إلى أم مثالية لا تخطئ أبدًا بل يحتاج إلى علاقة يشعر فيها بالأمان و الإحترام و يجد فيها القدرة على إصلاح ما اختلّ
فإذا رفعت الأم صوتها في لحظة غضب يمكنها بعد أن تهدأ أن تعترف بخطئها و تعتذر لطفلها و أن توضح له أن الغضب لا يبرر الكلام القاسي أو الإيذاء ثم تعمل على تغيير سلوكها إذا كان يتكرر
فالاعتذار وحده لا يكفي إذا إستمرت القسوة لكن الاعتراف بالخطأ و العمل على إصلاحه يعلّمان الطفل أن الإنسان مسؤول عن تصرفاته و أن العلاقات لا تقوم على الكمال بل على الإحترام و التعلم و القدرة على تجاوز الأخطاء بطريقة صحية
من المهم أيضًا أن نسأل أنفسنا ...
هل تكمن المشكلة فعلًا في نقص الوعي أم في الإرهاق و قلة الدعم ؟
كيف نطلب من أم أن تتحكم في أعصابها بينما هي مستنزفة بسبب مسؤوليات المنزل و الأطفال و لا تجد وقتًا للراحة ولا شخصًا يتقاسم معها الأعباء ؟
في بعض لا تحتاج الأم إلى معلومة جديدة بقدر ما تحتاج إلى شخص يستمع إليها دون أحكام أو إلى مساعدة عملية أو إلى بعض الوقت لإستعادة طاقتها أو إلى دعم نفسي إذا أصبح القلق و تأنيب الضمير يسيطران على حياتها
إن فهم ظروف الأم لا يعني تبرير إيذاء الأطفال أو التقليل من آثاره بل يعني البحث عن الأسباب الحقيقية للإنفعال حتى نتمكن من إيجاد حلول فعلية بدل الإكتفاء باللوم
فلا يمكن أن نطالب الأم بالصبر و الهدوء و الإحتواء طوال الوقت ثم نتجاهل إحتياجاتها النفسية و الجسدية و كأنها مطالبة بالعطاء المستمر دون أن تحتاج هي أيضًا إلى من يحتويها و يدعمها
و التربية مسؤولية مشتركة لا ينبغي أن تتحمل الأم أعباءها وحدها فمشاركة الأب في رعاية الأبناء و تقاسم المسؤوليات المنزلية و توفير بيئة أسرية داعمة كلها أمور تساعد على تخفيف الضغط و تمنح الأم مساحة أكبر للتعامل مع أطفالها بهدوء و إتزان
و عندما نبحث عن حل مناسب نجد أن الحل ليس في التوقف عن التعلم بل في أن نتعلم بطريقة صحية و متوازنة
يمكننا أن نختار سلوكًا واحدًا نرغب في تحسينه بدلًا من محاولة تطبيق جميع النصائح دفعة واحدة
و يمكننا أن نراجع مصادر المعلومات التي نتابعها و ألا نصدق كل محتوى يجعلنا نخاف من أخطائنا أو نشعر بأننا نلحق الضرر بأطفالنا في كل موقف
و الأهم أن نركز على تغيير السلوك بدلًا من إصدار الأحكام على أنفسنا فمعرفة الطريقة الصحيحة نظريًّا لا تعني أننا سنتمكن من تطبيقها دائمًا خاصة في لحظات التعب و الضغط و الإنفعال
كما ينبغي أن نسمح لأنفسنا بالإستمتاع باللحظات الجميلة مع أطفالنا دون تحويل كل لعبة إلى نشاط تربوي و كل حوار إلى فرصة للتوجيه و كل موقف إلى موضوع للتحليل و المراجعة
يكفي أن نضحك معهم في بعض الأحيان و نستمع إلى حكاياتهم و نشاركهم اللعب و نكون حاضرين معهم فعلًا بدلًا من الإنشغال المستمر بمراقبة أنفسنا و التساؤل عما إذا كنا نتصرف بالطريقة المثالية
فالوعي الحقيقي ليس أن تراقبي كل خطوة تخطينها بل أن تعرفي متى تتعلمين و متى تصلحين و متى تتوقفين عن معاقبة نفسك و تواصلين الطريق
يمكننا أن نكون أمهات حنونات و نغضب أحيانًا و أن نعرف الكثير و مع ذلك نحتاج إلى الوقت و الممارسة حتى نطبق ما تعلمناه و أن نخطئ ثم نعتذر و نتعلم
الأمومة ليست إمتحانًا يجب أن ننجح فيه كل يوم ولا سباقًا نحو الكمال بل علاقة تنمو مع الوقت و نتعلم فيها نحن و أبناؤنا معًا
أطفالنا يحتاجون إلى أم تراعي مشاعرهم لكن الأم أيضًا لها مشاعر و إحتياجات و حدود و هي تستحق الراحة و الدعم و الرحمة بنفسها
فليس من العدل أن نطالبها بفهم مشاعر أبنائها و إحتوائها ثم نمنعها هي من التعبير عن مشاعرها أو نحمّلها ذنب كل لحظة ضعف تمر بها
و في النهاية لعل أهم سؤال ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بعد كل موقف صعب ليس ...
هل كنت أمًّا مثالية ؟ بل ماذا تعلمت من هذا الموقف ؟ و ما الذي يمكنني إصلاحه؟ و ما الذي أحتاج إليه أنا أيضًا حتى أكون بخير؟
لأن التربية لا تحتاج إلى أم لا تخطئ أبدًا بل إلى أم تحاول و تتعلم و تتحمل مسؤولية أخطائها دون أن تفقد نفسها في الطريق
سؤالي لكل أم : هل سبق أن جعلكِ كثرة ما تعلمتِه عن التربية تشكّين في نفسك أكثر مما تثقين بها ؟ و هل شعرتِ يومًا بأنكِ بدلًا من أن تعيشي الأمومة و تستمتعي بتفاصيلها أصبحتِ تراقبين كل تصرفاتكِ خوفًا من الوقوع في الخطأ ؟ و كيف استطعتِ الموازنة بين رغبتكِ في تقديم تربية أفضل لأبنائكِ و حقكِ في الراحة و الرحمة بنفسكِ؟ |
و بالنسبة إلى الآباء : كيف تنظرون إلى هذا الموضوع ؟ و هل تلاحظون أن الأمهات أصبحن أكثر قلقًا و محاسبة لأنفسهن بسبب كثرة النصائح التربوية ؟ و هل تعتقدون أن مسؤولية تخفيف هذا الضغط تقع على الأم وحدها أم أن للدعم الأسري و تقاسم مسؤوليات التربية دورًا أساسيًّا في ذلك ؟ |
شاركونا آراءكم و تجاربكم فلعلنا نكتشف من خلال إختلاف وجهات النظر أن التربية الواعية لا تحتاج إلى مزيد من الضغط بقدر ما تحتاج إلى الفهم و التعاون و الرحمة بالنفس و بأطفالنا
في أمان الله
....
( هذا الموضوع ثمرة بحث و تدقيق و جهد لحوالي 20 يوم و ليس مجرد فكرة عابرة )