مقالات تاريخية - متجدد

السلام عليكم

مجموعة من المقالات التاريخية التي تركز على التاريخ بوجه عام والتاريخ الإسلامي بوجه خاص؛ لينفتح الباب واسعا أمام الكثير من الأقلام المتميزة والمبدعة في الكتابات التاريخية، والتي تحلل وتدرس الكثير من الأحداث والظواهر التاريخية

********************
قصة تحرير الرها من الصليبيين

أولاً: الصليبيون في المشرق الإسلامي
تعرّضت الأمة الإسلامية في أواخر القرن الخامس الهجري/ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، لأول عدوان عسكري خارجي يغزوها في عقر دارها، ويهدد وجودها ومصيرها؛ ألا وهو عدوان الفرنجة الصليبيين.. وهم جماعات بشرية عدوانية خرجت من دول مختلفة في غرب أوروبا، خاصة فرنسا، للاستيلاء على بلاد الشاموالجزيرة، والاستيطان فيها، بتحريض من البابا أوربان الثاني والكنيسة الكاثوليكية، بذريعة تخليص الضريح المقدس في «أرض المسيح» من أيدي المسلمين (الكفار)، وتأمين وصول الحُجاج المسيحيين إلى الأراضي المقدسة في فلسطين.
وهكذا اندفعت الجحافل الجرارة لهؤلاء الغزاة تحت راية الصليب، مخترقين شرقي أوروبا، وقطعوا آلاف الأميال حتى وصلوا إلى الأناضول، حيث نجحوا في إحراز النصر على الأتراك السلاجقة، أكبر القوى الإسلامية في المشرق الإسلامي إذ ذاك، وذلك في العام 1097، الأمر الذي فتح أمامهم طريق آسيا الصغرى، ومنها إلى الجزيرة والشام أو «أرض اللبن والعسل»، بناء على ما هو مدون في كتابهم المقدس.
وقد ردد رجال الدين الكاثوليك هذا الوصف كثيراً على مسامع عامة النصارى في مدن فرنسا وإيطاليا وألمانيا، أثناء فترة الدعوة والتحضير لهذه الحملات الغاشمة؛ وذلك لحشد أكبر عدد ممكن من المقاتلين من مختلف الطبقات والفئات، مع منحهم صكوك الغفران التي يدخلون بها الجنة - بزعمهم - إن هم قتلوا المسلمين، فكان ذلك حافزاً لكثير من المغامرين والمرتزقة والمهمّشين واللقطاء واللصوص وغيرهم، للانخراط في هذه الحملات العدوانية لأجل إشباع رغباتهم وتحقيق أطماعهم الدنيوية في تلك الأرض «الموعودة»، على حساب أهلها المسلمين، وذلك بجانب العامل الديني الذي ألمحنا إليه سابقًا.
وقد رسم لنا المؤرخون صورًا مرعبة للمذابح التي ارتكبها الصليبيون بحق المسلمين، وما قاموا به من سلب ونهب وتخريب وتدمير للمدن الإسلامية التي احتلوها، أو مروا بها، وصولاً إلى المذبحة الكبرى التي ارتكبوها غداة اقتحامهم مدينة القدس في 23 شعبان 492هـ الموافق 15 يوليو 1099م، التي راح ضحيتها جل سكان المدينة من المسلمين والمسيحيين واليهود.
وخلال عدد قليل من السنوات استطاع الصليبيون أن يستولوا على أجزاء واسعة من مدن وموانئ وأقاليم بلاد الشام والجزيرة، وأكدوا وجودهم الاستيطاني بإنشاء عديد من الإمارات الصليبية في أخصب بقاعها وأغناها، مثل: الرها، وأنطاكية، وطرابلس، وبيروت، وعكَّا، وصيدا، فضلاً عن مستعمرتهم الأساسية في فلسطين (مملكة بيت المقدس).. وقد ضموا إلى كل مستعمرة أو إمارة ما يحيط بها من مدن وأقاليم زراعية خصبة، وعملوا على تأمين كل منها بسلسلة من القلاع والحصون القوية التي نظموا فيها الحاميات، وشحنوها بالمؤن والسلاح، وبكل ما يمكنها من الصمود لمدة طويلة في وجه أي حصار قد يقوم به المسلمون لها.
وبعد أن استتب وجودهم في تلك الإمارات والمستعمرات، شرعوا في تطوير أعمالهم العدوانية ضد المدن والبلدات الإسلامية التي لم تخضع لهم، فاستحلوا دماء أهلها وأموالهم، وقطعوا طرقهم، ونهبوا قوافلهم وخيراتهم، وأذاقوهم لباس الذل والخوف.
ثانياً: حال المسلمين وواقعهم السياسي
جاء احتلال الصليبيين للقدس وبلاد الشام والجزيرة في وقت كان يسود فيه التفكك والتشرذم والشقاق بين المسلمين، وكانت تتقاسم أقاليم المشرق الإسلامي - إذ ذاك - خلافتان متناقضتان ومتصارعتان، وهما الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في القاهرة، وكانت كل منهما في قمة الضعف.
فأما الخلافة العباسية (السنية) في بغداد، وهي الأقدم والأعرق؛ فكانت قد تحولت إلى رمز ديني معنوي، وكان الخلفاء العباسيون يمارسون دوراً شكلياً فقط، ولم يكن تحت أيديهم أي قوة عسكرية، ومن ثم لم يكن لهم أي تأثير يُذكر على مجرى الأحداث خارج مدينة بغداد، وكانت الهيمنة الفعلية للأتراك السلاجقة منذ سنة 447هـ/1055م، وهو العام الذي دخل فيه زعيمهم طغرل بك بغداد وخلص الخلافة العباسية من سيطرة البويهيين الشيعة.
وأما الخلافة الفاطمية (الإسماعيلية الشيعية) في القاهرة، فكانت هي الأخرى منهكة وضعيفة نتيجة الفتن الداخلية التي عصفت بها، من جهة، والحروب المتواصلة والمكلفة بينها وبين السلاجقة في الشام لأسباب مذهبية وسياسية، من جهة أخرى. وكانت الهيمنة الفعلية عليها للجماليين، نسبة إلى بدر الدين الجمالي الأرمني، أحد كبار القادة الفاطميين. ولم يكن للفاطميين أو الجماليين شأن يذكر في مقاومة الصليبيين، خاصة بعد هزيمتهم البحرية وتدمير الصليبيين أسطولهم في معركة عسقلان سنة 517هـ/ 1123م. ومنذ ذلك الحين انشغلت الخلافة الفاطمية بانقساماتها، وفقدت السيطرة على الأحداث التي حولها، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي فكنسها إلى مزبلة التاريخ.
كما أن الدولة السلجوقية، التي كانت وصية على الخلافة العباسية، كانت هي نفسها مفككة ومقسمة إلى إقطاعيات عسكرية منتشرة في الأناضول وفارس والشام والجزيرة، وكانت هذه الإقطاعيات قد فقدت أواصر الارتباط فيما بينها بعد وفاة آخر سلاطينهم الكبار، وهو ملكشاه بن ألب أرسلان سنة 485هـ/1092م.
ومن تلك الإقطاعيات العسكرية التي كانت لها خطوط مواجهة مباشرة مع الصليبيين: أتابكية دمشق وأتابكية الموصل، وكان بينهما وحولهما عدد من الإمارات الصغيرة والأسر المستقلة، وكان العداء هو الطابع المميز للعلاقة فيما بين هذه الإمارات والأسر، ولم يكن أمراؤها يتفقون على أي خطة مشتركة لمواجهة الصليبيين الغزاة، بل إن منهم من مال لمهادنتهم وعقد الاتفاقيات معهم؛ اتقاء لشرهم، أو تسليماً بالأمر الواقع، أو خوفاً من بعضهم البعض، كما فعل حكّام دمشق، على سبيل المثال.
وفي تلك الفترة حالكة السواد، ظهرت خيانات الخائنين، وانكشف تخاذل المتخاذلين، وانتشرت الجماعات الباطنية في أجزاء كثيرة من إيران، وشغلت حيزاً لا بأس به في سواحل الشام، حيث تمركزت في قلاع قوية في القمم القبلية، وذلك بجوار الإمارات والقلاع الصليبية، وكانت شوكة مؤذية في خاصرة المسلمين.
في حين تُرك العبء الأكبر من الجهاد على عاتق القوى المحلية، التي كان يقودها العلماء العاملون، وغالباً ما كان يحدث ذلك أثناء حصار الصليبيين للمدن. وأما من كان يقاتل من أمراء المسلمين، فكان يقاتل دفاعاً عن نفسه، وعما تحت يده من بلاد، ولاتقاء لعنة التاريخ التي لا ترحم ولا تحابي أحداً.
ثالثاً: عماد الدين زنكي ينهض
وقد استمر الوضع كذلك إلى أن ظهر الأتابك (الأمير) عماد الدين زنكي بن مودود بن آق سنقر التركماني، وهو من قادة السلاجقة، والذي تسلم أتابكية (إمارة) الموصل سنة 521هـ/1127م بأمر من الخليفة العباسي المسترشد بالله، وبترشيح من السلطان محمود السلجوقي، الذي كان عماد الدين يحظى بثقته وتقديره، لما علم من شهامته وكفايته؛ فكان عماد الدين زنكي هو الذي رفع راية الجهاد ضد الصليبيين بصورة منظمة.
بيد أن طريق الجهاد لم يكن مفروشاً بالورود أمام هذا القائد المسلم، فهو عندما تولى أتابكية الموصل كانت الإمارات الصليبية قد صارت تشغل الساحل الشامي بطوله، ابتداء من طرسوس في أقصى الشمال حتى جنوب سهل فلسطين الساحلي في غزة وعسقلان، إضافة إلى مستعمرتهم الرئيسية (مملكة بيت المقدس) التي كانت تشغل معظم أراضي فلسطين الحالية، بل كان ملوكها قد توغلوا في أعماق البلاد فبسطوا نفوذهم على الكرك في شرقي نهر الأردن، وعلى الشوبك والبتراء ووادي عربة في جنوب البحر الميت، وامتدت سيطرتهم لتصل إلى ميناء إيلات على خليج العقبة. وقد شكل احتلالهم هذه المناطق تهديداً مستمراً لمواكب الحجاج ولقوافل التجار المسلمين إلى الحجاز والأراضي المقدسة، وأيضاً القوافل المتجهة إلى مصر (التي أصبح هذا الطريق هو الممر الوحيد إليها من الشام بعد قطع الصليبيين الطريق الساحلي الذي يربط بين الشام ومصر).
وهذا فضلاً عن توغل الصليبيين في أعماق بلاد الجزيرة من خلال إمارة الرها الصليبية، التي راح خطرها يزداد ويتعاظم يوماً بعد يوم – كما سنوضح ذلك لاحقاً -.
ويمكن القول إنه غداة ظهور عماد الدين زنكي على الساحة الإسلامية، كان الصليبيون قد سيطروا على معظم بلاد الشام والجزيرة، ولم يكن يخرج عن سيطرتهم سوى قواعد الشام الأربع: دمشق وحلب وحمص وحماه.. لكن ومع استقلال هذه المدن، إلا أنها كانت عرضة للغارات الصليبية المتواصلة.. كل ذلك من جهة.
ومن جهة أخرى، فقد كان عماد الدين زنكي محكوماً في حركته بمصالح السلطان السلجوقي والخليفة العباسي ومراكز القوى الأخرى حوله، ثم إنه كان لزاماً عليه أن يهتم أولاً بشؤونه الداخلية وبناء قوته الذاتية، وقد استغرق منه ذلك عدداً من السنوات، اضطر خلالها إلى أن يخوض معركة حربية مع الخليفة العباسي المستظهر بالله سنة 526هـ/1132م، وهي المعركة التي انتهت بهزيمته وانسحابه إلى تكريت، والتي نزل فيها ضيفاً على القائدين الكرديين نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه، واللذين ضمهما - فيما بعد - إلى خدمته، وأدخلهما إلى قلب الأحداث والتاريخ.
لكن ومع كل العقبات التي وقفت في وجه عماد الدين زنكي، فقد تمكن بفضل خبرته العسكرية وكفاءته الإدارية، من توطيد سلطته في مدينة الموصل وما حولها، وأصبح سيد الجزيرة غير منازع، كما رسخ نفوذه في مدينة حلب، ثم في مدينة حماه، وبذلك وحّد بين شمال العراق وشمال الشام، وخطا الخطوة الأولى على طريق وحدة الصف.
وبالتزامن مع ذلك عمد عماد الدين إلى مناجزة الصليبيين، فانتصر عليهم في عديد من المعارك غير الحاسمة، كما انتزع منهم كثيراً من الحصون والقلاع، من أهمها: حصن الأثارب بين حلب وإنطاكية سنة 524هـ، وقلعة بعرين القريبة من حماه سنة 531هـ، وذلك بعد معركة قاسية انتصر فيها على الصليبيين، وأسر خلالها ريموند قائد جيش طرابلس. وكان في سنة 529هـ قد فتح معرة النعمان وكفر طاب. كما استطاع أن يرد جحافل الروم البيزنطيين عن شيزر سنة 533هـ، وأن يلحق بهم أفدح الخسائر. وقد توج عماد الدين انتصاراته الظافرة بتحرير مدينة الرها سنة 539هـ/1144م، وهو ما سنسلط عليه الضوء في الفقرات اللاحقة.
رابعاً: الرها وأسباب تحريرها
الرّها مدينة قديمة مشهورة من أمهات مدن إقليم الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات. وهي تقع بين الموصل والشام إلى الشمال من مدينة حلب، واسمها بالرومية أديسا، «وسكانها تنوّعت أصولهم ما بين عناصر سامية قديمة وغالبية سريانية منتمية إلى الآراميين، وقد اعتنقوا المسيحية. وتعتبر مدينة الرها أهم أمكنتهم الدينية والتاريخية». وكان الذي فتحها هو الصحابي عياض بن غنم سنة 17هـ. وكان فتحها صلحاً «ودخل أهل سائر الجزيرة فيما دخل فيه أهل الرهاء من الصلح». وهي اليوم تحت سيادة الدولة التركية وتُدعى (أورفا).
وقد وصفها الحميري في الروض المعطار فقال: الرهاء - بضم الراء والمد - مدينة من أرض الجزيرة متصلة بحران، وإليها ينسب الورق الجيد من ورق المصاحف، وهي مدينة ذات عيون كثيرة عجيبة تجري منها الأنهار، وبينها وبين حران ستة فراسخ. والرهاء مدينة رومية عليها سور حجارة تدخل منها أنهار وتخرج عنها، وهي سهلية جبلية كثيرة البساتين والخيرات، مسندة إلى جبل مشرفة على بساط من الأرض ممتد إلى حران.. وليس في جميع بلاد الجزيرة أحسن منها منتزهات ولا أكثر منها فواكه، وعنابها على قدر التفاح، وقد ذكر أنه لم يوجد بناء خشب أحسن من بناء كنيستها، لأنها مبنية بخشب العناب... إلخ».
وقد احتل الصليبيون الرها سنة 1097م، ونظراً لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية والدينية، فقد أنشؤوا فيها إمارة صليبية كانت هي أولى إماراتهم في الشرق. «ولم يكد يمرّ عامان على تأسيس الرها، حتى أصبح أميرها ومؤسسها (بلدوين) ملكاً على مملكة بيت المقدس، فتولى أمرها بلدوين دي بورغ حتى سنة 512هـ/1118م، ثم تبعه جوسلين الأول، فجوسلين الثاني حتى سنة 539هـ/1144م»، وهو تاريخ تحريرها من قبل عماد الدين زنكي.
وكانت إمارة الرها هذه أكبر وأخطر مستعمرة صليبية في المشرق بعد مملكة بيت المقدس، وكان خطرها يرجع إلى كونها أقيمت في عمق بلاد المسلمين وليس على الساحل، كبقية الإمارات الصليبية، وكان وجودها في داخل بلاد المسلمين قد جعلها تشكل حداً فاصلاً بين الأتراك السلاجقة في كل من إيران والأناضول، من جهة، وبين العراق والشام من جهة أخرى.. هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية، فإن هذه الإمارة الصليبية كانت تشكل خطراً كبيراً على مدينة الموصل وما يتبعها، مثل: نصيبين، ورأس العين، وماردين، وحران، والرقة، وكذلك بالنسبة لديار بكر وما يتبعها في أعالي دجلة، وكانت في نفس الوقت تشكل تهديداً لمدينة حلب ولشمال الشام كله، لا سيما مع وجود إمارة إنطاكية بإزاء مدينة حلب على الساحل الشامي، هذا فضلاً عما يمثلهُ قربها من العراق من تهديد للخلافة الإسلامية، التي تعد رمز الوحدة بين المسلمين.
كما كانت هذه الإمارة، من جهة ثالثة، مصدر خطر كبير على الطريق البري الممتد من مدينة الموصل إلى مدينة حلب، وكان جوسلين (كونت الرها) يطلق قواته للإغارة على بلاد المسلمين القريبة من الرها، وقطع الطرق، وممارسة أعمال السلب والنهب، بصورة مستمرة. كما أنه كان قد استغل انشغال عماد الدين زنكي بقتال الصليبيين في جنوب الشام، فقام بتوسيع حدود إمارته، فبسط سيطرته على مناطق كثيرة في غربي الفرات.
ولم يكن عماد الدين زنكي غافلاً عما كان يقوم به جوسلين كونت الرها وقواته من تحرشات واستفزازات للمسلمين، لكنه ظل يترقب الفرصة المناسبة لتوجيه ضربة قاضية لهذه الإمارة الصليبية المعادية، وقد كان هذا الخيار أشدّ إلحاحاً بعد تزايد خطر الكونت جوسلين واطراد أعماله العدوانية ضد المسلمين وممتلكاتهم، وكثرة شكاوى المسلمين منه إلى عماد الدين زنكي. مع كون هذه الإمارة الصليبية كانت شوكة في خاصرته، وكانت تشكل تهديداً مباشراً لإمارته، وتقف حجر عثرة في طريقه تحول بينه وبين التوجه لقتال الصليبيين في جنوب بلاد الشام، حيث تتركز قواتهم الرئيسية.. فماذا فعل عماد الدين يا ترى؟
خامساً: خطة تحرير مدينة الرها
وهكذا وضع عماد الدين زنكي مسألة تحرير مدينة الرها نصب عينيه، وأعدّ لذلك خطة محكمة أحاطها بالسرية التامة، كما أنه لم يُظهر أي سوء نية تجاه أميرها (جوسلين)، وذلك لضمان نجاح الخطة وعدم فشلها؛ ذلك أن الكونت جوسلين إلى جانب شهرته بالغدر والقسوة والأطماع الواسعة، كان معروفاً بالدهاء والشجاعة والفروسية، ومتميزاً بالكفاءة القيادية والإدارية، ولو أنه علم، أو حتى شك، بما يدبره له عماد الدين لاستعد له، ولاستنفر قوى الصليبيين التي من حوله، وحشدها إلى جانبه، ولظل متأهباً على الدوام لصد أي هجوم على إمارته قد يقوم به ضده.
وحينئذ كان سيتعذر على جيش عماد الدين مواجهة قوى الصليبيين مجتمعة، بطبيعة الحال، كما يتعذر عليه اقتحام قلعة المدينة المعروفة بحصانتها الشديدة، والتي قد يلجأ الكونت جوسلين للتحصن بداخلها، بعد أن يشحنها بالمؤن والأطعمة والعتاد، وبصورة تؤدي إلى صموده لفترة طويلة، الأمر الذي لم يكن في صالح عماد الدين؛ لأن أجزاء أخرى من بلاده ستكون أثناء ذلك عرضة للغزو من قبل جيوش الإمارات الصليبية الأخرى، أو حتى من قبل جيوش حكام المسلمين الذين يناصبونه العداء.
ولذلك، فقد قضت تلك الخطة بمباغتة المدينة على حين غرة، وفي وقت لم يحسب له الكونت جوسلين حساباً، مع استخدام وسائل الضغط كافة على المدينة وإرغامها على الاستسلام قبل تدخّل القوى الفرنجية.. وهذا ما حدث بالضبط.
ففي نوفمبر 1144م خرج عماد الدين زنكي بقواته من مدينة الموصل متظاهراً بغزو ديار بكر الواقعة في أعالي دجلة، بعد أن كان قد حيل بينه وبينها في العام السابق. ويبدو أنه كان يتابع بصورة سرية تحركات الكونت جوسلين. وقد يكون سبب اختياره لهذا التوقيت بالذات هو علمه بأنه موعد مغادرته إلى قاعدة إمارته، إلى إمارة إنطاكية، لحضور احتفالات عيد الميلاد التي تُقام فيها سنوياً حسب العادة - بما يتخلل هذه المناسبة عند النصارى من ضروب اللهو والعربدة والصخب، والتي كان يميل إليها الكونت جوسلين.
وفعلاً، فمع خروج عماد الدين زنكي على رأس جيشه من مدينة الموصل، غادر الكونت جوسلين مدينة الرها متوجهاً إلى إنطاكية وهو في تمام الاطمئنان على مدينته، نظراً لتصوره أن عماد الدين زنكي منشغل عنه، ولما علم عماد الدين بأمر مغادرته، أرسل مباشرة إلى أمير حماه يطلب منه توجيه قواته إلى مدينة الرها على وجه السرعة، وما لبث هو نفسه حتى انحرف بقواته غرباً، فأطبق الجيشان (جيش حماه وجيش الموصل) على مدينة الرها في وقتٍ واحد، وذلك في 28 نوفمبر 1144م، وأحكما الحصار حولها، وباشر النقابون في العمل لفتح ثغرات في سور المدينة تحت غطاء الهجمات التي كانت تشنها القوات الإسلامية على حامية المدينة.
وقد استمر الحصار أربعة أسابيع كان الكونت جوسلين قد علم خلالها بما تتعرض له قاعدة إمارته، فعاد أدراجه إليها، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب منها، ولجأ إلى قرية مجاورة على الضفة الغربية للفرات تدعى «تل باشر»، ومكث فيها منتظراً وصول المدد من إمارة إنطاكية ومن مملكة بيت المقدس، اللتين كان قد بعث إليهما يستنفرهما لنجدته، إلا أن الجيوش الصليبية وصلت بعد أن كانت الجيوش الإسلامية قد اقتحمت المدينة ودخلتها عنوة، بما في ذلك اقتحام قلعتها الحصينة. وقد كان للمباغتة دورها الحاسم في سرعة سقوط قلعة المدينة العصية بأيدي قوات عماد الدين التي داهمتها في وقت لم تكن فيه حاميتها مستعدة للصمود لحصار طويل.
وهكذا دخل عماد الدين مدينة الرها، وأمر جنوده برد كل ما أخذوه من أهلها دون وجه حق، وسار فيهم بالعدل والسيرة الحسنة، ومنع من التعرض لكنائسهم وعبادتهم، وكان نموذجاً رائعاً للقائد المسلم الفاتح في سماحته وتواضعه وعفته. وعاد الأذان يصدح من جديد في هذه المدينة بعد أن توقف نحو خمسين عاماً بسبب الاحتلال الصليبي، ولم يترك عماد الدين المدينة إلا بعد أن عادت الطمأنينة إلى أهلها، وأعاد ترميم أسوارها وتحصينها، ونظم حامية للدفاع عنها، وزودها بما تحتاج إليه من مؤن وعتاد ووسائل دفاع.
سادساً: نتائج تحرير مدينة الرها
استطاع عماد الدين زنكي بعد تحرير هذه المدينة المهمة تصفية الوجود الصليبي في شرقي الفرات، فاستولى على ما كان للصليبيين من حصون ومعاقل هناك، كما تمكن من تحرير مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت تابعة لإمارة الرها في غرب الفرات، كما تم تأمين الطريق الرئيسية الممتدة من الموصل إلى حلب والطرق المتفرعة عنها من غارات الصليبيين، فأمن المسلمون على أموالهم وممتلكاتهم وأعراضهم في تلك الأنحاء بعد طول قلقٍ ومعاناة.
وقد كان تحرير مدينة الرها أعظم انتصار حققه المسلمون على الصليبيين منذ أن جاؤوا إلى المشرق الإسلامي، فانتعشت بهذا الانتصار آمال المسلمين، وارتفعت معنوياتهم، وعلت صيحتهم الداعية للجهاد والتعاون والتضامن لطرد الغزاة الصليبيين من ديار المسلمين، لا سيما أن هذا الانتصار برهن على قوة المسلمين وما يتوافر لديهم من إمكانيات تتيح لهم إلحاق الهزائم بالصليبيين والنيل منهم.
كما أن هذا الانتصار عزز من سمعة ومكانة الأتابك عماد الدين زنكي، وأعلى من شأنه بين أمراء المسلمين، ودعم موقفه في جهاده ضد الصليبيين في بلاد الشام. فهذا الخليفة العباسي يبتهج بهذا الانتصار فيرسل وفداً إلى عماد الدين محملاً بالهدايا الثمينة ويمنحه لقب (الملك الغازي)، تشريفاً له وإيذاناً بإطلاق يده في مواجهة الصليبيين.
ومن جهة أخرى، فقد هزّ تحرير الرها جبهة الفرنج في الصميم، وأثار ذلك قلقاً شديداً لدى البابوية والغرب الأوروبي، وأشعل نيران الحملة الصليبية الثانية التي كانت إنطاكية العنوان الرئيسي لها، نتيجة كونها أصبحت مكشوفة أمام المسلمين، باعتبار أن مدينة الرها المحررة كانت خطها الدفاعي الحصين. وقد عد بعض المؤرخين الأوروبيين تحرير الرها بداية النهاية لمملكة بيت المقدس الصليبية.
بيد أنه لم يكتب للأتابك عماد الدين زنكي مواصلة مشواره الجهادي والتصدي لهذه الحملة، فقد لقي حتفه غيلة في 6 ربيع الآخر 540هـ الموافق 15 سبتمبر 1146م، على يد كبير حراسه، وكان فيما قيل من الباطنية، وذلك أثناء حصاره قلعة «جعبر»، على نهر الفرات، بعد مرور عام وبضعة أشهر على تحريره مدينة الرها.
وبعد استشهاده حاول الصليبيون استعادة الرها من جديد، إلا أن ابنه الملك الصالح نور الدين محمود، الذي خلفه على إمارة حلب، تصدى لهم بكل جسارة، وكان نور الدين هذا من خيرة حكام المسلمين وأصلحهم وأتقاهم، بعد عمر بن عبد العزيز، كما قال ابن كثير وغيره، وكان يفوق والده عزماً وحماسة وهمة للجهاد في سبيل الله، ولطرد الصليبيين الجاثمين في بلاد المسلمين، وكان له شرف التصدي للحملة الصليبية الثانية. وفي عهده تغيّر الموقف تغيّراً حاسماً لصالح المسلمين، وخاب أمل المرجفين الذين راهنوا على انقسام مُلك عماد الدين زنكي وتوقف عجلة الجهاد بعد وفاته.
________________________________________
المصدر: مجلة البيان العدد 327 ذو القعدة 1435هـ، سبتمبر 2014م.

:regards01::regards01::regards01:
 
رد: مقالات تاريخية - متجدد

السلام عليكم

الصقالبة في الأندلس
قصة الإسلام

الصقالبة .. الاشتقاق والمعنى:
يطلق مصطلح الصقالبة (السٌّلاف) على أمة مرجعها أصل واحد، وقد أكثر من ذكرها مؤرخو اليونان والرومان والعرب، ولكن أكثر أقوالهم مبهمة لا تدل دلالة صريحة على أصل مرجعها، وتوزعها فى بلاد أوروبا وآسيا، ومن مؤرخى العرب من جعلها فئة قليلة، ومنهم من توسع فنسب إليها بلادا وأمما لم تكن منها.
وتسمية الصقالبة Slaves أطلقها الجغرافيون العرب على عدد من الشعوب المتحدرة من أصول شتى، كانت تنزل الأراضي المجاورة لبلاد الخزر بين القسطنطينية وأرض البلغار، ومنهم من سكن شمالي القارة الأوربية وعلى ضفاف نهر الفولغا. ومفرد صقالبة: صقلب أو صقلبي أو صقلابي، وكذلك يمكن أن يبدأ الاسم بالسين بدلًا من الصاد، واسم الصقالبة بالإفرنجية سلاف Slaves، ويقال لهم سلافيون أيضًا، وهي مأخوذة من كلمة سلافا باللسان الصقلبي؛ و معناها المجد، أو من كلمة سلوفو؛ ومعناها الكلام، وكانت تلفظ عندهم سكلاف، فعرَّبها العرب إلى "صقلب"، وأصبح هذا اللفظ عندهم يستخدم للرقيق الأبيض على الإجمال، حيث كان النخاسون يحملونهم من شمالي أوربا، و يتاجرون ببيعهم في أنحاء العالم، وكان الاتجار بهم رائجًا.
و كان لفظ الصقالبة يطلق في الأصل على الأسرى الذين تأسرهم الشعوب الجرمانية في حروبها ضد الشعوب الصقلبية، ثم يبيعونهم إلى مسلمي الأندلس، ولكن ما لبث هذا الاسم أن انسحب على أناس من أجناس أخرى حتى شمل جميع الأجانب الذين كانوا يستخدمونهم في الجيش أو لحراسة الحريم أيًا كان أصلهم.
أصل الصقالبة ولغاتهم ودياناتهم:
ويذكر المؤرخ المسعودي أن أصل الصقالبة من ولد مار بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة وبه تلتحق أنسابهم، في حين يذكر النسَّابة ابن الكلبي أن الصقالبة هم أخوة الأرمن واليونان والفرنجة، وأنهم تحدروا من صلب يونان بن يافث، ويذكر ابن خلدون أنهم أخوة الخزر والترك من ولد ريفات بن كومر بن يافث، وجعل المسعودي جنس الترك أحسن الصقالبة.
ومن الممكن أن تُستخلص أقسام الصقابة من أقوال العلماء والمؤرخين في فروع ثلاثة رئيسة:
الأول:
صقالبة الغرب: ويشملون البولنديين، والتشيكيين والسلوفاكيين، وعناصر أخرى صغيرة فى شرقى ألمانيا.
الثاني:
صقالبة الشرق: وهم (الروس الكبار)، والأوكرانيون (الروس الصغار)، والبلورسيون (الروس البيض).
الثالث:
صقالبة الجنوب: ويضمون الصربيين والكرواتيين والسلوفينيين والمقدونيين والبلغاريين.
وينقسم الصقالبة ثقافيًّا إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى ترتبط بالكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، والأخرى بكنيسة الروم الكاثوليكية.
وتنتمي لغاتهم إلى أصل واحد يتفرع عنه فروع كثيرة، وأقدم هذه الفروع اللغة المعروفة بالسلافية الكنسية، وهي اللغة التي تُرجمت إليها الأناجيل في القرن التاسع الميلادي، ولغات الصقالبة بالجملة لغات سهلة التعبير قوية المعاني.
وكانت ديانتهم القديمة وثنية، ولهم معبودان أحدهما المعبود الأبيض أو إله الخير، والآخر المعبود الأسود أو إله الشر. وفي القرن التاسع الميلادي دخل الكثير منهم في المسيحية، وبقي آخرون على وثنيتهم إلى أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، وفيما بعد دخل الكثير منهم في الدين الإسلامي.
الصقالبة في الأندلس:
كانت كلمة "الصقالبة" تطلق في الأندلس على الأسرى والخصيان من الأجناس الصقلبية (السلافية) الحقيقية، وكان لفظ الصقلبي ينسحب في عصر الرحالة ابن حوقل في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي على الرقيق الذين من أصل أجنبي، سواء في ذلك من كانوا من بلاد أوروبا او من أسبانيا ذاتها، وكان أولئك الصقالبة مزيجًا من الجليقيين (النصارى الإسبان) والألمان والفرنسيين واللونبارد والإيطاليين، وكان معظمهم يؤتى بهم أطفالا بواسطة قراصنة البحر، وكانوا ينخرطون في سلك الجندية أو يتخذون لخدمة الحرم في القصور فقد كانوا يخصونهم، وكان لتجار اليهود على خد تعبير المستشرق دوزي معامل للخصى أهمها معمل فردن في فرنسا. وكان الصقالبة يختارون من الجنسين، ويربون منذ الحداثة تربية عربية حسنة، ويلقنون مبادىء الإسلام، وقد نبغ بعضهم في النثر والنظم وصنفوا الكتب والقصائد. وقد سما شأنهم فيما بعد، وتولوا مناصب الرياسة والقيادة.
وكان الصقالبة فى الأندلس لهم دور بارز فى السياسة يتناسب وازدياد عددهم، حتى أنهم كونوا طبقة اجتماعية تشبه إلى حد ما طبقة المماليك الأتراك فى المشرق الإسلامى.
الصقالبة في عهد الحكم بن هشام:
ويعد الأمير الحكم بن هشام الأموي أول من أظهر فخامة الملك بالأندلس، والواقع أنه أول من أنشأ بالأندلس بلاطًا إسلاميًا ملوكيًا بكل معاني الكلمة، ورتب نظمه ورسومه، وأقام له بطانة ملوكية فخمة، فاستكثر من الموالي والحشم، وأنشأ الحرس الخاص، وفي عهده ظهر الصقالبة لأول مرة في البلاط بكثرة، وكان جده عبد الرحمن الداخل أول من وضع سياسة اصطفاء الموالي لاسترابته بالعرب، وتوسع حفيده الحكم في تطبيق هذه السياسة، فاستكثر من الموالي والصقالبة، وعهد إليهم بمعظم شئون القصر والخاص. وبلغ عددهم في عهد الحكم زهاء خمسة آلاف.
الصقالبة في عهد عبد الرحمن الناصر:
ومنذ عهد عبد الرحمن الناصر يشتد نفوذ الصقالبة في شئون الإدارة والحكم، فضلا عن القصر والخاص، ويعهد إليهم بالمناصب الكبرى في القصر والإدارة والجيش. وما لبث أن سما شأنهم وتوطد سلطانهم، وأحرزوا الضياع والأموال الوفيرة، وفاق عددهم في عهد الناصر أى عهد آخر، حتى قدر بعض المؤرخين عددهم يومئذ في القصر والبطانة، 13750، وبلغوا في رواية أخرى 7080، ويقول لنا ابن الخطيب إن عدد الفتيان الصقالبة بمدينة الزهراء كان عند وفاة الناصر 3750، وعدد النساء بالقصر 6750، تجري عليهم جميعًا رواتب الطعام بسائر صنوفه. ولم تكن هذه الزيادة مجرد زيادة في العدد، فقد أسهم الصقالبة في حياة المجتمع عامة وفي الحياة السياسية خاصة، فكانوا يتولون المناصب المرموقة على الرغم من أنهم كانوا من الأرقاء، و قد اغتنى بعضهم و امتلك الضياع الواسعة، وكان لبعضهم العبيد الخاصون بهم، وأسهموا في أمور السياسة بنصيب وافر يتناسب و ازدياد عددهم، وتولوا المناصب الرفيعة في الدولة.
وعلى أي حال فقد كان من أولئك الصقالبة الحرس الخليفي، ورجال الخاص والحشم، وكان الناصر يمد لهم في السلطان والنفوذ، ويرغم أشراف العرب وزعماء القبائل على الخضوع لهم، ليذل بذلك أنوفهم ويسحق هيبتهم. بل كان منهم في عهد الناصر قائد الجيش الأعلى نجدة، ومعظم أكابر القادة والضباط، وكان منهم أفلح صاحب الخيل، ودرِّي صاحب الشرطة، ومنهم ياسر وتمام صاحبا النظر على الخاص. ومما يذكر أن الناصر قد عهد إلى نجدة الصقلبي عام 327هـ / 939م بقيادة الحملة التي سيرها إلى ملك ليون، على الرغم من معارضة رجال قصره.
وكان لهذه السياسة غير بعيد، أسوأ الأثر في انحلال الجيش وفتور قواه المعنوية، لما جاشت به صدور الضباط والجند العرب، من الحفيظة والسخط على هذه السياسة المهينة، وكانت هزيمة الناصر في موقعة الخندق الشهيرة (ألانديجا) سنة 327هـ / 939م، ترجع من وجوه كثيرة إلى هذا الانحلال المعنوي، الذي سرى إلى الجيش من جراء الأحقاد القومية والطائفية.
الصقالبة في عهد الحكم المستنصر:
بلغ الفتيان الصقالبة أيام الحكم المستنصر، ذروة القوة والنفوذ والثراء، مثلما كانوا أيام أبيه الناصر. ويكفي أن نذكر هنا دليلا على ضخامة ثراء هؤلاء القوم، أن أحدهم وهو الفتى الكبير درّي الخازن، قام بإهداء مولاه الخليفة الحكم، منيته الغراء بوادي الرمان من ضواحي قرطبة، وكان قد أنشأها مغني ومتنزهًا، وأفاض عليها أروع صنوف البذخ والبهاء، وجعلها برياضها ومنشآتها جنة حقة. وقد قبل الحكم هدية فتاه، وقام بزيارة هذه المنية مع ولي عهده هشام وحاشيته، وأنفق فيها يوم استجمام ومسرة. وقد أجمع الخليفة ومرافقوه على أنهم "لم يشاهدوا في المتنزهات السلطانية أكمل ولا أعذب ولا أعم من صنيع درّي هذا".
الصقالبة في عهد هشام المؤيد:
لم يكن الدور الذي مارسه الصقالبة في عهد الحكم الثاني المستنصر يقل شأنًا عن الدور الذي سمح به عبد الرحمن الناصر، حتى إن الصقالبة أحسوا عند وفاته بأنهم سادة الموقف، إذ كان عددهم ضخمًا في بلاط أمراء قرطبة وجيوشهم، وكان في قرطبة فرقة من الحرس الصقالبة رهن مشيئة رجلين صقلبيين من أكابر أعيان الدولة، وهما فائق النظامي صاحب البرد والطرز، وجؤذر صاحب الصاغة، حتى إنهم حاولوا إخفاء نبأ وفاة المستنصر للحول دون اختيار وريث للعرش خارج عن رغبتهم، ودبروا مؤامرة لتنحية هشام المؤيد وتولية الأمير المغيرة بن عبد الرحمن الناصر أخي الحكم المستنصر. ومع كشف أول خيوط هذه المؤامرة بدأ الحاجب جعفر المصحفي يتحوط من غدرهم، فوضع زعمائهم تحت المراقبة الشديدة وسرح أعدادًا كبيرة من الخدمة وألحقهم بخدمة محمد بن أبي عامر، وأمر الباقين بالدخول والخروج من القصر من باب عامة الناس، بعد أن أغلق الباب المخصص لدخول الصقالبة وخروجهم. وتمت تصفية بعض العناصر الخطرة، ونفي آخرون إلى مناطق خارج العاصمة قرطبة.
الصقالبة في الدولة العامرية:
كان أول خطوة من خطوات المنصور بن أبي عامر باتجاه السيطرة على السلطة هو القضاء على الصقالبة، فهو الذي أغرى المصحفي بنكبتهم، إلا أنه قام باستمالتهم مرة أخرى واتخذ له حرسًا خاصمًا من الصقالبة والبربر. وكان عبد الملك المظفر جريًا على سنة أبيه المنصور، قد مضى في الاستظهار بالفتيان الصقالبة والبربر، وبلغ الفتيان في عهده نحو ألفي غلام. وفي عهده سما شأن الفتيان الصقالبة، وغلبوا على من عداهم من الكبراء وأصحاب المناصب، ولاسيما زعيمهم طرفة، خادم عبد الملك الأكبر. ومرض عبد الملك في أوائل سنة 396هـ، واستبد طرفة بالأمر، وأمضى كثيرًا من الأمور دون علم الحاجب أو موافقته، وانتهى الأمر بأن تغلب طرفة على الوزير، وحل محله في تدبير الأمور، واجتمعت السلطة في يده شيئًا فشيئًا، حتى غدا كل شىء في القصر وفي الدولة، فلما عوفي الحاجب من مرضه، كانت نفسه قد تغيرت على طرفة، ولما خرج إلى الغزو في شهر رمضان 396هـ وعاد منتصرا وما كاد يدخل طرفة إلى عبد الملك في قصره، حتى قُبض عليه، وصُفد بالأغلال، وحمل إلى إحدى جزر الشاطىء، واعتقل، ثم أمر بقتله.
مؤامرات الصقالبة في قرطبة:
على أن الصقالبة كانوا شؤما على الخلافة الأموية القرطبية كما كان البربر، فقد خاضوا غمار الفتن، وكان لهم يد في جميع المؤامرات التي دبرت في قرطبة وفي سائر بقاع الأندلس، ينضمون حينًا إلى الجانب الفائز وحينًا إلى الجانب الخاسر. و قد عرفوا بروح الإقدام و الطمع و الاستبداد، ومنهم الخصي خيران الذي كان في مستهل القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي زعيمًا لحزب الصقالبة في عاصمة البلاد.
وكانوا يبلغون أقصى قوتهم إذا كان الحاكم شديد الضعف، كما هي الحال إزاء هشام الثاني، فقد تطلع أحد الصقالبة في عهده و اسمه واضح الصقلبي إلى حكم البلاد، ولكنه لم يكن يمتلك الكفاءة والأهلية و المقدرة اللازمة لذلك.
وحينما انهارت الخلافة الأموية في الأندلس فر الصقالبة إلي شرق الأندلس، حيث قامت الدويلات الصقلبية، ومن أبرز الحكام الصقالبة: مجاهد العامري الذي تولي حكم ولاية دانية، والذى استطاع بقوة أسطوله أن يضم جزر البليار إلى ملكه فى 405هـ / 014 1م ومن ثم اتخذها قاعدة انطلق منها أسطوله لغزو جزر البحر المتوسط، ومنهم لبيب الصقلبي الذي حكم ولاية طرطوشة، وحكم بلنسية الفتيان مبارك ومظفر، وحكم المرية الفتيان خيران وزهير.
تأثر الصقالبة بالحضارة الإسلامية:
لاشك أن هؤلاء الصقالبة قد تركوا أثرا حضاريا فى الأندلس لا يمكن إغفاله، فهم وإن كانوا قد فقدوا كل صلة ببلادهم الأصلية، واعتنقوا الإسلام، وأتقنوا اللغة العربية، فإنهم برغم ذلك قد جلبوا معهم بعض العادات الاجتماعية، والتقاليد الثقافية، والفنون الشعبية، والمفردات اللغوية التى تعلموها فى صغرهم.
والظاهر أن الصقالبة لم يذوبوا في المجتمع الأندلسي، بل كان لهم كيانهم الخاص، الذي جعل فريقا منهم يتعلقون بالشعوبية ويدعون لها، ويمثلهم في تلك النزعة ابن غرسية الذي نشأ في ظل دولة مجاهد العامري بدانية، حيث كتب رسالته الشهيرة في تفضيل العجم على العرب. ويرى المستشرق الأسباني خليان ربيرا أن الصقالبة يمثلون العنصر الأوروبي في المجتمع الأندلسي، ومن طريقهم انتقلت بعض الصور الشعرية التي شاعت في الأندلس إلى البيئات الاوروبية وأثرت فيها .
ولاشك أن هؤلاء الصقالبة قد لعبوا دورا سياسيا وثقافيا فى تاريخ إسبانيا الإسلامية، وتأثروا بالحضارة العربية الإسلامية في الأندلس بفضل اتصالهم بها، و تثقف الكثير منهم، فكان منهم علماء ومفكرون وشعراء. وقد كان بعض الفتيان الصقالبة من بطانة المنصور، يأخذ بقسط حسن من الشعر والأدب، ويغشى مجالس المنصورالأدبية ويشترك في المطارحات الشعرية، وكان من أشهرهم الفتى فاتن، الذي كان من أبرع العارفين منهم باللغة والأدب وأوحد لا نظير له في علم كلام العرب. وقد كان للفتيان الصقالبة في الواقع تراث من الشعر والأدب، واشتهروا بذلك أيام المنصور خاصة، وفي رواية أن أحدهم وهو "حبيب الصقلبي" صنف كتابًا أشاد فيه بفضائل أدباء الصقالبة من الأندلس، ودرس فيه أشعارهم و رحلاتهم ونوادرهم، وكان عنوان الكتاب: "كتاب الاستظهار و المغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة".
________________________________________
المصادر والمراجع:
- محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: جـ 1، 2، 5/ الرابعة، 1417هـ - 1997م، جـ3، 4/ الثانية، 1411هـ - 1990م.
- عزة الصاوي: الصقالبة في الحضارة الإسلامية، موقع الفن الإسلامي.
- إبراهيم زعرور: الصقالبة، الموسوعة العربية العالمية.
 
لإعلاناتكم وإشهاراتكم عبر صفحات منتدى اللمة الجزائرية، ولمزيد من التفاصيل ... تواصلوا معنا
العودة
Top